موقع خريستو المرّ
  • خريستو المر
  • محاضرات
  • مقالات في «الأخبار»
  • المقالة الأسبوعيّة
  • الإيمان والحياة اليوميّة
  • فلسطين
  • التزام شؤون الإنسان
  • الإيمان والثقافة
  • كلمات
  • خريستو المرّ
  • مواقع صديقة
  • المقالة الأسبوعيّة

مع المسيح في جحيم هذا العالم

6/25/2019

 

المقالة الأصليّة
مع المسيح في جحيم هذا العالم
​الثلاثاء ٢٥ حزيران ٢٠١٩

في عيد الفصح يحتفل المسيحيون بقيامة المسيح من بين الأموات إذ يؤمنون بأنّه مات ونزل إلى الجحيم ليحرّر الأموات من الموت. لا يتكلّم التراث المسيحي فقط عن القيامة في اليوم الأخير وإنّما عن تحرير المسيح اليوم للإنسان من كلّ أشكال الموت، عن استمرار حضور المسيح في إنسان اليوم، في هذا العالم بالذات، وصراعه مع كلّ أشكال الموت، ودعوته لأتباعه بأن ينضمّوا إليه في مسيرة التحرير هذه؛ "من يؤمن بي، فهو يعمل أيضاً الأعمال التي أنا أعملها، ويعمل أعظم منها" (يوحنّا ١٤: ١٢). يعمل أعظم منها… الآن. لم يكن المسيح خنوعا، بل مُصارعاً ومواجهاً لأشكال الموت التي وجدها حوله، فشفى مرضى وأطعم جياعا، ودافع عن مهمّشين ومنبوذين، ووقف بجانب مستضعَفين وواجه المستغِلِّين الدينيّين والسياسيّين، ودعا الناس إلى تغيير أسلوب حياتهم. لم يَقْسُ في الكلام إلا على الذين تعالوا من رجال دينٍ، فوصف نفاقهم وقساوة قلوبهم علانية بأشدّ العبارات. قبل نزوله إلى الجحيم، نزل المسيح إلى جحيم الناس اليوميّ، هناك اعتنى بأجسادهم ونفوسهم ودعاهم أن يصيروا أحرارًا.
الإيمان ليس مجرّد تصديق لحدث، من يؤمن بالفصح يؤمن أيضًا بنزول المسيح إلى الجحيم ولهذا لا يسعه الاستعفاء من النزول إلى جحيم الناس (وجحيمه الشخصيّ) مع المسيح؛ لا يسعه دفن رأسه في الرمال، أو دفن رأسه في أمان وظيفيّ (بات اليوم شبه معدوم) وشيء من ممتلكات، ولو ضروريّة، "تؤمّن" له شعور بالأمان الذاتي. لا يسع أتباع ذاك الذي عُلِّقَ على خشبة ألاّ يعلّقوا حياتهم على خشبة المظلومين والمهمّشين لكي يكونوا بالفعل مع يسوع، فيصير الأتباع بالفعل أحراراً من الانغلاق الجحيميّ على ذواتهم، عابرين بهذا العالم ومعه، إلى الحياة.
ليس الكلامُ الجميل والتراتيل والكتابة والأفكار (على أهمّيتها كلّها) ما يجعل الكنسيةَ كنيسةً والناسَ تلامذةً للمسيح، وإنّما الإيمانُ الفاعلُ، والمساهمة مع المسيح في مسيرة قيامة البشر وتحريرهم. عوض أن يَضيع المسيحيون، ويضيّعون إيمانهم بالتلهّي بتمزيق أوطانهم، وبأوهام السلطة والغلبة، وبالصراع حول المغانم الطائفيّة، وبالاحتفال مع قياصرة هذا العالم وبهم، يدعوهم إيمانهم إلى العمل مع أخواتهم وإخوتهم للنزول معًا إلى جحيم الناس اليوميّ، لتأمين طعام الجياع، وطبابة المرضى، وتعليم الأولاد، وتأمين فرص العمل، والدفاع عن المظلومين، ومناهضة الظلم حتّى ولو شرّعه الحكّام. والأهمّ أنّهم يسعون لتحقيق أمر "أعظم من هذا"، ألا وهو النضال مع إخوتهم في أوطانهم من أجل إرساء أنظمة عادلة توزّع خيرات بلادهم بشكل عادل بين الناس بحيث لا يكون جائعين، ولا فقراء، ولا جهلة، ولا مرضى، ولا من لا يمكنه الحصول على العناية الطبّية، ولا من هو بلا منزل لائق يأويه، ولا من لا يمكنه أن يجد عملاً داخل وطنه، ولا مُعتقلٌ مظلوم، ولا معذّب في السجون، ولا مهمّش لأيّ سبب (طائفة، لون، جنس، جنسيّة...). من آمن بالمسيح يسعى مع الساعين إلى إرساء نظام يخدم الإنسان "كلّ إنسان وكلّ الإنسان" (بحسب الجملة الشهيرة للمطران غريغوار حدّاد)، لتأسيس دولة لا يكون فيها تفقير ولا استغلال. إنّ النضال الطويل النفس من أجل تبنِّي سياسات تجعل كلّ هذا ممكناً، والإدانة الصريحة لسياسات تولّد كلّ هذا الجحيم الذي يعيش فيه ملايين من البشر، نزول مع يسوع إلى جحيم الناس، للصعود معهم وبهم إلى قيامة الحياة.
هذه مسيرة، إن حدثت، تكون بالفعل والقول احتفالاً بالقيامة يمدّها خارج الطقوس إلى قلب الحياة العامّة الجحيميّ، إلى السياسة والاقتصاد والثقافة والعلوم والتربية لتصبح كلّها مجالات حياة وانتعاش للإنسان. هذه مسيرة إن تبنّاها أناس يناضلون مع غيرهم في سبيل تحقيق ثمار القيامة في هذا العالم، جسّدتْ في قلب هذا العالم صورة الملكوت الآتي، والحاضر منذ الآن. هذا ليس حُلما غير ممكن التحقيق، إلاّ عند من يعتبر أنّ المسيحيّة قصّةٌ جميلة تكمن في بضع كلمات ينطق بها، وبضعة أفكار يعرفها، وصلوات يتمتمها، وصوت رخيم يسمعه، وبضع حالات شعوريّة يمرّ بها.
المسيحيّة ليست أقلّ من نزول محبّي يسوع إلى الجحيم اليوميّ كي يزرعوا القيامة في جحيم الناس الذين أحرقت الأنظمةُ حياتهم وعائلاتهم وكرامتهم الإنسانيّة قبل أن يُعلنَ بعضهم عن ذاك الجحيم صراحةً وعلانيّةً في أجسادهم المشتعلة. لا كنيسة خارج المسيح، لا كنيسة خارج الذين هم كلّ يوم في الجحيم، هناك يسوع حاضر، ومن نور وجه ذاك الناهض من الموت، يستمدّ المؤمن أمله ورجاءه وحيويّته للعمل دون يأس، وثقته بنصر الحياة وربّ الحياة في هذا العالم.
إن لم ترم الكنيسة بنفسها عند أقدام هؤلاء الذين في الجحيم، وتجعل برنامج عملها السعي الفاعل (وليس اللفظيّ) ليقوموا منه فهي ليست كنيسة المسيح. وعلى الرغم من أنّ ما من شيء يريد المتبلّدين، كما والمستفيدين من الأوضاع القائمة، محاربته أكثر من أناسٍ يجاهرون بالحقيقة ويعملون بها ويدعون لتبنّيها، إلاّ أنّه من الواجب أن يجاهروا بالحقّ ويعملون به ويدعون إليه مع مواطنيهم لأنّ "الحقّ يحرّر"، وتبّاً للخسارات الشخصيّة.
الكنيسة هي، كسيّدها ومعه، ثورةٌ على جحيم هذا العالم، أو هي لا شيء، وبالتأكيد لا كنيسة. 

خريستو المرّ

    الكاتب

    خريستو المر
    المقالات المنشورة في «الأخبار»

    الأرشيف

    June 2026
    May 2026
    April 2026
    March 2026
    February 2026
    January 2026
    December 2025
    November 2025
    October 2025
    September 2025
    August 2025
    July 2025
    June 2025
    May 2025
    April 2025
    March 2025
    February 2025
    January 2025
    December 2024
    November 2024
    October 2024
    September 2024
    August 2024
    July 2024
    June 2024
    May 2024
    April 2024
    March 2024
    February 2024
    January 2024
    December 2023
    November 2023
    October 2023
    September 2023
    August 2023
    July 2023
    June 2023
    May 2023
    April 2023
    March 2023
    February 2023
    January 2023
    December 2022
    November 2022
    October 2022
    September 2022
    August 2022
    July 2022
    June 2022
    May 2022
    April 2022
    March 2022
    February 2022
    January 2022
    December 2021
    November 2021
    October 2021
    September 2021
    August 2021
    July 2021
    June 2021
    May 2021
    April 2021
    March 2021
    February 2021
    January 2021
    December 2020
    November 2020
    October 2020
    September 2020
    August 2020
    July 2020
    June 2020
    May 2020
    April 2020
    March 2020
    February 2020
    January 2020
    December 2019
    November 2019
    October 2019
    September 2019
    August 2019
    July 2019
    June 2019

    Categories

    All

    RSS Feed

 ليس من حبّ أعظم من هذا : أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبّائه: يسوع المسيح
  • خريستو المر
  • محاضرات
  • مقالات في «الأخبار»
  • المقالة الأسبوعيّة
  • الإيمان والحياة اليوميّة
  • فلسطين
  • التزام شؤون الإنسان
  • الإيمان والثقافة
  • كلمات
  • خريستو المرّ
  • مواقع صديقة
  • المقالة الأسبوعيّة