موقع خريستو المرّ
  • خريستو المر
  • محاضرات
  • مقالات في «الأخبار»
  • المقالة الأسبوعيّة
  • الإيمان والحياة اليوميّة
  • فلسطين
  • التزام شؤون الإنسان
  • الإيمان والثقافة
  • كلمات
  • خريستو المرّ
  • مواقع صديقة
  • المقالة الأسبوعيّة

النخبة اللبنانيّة حين تفكّر من داخل عالم المستعمِر[1]

6/10/2026

 
خريستو المرّ الثلاثاء ١٠ حزيران / يونيو ٢٠٢٦
 
في مقالتها المعنونة «حكّام لبنان سلّموا البلد لإسرائيل: هذا ليس وقفاً لإطلاق النار» على موقع «ميدل أيست أي»[*]، تذهب الدكتورة أمل سعد أبعد من نقد الاتفاقات أو الترتيبات المطروحة بين لبنان وإسرائيل. فإلى جانب نقدها لحسابات النخبة اللبنانية وقراءتها لميزان القوى، طرحت فكرة أساس ألا وهي أنّ هناك من النخبة اللبنانية من لم يعد يتعامل مع الولايات المتحدة و«إسرائيل» كقوى سياسيّة لها مصالح وخطابات يمكن رفضها أو تحدّيها، بل أصبح يفهم الواقع من خلال المفاهيم والتصنيفات التي تنتجها هذه القوى نفسها. ولكن ماذا يعني أن تبدأ هذه النخبة بالتفكير من داخل عالم المفاهيم نفسه الذي تنتجه الولايات المتحدة و«إسرائيل»؟ من هنا تأتي أهمية إعادة قراءة هذا الواقع من زاوية فرانز فانون.
كان فانون مهتماً باللحظة التي لا يعود فيها الاستعمار محتاجاً إلى أن يفرض نفسه من الخارج فقط، لأنه يكون قد نجح عندها في إنتاج وعي محلّي يرى العالم كما يراه الاستعمار. في تلك اللحظة، لا يشعر المستعمَر بأنه يتكلم بلغة المستعمِر، بل يعتقد أنه يتكلم لغة العقل والواقعية والمسؤولية. وهذا ما يجعل الظاهرة أكثر خطورة من حالة الخضوع السياسي المباشر لاحتلال عسكريّ.
من هذه الزاوية، يمكن فهم الخطاب الرسميّ اللبناني الذي يقدّم الخضوع لشروط القوّة بوصفه تعقّلاً، ويرسم المقاومة بوصفها مغامرة أو انتحاراً. المشكلة هنا ليست أن النخبة تختار مساراً مختلفاً من أجل تحرير الأرض، فهذا أمر مشروع في أيّ نقاش وطنيّ. المشكلة أن هذا المسار يُقدَّم باعتباره الخيار العقلانيّ الوحيد، بينما تُنزَع عن المقاومة، أيّة مقاومة، مهما كان شكلها، صفة العقلانيّة نفسها. هنا لا يجري نقاش بين استراتيجيّات، بل يجري ترسيم حدود ما يُسمح بأن يُفكَّر فيه. وعندها، يصبح التفكير في المقاومة العسكرية نفسها خارج حدود الممكن والمشروع، وهو المنطق الذي دفع الحكومة إلى إعطاء أوامر للجيش اللبناني بالامتناع عن مقاومة العدوّ، أي بالامتناع عن ممارسة مهمّته الأساس. وهو منطق يفضي عملياً إلى حصر دور الجيش اللبناني في إدارة الداخل، أكثر منه مقاومة العدوان الخارجي.
هذا نقرأه بوصفه أثراً عميقاً للاستعمار في بنية الوعي. فالاستعمار لا يكتفي بالسيطرة على الأرض أو الحدود، بل يسعى إلى السيطرة على معنى المفاهيم. من يعرّف معنى السيادة؟ من يعرّف معنى الأمن؟ من يقرّر ما هو العنف المشروع وما هو العنف غير المشروع؟ حين تصبح الإجابة مستمدّة من منظور القوّة المهيمنة، يصبح الاحتلال تفصيلاً غير ذات أهمّية في الخطاب، وتصبح مقاومته هي المشكلة. وهو بالضبط ما نراه في لبنان حاليّا.
تلفت سعد إلى أن الخطاب الرسمي اللبناني يكاد يجعل الأمن الإسرائيلي شرطاً للاستقرار اللبناني. من زاوية فانون، نرى في ذلك مثالاً على انقلاب العلاقة بين المعتدي والمعتدى عليه. فبدلاً من أن تُقاس السياسة بمدى قدرتها على حماية المجتمع الواقع تحت التهديد، تُقاس بمدى قدرتها على طمأنة القوّة التي تمارس التهديد. عندها لا تعود الدولة تفكر من موقع شعبها، بل من موقع مَن يملك القدرة على معاقبة هذا الشعب. معاقبته على ماذا؟ على مقاومته للاحتلال.
الأخطر أن هذه النخبة السياسيّة والثقافيّة لا ترى في ذلك تناقضاً مع الوطنيّة. فهي قد تتحدث باسم الدولة والسيادة والمؤسسات، لكنها تعيد تعريف هذه الكلمات بحيث تنسجم مع شروط الهيمنة، هيمنة الاستعمار. وعندها تُختَصَرُ السيادة باحتكار داخليّ للسلاح، لا بحماية الأرض والشعب من العدوان. ويصبح الاستقرار يكمن في قدرة الدولة على ضبط مجتمعها، لا في قدرة المجتمع على التحرّر من التهديد الخارجي. هذه، في لغة فانون، لحظة النخبة الوطنية التي تتكلم باسم الوطن بينما تُفرّغ الوطن من شروط حرّيته.
تكمن أهمّية مقالة سعد في كشفها للطبقة الأعمق من الأزمة: أزمة الخيال السياسيّ لدى جزء من النخبة اللبنانية، أو ما تسمّيه «رؤيتها الانهزاميّة للعالم». وهذا صحيح، فهذه النخبة لا تعجز فقط عن مقاومة ميزان القوى، بل تعجز عن تخيّل إمكان تغييره. ونتابع هنا لنقول إنّ فانون يصبح ضرورياً لنفهم أسباب هذه الرؤية الانهزاميّة؛ فهو يذكّرنا بأن الهزيمة الأخطر ليست تلك التي تقع في الميدان، بل تلك التي تجعل المهزوم يتبنى تعريف المستعمِر للعقل والممكن والسيادة، فيحسب انهزاميّته واقعيّة، وتنازله عن حقوقه حِكمة، وتخلّيه عن القدرة نجاة. ومن هنا يمكن القول إن جزءًا واسعًا من النخبة السياسيّة والثقافيّة اللبنانيّة بات يفكر من زاوية المستعمِر، أي إنّ وعيه نفسه بات مستعمَرا، سواء أدرك ذلك أم لم يدركه.


[1]
https://www.al-akhbar.com/NewspaperArticles/topics-opinions/895247/


 [*] Amal Saad, Lebanon’s rulers have surrendered the country to Israel - this is no ceasefire, Middle East Eye, June 4, 2026.
https://www.middleeasteye.net/opinion/lebanon-rulers-surrendered-country-israel-this-is-no-ceasefire

فرانز فانون وتفكيك استعمار العقول

6/2/2026

 
خريستو المر - الثلاثاء 2 حزيران 2026 (الأخبار)

إنّ إعادة قراءة نتاج المفكّر والطبيب النفسي المارتينيكي فرانز فانون، الذي التحق بعد ممارسته الطبّ النفسيّ في مستشفيات الاحتلال الفرنسيّ في الجزائر بالثورة الجزائريّة، مفيدة لنا اليوم. لقد لاحظ فانون أنّ الاستعمار لا يكتفي بالقوّة العسكريّة لاحتلال أرض وفرض سلطة وقوانين استعماريّة. فمنطقيّاً، ما من شعب، أو فرد، سيقبل للأبد بأن يُحكم ويُسرق ويُقمَعَ، لذلك يحتاج المستعمِر إمّا إلى إبادة الشعوب المستعمَرة وهو أمر مكلف جدّاً وغير ممكن مادّياً، وإمّا إلى نزع قدرة الشعوب المُستَعمَرَة على مقاومة الاستعمار، ما يوفّر على المستعمِر خوض الحروب وتكاليف الاستعمار.

لذلك يسعى المستعمِر إلى ابتكار وسائل لاحتلال الإنسان من الداخل، من خلال السيطرة على وعيه، ولغته، وذاكرته، وإحساسه بقيمته، وحتّى تشكيل صورته عن نفسه. وسائل سيطرة المستعمِر على وعي المستعمَر متعدّدة وتشمل تشويه صورة المستعمَر لذاته، تمجيد المستعمِر، فرض لغة المستعمِر كلغة «أرقى»، والتحكّم بالتعليم وكتابة التاريخ، كما وصناعة نُخَب تابعة للمستعمِر تمجّده، وبالتأكيد زرع الدونية والخوف من المستعمِر بتصويره لا يُهزَم (من يراجع تاريخنا يرى أنّ الاستعمار الصهيونيّ استعمل ويستعمل الوسائل نفسها).

يفكّك فانون الخطاب الاستعماريّ، باعتباره بنية ثقافيّة تُثبِّت الهيمنة العسكريّة وتحميها بأن تنزع من المستعمَر قدرته على المقاومة، بل فكرة المقاومة نفسها. هذه البنية الثقافيّة تحتلّ الوعي وتتسرّب إلى نفسيّة المستعمَر لتعيد إنتاج الهيمنة حتى بعد رحيل المستعمِر. من هنا فإنّنا يجب أن نقرأ كثرة المدارس الأجنبيّة في لبنان منذ القرن التاسع عشر من زاوية تثبيت هيمنة ثقافية للمستعمِرين الأوروبيّين، وليس فقط من زاوية تطوّع البعثات الدينيّة الأجنبيّة للعلم، أو من زاوية النفع العلميّ الذي أدّت إليه.
في كتابه الشهير «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء»، يشرح فانون كيف يدفع المستعمِر الأوروبيّ الأبيض، الإنسانَ المستعمَر الأسمر أو الأسود البشرة عادة، إلى ارتداء قناع أبيض، أي إلى التشبّه بالمستعمِر في لغته وسلوكه وأسلوب عيشه وطريقة تفكيره. طبعاً، الإنسان سيبقى يظنّ أنّه يفعل ذلك بحرّية، لكنّ الواقع أنّ هذا التشبّه هو وليد النظام الاستعماريّ الذي يزرع في الإنسان المستعمَر شعوراً بأن ثقافته الأصليّة، ولغته الأمّ، وتاريخه، هي علامات نقص أو «تخلّف»، وأن الاقتراب من ثقافة المستعمِر والتشبّه به هو السبيل الوحيد الحقيقيّ إلى الاعتراف الاجتماعي به من المستعمِر ومن المستعمَرين الآخرين الراضخين، وإلى الاعتراف به كإنسان مساوٍ في الكرامة.
وهذا نتيجة منطقيّة لنظام استعماريّ يقول بكلّ وسائله إنّ حياة المستعمَرين لا تساوي حياة المستعمِرين. نتذكّر جميعاً كيف عمّت وسائل التواصل الاجتماعيّ بصرخات اللبنانيّات واللبنانيّين: «أنا شارلي»، لمقتل رسّامين كاريكاتوريّين في جريدة «شارلي إيبدو» الفرنسيّة، بينما لم نرَ الهتافات نفسها من الأشخاص أنفسهم عند إبادة شعب بأكمله عبر قتل الاستعمار الصهيونيّ المنهجيّ لعشرات الآلاف من الفلسطينيّين في غزّة، إذ حتّى اليوم لم نرَ أحداً منهم يصرخ على وسائل التواصل: أنا فلسطيني، بل حتّى لم نلاحظ موجة شبيهة تقول: «أنا لبنانيّ» عند إبادة قرى كاملة في جنوب لبنان، ومع اختبار القتل المنهجيّ للمدنيّين والطواقم الصحّية، ولا حتّى في الأربعاء الإجراميّ عندما شنّت القوى الاستعماريّة الصهيونيّة مئات الغارات في دقائق معدودة لتقتل أكثر من 350 مدنيّاً، وتجرح أكثر من ألف.

كلّ مَن تعاطف مع رسّامي الكاريكاتور في «شارلي إيبدو» ولم يتعاطف بالطريقة نفسها مع أهل غزّة ولبنان هو مُستعمَر داخليّاً حتّى النخاع، فحياة عشرات الآلاف من مواطنيه وبني منطقته لا تساوي عنده قيمة بضعة فرنسيّين. عندما يتمّ ارتداء القناع الأبيض شعوراً بدونيّة وطمعاً بقبول المستعمِر به، لا يعود الاستعمار بحاجة إلى السلاح، لأنه يكون قد نجح في جعل المستعمَر يرى نفسه بعين من أراد إخضاعه؛ ولا يغدو جلّ مسعى المستعمَر إلّا أن يقبل المستعمِر به، وكلّ تصرّفاته تقول: أنا لست منهم أنا منكم. أفعل ما تريد منّي، فقط اقبلني منك، اجعل قيمة لي في عينيك فلا قيمة خارجك.

من هنا الاستماتة في بلادنا على التكلّم باللغات الأجنبيّة والإحجام عن العربيّة. تحتلّ اللغة مكانة مركزية في تحليل فانون. فاللغة ليست مجرد وسيلة تواصل بريئة، بل حاملة لعالم كامل من القيم والرموز وعلاقات القوة. حين تتحوّل لغة المستعمِر إلى المعيار الوحيد للعلم والرقي والنجاح، تُهمّش اللغات المحلية وتُربط بالدونيّة. لا يعني ذلك رفض تعلم اللغات الأجنبية أو الانغلاق على الذات، بل رفض العلاقة غير المتكافئة التي تجعل لغةً وثقافةً بعينهما مقياساً أعلى للإنسانية. ولعل هذا ما يفسّر استمرار آثار الاستعمار في مجتمعات كثيرة نالت استقلالها السياسي، لكنها ما زالت تُعلي من شأن كل ما هو أجنبي وتزدري بكلّ ما هو محلّي.

معايير الوجاهة الاجتماعية في لبنان كانت الفرنسيّة، واليوم هي الإنكليزيّة، بحيث إنّه لا تكاد تخلو جملة في الحياة اليوميّة من كلمة إنكليزيّة. إنّ الانزياح الشعبيّ من الفرنسيّة إلى الإنكليزيّة في لبنان (ودول المنطقة) أبرز دليل على أنّ الموضوع يتعلّق بالهيمنة، فمع اختلاف الجهة المهيمنة، اختلفت اللغة المرغوبة. كما أنّه علينا أن نقرأ تحريم التكلّم باللغة العربيّة في بعض مدارس الإرساليّات من الزاوية نفسها، فرض هيمنة لغة على أخرى، وتشكيل نفسيّ لرؤية اللغة الأصليّة أدنى. هل يستأهل تعلّم لغة أجنبيّة كلّ هذا الاغتراب عن الذات؟

في «معذبو الأرض»، ذهب فانون أبعد من ذلك مفكّكاً الثنائيات التي بنى عليها الخطاب الاستعماريّ شرعيته: الأبيض والأسود، المتحضّر والمتوحّش، العقل في المستعمِر والغريزة والعنف (أو حتّى العاطفة برأيي) في المستعمَر، الغرب وبقية العالم. هذه الثنائيات وهميّة، فالجهة التي تقمع وتبيد تصف نفسها بالتحضّر، ثمّ تقنع الجهة المقموعة والمُبادة بأنّها غير متحضّرة! ما هذه الثنائيّات إلّا أدوات لتبرير السيطرة والعنف، إذ تجعل الاستعمار يبدو وكأنّه في مهمّة حضارية ليخطّ طريقاً نحو الأفضل للجميع، كما أنّها تجعل مقاومة المستعمَر تبدو وكأنها فوضى أو همجيّة أو عنف مجانيّ غير عقلانيّ، أو حتّى عمالة لبلد أجنبيّ كما يقول اليوم لأبطالنا في الجنوب أولئك الذين استبطنوا الاستعمار في عقولهم ونفوسهم حتّى النخاع.

من هنا فإنّ الاستعمار الذي تأسّس أصلاً على ممارسة العنف على الأرض والجسد والذاكرة، والذي يستمرّ بهذا العنف، يروّج بأنّ العنف ضدّه حول عنف انتقاميّ، غير عقلانيّ، أو أسخف من ذلك هو عنف تدميريّ ودعوة إلى الفوضى، أو أسخف أيضا هو عنفٌ عميل (اللبنانيّون المستعمَرون في عقولهم مبدعون حتّى في ابتكار الأسخف). الهدف، بالطبع، هو أن ينزع المستعمِر أيّ صفة شرعيّة عن مقاومة المستعمَر لبطشه، وكلّ قدرة.

لكن بصيرة فانون لم تتوقف عند لحظة رحيل الجيوش الأجنبية. فقد حذّر باكراً، وهو بهذا سبّاق، من أن تتحوّل النخب الوطنية بعد الاستقلال إلى نسخة محلّية من المستعمِر القديم. قد ترفع هذه النخب شعارات التحرّر والوطنيّة، لكنّها تعيد إنتاج آليات القمع والامتيازات والتبعيّة نفسها. عندها يختصر الاستقلال بعلم يُرفع ونشيد يُعزف، دون أن يمتدّ ليتجسّد تغييراً عميقاً في بنية المجتمع أو في علاقة الإنسان بذاته وتاريخه.

لا يكون التحرّر بجلاء عسكريّ فقط، أو باستبدال نخبة بأخرى. علّمنا فانون، ذاك الطبيب النفسيّ الآتي من جزر المارتينيك والمنخرط في جبهة التحرير الوطنيّ الجزائريّة، أنّ التحرّر الحقيقي يبدأ حين يستعيد الإنسان وعيه بحقّه في تعريف ذاته، وكتابة تاريخه، والتفكير بلغته، فيتحرّر من عقدة الدونيّة. استعمار الأرض قد ينتهي باتفاق سياسيّ، أمّا استعمار العقول فلا ينتهي إلا حين يكفّ الإنسان عن رؤية نفسه بعيني من أراد إخضاعه. التحرّر، عمل دائم ومتعدّد المستويات.

تماسك المجتمع: جبهة المقاومة المهملة

5/19/2026

 
خريستو المر، الثلاثاء 19 أيار 2026 (الأخبار)

لبنان اليوم أمام خطر عسكريّ هائل، يواجهه المقاومون ببسالة وعِلم وإعداد كبير، واستكمال هذه المقاومة العسكريّة يكمن في مواجهة خطر التفكّك الداخلي. فالمشاريع الاستعماريّة، ومنها الصهيونيّة، اعتمدت عبر التاريخ على أمرين: القوة العسكرية المباشرة، وتفكيك المجتمعات من الداخل إلى فئات تثبّتها في الأذهان كهويّات أبديّة، دافعة إيّاها للتصارع.

في لبنان، هذا أمر بدأته فرنسا بإرساء نظام طوائفيّ، هي التي تتمسّك بعلمنة متطرّفة حتّى اليوم، وهو أمرٌ يتابعه اليوم كلّ عدوّ للبلاد وعلى رأسهم العدوّ الصهيونيّ. إنّ حكم لبنان على أسس هويّاتية-طائفية يجعله عاجزاً عن بناء مشروع وطني جامع، وبالتالي يُبقيه بشكل دائم تحت تهديد التفكّك، ويُضعِفه.

المقاومة العسكريّة، على ضرورتها حاليّاً لغياب البديل، لا يمكنها مواجهة التفكّك، بحكم كونها منحصرة بهويّة طائفيّة. كلّ كلام عن نزع سلاح المقاومة اليوم يُضعِف المجتمع أكثر، ولكن، في المقابل، كلّ كلام عن متابعة الحياة السياسيّة في لبنان كما هي وكما كانت، يعني الاستمرار بمشروع تفكّك مجتمع بهويّات تقسّمه، واستمرار تبديد المجتمع بالهجرة، على حساب إمساك القائمين الحاليّين بالسلطة.

منذ نشأة «إسرائيل»، لم يكن الصراع معها مقتصراً على احتلال الأرض أو الاعتداء العسكري، بل شمل أيضاً محاولة مستمرّة لإضعاف المجتمعات المحيطة بها.
فالدولة الصهيونيّة، التي تقوم على تعريف مُغلق استعلائيّ إباديّ إحلاليّ، تجد مصلحتها في وجود كيانات ممزّقة ومتناحرة حولها، لأن المجتمعات المتماسكة، وتلك المتماسكة بتعدّدها، تشكّل نقيضاً مباشراً لوجودها. ولهذا، لم يكن عبثياً أن يرتبط تاريخ لبنان الحديث بالحروب الأهليّة، والتدخّلات الخارجية، وتعميق الانقسامات الطائفية والمناطقيّة، وأصابع الدولة الصهيونيّة واضحة في أكثر من مكان خلال الحرب الأهليّة. وهذا يندرج ضمن فكرة دفع المجتمعات العربية نحو التناحر الطائفي والمذهبي، وهو جزء من رؤية سياسيّة استعماريّة قديمة تقوم على تفكيك المنطقة إلى جماعات متصارعة يسهل التحكّم بها وإضعافها.

لذلك، فإنّ أي انجرار إلى خطاب الكراهية والتحريض الطائفي بين اللبنانيين أو العرب لا يخدم سوى مشاريع التفكيك والهيمنة، مهما كانت الاستفزازات، وهي كثيرة الحقارة اليوم. المطلوب وعي خطورة تحويل الخلافات السياسية إلى عداوات أهليّة طويلة الأمد تستنزف المجتمع وتدمّر إمكان قيامه. هذه ليست دعوة إلى نكران الاختلاف والتنوّع في المجتمع، فالاختلاف طبيعي وضروريّ إن كان يدور حول خيارات المجتمع كمجتمع لا كطوائف. المشكلة في الاختلافات تبدأ عندما يتحوّل الخطاب العام في السياسة، من نقاش سياسيّ حول خيارات ومصالح المجتمع، إلى تعبئة فئة ضدّ فئة أو طائفة أو منطقة، إذ يصبح المجتمع نفسه ساحة للتفكيك، وتصبح كل أزمة فرصة إضافية لتعميق الشرخ بدل البحث عن أرضية مشتركة.

إنّ نتيجة دولة الطوائف واضحة: دولة ضعيفة تخدم الخارج، واقتصاد متهاوٍ، ومجتمع يهجّر أولاده إلى الخارج، بينما أفراده يعيشون تحت رحمة قبضة من الزعماء أسرى الخوف من هويّة الآخر (المتخيّلة) وفي غياب حماية الدولة. التحدّي الأساس اليوم، من أجل مستقبل المجتمع، يكمن في إعادة رسم خطّ التماس الحقيقيّ: هل نحن مع تماسك المجتمع أم مع تفكّكه؟ هل نحن مع دولة المواطنين والمواطنات أم مع استمرار النظام الطائفيّ، تركة الاستعمار التي تعيد إنتاج الانقسام وتمنع قيام أي مشروع وطنيّ جامع، وتخدم العدوّ، وتُضعِف القدرة على المقاومة حتّى ولو أردنا أن نقاوم.

إنّ مواجهة الهيمنة الخارجيّة بجدّية كاملة، تعني مواجهة البنى الداخلية التي تُعيد إنتاج الضعف، وستصل بنا، عاجلاً أم آجلاً، إلى الاضمحلال. تماسك المجتمع لا يعني إلغاء التعدّد أو فرض رأي واحد، بل بناء مساحة مشتركة عابرة للطوائف والهويّات، مساحة مصالح مشتركة، من أمن مشترك، وحقّ طبابة مجّانيّة مشترك، وحقّ تعليم عام مشترك، ونقل مشترك، واقتصاد متماسك مشترك، وغير ذلك من الأمور التي تجمع جميع الناس على هذه الأرض، كعيال لله متساوين، وتحمي البلاد. ما البلاد إلّا مساحة حياة عيال الله المشتركة على أرض يحبّونها؟

إنّ مقاومة العدوّ، والظلم، والهيمنة، لا تكون بالقدرة العسكريّة فقط، بل بإنتاج نظام يحمي تماسك المجتمع، وإلّا فإنّه يُخشى أنّ التفكّك الذي يبدّد المجتمع حاليّاً، سيُتابِع إضعاف بيئة المواجهة العسكريّة، حتّى يبدّد قدرتها يوماً.

الهيمنة ومسؤوليّة الانحياز

5/12/2026

 
خريستو المر - الثلاثاء 12 أيار 2026 (الأخبار)


يكشف التاريخ أنّ الاستعمار شكّل نظاماً عالمياً مستداماً تأسّس على العنف الممنهج، ونهب الموارد، وإخضاع الشعوب لخدمة مراكز القوّة. فمن الكونغو التي شهدت إبادة الملايين تحت الحكم البلجيكي، إلى الجزائر التي فقدت حوالي ثلث سكانها في بدايات الاستعمار الفرنسي، مروراً باستنزاف ثروات الهند ومحو السكان الأصليين في الأميركيتين، تكرّر النمط ذاته: السيطرة على الأرض، واستغلال الإنسان، وتحويل شعوب كاملة إلى أدوات ضمن آلة الربح الإمبراطوريّة. ولكي يتسنّى للمستعمر هذا كلّه لا بدّ له أن يقرّر مسبقاً أن يخطّ له خطّاً عنصريّاً استعلائيّاً، يعتبر حياة المستَعمَرين لا قيمة لها ويمكن إمّا قتلها أو تحويلها إلى شيء. تُمثّل هذه الوقائع بنية حيّة تواصل التحكّم بالعالم بأشكال مختلفة، لتتجسّد اليوم بوضوح صارخ في فلسطين ولبنان.
ما نشهده في لبنان، يتجاوز كونه مواجهة عسكرية معزولة، فهو في الحقيقة استمرار لمنطق صهيونيّ استعماريّ قائم على التوسّع، والإحلال، والإبادة. والمنطق الصهيونيّ هو استمرار للمنطق الاستعماريّ القديم. ومن هنا، ترتبط الحرب على لبنان عضويّاً بالاحتلال الصهيونيّ المستمرّ لفلسطين؛ فمنذ عام 1948، تداخل المساران عبر الاحتلال المباشر لقرى لبنانيّة، ومجازر موثّقة بحق المدنيين اللبنانيين، ومشاريع السيطرة التي لم تتوقّف. واليوم، حين يتحدّث سفّاحون في حكومة الاحتلال علناً عن فرض السيطرة على أجزاء من جنوب لبنان، فإن ذلك يأتي امتداداً لمنطق استعماريّ لا يمكن التعايش معه إلّا إذا تخيّل الإنسان أنّ التعايش ممكن بين الجلّاد والضحيّة.
إلى جانب القوّة العسكرية، تعتمد المشاريع الاستعماريّة منهجية تفكيك المجتمعات من الداخل لإضعاف قدرتها على المقاومة. وفي لبنان، جاء تكريس النظام الطائفي خلال الانتداب الفرنسي كأداة سياسية لتأسيس الانقسام ومنع تشكل مشروع وطنيّ موحّد، في مفارقة واضحة مع تبنّي القوى الاستعمارية هذه لخطاب العلمانيّة في بلادها. ولذلك، تتطلّب مواجهة الهيمنة الخارجية بالضرورة تفكيك البنى الداخلية التي تُعيد إنتاج الضعف والتشتت، وفي الحال اللبنانيّة هذا يعني حُكماً تفكيك النظام الطائفيّ وإرساء دولة تعامل الناس كمواطنين ومواطنات، كما يختبر اللبنانيّون واللبنانيّات في بلاد المهجر في أوروبا والأميركيّتين ومعظم شرق آسيا.
لا نتوقّع من القوى الاستعماريّة مساعدتنا في ذلك، بل من مصلحتها استمرار النظام الطائفيّ؛ والواقع أنّ كل قبول للنظام هو عمل يصبّ في مصلحة أعداء البلاد. ولا بدّ من التعريج على «المعايير المزدوجة» التي نراها في السياسة الدوليّة؛ هذه الازدواجيّة ما هي إلّا تعبير عن عنصريّة بنيويّة عميقة في أنظمة الاستعمار القديمة، هذه العنصريّة مستمرّة وتحدّد بالنسبة إلى تلك الحكومات أيّ شعوب تستحق الحقوق وأيّها تُحرم منها. لذلك يُوصم حقّ المقاومة بـ«الإرهاب» عندما يمارسه المستضعفون الذين يحدث أن يكونوا ضمن الشعوب التي يريدون نهبها، بينما يُشرعن عنف الدول القوية بوصفه دفاعاً عن النفس. وهذه القوى الاستعماريّة تُسقِط صفة الشرعيّة عن أي فعل مُقاوِم بغض النظر عن هويّته الأيديولوجية؛ واستمرار سجن المناضل جورج عبد الله في فرنسا في تجاوز لكل معايير العدالة، رغم خلفيته الشيوعية، يُثبت أن المستعمر يُجرّم فعل المقاومة ذاته، لا هويّته الأيديولوجيّة، كونه يهدد آليات سيطرته.
بالإضافة إلى تفكيك المجتمع وتجريم فعل المقاومة واستعمال القوّة العسكريّة، لفرض هيمنتها، تتّخذ من الاقتصاد سلاحاً فتاكاً. لقد أصبحت العقوبات الأحادية، والحصار، والتحكم بالموارد، أدوات مركزية للإخضاع؛ وحين يُحرَم شعب من الغذاء أو الدواء وتتسبب هذه السياسات بملايين الوفيات (28 مليون شخص قُتلوا بسياسات العقوبات بين 1971-2001 بمعدّل نصف مليون إنسان سنويّاً)، فإنّنا أمام حرب إبادة صامتة، وإن تغلّفت بلغة ديبلوماسيّة.
لمَ كلّ ذلك؟ من أجل الربح ولا شيء غير الربح. يُشكّل محرّك الربح الرأسمالي الشّرِه العصب الأساسي لهذا الاستعمار؛ إذ يفرض تنافساً محموماً لزيادة العائدات عبر خفض التكاليف، وهو ما يُترجم عمليّاً بافتراس حقوق العمّال والتشريد، ولكن أيضاً بالاستعمار أي بالقتل والإبادة والتهجير القسريّ. من لا يعرف ذلك لا يزال يعيش خارج تاريخ هذا الكوكب، الماضي والحاضر. لا يمكن القضاء تماماً على هذا النهج الافتراسيّ بين البشر دون تجاوز النظام الرأسماليّ، أقول ذلك من منطلق إنجيليّ.
غير أن أخطر أشكال الاستعمار يتسلّل إلى وعي الناس أنفسهم. تسعى الهيمنة إلى تشكيل وعي المستعمَرين، لتخلق فئات تتماهى مع المستعمِر، وتتبنى نظرته إلى العالم، وتنظر إلى تاريخها ومجتمعها بعين الاحتقار. وتُفرز هذه الحال طبقة من «الكومبرادور»؛ نخباً وسياسيين يمارسون التبعيّة للمركز المهيمن سعياً وراء الامتيازات والمكاسب، فيبدو أحدهم متذلّلاً أمام القوّة الأجنبية، ومستعلياً على أبناء شعبه في الوقت نفسه. هكذا، لا يعود الاستعمار مجرّد سيطرة خارجية، بل يتحوّل إلى استعمار للوعي والروح، يُعاد إنتاجه من داخل المجتمع نفسه.
ورغم ذلك، تظل الهيمنة قابلة للكسر؛ فقد أثبتت تجارب الشعوب أنّ القوة العسكرية تعجز عن فرض سيطرة دائمة على المجتمعات المقاوِمة. غير أن هذا الصمود يتطلّب مقوّمات تتجاوز العمل العسكري؛ إذ عليه أن يستند إلى العدالة الداخلية، والتماسك الاجتماعي، وتأسيس بُنية دولة عابرة للطوائف. لنصل إلى ذاك المرتجى، يتراكم التغيير كفعل مستمر ينبثق من إصرار المقهورين، حيث تُشعّ كل خطوة نحو العدالة حياةً في مجتمع المستضعفين، ويحمل المقاوِمون وجه الحقيقة النازف ليُشكّلوا ملامح فجر التحرر المرتكز على مجتمع متماسك عابر للطوائف، في دولة حقيقيّة تعامل الناس كمواطنين ومواطنات.
في النهاية، يتجاوز السؤال حدود ما يحدث في فلسطين ولبنان ليطاولنا كلّ بمفرده وكلّنا معاً: أين نقف من كل ذلك؟ يُشكّل الحياد أمام الظلم انحيازاً ضمنياً إلى جانب الأقوى. وكما كتب فرانز فانون: «على كل جيل أن يكتشف مهمته التاريخية وأن يختار موقعه منها»، وهذه مسؤوليّة لا يمكن التنصّل منها، فمن انكفأ وقف عمليّاً مع الظالم.
الشعب الذي يريد أن يحيا بحرّية لا طريق له سوى الوقوف بثبات ورفض الاستسلام، قد ينهزم في معركة أو أخرى لكن لا يستسلم للظلم والاحتلال. وسط كلّ هذا، تبقى حقيقة الإنسان، التي تميّزه عن الحيوان، بأنّ الكرامة الإنسانيّة لا تكمن في مجرّد البقاء على قيد الحياة، وإنّما تتجسّد في القدرة على العيش بحرّية وعدالة ومساواة. هذه الحقيقة هي البوصلة التي تحدّد معنى أن يبقى الإنسان إنساناً مخلصاً لحقيقته في مواجهة القهر فيرفض الذلّ، ويدافع عن كرامته وكرامة شعبه، ويدفع تجاه تماسك المجتمع.

قراءة في نداء «مواطنون ومواطنات»: خلل فادح

4/21/2026

 
خريستو المر -الثلاثاء 21 نيسان 2026


أصدرت حركة «مواطنون ومواطنات في دولة» نداء سياسياً طموحاً من حيث اللغة والرؤية: «المواجهة مع الخارج داخليّة بغاياتها وبوسائل خوضها، فلنُقِم دولة اليوم». لكنّ النداء يعاني من خلل. هذا الخلل ينعكس في عدّة تناقضات في النص.
أوّلاً، من جهة، يُقِرّ النداء بانهيار الدولة اللبنانية وهشاشتها، ومن جهة أخرى يطالب الدولة (بشخص رئيسَي الوزراء والجمهوريّة) باتخاذ قرارات سياديّة جذريّة، وبإعادة بناء النظام السياسيّ والدفاعيّ، وكأنّها دولة مكتملة السيادة وقادرة على الفعل. هذا التناقض لا يعكس فقط خللاً في التقدير، بل يشير إلى افتراض ضمني بوجود لحظة تأسيسيّة يمكن فيها إعادة بناء الدولة دفعة واحدة، وهو افتراض لا نجده واقعياً في ظلّ التوازنات القائمة، والارتباطات الخارجيّة الفاقعة لدى الأطراف جميعاً.
على مستوى الأدوات، يطرح البيان إجراءات تنفيذيّة كبرى، كالتجنيد الإلزامي الشامل، وجمع السلاح بيد الجيش، وتسليحه، وهي إجراءات تتطلّب وجود سلطة مركزية قوية، وتوافقاً داخلياً، ودعماً خارجياً مستقرّاً، وهي شروط غير متوافرة. كما أنّ مقاربته لحزب الله تنطوي ضمناً على دعوة لتفكيك دوره العسكريّ، من دون تقديم بدائل أمنيّة أو ضمانات استراتيجيّة، ما يجعل الطرح غير قابل للتبنّي من الطرف المعنيّ، وبالتالي فاقداً لأي قابليّة تنفيذيّة اليوم. فالتجنيد الإجباريّ، حتّى ولو حصل اليوم والآن، لا يمكن أن يُغني عن المقاومة الشعبيّة فوراً.
مشروع «مواطنون ومواطنات في دولة» هو بالفعل المشروع الوحيد الموجود لبناء البلاد من جديد، ولو ليست لديهم القدرة على فرض هذا المشروع بعد. لكنّ الخطاب الأخير، الذي صيغ تحت ضغط الواقع الضاغط للبلاد، والذي نحلّله هنا، غير سليم لأنّ موازين القوى في البلاد لا تسمح حاليّاً بإعادة تأسيس الدولة. وبسبب من ذلك، نرى أنّ البيان يقطع مع فكرة «موازين القوى» الضروريّة لفرض أيّ تغيير، وطالما أنّ حركة «مواطنون مواطنات» ليست لديها القدرة على تغيير موازين القوى اليوم، فإنّ نداءها بدا أقرب إلى الحثّ أو الإشارة إلى طريق الخروج من المأزق الحاليّ.
وليت النداء بقي في نطاق الحثّ على فِعل الصواب، لكان ربّما بقي مقبولاً، كنداء من أجل التاريخ. ولكنّ النداء يذهب أبعد، ويقع في الخطأ الفادح، برأينا، حين يقول مخاطباً زعماء الطوائف «فَلْنتعاونْ ولْنطوِ صفحة ونفتح صفحة». وفي هذه الدعوة مشكلتان أساسيتان: الأولى تكمن في تناقض صارخ داخل البيان، فهو من جهة يخاطب الزعماء كما لو كانوا أحراراً في اتخاذ قرارات حاسمة كدعم قيام الدولة، ومن جهة يوصّف الواقع بقوله إنّهم أسرى علاقات خارجيّة، وأسرى قواعدهم الطائفية، غير قادرين على اتخاذ خيارات قد تقسّم جمهورهم.
أمّا المشكلة الأفدح، في نظرنا، فتكمن في «التعاون» الممكن المُفترض. بالنسبة إلى الشعب الذي عاش في هذا البلد وقاسى من جرائم هؤلاء ومذابحهم وتدميرهم، ثمّ نَهْبهم للبلاد، فإنّ «التعاون» كلمة كبيرة، فالتعاون معهم يعني دكّ دعامة من دعائم الدولة التي يطمح إليها الإنسان، دعامة من أربع دعائم يضعها «مواطنون ومواطنات» لأسس الدولة: أن تكون مدنيّة، ديمقراطيّة، عادلة وقادرة. فإن كان من تاريخ لجلّ هؤلاء الزعماء فهو تاريخ مُضادّ للعدل.
«التعاون» مع معظم هؤلاء، حتّى لا يغلبنا التعميم، هو تأسيس على اللَّاعدل! ولهذا تأتي عبارة «لنطوِ الصفحة» في هذا السياق طعنة للعدل، وتدهوراً في أدبيّات «مواطنون ومواطنات». تأسيس دولة لا يستقيم مع «التعاون» مع هؤلاء الذين قاموا بحرب أهليّة، وشاركوا في هدم الدولة والاقتصاد وتقسيم الناس، ونهبهم، وحماية ناهبيهم. التضارب الأكبر في الدعوة العامة للتعاون قائمة في أنّ بعض هؤلاء يقف موقفاً لا لبس فيه إلى جانب التطبيع، بينما «مواطنون ومواطنات»، في هذا النداء وخارجه، تقف موقفاً مبدئيّاً من إسرائيل كونها عدوّاً وجوديّاً للبنان، وهي عدائيّة مستقلّة عن كون أرض لبنان محتلّة أم لا.
لذلك، نرى أنّ هذا النداء يعاني من تناقضات متعدّدة، بعضها غير مقبول. إنّ الإشكالية الأساس تكمن في غياب الربط بين هذا التشخيص والطموحات المطروحة عبر مسار انتقالي واضح ممكن اليوم، والإشكاليّة الأخرى تكمن في طرح «تعاون» مع مَنْ خبزه اليوميّ قائم على هدم العدل. أليس من الأجدى والأسلم العمل على المدى الطويل مع المناهضين لإسرائيل، الخطر الأكبر علينا، عملاً يتعاون فيه المتضرّرون من النظام القائم، من أجل بناء موازين قوى تسمح في تأسيس دولة ننشر فيها صفحات العدل؟
قد يقول قائل إنّ الظرف حسّاس وطارئ، ونردّ بأنّه كذلك كلّ يوم. التأجيل ليس من مصلحتنا، ولكن إنقاذ البلاد عبر من دمّروا الدولة، وبالتعاون مع مَن يريد التطبيع، غير ممكن. المرور نحو الدولة لن يمرّ إلّا بصدام مع هؤلاء ليس لأنّ الناس يريدون الصدام، بل لأنّ هؤلاء سيقاومون قيام الدولة، حتّى ولو هدموا البلاد فوق رؤوسنا، لتبقى زعامتهم حتّى ولو اكتشفوا لاحقاً أنّ زعامتهم انتهت. لا ينبغي لنا أن نستهين بالدور الذي يمكن أن تلعبه اللَّاعقلانيّة في السياسة.

تفكيك الأوهام: قراءة في خيارات لبنان بين الاستسلام والصمود

4/15/2026

 
خريستو المر
الأربعاء 15 نيسان 2026 (الأخبار)

في خضمّ التصعيد الأخير الذي شهده لبنان، يبرز نقاش داخلي حادّ حول طبيعة الصراع، وأولويّات المواجهة، وحدود الخيارات المتاحة أمام اللبنانيين.
هذا النقاش ربطه البعض بالقذائف الأخيرة التي أطلقتها مجموعات المقاومة في الجنوب نحو فلسطين المحتلّة. ولكن هذا التفكير الضيّق غير منطقيّ. لا يمكن فصل الضربات الجويّة الوحشيّة الصهيونيّة عن سياق طويل من الاعتداءات، حيث تعرّض لبنان لقصف متواصل على مدى 15 شهراً قبل الانفجار الأخير، دون أن تُقابل هذه الاعتداءات بأيّ ردّ عسكري من المقاومة خلال تلك الفترة.
والاعتداءات الصهيونيّة لا تعود إلى وجود «تهديد» من لبنان للكيان الصهيونيّ (فلسطينيّون، حزب الله، إلخ) كما تبرهن المجزرة الصهيونيّة في قرية حولا (80 شهيداً) عام 1948. إنّ التهديد الصهيونيّ للبنان يعود إلى طبيعة المشروع الصهيونيّ نفسه: مشروع عنصريّ، إباديّ، توسّعي.
الاعتداءات الصهيونيّة الوحشيّة الحاليّة لم تأتِ نتيجة فعلٍ آنيّ، وإنّما هي عدّة العمل في المشروع الصهيونيّ، هي جزء من مخطّط أوسع كان قائماً أصلاً. المعطيات تشير إلى أنّ العدوّ كان يخطّط لضرب لبنان واجتياحه بغضّ النظر عن أيّ ردّ محدود من جانب المقاومة. وعليه، فإنّ اختزال المشهد في بضعة صواريخ أُطلقت هنا أو هناك يُعدّ مجافأة للواقع والمنطق، وعندما يكون مقصوداً فهو تضليل، لأنّه يتجاهل حقائق السياق الأوسع. من هنا، يصبح النقاش حول «من بدأ» غير ذي معنى، فالفهم ما كان يُحضَّر فعليّاً على الأرض.
في موازاة ذلك، يُطرح موضوع العلاقة مع إيران بوصفه نقطة خلاف إضافيّة. غير أنّ هذا الطرح، رغم أهميّته، يجب ألّا يطغى على السؤال الأساسي: ماذا نريد نحن كلبنانيّين؟ فإيران، كغيرها من الدول، تتّخذ قراراتها وفقاً لتقديرها لمصالحها، بينما تقع على عاتق اللبنانيين مسؤوليّة تحديد ما يخدم مصلحتهم الوطنيّة. لذا فالسؤال المهمّ الوحيد هو: أين تكمن مصلحتنا الوطنيّة؟ واللبنانيّون منقسمون حول نوع الإجابة التي يمتلكونها عن هذا السؤال.
جوهر الانقسام الحقيقي داخل المجتمع اللبناني يتجلّى في موقفين متعارضين. فريق يرى أنّ الاستسلام للأمر الواقع، ولو تضمّن ذلك خسارة أجزاء من الأرض أو تهجير فئات من الشعب، هو ثمن «مقبول» يدفعه غيره، مقابل عيشه هو بـ«سلام». هذا الموقف، في جوهره، يتماهى مع ما يريده العدوّ علناً، أي احتلال الأرض وتفريغها. غالباً ما يستند أصحاب هذا الرأي إلى الهروب من الواقع عبر أمثلة من دول أخرى طبّعت مع الكيان الإباديّ ولم يحتلّ أرضها بعد، متجاهلين الفوارق العميقة بين تلك الحالات والوضع اللبناني حيث الدولة الإباديّة تُعلن بفم مسؤوليها السياسيّين من كلّ الأطياف، أنّ هدفها التوسّع واحتلال أرض لبنان وتهجير شعبه. المُعلن هو احتلال الجنوب، ولكن لا ننسى أنّ المُعلن هو غير المرغوب عادة، كما حدث عام 1982 حيث كان المُعلن هو احتلال شريط ضيّق من الجنوب، وانتهينا بجيش الاحتلال في العاصمة!
مقابل هذا الطرح غير المنطقي والمستهتر، هناك فريق يؤكّد على ضرورة الدفاع عن الأرض باستخدام كلّ الوسائل المتاحة ضمن الواقع القائم، خاصّة أنّ المقاومة أثبتت جدارتها العسكريّة. هذا الموقف لا يعارضه إلّا الزعماء الذين تعلو مصالحهم الشخصيّة على مصلحة البلاد، والذين ينقادون إليهم بسبب حقدٍ أو غباءٍ، أو الاثنين معاً. غير أنّ هذا الموقف الذي يدعو للدفاع عن النفس والأرض، رغم مشروعيّته، لا يكتمل دون إدراك أنّ المقاومة العسكريّة وحدها لا تكفي.
فالتجربة أثبتت أنّ الانقسامات الداخليّة، والضعف الاقتصادي، والنظام الطائفي القائم، كلّها عوامل تُضعف المجتمع، وتحدّ من قدرته على الصمود، وتدفع البلاد إلى هاوية الاحتراب والتفتّت، وبالتالي إلى هزيمة آتية لا بدّ، ليس بسبب الضعف العسكريّ وإنّما عندما نصل إلى التفكّك الداخليّ يوماً. ثمّ إنّ النقطة الأقوى التي يستمدّ منها المقاومون إلهامهم (الدين) هي نفسها النقطة الأضعف لأنّ النظام الطائفيّ يدفع الناس أن يروا أنفسهم جماعات متناحرة عوض أن يروا أنفسهم مواطنين ومواطنات يتفقون أو يختلفون على مشاريع سياسية، ولكنّهم واحد كشعب.
من هنا، يظهر وهمان متوازيان:
الأوّل هو الاعتقاد بضرورة نزع سلاح المقاومة، في ظلّ غياب جيش وطني قادر على حماية البلاد، وهو طرح يتجاهل مسؤوليّة الدولة حماية مواطنيها وحقّ الشعب غير القابل للنقض بالدفاع عن نفسه وأرضه، وهذا حقّ للفرد وللجماعات.
أمّا الوهم الثاني، فهو اعتبار سلاح المقاومة كافياً بحدّ ذاته، دون الحاجة إلى إصلاح داخلي للانتقال إلى نظام سياسيّ غير طائفيّ، وبناء دولة قادرة اقتصاديّاً وعسكريّاً. وهو وهم أثبتته الأحداث، لأنّ الانقسام الطائفيّ في البلاد يعرّض المقاومة للخطر والبلاد للتفكّك، ولأنّ ضعف الدولة الاقتصادي يُفقِد الشعب القدرة على الصمود، ولأنّ ضعف الدولة العسكريّ لا يمكّنها من الدفاع عن شعبها.
إنّ الدفاع الحقيقي عن الأرض لا ينفصل عن بناء دولة عادلة وقادرة، دولة لا طائفيّة توحّد المجتمع بدل أن تقسّمه، وتعزّز مناعته بدل أن تُضعِفه. جواباً عن سؤال: أين تكمن مصلحتنا الوطنيّة؟ مصلحتنا ومسؤوليّتنا تقتضيان الدفاع عن شعبنا وأرضنا، لذلك مصلحتنا ومسؤوليّتنا أن نعيد صياغة مشروع وطني متكامل يجمع بين المواطنة التي توحّد فتشفي من الطائفيّة، والقدرة الاقتصاديّة التي تبني قدرة على الصمود، والقدرة العسكريّة التي تجمع خبرة المقاومة بجيش قادر. هذا هو الطريق الوحيد الذي يمكن أن يحفظ وحدة الشعب والأرض معاً، ويؤمّن استقراراً داخليّاً يستحقّه المواطنون والمواطنات ويعدّنا لمواجهة تحدّيات الاعتداءات المستقبليّة الآتية لا محالة، والتي لا يمكن أن تنتهي إلّا بهزيمة المشروع الصهيونيّ.

الخروج من الأوهام: السّيادة، الدفاع، وبناء الدولة في الحالة اللبنانية

4/13/2026

 
Picture
خريستو المرّ
2026-04-13   - المفكّرة القانونيّة   

في ظلّ الهجمات الأخيرة للكيان الصهيونيّ على لبنان، يتجدّد النقاش الداخلي حول طبيعة الصراع وحدود الخيارات المتاحة للدولة اللبنانية في مواجهة الاعتداءات المتكرّرة. غير أنّ هذا النقاش غالباً ما يُختزل في مقاربة ظرفيّة تربط الأحداث الأخيرة بردود أفعال محدودة، متجاهلاً السياق الأوسع الذي يحكم العلاقات الدولية، ولا سيّما المبادئ الأساسية للقانون الدولي العام.
وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، تُعدّ سيادة الدول وسلامة أراضيها من المبادئ الجوهرية التي لا يجوز انتهاكها. كما يكرّس القانون الدولي حقّ الدول في الدفاع في مواجهة أيّ اعتداء مسلّح. وفي الواقع اللبنانيّ، لا يمكن فهم ما يتعرّض له لبنان بمعزل عن نمطٍ متكرّر من الانتهاكات «الإسرائيليّة» التي تمسّ سيادته، والتي لا يمكن اختزالها في أحداث آنيّة أو ردود فعل محدودة، أو بشكل أعمّ  بمعزل عما بلغه الكيان الإسرائيلي من انخراط في الإبادة الجماعيّة والجرائم ضدّ الإنسانيّة، وهي عوامل تدعو الدول عمومًا إلى نبذه وقطع العلاقات معه لا إلى التطبيع معه أو حتى الاعتراف به[1]. بمعنى أنّ التركيز على حادثة بعينها، بمعزل عن سياق الاعتداءات المستمرّة منذ مجزرة حولا عام 1948، يُفضي إلى قراءة مبتورة واقعيّاً.
من هذا المنطلق، فإنّ الجدل حول «من بدأ» التصعيد العسكريّ يفقد كثيراً من قيمته التحليليّة في ضوء مبدأ حظر استخدام القوّة في العلاقات الدولية، الذي لا يُقاس فقط بالفعل الأوّل، بل بالسياق العام للتهديدات والانتهاكات المتكرّرة. فالقانون الدولي لا ينظر إلى الوقائع بمعزل عن تراكمها، بل يقيّمها ضمن إطار أوسع يأخذ بعين الاعتبار طبيعة النزاع واستمراريّته. والواقع أنّ إسرائيل تحتلّ جزءًا من الأراضي اللبنانيّة اليوم، كما أنّها ولمدّة 15 شهرًا، كانت تقصف لبنان بشكل شبه يوميّ من دون أن تتلقّى ردّا من لبنان، لا من الجيش ولا من المجموعات المقاوِمة للاحتلال، وهي تهدّد لبنان باستمرار بـ«إعادته إلى العصر الحجري»، واجتاحته عدّة مرّات وحاولت اجتياحه مرّات ومرّات ومنها هذه السنة.
منطقيّا، وانسجاما مع القانون الدولي الذي يقوم على مبدأ استقلالية القرار السيادي، تتحمّل الدولة وحدها مسؤوليّة تحديد خياراتها بما ينسجم مع حماية شعبها وأراضيها، أي بما ينسجم مع مصلحتها الوطنيّة. غير أنّ الانقسام الداخلي في لبنان يعكس رؤيتين متباينتين لمفهوم المصلحة الوطنية.
الرؤية الأولى تميل إلى القبول بالأمر الواقع، حتى ولو تضمّن ذلك انتهاكاً للسيادة أو خسارةً في الأراضي، انطلاقاً من افتراض أنّ ذلك قد يؤدّي إلى استقرار نسبيّ. غير أنّ هذه المقاربة تتعارض مع المبادئ الأساسية للقانون الدوليّ، التي لا تُجيز اكتساب الأراضي بالقوّة، ولا تُقرّ بشرعيّة الاحتلال الناتج عن الإكراه. كما أنّ تاريخ الحركة الصهيونيّة يبيّن بما لا يدع مجالًا للشكّ أنّ أيّ احتلال قامت به الحركة العنصريّة الاستعلائيّة الإباديّة ترافق مع تنكيل واحتلال أوسع وفقدان للأمن عدا التنكيل والسجن الاعتباطيّ، والفصل العنصريّ، والترحيل، والتوسّع.
في المقابل، ترى الرؤية الثانية أنّ الدفاع عن الأرض هو حقّ وواجب، وأنّ استخدام الوسائل المتاحة في هذا الإطار يندرج ضمن الحقّ المشروع في الدفاع عن النفس. غير أنّ الدفاع بواسطة قوى المقاومة الشعبيّة الموجودة اليوم مؤطّر ضمن طائفة محدّدة. ومن هنا، يبرز موقفان. الأوّل يتمثّل في الطرح الداعي إلى نزع وسائل الدفاع في ظلّ غياب قدرة فعليّة للدولة على الاضطلاع بوظائفها الدفاعيّة، وهو طرح يتجاهل مبدأ أساسيًّا في القانون الدولي يتمثّل في حقّ الشعوب في الدفاع عن نفسها في مواجهة الاعتداء. أمّا الموقف الثاني، فيتمثّل في اعتبار أدوات الدفاع القائمة بديلاً كافياً عن الدولة، وهو ما يتعارض مع منطق بناء الدولة الحديثة التي تحتكر الاستخدام المشروع للقوّة ضمن إطار قانوني ومؤسّسي، خصوصا أنّ حصر المقاومة بطائفة يساهم، شئنا أم أبينا، في ترسيخ التفكّك الداخليّ، ما يصبّ في مصلحة الدولة الصهيونيّة التي تسعى لتفكيك المنطقة إلى مكوّنات دينيّة كي تُضعف المحيط من جهة، وتبرّر وجودها من جهة أخرى.
ثمّة مفارقة قائمة على وهمين متقاطعين يحكمان المشهد الراهن:الوهم الأول يكمن في المطالبة بتجريد المقاومة من سلاحها في ظلّ انكشاف أمنيّ وغياب جيش وطنيّ يمتلك القدرة الردعية الكافية. إن هذا الطرح يسقط في فخ القفز فوق الواقع، متجاهلاً عجز الدولة الحالي عن بسط حمايتها، ومغيّباً الحقّ الطبيعي والأصيل — الفردي والجماعي — في الدفاع المشروع عن الأرض والوجود، وهو حق لا يسقط بالتقادم أو بالتفاوض.
أمّا الوهم الثاني فيتمثل في الركون إلى القوة العسكرية للمقاومة كحلٍّ كافٍ بذاته، بمعزل عن ضرورة الإصلاح الهيكلي الشامل. إن استمرار النظام الطائفي، وهشاشة الدولة اقتصادياً وعسكرياً، هي الثغرات التي تنفذ منها المخاطر؛ فالتشرذم الطائفي يضعف الجبهة الداخلية ويجعل المقاومة والوطن في مهبّ التفكك، كما أن الانهيار المعيشي يسلب الشعب مقومات صموده الطويل، والضعف العسكري يحرم الجيش من القدرة على الدفاع.
إن العبور إلى برّ الأمان ولو بحدوده النسبية في مواجهة مشروع استيطاني إبادي وتوسعي بطبيعته يمرّ حتماً عبر تفكيك هذين الوهمين معاً، والبدء الفوري ببناء الدولة القادرة. إنّ مصلحتنا الوطنيّة، بل الوجوديّة، تفرض صياغة مشروع وطني متكامل يرتكز على ركائز لا تنفصم تبدأ بالمواطنة الجامعة كمدخل وحيدٍ للتعافي من الانقسام الطائفي وتوحيد الإرادة الشعبيّة، مروراً بالمنعة الاقتصادية لتأمين الحاضنة الشعبية وتعزيز القدرة على المواجهة النفسية والمادية، وصولاً إلى التكامل العسكري الذي يدمج خبرات المقاومة الميدانية ضمن عقيدة جيش وطني مجهّز. هذا هو المسار العقلاني الوحيد القادر على صون وحدة الأرض والناس معاً وتأسيس استقرار حقيقي ينصف المواطنين والمواطنات، ويُعدّنا لمواجهة التهديدات المستقبليّة الحتمية، التي لن تنكسر إلا بهزيمة المشروع الصهيوني.

[1] اقتباس من تغريدة للمحامي نزار صاغية المدير التنفيذي للمفكرة القانونية على منصة x


ماذا تقول أجساد الأطفال للكنائس في الشعانين؟

3/31/2026

 

خريستو المر
الثلاثاء 31 آذار 2026

عيد الشعانين في الكنائس المسيحيّة هو عيد بهجة باستقبال المسيح، فيه حضور خاص للأطفال وأغصان الزيتون والزهر والشموع، يستعيد فيه المسيحيون ذكرى لاستقبال الناس للمسيح يوم دخل القدس فاستقبلوه كمن يستقبلون ملكاً، ولكنّه كان راكباً على جحش ليشير إلى أنّ ملوكيّته بالخدمة والتواضع لا بالقهر والفخامة. فماذا تقول للضمير المسيحيّ اليوم طراوة أجساد عشرات آلاف الأطفال قتلتهم عصابات بصفة جيش، مدجّجة بأحدث الأسلحة وأكثرها فتكاً في غزّة؟ وماذا تقول أجساد مئات الأطفال الذين قتلتهم في لبنان أو في إيران نفس العصابات الهمجيّة لضمير المسيحيّين في ذكرى الشعانين؟
إنّ الأجساد الطريّة التي مزّقتها وحشيّة العنصريّة الصهيونيّة حتّى اليوم، تقول إنّ القاتل قد دفن الضمير، وكيف لا يدفنه وهو قد أقنع نفسه في نظامه التربويّ العنصريّ وفي أصوليّته الدينيّة الاستعلائيّة وفي إعلامه الوحشيّ أنّ مَن يقتلهم ليسوا ببشر. أمام مَن يرتع بالقتل في محيطنا، ويعلن صراحة رغبته بضم الأرض وطرد الناس من أرضها، لا عمل يمكن أن نقوم به معه إلّا أن نحاول أن نضع له حدّاً بالقوّة، فمن حاول غير القوّة قبلنا وجد الفشل تلو الفشل (قرار الأمم المتّحدة 425 الذي دعا إلى انسحاب العدوّ من الجنوب لم ينفّذه إلّا بالقوّة، ومسيرة العودة الكبرى في غزّة قوبلت بالقنص قتلاً وتعويقاً).
الإيمان يكون بالحرّية أمّا العدالة فبالقوّة تكون، أو لا تكون. الكنيسة نفسها لم تنبذ العنف بشكل مطلق كما تحاول أن تصوّر كلمات البطريرك الراعي زوراً الذي وعظ في الشعانين بأنّ «الشعب الذي خرج لاستقبال يسوع لم يحمل سلاحاً، بل حمل أغصان النخل والزيتون علامة الفرح والسلام». فالكنيسة منذ تنصّر الإمبراطور قسطنطين، قبلت أن يستخدمَ المسيحيّون العنف للدفاع عن الحياة، ولو أنّ ذلك لا يعني أنّ العنف مقدّس. نعم، خرج الناس لاستقبال يسوع بأغصان الزيتون وشجر النخل لأنّ الداخل عليهم كان رئيس سلام، ولم يكن جنكيز خان. مئات آلاف الأجساد الطريّة في فلسطين المحتلّة ولبنان تفرض على الضمير المسيحيّ، خصوصاً في مدة الشعانين، أن يلتزم رفع الظلم عن المصلوبين من الشعبَين ممّن بقوا على قيد الحياة.
ضمير المسؤولين الكنسيّين لو كان مسيحيّاً كان ينبغي أن يعمل دون استكانة لإيواء العائلات وأجساد الأطفال المشلوحة في البرد، كان يجب أن يأمر بفتح الكنائس والأديرة وأراضٍ شاسعة واسعة لا تدفع عنها الكنائس ضرائب، لتأوي إليها الطراوةُ حتّى لا تبرد، والنفوسُ حتّى لا تحزن، والكراماتُ حتّى لا تنجرح. أملاك الكنيسة ليست لها، فـ«لله الأرض وما عليها» وما الإنسان عليها إلّا بوكيل، أملاك الكنيسة هي للمحتاجين إليها من الناس كلّ الناس.
الضمير المسيحيّ كان يقتضي أن تُفعّل الكنائس كلّ إمكانياتها الواسعة الشاسعة، واتّصالاتها، وماليّتها الضخمة التي لم تتبخّر في أموال الناس في المصارف، لكي تعيل المسيح المرميّ على الطريق، المسيح الذي تقول الكنائس إنّها تعبده ولكنّ قلبها بعيدٌ عنه تماماً كما قال يسوع: «هذا الشعب يكرّمني بشفتيه وأمّا قلبه فبعيد عنّي»، عنّي أنا النازح، عنّي أنا الأب الذي بتّ بلا عمل، عنّي أنا الأم التي فقدت ولدها، عنّي أنا الأب والأمّ المهجّران، عنّي أنا الطفل الذي يقف عارياً من القدرة على الدفاع عن نفسه من الجريمة الصهيونيّة.
لكنّ كنيسة يسوع الحقّ ليست في أولئك الذين أغلقوا قلوبهم، بل في الأشخاص الذين يحملون يسوع، أولئك الكثيرون من كلّ دين وفلسفة الذين لا نسمع أصواتهم العالية في الإعلام المجرم يصرخ بأنّهم لا علاقة لهم بغيرهم، أولئك الكثيرون الذين لا يلومون يسوع على صليبه، أولئك الذين يجتمعون مع كلّ إنسان شريف ليسعفوا يسوع، وبذلك يكونون يسعفون أنفسهم ليبقوا بشراً، ليبقوا مخلصين لذاك المسيح الحقّ الذي علّقه الحقد على صليب. ألا جعلنا الله من أولئك ونجّانا شرّ الغربة عن أنفسنا، عن لحم إخوتنا الذي تنهشه العنصريّة والاستعلاء والاستعمار الصهيونيّ والإمبراطوريّة الأميركيّة التي تدّعي المسيحيّة، ومن شرّ الإذعان المخزي أمام الحقّ المصلوب، في بلادنا.

«العقلانية» ذريعةً للتخلّي: في نقد دولة تفقد معناها

3/24/2026

 
خريستو المر، الثلاثاء 24 آذار 2026 (الأخبار)
-------------------------
في بلدٍ يهاجمه عدّوه كلّ يوم، ليس هناك أخطر من تعريفٍ مشوّهٍ للعقلانيّة يجعل من الصمت حكمة، ومن التراجع واقعيّة، ومن التفاوض بأي ثمن فضيلة سياسيّة. في لبنان اليوم، لا نواجه فقط عدواناً خارجيّاً، بل نواجه خللاً داخليّاً في معنى السياسة نفسها. هناك من يصرّ على أن «العقلانية» تعني ضبط الخطاب، تجنّب الإدانة، وفتح قنوات التفاوض، فيما يتعرّض البلد إلى انتهاك يوميّ وتنكفئ الدولة عن واجب حماية مواطنيها (وهي تنكفئ قصداً عندما لا تخصّص للجيش موازنة تسمح له بالدفاع الفعليّ عن البلاد). وفي المقابل، تُقدَّم المقاومة، أو حتى الغضب الشعبيّ، كحالات محرِجة للحكومة مع الخارج، حالات غير منضبطة، أو «غير عقلانية».
وصلت الأمور بالحكومة إلى محاولة تشريع أمر غير مشروع ألا وهو وضع مقاومة أبناء الأرض موضع الخروج عن القانون، بل ووصلت التفاهة إلى منع الإعلاميّين من ذكر كلمة «مقاومة». إنّ وجود قانون، مطلق أيّ قانون، لا يعني أنّه أخلاقيّ؛ فكم من قانون في أكثر من بلد (فلسطين المحتلّة مثلاً) هو عنصريّ وتمييزيّ. القانون هو شرعيّ كونه وُضع وفقاً للأصول، لكنّ ذلك لا يجعله مشروعاً، أي لا تجعله مرتبطاً بالضرورة بالعدالة، والحقّ. من حقّ الإنسان الدفاع عن نفسه وأرضه بأقلّ تقدير، شاء مَن شاء، وأبى مَن أبى، حتّى ولو خالف ذلك كلّ قوانين الدنيا. أمام عدوّ يقتل ويهدّد بالاحتلال، لا يحتاج إنسان أو جماعة إذناً من أحد ليدافعوا عن أنفسهم.
لحسن الحظّ طبعاً، أنّ الدول والحكومات ليست جميعها مثل هذه الحكومة، وأقرّت في شرعة حقوق الإنسان وشرعة الأمم المتّحدة (التي مزّقها ممثّل العدوّ في الأمم المتّحدة أمام الملأ) حقّ الإنسان «في الحياة والحرية وسلامة شخصه» و«الحقّ الطبيعي بالدفاع عن النفس».
العديد يتّهمون الناس الذين تدعم مقاومة الاحتلال باللاعقلانيّة، ومنهاج الحكومة يصبّ في نفس الاتّجاه. لكنّ السؤال الذي نودّ أن نطرحه هنا بوضوح: مَن يملك حق تعريف العقلانية؟ وبأيّ معيار؟ لن نحلّ موقف الحاقدين وقصيري النظر ونكتفي بالحكومة. حين تسعى السلطة إلى تعريف «العقلانيّ»، وشرح الحلول «العقلانيّة»، فهي لا تصف الواقع، بل تعيد تشكيله على أساس مصالحها. إذ تصبح العقلانيّة مرادفة لما تريد الحكومة فعله، لا لما يمكنها فعله؛ وفي لبنان تريد الحكومة إرضاء الخارج بأيّ ثمن، دون اكتراث بحماية الداخل.
هكذا «عقلانيّة» لا تسعى أن تكون الدولة حاملة لآلام شعبها وطموحاته ومعبّرة عنها، بل تسعى إلى تسويق نفسها إلى الخارج؛ لذلك عوض أن تسعى لردّ العدوان بالوسائل المتاحة داخل البلاد، تسعى كي «تُوازن» بين إدانة الاعتداء وتجنّب المواجهة؛ وعوض أن تتكلّم عن حماية البلاد، تتكلّم عن تجنّب «التصعيد». هذه «العقلانيّة» تنسف أسس شرعيّة وجود الدولة، إذ إنّ سياساتها تعني واقعيّاً التنصّل من واجبها حماية الشعب.
الدولة، في أبسط تعريفاتها، تحتكر العنف الشرعيّ لتؤمّن الحماية. لكن حين تنسحب من هذه الوظيفة، ويُترك الناس لمصيرهم، يصبح السؤال عن الشرعيّة سؤالاً وجودياًّ، لا تأمّلاً نظريّاً. الحكومة اليوم في لبنان، ليست الجهة التي تحمي، وإنّما الجهة التي تبرّر عدم الحماية. هذا يتجاوز كونه فشلاً سياسيّاً، هذا فراغ سياديّ، فراغ تملؤه قوى أخرى، ولحسن الحظّ تملؤه بفاعليّة ميدانيّة نتمنّى لها أن تستمرّ، لأنها ببساطة تقوم بما عجزت عنه الدولة: الدفاع.
غير أن هذا الفراغ للدولة ليس حادثاً عرضيّاً، هو نتيجة بُنية سياسيّة قائمة على الطائفيّة، نتيجة بنية لا تُنتج دولة وإنّما توازن قوى داخل الدولة، وهي بُنية تحظى بحماية جميع القوى السياسيّة (حتّى تلك الغاضبة من غياب الدولة اليوم). في النظام الطائفي، لا يوجد وحدة في القرار السياديّ فالقرار موزّع على مجموعة زعماء متنافسين على السلطة لا يثقون ببعضهم البعض، وثقة الناس أيضاً موزّعة على زعماء لا موضوعة في الدولة، والجيش ليس أداة حسم وإنّما مؤسّسة تُعامل على أنّه يجب تحييدها كيلا تختلّ التوازنات. هكذا يصبح من المستحيل تقريباً الجمع بين قدرة دفاع فاعلة، وقرار سياديّ موحّد، وثقة شعبيّة حقيقيّة. ليس لأن هذه الثلاثية غير ممكنة، بل لأن النظام نفسه يمنع تحققها.
مشكلة هذه الحكومة بالذات لا تكمن في كون فعل المقاومة «غير عقلانيّ»، بل في كونه اليوم خارج التوازنات، أي خارج سيطرة الدولة الطائفيّة. المقاومة مقبولة حين يتّفق عليها نظام الزعماء الهشّ والمرتبط بالخارج. لكنّها اليوم ليس من تراضٍ على وجودها، والحكومة تسعى إلى التطبيع بشكل فاقع، والمقاومة تذكّر الحكومة بأن هناك إمكانيّة لفعل سياسيّ لا يمرّ عبر قنوات التوازنات الهشّة لذلك توصف باللاعقلانيّة: مرّة كخطر، مرة كإحراج، ومرة كعبء يجب احتواؤه.
في المقابل، يُرفع التفاوض إلى مرتبة العقلانيّة المطلقة، حتى حين يكون بلا شروط واضحة، وبلا قدرة تفاوضية حقيقيّة (ما قدرة الحكومة في مفاوضة العدوّ دون قوّة دفاعيّة، قوّة الحجّة مثلاً، العدوّ لا يعرف القوانين الدوليّة والحكومة تريد أن توضح له ذلك على طاولة مفاوضات؟).
لا يمكن إقناع شعبٍ بأن الصمت حكمة وهو يرى أرضه تُنتهك وأولاده يُقتلون، ولا يمكن بناء شرعيّة على خطاب يتجاهل ما يعيشه الناس يوميّاً. ما تقوم به الحكومة غير عقلانيّ، إنّه من غير العقلانيّ أن تسعى حكومة أيّ بلد إلى التفاوض مع أعداء بلادها، وهي تعمل جاهدة لتحييد كلّ مواطن قوّة في البلاد. لكنّ المشكلة الأساس ليست في الزعيم الفلاني، أو الرئيس الفلاني، المشكلة الأساس تبقى الدولة الطائفيّة. فالمشكلة لا تكمن في اختيار الإنسان بين «مقاومة» أو «تفاوض» بل في جمع القدرتين، من الضروري أن تمتلك الأوطان وسائل الدفاع، ويمكنها أن تستخدم وسائل التفاوض غير المباشر، وهي وسيلة رضي بها الجميع في لبنان من قبل، والتفاوض وسيلة حتّى المنتصر لتحديد شروط هزيمة الآخر أقلّه.
المسألة الأساس هي أن نبني دولة قادرة على أن تفاوض من موقع قوّة، لا من موقع إنكار للواقع، وهذا لا يمكن أن يتحقق دون تغيير للمعادلة القائمة في لبنان من جذورها: (1) دولة غير طائفية تنظر إلى مواطنيها كمواطنين ومواطنات لا كمكوّنات وطوائف وبذلك يمكنها أن تمثّلهم وتوحّد القرار، (2) وعقيدة دفاعيّة تؤمّن الشروط الضروريّة ليكون الجيش الوطنيّ قادراً على الحماية، (3) وثقة شعبيّة نابعة من تمثيل حقيقيّ للمواطنين والمواطنات. بغير ذلك، سنبقى ندور في حلقة مفرغة: دولة تضعف باسم «العقلانيّة»، وشعب مقسّم يبحث عمّن يحميه خارجها.

التحرّر النظيف- وهم الليبراليّين

3/17/2026

 
خريستو المرّ، الثلاثاء ١٧ أذار / مارس ٢٠٢٦
--------------------------------
الإنسان والجماعات الذين يتعرّضون لهجوم استعماريّ مخيَّرون بين أمرين: إمّا ألّا يفعلوا شيئاً ويقبلوا أن يُستعبدوا أو يموتوا، وإمّا أن يناضلوا في سبيل التحرّر. لكنّ التحرّر ليس كلمات في كتاب تاريخ، أو نزهة جميلة لا تعفّرها دماء أو أخطاء أو خطايا. فما من حركة تحرّر في التاريخ لم ترتكب أخطاءً، وأحيانا جرائم، خلال الصراع.
النضال في سبيل التحرّر يمكنه أن يتمّ عن طريقين: نضال لاعنفي، أو نضال عنفي. وقد جُرِّب النضال اللاعنفي ونجح في بعض الحالات، كما فعل غاندي في الهند. لكنّه جُرِّب أيضاً دون نجاح في حالات أخرى؛ فقد جرّبه الفلسطينيّون في غزّة خلال أشهر من «مسيرة العودة الكبرى» حين كانوا يسيرون عُزّلاً نحو حدود غزّة، فيقابلهم جيش الاحتلال بالقنص قتلًا وإعاقة. أمّا الجبن وما يستتبعه من امتناع عن النضال فأمر قبيح، لا كرامة فيه ويرفضه كلّ شعور إنسانيّ، وهو عديم المسؤوليّة. لذلك فإنّ مخترع النضال اللاعنفي، غاندي، لم يتردّد أن يقول «إنني أؤمن حقًّا بأنّه إذا لم يكن هناك خيار سوى بين الجبن والعنف، فإنني أنصح بالعنف. ولأُفَضِّل أن تلجأ الهند إلى السلاح دفاعًا عن شرفها على أن تقف جبانةً شاهدًا عاجزًا على إهانة نفسها». وفي بلادنا، دافع اللاهوتي كوستي بندلي، وكاتب هذه السطور، عن الموقف التالي: حينما تنتفي إمكانيّة الفعاليّة في النضال اللاعنفيّ (أو لا تكون وحدها كافية) فلا بدّ من اختيار النضال العنفيّ وسيلة للتحرّر. والسبب، بالنسبة لي، بديهيّ: المسؤوليّة عن الحياة: حياة الآخرين وحريّتهم. إذ يمكن للإنسان أن يختار أن يموت دون أن يحاول قتل أحد، لكنّه لا يستطيع أن يتنصّل من مسؤوليّته عن حياة غيره: عائلته، ومواطنيه، وكلّ إنسان مظلوم واقع تحت اعتداء قد يُبيده أو يستعبده.
لكن عندما يقوم الناس بعمل عنفي، فلا بدّ أن يخطئوا: إمّا بسبب سوء تقدير، أو بسبب انفلات العنف من الضوابط خلال المعركة، أو بسبب انحراف قيادي هنا أو هناك. لكن هذا لا يعني أن يرمي الإنسان كلّ محاولة للنضال العنفي، أو أن يتوقّف عن النضال لأنّ جماعة من المناضلين ارتكبوا جرائم. بل يعني أنّه يجب نقد الأخطاء، وإدانة أيّ تجاوز، من أجل ضبط العنف المنحرف. والنقد ضروريّ أيضا، للإعداد للنضال إعداداً أفضل، وسدّ نواقص النضال أكانت ظرفيّة (نقص في الاستعداد) أم بنيويّة (فئويّة طائفيّة وهي ضعف بنيويّ للمقاومة في لبنان). ولهذا فإنّ نقد القائمين على عمليّة التحرّر جزء من مسار التحرّر.
غير أنّ النضال لدى الكثيرين يتّسم بالرومنسيّة. فهناك رومنسيّة العنف المعروفة، التي تقوم على اعتبار كلّ حمل للسلاح شجاعة و«رجولة»، وكلّ قتل مشروع لأنّه في سبيل قضيّة كبرى. وهذه الرومنسيّة قصيرة النظر، كما أنّها قد تنحرف لتصبح وحشيّة، وتنقلب في النهاية ضدّ التحرّر نفسه. لكنّ هناك رومنسيّة أخرى لم تُحلَّل كثيراً، هي رومنسيّة الليبراليّين المحبّين للديموقراطيّة بعد أن تكون هذه بُنيَت فوق ملايين الجثث التي لم يروها، وقامت على استعباد عشرات الملايين الذين لم يعرفونهم، وتستمرّ اليوم فوق جبال من الضحايا التي لا يشعرون بموتها لأنّها خفيّة عن وعيهم. هؤلاء يريدون الحرّيّة دون أن يدفعوا هم، أو يدفع غيرهم، ثمنها؛ أو يريدون ثورة عنفيّة بلا أخطاء ولا خطايا. طبعا هناك الذين يتوهّمون أنّ الحرّية تأتي على أجنحة الاستعمار. وما يجمع هؤلاء الرومنسيّين أنّهم لا يقيمون وزنا لفداحة النتائج في غياب النضال العنفيّ على أخطائه. فما إن تُرتكب الأخطاء حتى يحجموا عن تأييد المقاومة من أجل التحرّر، ويرتدّوا عليها بحجّة «سقوطها» الأخلاقي. وهذا، فضلاً عن كونه موقف لا مسؤول لأنه لا يفكّر في مصير الناس إن لم يقاوموا، فهو أيضاً موقف خارج التاريخ. لو أنّ هؤلاء يشاركون أو يدعمون حركة نضال لاعنفي تسعى فعلاً إلى التحرّر، فلا بأس؛ إذ يمكن للإنسان أن يمتنع الإنسان عن المشاركة في عمل عنفيّ، لكنّه من ناحية أخرى يشارك في النضال اللاعنفي من موقعه، ولا يحارب النضال العنفي بل يكتفي بنتقد تجاوزاته، كما ينتقد قصور النضال اللاعنفيّ وأخطائه وخطاياه (الموجودة حتما). أمّا أن يحارب الإنسان النضال العنفي دون أن يكون هناك للناس بديل، أو يتمسّك بالنضال اللاعنفي حلاً وحيداً بعد أن ثبت عدم فعاليّته في تحقيق التحرّر أو الدفاع، فذلك عدا عن كونه موقف لا مسؤول، فهو موقف لا تاريخيّ. إذ تكشف الدراسات التاريخيّة أنّ حركات التحرّر، رغم دورها في مقاومة الاحتلال والاستعمار والهيمنة، ترتكب أيضًا انتهاكات ضد المدنيين. ونحن إذ نشرح هذه الأمور للتفكير، فهذا لا يعني أنّنا نوافق على ارتكابها.
في فرنسا خلال التحرير عام 1944، شاركت بعض عناصر المقاومة الفرنسيّة في إعدامات ميدانية لأسرى ألمان ولمدنيين فرنسيّين متّهمين بالتعاون مع النازيّة، ضمن موجة معروفة بـ«التطهير الوحشي» التي أودت بحياة آلاف الأشخاص خارج أي مسار قضائيّ. كما استهدُفت النساء المتّهمات بـ«التعاون» من خلال مئات حالات الاغتصاب، وطقوس علنيّة لحلق الشعر والإهانة، وبينما تعرّضت آلاف النساء لعقوبات علنية قاسية عاد كثير من الرجال الذين تعاونوا فعلياً مع الاحتلال الألماني سياسياً أو اقتصادياً إلى مواقعهم بعد الحرب (إقرأوا فابريس فيرجِلي). وفي حرب فيتنام، قادت القوات الشيوعيّة نضالًا تحرّريًا ضد الولايات المتحدة وحلفائها، لكنّها نفّذت أيضًا عمليات قتل وتطهير سياسيّ ضد مدنيّين اعتُبروا أعداء الثورة، كما في أحداث هوي عام 1968. ويجب وضع هذه الانتهاكات ضمن سياق حرب أوسع شنّتها الولايات المتّحدة واتسمت بعنف أميركيّ واسع النطاق ضد المدنيّين، حيث ارتكبت القوات الأميركيّة فظائع كبيرة، مثل مجزرة «ماي لاي»، والقصف الواسع للقرى، والقتل خارج نطاق القضاء، والتعذيب، والاحتجاز التعسّفي. أما في حرب الجزائر، فقد مارست جبهة التحرير الوطنيّ هجمات وتفجيرات ضد مستوطنين أوروبيّين وضد جزائريّين اعتُبروا خونة (مجزرة ملوزة). هنا أيضا، مارس المناضلون العنف بحقّ حتّى مدنيّين جزائريّين، في سياق عنف الدولة الفرنسيّة الاستعماريّة الأوسع، حيث مارست القوات الفرنسية حملة قمع واسعة شملت التعذيب المنهجي والاختفاء القسريّ، والتدمير الجماعي للقرى، ذلك بعد أن قتلت حوالي ثلث السكّان خلال السنوات الأولى من احتلالها للجزائر.
يذكّرنا تاريخ حركات التحرّر بأنّ الطريق إلى الحرّيّة ليس بسيطا وسهلا، وليس خاليًا من الأخطاء والجرائم أحيانًا. لتجنّب انحرافات العنف (أو لأسباب إيمانيّة) يمكن للإنسان أن يفضّل النضال اللاعنفيّ، المهمّ أن يمارسه بالفعل لا أن يختار الانكفاء عن المواجهة والجبن، أو ممارسة العنف على المستضعف! كما أنّه من الضروريّ نقد النضال اللاعنفيّ حين يكون غير فعّال وعقيمًا، أو ينجرف إلى الجبن والتطبيع مع العدوان.
لكنّ النضال العنفيّ طريق ضروريّ، ووحيدٌ أحيانا، لأجل التحرّر، يختاره البشر رفضًا للعبوديّة والاستغلال والإذلال. التحدّي لا يمكن في رفض النضال العنفيّ لمجرّد حدوث الأخطاء والخطايا، أو في إنكار تلك، بل في نقدها وضبطها حتى يبقى النضال في خدمة التحرّر، مع توسيع حركة التحرّر بهويّة جامعة ورفدها بنضال لاعنفيّ، مثل المقاطعة التي يستطيع كلّ إنسان المشاركة فيها. هناك عبارة قيلت يوما بشأن المسيحيّين الذين يتجنّبون الالتزام في قضايا التحرّر خوفا من الأخطاء، يجب أن يتأمّلها طويلا المؤمنون صدقا بضرورة التحرّر: إنّهم من كثرة ما خشوا أن يوسّخوا أيديهم صاروا بلا أيدي!
ننحني أمام مقاومينا الذين يضحّون لكي نتحرّر جميعا يومًا، ونرفدهم بما استطعنا من قوّة، ومنها المقاطعة، وربّما، هذه المقالة البسيطة.
<<Previous

    الكاتب

    خريستو المر
    المقالات المنشورة في «الأخبار»

    الأرشيف

    June 2026
    May 2026
    April 2026
    March 2026
    February 2026
    January 2026
    December 2025
    November 2025
    October 2025
    September 2025
    August 2025
    July 2025
    June 2025
    May 2025
    April 2025
    March 2025
    February 2025
    January 2025
    December 2024
    November 2024
    October 2024
    September 2024
    August 2024
    July 2024
    June 2024
    May 2024
    April 2024
    March 2024
    February 2024
    January 2024
    December 2023
    November 2023
    October 2023
    September 2023
    August 2023
    July 2023
    June 2023
    May 2023
    April 2023
    March 2023
    February 2023
    January 2023
    December 2022
    November 2022
    October 2022
    September 2022
    August 2022
    July 2022
    June 2022
    May 2022
    April 2022
    March 2022
    February 2022
    January 2022
    December 2021
    November 2021
    October 2021
    September 2021
    August 2021
    July 2021
    June 2021
    May 2021
    April 2021
    March 2021
    February 2021
    January 2021
    December 2020
    November 2020
    October 2020
    September 2020
    August 2020
    July 2020
    June 2020
    May 2020
    April 2020
    March 2020
    February 2020
    January 2020
    December 2019
    November 2019
    October 2019
    September 2019
    August 2019
    July 2019
    June 2019

    Categories

    All

    RSS Feed

 ليس من حبّ أعظم من هذا : أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبّائه: يسوع المسيح
  • خريستو المر
  • محاضرات
  • مقالات في «الأخبار»
  • المقالة الأسبوعيّة
  • الإيمان والحياة اليوميّة
  • فلسطين
  • التزام شؤون الإنسان
  • الإيمان والثقافة
  • كلمات
  • خريستو المرّ
  • مواقع صديقة
  • المقالة الأسبوعيّة