موقع خريستو المرّ
  • كتب
  • محاضرات
  • مقالات في «الأخبار»
  • المقالة الأسبوعيّة
  • الإيمان والحياة اليوميّة
  • فلسطين
  • التزام شؤون الإنسان
  • الإيمان والثقافة
  • كلمات
  • خريستو المرّ
  • مواقع صديقة
  • المقالة الأسبوعيّة

تفكيك الأوهام: قراءة في خيارات لبنان بين الاستسلام والصمود

4/15/2026

 
خريستو المر
الأربعاء 15 نيسان 2026 (الأخبار)

في خضمّ التصعيد الأخير الذي شهده لبنان، يبرز نقاش داخلي حادّ حول طبيعة الصراع، وأولويّات المواجهة، وحدود الخيارات المتاحة أمام اللبنانيين.
هذا النقاش ربطه البعض بالقذائف الأخيرة التي أطلقتها مجموعات المقاومة في الجنوب نحو فلسطين المحتلّة. ولكن هذا التفكير الضيّق غير منطقيّ. لا يمكن فصل الضربات الجويّة الوحشيّة الصهيونيّة عن سياق طويل من الاعتداءات، حيث تعرّض لبنان لقصف متواصل على مدى 15 شهراً قبل الانفجار الأخير، دون أن تُقابل هذه الاعتداءات بأيّ ردّ عسكري من المقاومة خلال تلك الفترة.
والاعتداءات الصهيونيّة لا تعود إلى وجود «تهديد» من لبنان للكيان الصهيونيّ (فلسطينيّون، حزب الله، إلخ) كما تبرهن المجزرة الصهيونيّة في قرية حولا (80 شهيداً) عام 1948. إنّ التهديد الصهيونيّ للبنان يعود إلى طبيعة المشروع الصهيونيّ نفسه: مشروع عنصريّ، إباديّ، توسّعي.
الاعتداءات الصهيونيّة الوحشيّة الحاليّة لم تأتِ نتيجة فعلٍ آنيّ، وإنّما هي عدّة العمل في المشروع الصهيونيّ، هي جزء من مخطّط أوسع كان قائماً أصلاً. المعطيات تشير إلى أنّ العدوّ كان يخطّط لضرب لبنان واجتياحه بغضّ النظر عن أيّ ردّ محدود من جانب المقاومة. وعليه، فإنّ اختزال المشهد في بضعة صواريخ أُطلقت هنا أو هناك يُعدّ مجافأة للواقع والمنطق، وعندما يكون مقصوداً فهو تضليل، لأنّه يتجاهل حقائق السياق الأوسع. من هنا، يصبح النقاش حول «من بدأ» غير ذي معنى، فالفهم ما كان يُحضَّر فعليّاً على الأرض.
في موازاة ذلك، يُطرح موضوع العلاقة مع إيران بوصفه نقطة خلاف إضافيّة. غير أنّ هذا الطرح، رغم أهميّته، يجب ألّا يطغى على السؤال الأساسي: ماذا نريد نحن كلبنانيّين؟ فإيران، كغيرها من الدول، تتّخذ قراراتها وفقاً لتقديرها لمصالحها، بينما تقع على عاتق اللبنانيين مسؤوليّة تحديد ما يخدم مصلحتهم الوطنيّة. لذا فالسؤال المهمّ الوحيد هو: أين تكمن مصلحتنا الوطنيّة؟ واللبنانيّون منقسمون حول نوع الإجابة التي يمتلكونها عن هذا السؤال.
جوهر الانقسام الحقيقي داخل المجتمع اللبناني يتجلّى في موقفين متعارضين. فريق يرى أنّ الاستسلام للأمر الواقع، ولو تضمّن ذلك خسارة أجزاء من الأرض أو تهجير فئات من الشعب، هو ثمن «مقبول» يدفعه غيره، مقابل عيشه هو بـ«سلام». هذا الموقف، في جوهره، يتماهى مع ما يريده العدوّ علناً، أي احتلال الأرض وتفريغها. غالباً ما يستند أصحاب هذا الرأي إلى الهروب من الواقع عبر أمثلة من دول أخرى طبّعت مع الكيان الإباديّ ولم يحتلّ أرضها بعد، متجاهلين الفوارق العميقة بين تلك الحالات والوضع اللبناني حيث الدولة الإباديّة تُعلن بفم مسؤوليها السياسيّين من كلّ الأطياف، أنّ هدفها التوسّع واحتلال أرض لبنان وتهجير شعبه. المُعلن هو احتلال الجنوب، ولكن لا ننسى أنّ المُعلن هو غير المرغوب عادة، كما حدث عام 1982 حيث كان المُعلن هو احتلال شريط ضيّق من الجنوب، وانتهينا بجيش الاحتلال في العاصمة!
مقابل هذا الطرح غير المنطقي والمستهتر، هناك فريق يؤكّد على ضرورة الدفاع عن الأرض باستخدام كلّ الوسائل المتاحة ضمن الواقع القائم، خاصّة أنّ المقاومة أثبتت جدارتها العسكريّة. هذا الموقف لا يعارضه إلّا الزعماء الذين تعلو مصالحهم الشخصيّة على مصلحة البلاد، والذين ينقادون إليهم بسبب حقدٍ أو غباءٍ، أو الاثنين معاً. غير أنّ هذا الموقف الذي يدعو للدفاع عن النفس والأرض، رغم مشروعيّته، لا يكتمل دون إدراك أنّ المقاومة العسكريّة وحدها لا تكفي.
فالتجربة أثبتت أنّ الانقسامات الداخليّة، والضعف الاقتصادي، والنظام الطائفي القائم، كلّها عوامل تُضعف المجتمع، وتحدّ من قدرته على الصمود، وتدفع البلاد إلى هاوية الاحتراب والتفتّت، وبالتالي إلى هزيمة آتية لا بدّ، ليس بسبب الضعف العسكريّ وإنّما عندما نصل إلى التفكّك الداخليّ يوماً. ثمّ إنّ النقطة الأقوى التي يستمدّ منها المقاومون إلهامهم (الدين) هي نفسها النقطة الأضعف لأنّ النظام الطائفيّ يدفع الناس أن يروا أنفسهم جماعات متناحرة عوض أن يروا أنفسهم مواطنين ومواطنات يتفقون أو يختلفون على مشاريع سياسية، ولكنّهم واحد كشعب.
من هنا، يظهر وهمان متوازيان:
الأوّل هو الاعتقاد بضرورة نزع سلاح المقاومة، في ظلّ غياب جيش وطني قادر على حماية البلاد، وهو طرح يتجاهل مسؤوليّة الدولة حماية مواطنيها وحقّ الشعب غير القابل للنقض بالدفاع عن نفسه وأرضه، وهذا حقّ للفرد وللجماعات.
أمّا الوهم الثاني، فهو اعتبار سلاح المقاومة كافياً بحدّ ذاته، دون الحاجة إلى إصلاح داخلي للانتقال إلى نظام سياسيّ غير طائفيّ، وبناء دولة قادرة اقتصاديّاً وعسكريّاً. وهو وهم أثبتته الأحداث، لأنّ الانقسام الطائفيّ في البلاد يعرّض المقاومة للخطر والبلاد للتفكّك، ولأنّ ضعف الدولة الاقتصادي يُفقِد الشعب القدرة على الصمود، ولأنّ ضعف الدولة العسكريّ لا يمكّنها من الدفاع عن شعبها.
إنّ الدفاع الحقيقي عن الأرض لا ينفصل عن بناء دولة عادلة وقادرة، دولة لا طائفيّة توحّد المجتمع بدل أن تقسّمه، وتعزّز مناعته بدل أن تُضعِفه. جواباً عن سؤال: أين تكمن مصلحتنا الوطنيّة؟ مصلحتنا ومسؤوليّتنا تقتضيان الدفاع عن شعبنا وأرضنا، لذلك مصلحتنا ومسؤوليّتنا أن نعيد صياغة مشروع وطني متكامل يجمع بين المواطنة التي توحّد فتشفي من الطائفيّة، والقدرة الاقتصاديّة التي تبني قدرة على الصمود، والقدرة العسكريّة التي تجمع خبرة المقاومة بجيش قادر. هذا هو الطريق الوحيد الذي يمكن أن يحفظ وحدة الشعب والأرض معاً، ويؤمّن استقراراً داخليّاً يستحقّه المواطنون والمواطنات ويعدّنا لمواجهة تحدّيات الاعتداءات المستقبليّة الآتية لا محالة، والتي لا يمكن أن تنتهي إلّا بهزيمة المشروع الصهيونيّ.

الخروج من الأوهام: السّيادة، الدفاع، وبناء الدولة في الحالة اللبنانية

4/13/2026

 
Picture
خريستو المرّ
2026-04-13   - المفكّرة القانونيّة   

في ظلّ الهجمات الأخيرة للكيان الصهيونيّ على لبنان، يتجدّد النقاش الداخلي حول طبيعة الصراع وحدود الخيارات المتاحة للدولة اللبنانية في مواجهة الاعتداءات المتكرّرة. غير أنّ هذا النقاش غالباً ما يُختزل في مقاربة ظرفيّة تربط الأحداث الأخيرة بردود أفعال محدودة، متجاهلاً السياق الأوسع الذي يحكم العلاقات الدولية، ولا سيّما المبادئ الأساسية للقانون الدولي العام.
وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، تُعدّ سيادة الدول وسلامة أراضيها من المبادئ الجوهرية التي لا يجوز انتهاكها. كما يكرّس القانون الدولي حقّ الدول في الدفاع في مواجهة أيّ اعتداء مسلّح. وفي الواقع اللبنانيّ، لا يمكن فهم ما يتعرّض له لبنان بمعزل عن نمطٍ متكرّر من الانتهاكات «الإسرائيليّة» التي تمسّ سيادته، والتي لا يمكن اختزالها في أحداث آنيّة أو ردود فعل محدودة، أو بشكل أعمّ  بمعزل عما بلغه الكيان الإسرائيلي من انخراط في الإبادة الجماعيّة والجرائم ضدّ الإنسانيّة، وهي عوامل تدعو الدول عمومًا إلى نبذه وقطع العلاقات معه لا إلى التطبيع معه أو حتى الاعتراف به[1]. بمعنى أنّ التركيز على حادثة بعينها، بمعزل عن سياق الاعتداءات المستمرّة منذ مجزرة حولا عام 1948، يُفضي إلى قراءة مبتورة واقعيّاً.
من هذا المنطلق، فإنّ الجدل حول «من بدأ» التصعيد العسكريّ يفقد كثيراً من قيمته التحليليّة في ضوء مبدأ حظر استخدام القوّة في العلاقات الدولية، الذي لا يُقاس فقط بالفعل الأوّل، بل بالسياق العام للتهديدات والانتهاكات المتكرّرة. فالقانون الدولي لا ينظر إلى الوقائع بمعزل عن تراكمها، بل يقيّمها ضمن إطار أوسع يأخذ بعين الاعتبار طبيعة النزاع واستمراريّته. والواقع أنّ إسرائيل تحتلّ جزءًا من الأراضي اللبنانيّة اليوم، كما أنّها ولمدّة 15 شهرًا، كانت تقصف لبنان بشكل شبه يوميّ من دون أن تتلقّى ردّا من لبنان، لا من الجيش ولا من المجموعات المقاوِمة للاحتلال، وهي تهدّد لبنان باستمرار بـ«إعادته إلى العصر الحجري»، واجتاحته عدّة مرّات وحاولت اجتياحه مرّات ومرّات ومنها هذه السنة.
منطقيّا، وانسجاما مع القانون الدولي الذي يقوم على مبدأ استقلالية القرار السيادي، تتحمّل الدولة وحدها مسؤوليّة تحديد خياراتها بما ينسجم مع حماية شعبها وأراضيها، أي بما ينسجم مع مصلحتها الوطنيّة. غير أنّ الانقسام الداخلي في لبنان يعكس رؤيتين متباينتين لمفهوم المصلحة الوطنية.
الرؤية الأولى تميل إلى القبول بالأمر الواقع، حتى ولو تضمّن ذلك انتهاكاً للسيادة أو خسارةً في الأراضي، انطلاقاً من افتراض أنّ ذلك قد يؤدّي إلى استقرار نسبيّ. غير أنّ هذه المقاربة تتعارض مع المبادئ الأساسية للقانون الدوليّ، التي لا تُجيز اكتساب الأراضي بالقوّة، ولا تُقرّ بشرعيّة الاحتلال الناتج عن الإكراه. كما أنّ تاريخ الحركة الصهيونيّة يبيّن بما لا يدع مجالًا للشكّ أنّ أيّ احتلال قامت به الحركة العنصريّة الاستعلائيّة الإباديّة ترافق مع تنكيل واحتلال أوسع وفقدان للأمن عدا التنكيل والسجن الاعتباطيّ، والفصل العنصريّ، والترحيل، والتوسّع.
في المقابل، ترى الرؤية الثانية أنّ الدفاع عن الأرض هو حقّ وواجب، وأنّ استخدام الوسائل المتاحة في هذا الإطار يندرج ضمن الحقّ المشروع في الدفاع عن النفس. غير أنّ الدفاع بواسطة قوى المقاومة الشعبيّة الموجودة اليوم مؤطّر ضمن طائفة محدّدة. ومن هنا، يبرز موقفان. الأوّل يتمثّل في الطرح الداعي إلى نزع وسائل الدفاع في ظلّ غياب قدرة فعليّة للدولة على الاضطلاع بوظائفها الدفاعيّة، وهو طرح يتجاهل مبدأ أساسيًّا في القانون الدولي يتمثّل في حقّ الشعوب في الدفاع عن نفسها في مواجهة الاعتداء. أمّا الموقف الثاني، فيتمثّل في اعتبار أدوات الدفاع القائمة بديلاً كافياً عن الدولة، وهو ما يتعارض مع منطق بناء الدولة الحديثة التي تحتكر الاستخدام المشروع للقوّة ضمن إطار قانوني ومؤسّسي، خصوصا أنّ حصر المقاومة بطائفة يساهم، شئنا أم أبينا، في ترسيخ التفكّك الداخليّ، ما يصبّ في مصلحة الدولة الصهيونيّة التي تسعى لتفكيك المنطقة إلى مكوّنات دينيّة كي تُضعف المحيط من جهة، وتبرّر وجودها من جهة أخرى.
ثمّة مفارقة قائمة على وهمين متقاطعين يحكمان المشهد الراهن:الوهم الأول يكمن في المطالبة بتجريد المقاومة من سلاحها في ظلّ انكشاف أمنيّ وغياب جيش وطنيّ يمتلك القدرة الردعية الكافية. إن هذا الطرح يسقط في فخ القفز فوق الواقع، متجاهلاً عجز الدولة الحالي عن بسط حمايتها، ومغيّباً الحقّ الطبيعي والأصيل — الفردي والجماعي — في الدفاع المشروع عن الأرض والوجود، وهو حق لا يسقط بالتقادم أو بالتفاوض.
أمّا الوهم الثاني فيتمثل في الركون إلى القوة العسكرية للمقاومة كحلٍّ كافٍ بذاته، بمعزل عن ضرورة الإصلاح الهيكلي الشامل. إن استمرار النظام الطائفي، وهشاشة الدولة اقتصادياً وعسكرياً، هي الثغرات التي تنفذ منها المخاطر؛ فالتشرذم الطائفي يضعف الجبهة الداخلية ويجعل المقاومة والوطن في مهبّ التفكك، كما أن الانهيار المعيشي يسلب الشعب مقومات صموده الطويل، والضعف العسكري يحرم الجيش من القدرة على الدفاع.
إن العبور إلى برّ الأمان ولو بحدوده النسبية في مواجهة مشروع استيطاني إبادي وتوسعي بطبيعته يمرّ حتماً عبر تفكيك هذين الوهمين معاً، والبدء الفوري ببناء الدولة القادرة. إنّ مصلحتنا الوطنيّة، بل الوجوديّة، تفرض صياغة مشروع وطني متكامل يرتكز على ركائز لا تنفصم تبدأ بالمواطنة الجامعة كمدخل وحيدٍ للتعافي من الانقسام الطائفي وتوحيد الإرادة الشعبيّة، مروراً بالمنعة الاقتصادية لتأمين الحاضنة الشعبية وتعزيز القدرة على المواجهة النفسية والمادية، وصولاً إلى التكامل العسكري الذي يدمج خبرات المقاومة الميدانية ضمن عقيدة جيش وطني مجهّز. هذا هو المسار العقلاني الوحيد القادر على صون وحدة الأرض والناس معاً وتأسيس استقرار حقيقي ينصف المواطنين والمواطنات، ويُعدّنا لمواجهة التهديدات المستقبليّة الحتمية، التي لن تنكسر إلا بهزيمة المشروع الصهيوني.

[1] اقتباس من تغريدة للمحامي نزار صاغية المدير التنفيذي للمفكرة القانونية على منصة x


ماذا تقول أجساد الأطفال للكنائس في الشعانين؟

3/31/2026

 

خريستو المر
الثلاثاء 31 آذار 2026

عيد الشعانين في الكنائس المسيحيّة هو عيد بهجة باستقبال المسيح، فيه حضور خاص للأطفال وأغصان الزيتون والزهر والشموع، يستعيد فيه المسيحيون ذكرى لاستقبال الناس للمسيح يوم دخل القدس فاستقبلوه كمن يستقبلون ملكاً، ولكنّه كان راكباً على جحش ليشير إلى أنّ ملوكيّته بالخدمة والتواضع لا بالقهر والفخامة. فماذا تقول للضمير المسيحيّ اليوم طراوة أجساد عشرات آلاف الأطفال قتلتهم عصابات بصفة جيش، مدجّجة بأحدث الأسلحة وأكثرها فتكاً في غزّة؟ وماذا تقول أجساد مئات الأطفال الذين قتلتهم في لبنان أو في إيران نفس العصابات الهمجيّة لضمير المسيحيّين في ذكرى الشعانين؟
إنّ الأجساد الطريّة التي مزّقتها وحشيّة العنصريّة الصهيونيّة حتّى اليوم، تقول إنّ القاتل قد دفن الضمير، وكيف لا يدفنه وهو قد أقنع نفسه في نظامه التربويّ العنصريّ وفي أصوليّته الدينيّة الاستعلائيّة وفي إعلامه الوحشيّ أنّ مَن يقتلهم ليسوا ببشر. أمام مَن يرتع بالقتل في محيطنا، ويعلن صراحة رغبته بضم الأرض وطرد الناس من أرضها، لا عمل يمكن أن نقوم به معه إلّا أن نحاول أن نضع له حدّاً بالقوّة، فمن حاول غير القوّة قبلنا وجد الفشل تلو الفشل (قرار الأمم المتّحدة 425 الذي دعا إلى انسحاب العدوّ من الجنوب لم ينفّذه إلّا بالقوّة، ومسيرة العودة الكبرى في غزّة قوبلت بالقنص قتلاً وتعويقاً).
الإيمان يكون بالحرّية أمّا العدالة فبالقوّة تكون، أو لا تكون. الكنيسة نفسها لم تنبذ العنف بشكل مطلق كما تحاول أن تصوّر كلمات البطريرك الراعي زوراً الذي وعظ في الشعانين بأنّ «الشعب الذي خرج لاستقبال يسوع لم يحمل سلاحاً، بل حمل أغصان النخل والزيتون علامة الفرح والسلام». فالكنيسة منذ تنصّر الإمبراطور قسطنطين، قبلت أن يستخدمَ المسيحيّون العنف للدفاع عن الحياة، ولو أنّ ذلك لا يعني أنّ العنف مقدّس. نعم، خرج الناس لاستقبال يسوع بأغصان الزيتون وشجر النخل لأنّ الداخل عليهم كان رئيس سلام، ولم يكن جنكيز خان. مئات آلاف الأجساد الطريّة في فلسطين المحتلّة ولبنان تفرض على الضمير المسيحيّ، خصوصاً في مدة الشعانين، أن يلتزم رفع الظلم عن المصلوبين من الشعبَين ممّن بقوا على قيد الحياة.
ضمير المسؤولين الكنسيّين لو كان مسيحيّاً كان ينبغي أن يعمل دون استكانة لإيواء العائلات وأجساد الأطفال المشلوحة في البرد، كان يجب أن يأمر بفتح الكنائس والأديرة وأراضٍ شاسعة واسعة لا تدفع عنها الكنائس ضرائب، لتأوي إليها الطراوةُ حتّى لا تبرد، والنفوسُ حتّى لا تحزن، والكراماتُ حتّى لا تنجرح. أملاك الكنيسة ليست لها، فـ«لله الأرض وما عليها» وما الإنسان عليها إلّا بوكيل، أملاك الكنيسة هي للمحتاجين إليها من الناس كلّ الناس.
الضمير المسيحيّ كان يقتضي أن تُفعّل الكنائس كلّ إمكانياتها الواسعة الشاسعة، واتّصالاتها، وماليّتها الضخمة التي لم تتبخّر في أموال الناس في المصارف، لكي تعيل المسيح المرميّ على الطريق، المسيح الذي تقول الكنائس إنّها تعبده ولكنّ قلبها بعيدٌ عنه تماماً كما قال يسوع: «هذا الشعب يكرّمني بشفتيه وأمّا قلبه فبعيد عنّي»، عنّي أنا النازح، عنّي أنا الأب الذي بتّ بلا عمل، عنّي أنا الأم التي فقدت ولدها، عنّي أنا الأب والأمّ المهجّران، عنّي أنا الطفل الذي يقف عارياً من القدرة على الدفاع عن نفسه من الجريمة الصهيونيّة.
لكنّ كنيسة يسوع الحقّ ليست في أولئك الذين أغلقوا قلوبهم، بل في الأشخاص الذين يحملون يسوع، أولئك الكثيرون من كلّ دين وفلسفة الذين لا نسمع أصواتهم العالية في الإعلام المجرم يصرخ بأنّهم لا علاقة لهم بغيرهم، أولئك الكثيرون الذين لا يلومون يسوع على صليبه، أولئك الذين يجتمعون مع كلّ إنسان شريف ليسعفوا يسوع، وبذلك يكونون يسعفون أنفسهم ليبقوا بشراً، ليبقوا مخلصين لذاك المسيح الحقّ الذي علّقه الحقد على صليب. ألا جعلنا الله من أولئك ونجّانا شرّ الغربة عن أنفسنا، عن لحم إخوتنا الذي تنهشه العنصريّة والاستعلاء والاستعمار الصهيونيّ والإمبراطوريّة الأميركيّة التي تدّعي المسيحيّة، ومن شرّ الإذعان المخزي أمام الحقّ المصلوب، في بلادنا.

«العقلانية» ذريعةً للتخلّي: في نقد دولة تفقد معناها

3/24/2026

 
خريستو المر، الثلاثاء 24 آذار 2026 (الأخبار)
-------------------------
في بلدٍ يهاجمه عدّوه كلّ يوم، ليس هناك أخطر من تعريفٍ مشوّهٍ للعقلانيّة يجعل من الصمت حكمة، ومن التراجع واقعيّة، ومن التفاوض بأي ثمن فضيلة سياسيّة. في لبنان اليوم، لا نواجه فقط عدواناً خارجيّاً، بل نواجه خللاً داخليّاً في معنى السياسة نفسها. هناك من يصرّ على أن «العقلانية» تعني ضبط الخطاب، تجنّب الإدانة، وفتح قنوات التفاوض، فيما يتعرّض البلد إلى انتهاك يوميّ وتنكفئ الدولة عن واجب حماية مواطنيها (وهي تنكفئ قصداً عندما لا تخصّص للجيش موازنة تسمح له بالدفاع الفعليّ عن البلاد). وفي المقابل، تُقدَّم المقاومة، أو حتى الغضب الشعبيّ، كحالات محرِجة للحكومة مع الخارج، حالات غير منضبطة، أو «غير عقلانية».
وصلت الأمور بالحكومة إلى محاولة تشريع أمر غير مشروع ألا وهو وضع مقاومة أبناء الأرض موضع الخروج عن القانون، بل ووصلت التفاهة إلى منع الإعلاميّين من ذكر كلمة «مقاومة». إنّ وجود قانون، مطلق أيّ قانون، لا يعني أنّه أخلاقيّ؛ فكم من قانون في أكثر من بلد (فلسطين المحتلّة مثلاً) هو عنصريّ وتمييزيّ. القانون هو شرعيّ كونه وُضع وفقاً للأصول، لكنّ ذلك لا يجعله مشروعاً، أي لا تجعله مرتبطاً بالضرورة بالعدالة، والحقّ. من حقّ الإنسان الدفاع عن نفسه وأرضه بأقلّ تقدير، شاء مَن شاء، وأبى مَن أبى، حتّى ولو خالف ذلك كلّ قوانين الدنيا. أمام عدوّ يقتل ويهدّد بالاحتلال، لا يحتاج إنسان أو جماعة إذناً من أحد ليدافعوا عن أنفسهم.
لحسن الحظّ طبعاً، أنّ الدول والحكومات ليست جميعها مثل هذه الحكومة، وأقرّت في شرعة حقوق الإنسان وشرعة الأمم المتّحدة (التي مزّقها ممثّل العدوّ في الأمم المتّحدة أمام الملأ) حقّ الإنسان «في الحياة والحرية وسلامة شخصه» و«الحقّ الطبيعي بالدفاع عن النفس».
العديد يتّهمون الناس الذين تدعم مقاومة الاحتلال باللاعقلانيّة، ومنهاج الحكومة يصبّ في نفس الاتّجاه. لكنّ السؤال الذي نودّ أن نطرحه هنا بوضوح: مَن يملك حق تعريف العقلانية؟ وبأيّ معيار؟ لن نحلّ موقف الحاقدين وقصيري النظر ونكتفي بالحكومة. حين تسعى السلطة إلى تعريف «العقلانيّ»، وشرح الحلول «العقلانيّة»، فهي لا تصف الواقع، بل تعيد تشكيله على أساس مصالحها. إذ تصبح العقلانيّة مرادفة لما تريد الحكومة فعله، لا لما يمكنها فعله؛ وفي لبنان تريد الحكومة إرضاء الخارج بأيّ ثمن، دون اكتراث بحماية الداخل.
هكذا «عقلانيّة» لا تسعى أن تكون الدولة حاملة لآلام شعبها وطموحاته ومعبّرة عنها، بل تسعى إلى تسويق نفسها إلى الخارج؛ لذلك عوض أن تسعى لردّ العدوان بالوسائل المتاحة داخل البلاد، تسعى كي «تُوازن» بين إدانة الاعتداء وتجنّب المواجهة؛ وعوض أن تتكلّم عن حماية البلاد، تتكلّم عن تجنّب «التصعيد». هذه «العقلانيّة» تنسف أسس شرعيّة وجود الدولة، إذ إنّ سياساتها تعني واقعيّاً التنصّل من واجبها حماية الشعب.
الدولة، في أبسط تعريفاتها، تحتكر العنف الشرعيّ لتؤمّن الحماية. لكن حين تنسحب من هذه الوظيفة، ويُترك الناس لمصيرهم، يصبح السؤال عن الشرعيّة سؤالاً وجودياًّ، لا تأمّلاً نظريّاً. الحكومة اليوم في لبنان، ليست الجهة التي تحمي، وإنّما الجهة التي تبرّر عدم الحماية. هذا يتجاوز كونه فشلاً سياسيّاً، هذا فراغ سياديّ، فراغ تملؤه قوى أخرى، ولحسن الحظّ تملؤه بفاعليّة ميدانيّة نتمنّى لها أن تستمرّ، لأنها ببساطة تقوم بما عجزت عنه الدولة: الدفاع.
غير أن هذا الفراغ للدولة ليس حادثاً عرضيّاً، هو نتيجة بُنية سياسيّة قائمة على الطائفيّة، نتيجة بنية لا تُنتج دولة وإنّما توازن قوى داخل الدولة، وهي بُنية تحظى بحماية جميع القوى السياسيّة (حتّى تلك الغاضبة من غياب الدولة اليوم). في النظام الطائفي، لا يوجد وحدة في القرار السياديّ فالقرار موزّع على مجموعة زعماء متنافسين على السلطة لا يثقون ببعضهم البعض، وثقة الناس أيضاً موزّعة على زعماء لا موضوعة في الدولة، والجيش ليس أداة حسم وإنّما مؤسّسة تُعامل على أنّه يجب تحييدها كيلا تختلّ التوازنات. هكذا يصبح من المستحيل تقريباً الجمع بين قدرة دفاع فاعلة، وقرار سياديّ موحّد، وثقة شعبيّة حقيقيّة. ليس لأن هذه الثلاثية غير ممكنة، بل لأن النظام نفسه يمنع تحققها.
مشكلة هذه الحكومة بالذات لا تكمن في كون فعل المقاومة «غير عقلانيّ»، بل في كونه اليوم خارج التوازنات، أي خارج سيطرة الدولة الطائفيّة. المقاومة مقبولة حين يتّفق عليها نظام الزعماء الهشّ والمرتبط بالخارج. لكنّها اليوم ليس من تراضٍ على وجودها، والحكومة تسعى إلى التطبيع بشكل فاقع، والمقاومة تذكّر الحكومة بأن هناك إمكانيّة لفعل سياسيّ لا يمرّ عبر قنوات التوازنات الهشّة لذلك توصف باللاعقلانيّة: مرّة كخطر، مرة كإحراج، ومرة كعبء يجب احتواؤه.
في المقابل، يُرفع التفاوض إلى مرتبة العقلانيّة المطلقة، حتى حين يكون بلا شروط واضحة، وبلا قدرة تفاوضية حقيقيّة (ما قدرة الحكومة في مفاوضة العدوّ دون قوّة دفاعيّة، قوّة الحجّة مثلاً، العدوّ لا يعرف القوانين الدوليّة والحكومة تريد أن توضح له ذلك على طاولة مفاوضات؟).
لا يمكن إقناع شعبٍ بأن الصمت حكمة وهو يرى أرضه تُنتهك وأولاده يُقتلون، ولا يمكن بناء شرعيّة على خطاب يتجاهل ما يعيشه الناس يوميّاً. ما تقوم به الحكومة غير عقلانيّ، إنّه من غير العقلانيّ أن تسعى حكومة أيّ بلد إلى التفاوض مع أعداء بلادها، وهي تعمل جاهدة لتحييد كلّ مواطن قوّة في البلاد. لكنّ المشكلة الأساس ليست في الزعيم الفلاني، أو الرئيس الفلاني، المشكلة الأساس تبقى الدولة الطائفيّة. فالمشكلة لا تكمن في اختيار الإنسان بين «مقاومة» أو «تفاوض» بل في جمع القدرتين، من الضروري أن تمتلك الأوطان وسائل الدفاع، ويمكنها أن تستخدم وسائل التفاوض غير المباشر، وهي وسيلة رضي بها الجميع في لبنان من قبل، والتفاوض وسيلة حتّى المنتصر لتحديد شروط هزيمة الآخر أقلّه.
المسألة الأساس هي أن نبني دولة قادرة على أن تفاوض من موقع قوّة، لا من موقع إنكار للواقع، وهذا لا يمكن أن يتحقق دون تغيير للمعادلة القائمة في لبنان من جذورها: (1) دولة غير طائفية تنظر إلى مواطنيها كمواطنين ومواطنات لا كمكوّنات وطوائف وبذلك يمكنها أن تمثّلهم وتوحّد القرار، (2) وعقيدة دفاعيّة تؤمّن الشروط الضروريّة ليكون الجيش الوطنيّ قادراً على الحماية، (3) وثقة شعبيّة نابعة من تمثيل حقيقيّ للمواطنين والمواطنات. بغير ذلك، سنبقى ندور في حلقة مفرغة: دولة تضعف باسم «العقلانيّة»، وشعب مقسّم يبحث عمّن يحميه خارجها.

التحرّر النظيف- وهم الليبراليّين

3/17/2026

 
خريستو المرّ، الثلاثاء ١٧ أذار / مارس ٢٠٢٦
--------------------------------
الإنسان والجماعات الذين يتعرّضون لهجوم استعماريّ مخيَّرون بين أمرين: إمّا ألّا يفعلوا شيئاً ويقبلوا أن يُستعبدوا أو يموتوا، وإمّا أن يناضلوا في سبيل التحرّر. لكنّ التحرّر ليس كلمات في كتاب تاريخ، أو نزهة جميلة لا تعفّرها دماء أو أخطاء أو خطايا. فما من حركة تحرّر في التاريخ لم ترتكب أخطاءً، وأحيانا جرائم، خلال الصراع.
النضال في سبيل التحرّر يمكنه أن يتمّ عن طريقين: نضال لاعنفي، أو نضال عنفي. وقد جُرِّب النضال اللاعنفي ونجح في بعض الحالات، كما فعل غاندي في الهند. لكنّه جُرِّب أيضاً دون نجاح في حالات أخرى؛ فقد جرّبه الفلسطينيّون في غزّة خلال أشهر من «مسيرة العودة الكبرى» حين كانوا يسيرون عُزّلاً نحو حدود غزّة، فيقابلهم جيش الاحتلال بالقنص قتلًا وإعاقة. أمّا الجبن وما يستتبعه من امتناع عن النضال فأمر قبيح، لا كرامة فيه ويرفضه كلّ شعور إنسانيّ، وهو عديم المسؤوليّة. لذلك فإنّ مخترع النضال اللاعنفي، غاندي، لم يتردّد أن يقول «إنني أؤمن حقًّا بأنّه إذا لم يكن هناك خيار سوى بين الجبن والعنف، فإنني أنصح بالعنف. ولأُفَضِّل أن تلجأ الهند إلى السلاح دفاعًا عن شرفها على أن تقف جبانةً شاهدًا عاجزًا على إهانة نفسها». وفي بلادنا، دافع اللاهوتي كوستي بندلي، وكاتب هذه السطور، عن الموقف التالي: حينما تنتفي إمكانيّة الفعاليّة في النضال اللاعنفيّ (أو لا تكون وحدها كافية) فلا بدّ من اختيار النضال العنفيّ وسيلة للتحرّر. والسبب، بالنسبة لي، بديهيّ: المسؤوليّة عن الحياة: حياة الآخرين وحريّتهم. إذ يمكن للإنسان أن يختار أن يموت دون أن يحاول قتل أحد، لكنّه لا يستطيع أن يتنصّل من مسؤوليّته عن حياة غيره: عائلته، ومواطنيه، وكلّ إنسان مظلوم واقع تحت اعتداء قد يُبيده أو يستعبده.
لكن عندما يقوم الناس بعمل عنفي، فلا بدّ أن يخطئوا: إمّا بسبب سوء تقدير، أو بسبب انفلات العنف من الضوابط خلال المعركة، أو بسبب انحراف قيادي هنا أو هناك. لكن هذا لا يعني أن يرمي الإنسان كلّ محاولة للنضال العنفي، أو أن يتوقّف عن النضال لأنّ جماعة من المناضلين ارتكبوا جرائم. بل يعني أنّه يجب نقد الأخطاء، وإدانة أيّ تجاوز، من أجل ضبط العنف المنحرف. والنقد ضروريّ أيضا، للإعداد للنضال إعداداً أفضل، وسدّ نواقص النضال أكانت ظرفيّة (نقص في الاستعداد) أم بنيويّة (فئويّة طائفيّة وهي ضعف بنيويّ للمقاومة في لبنان). ولهذا فإنّ نقد القائمين على عمليّة التحرّر جزء من مسار التحرّر.
غير أنّ النضال لدى الكثيرين يتّسم بالرومنسيّة. فهناك رومنسيّة العنف المعروفة، التي تقوم على اعتبار كلّ حمل للسلاح شجاعة و«رجولة»، وكلّ قتل مشروع لأنّه في سبيل قضيّة كبرى. وهذه الرومنسيّة قصيرة النظر، كما أنّها قد تنحرف لتصبح وحشيّة، وتنقلب في النهاية ضدّ التحرّر نفسه. لكنّ هناك رومنسيّة أخرى لم تُحلَّل كثيراً، هي رومنسيّة الليبراليّين المحبّين للديموقراطيّة بعد أن تكون هذه بُنيَت فوق ملايين الجثث التي لم يروها، وقامت على استعباد عشرات الملايين الذين لم يعرفونهم، وتستمرّ اليوم فوق جبال من الضحايا التي لا يشعرون بموتها لأنّها خفيّة عن وعيهم. هؤلاء يريدون الحرّيّة دون أن يدفعوا هم، أو يدفع غيرهم، ثمنها؛ أو يريدون ثورة عنفيّة بلا أخطاء ولا خطايا. طبعا هناك الذين يتوهّمون أنّ الحرّية تأتي على أجنحة الاستعمار. وما يجمع هؤلاء الرومنسيّين أنّهم لا يقيمون وزنا لفداحة النتائج في غياب النضال العنفيّ على أخطائه. فما إن تُرتكب الأخطاء حتى يحجموا عن تأييد المقاومة من أجل التحرّر، ويرتدّوا عليها بحجّة «سقوطها» الأخلاقي. وهذا، فضلاً عن كونه موقف لا مسؤول لأنه لا يفكّر في مصير الناس إن لم يقاوموا، فهو أيضاً موقف خارج التاريخ. لو أنّ هؤلاء يشاركون أو يدعمون حركة نضال لاعنفي تسعى فعلاً إلى التحرّر، فلا بأس؛ إذ يمكن للإنسان أن يمتنع الإنسان عن المشاركة في عمل عنفيّ، لكنّه من ناحية أخرى يشارك في النضال اللاعنفي من موقعه، ولا يحارب النضال العنفي بل يكتفي بنتقد تجاوزاته، كما ينتقد قصور النضال اللاعنفيّ وأخطائه وخطاياه (الموجودة حتما). أمّا أن يحارب الإنسان النضال العنفي دون أن يكون هناك للناس بديل، أو يتمسّك بالنضال اللاعنفي حلاً وحيداً بعد أن ثبت عدم فعاليّته في تحقيق التحرّر أو الدفاع، فذلك عدا عن كونه موقف لا مسؤول، فهو موقف لا تاريخيّ. إذ تكشف الدراسات التاريخيّة أنّ حركات التحرّر، رغم دورها في مقاومة الاحتلال والاستعمار والهيمنة، ترتكب أيضًا انتهاكات ضد المدنيين. ونحن إذ نشرح هذه الأمور للتفكير، فهذا لا يعني أنّنا نوافق على ارتكابها.
في فرنسا خلال التحرير عام 1944، شاركت بعض عناصر المقاومة الفرنسيّة في إعدامات ميدانية لأسرى ألمان ولمدنيين فرنسيّين متّهمين بالتعاون مع النازيّة، ضمن موجة معروفة بـ«التطهير الوحشي» التي أودت بحياة آلاف الأشخاص خارج أي مسار قضائيّ. كما استهدُفت النساء المتّهمات بـ«التعاون» من خلال مئات حالات الاغتصاب، وطقوس علنيّة لحلق الشعر والإهانة، وبينما تعرّضت آلاف النساء لعقوبات علنية قاسية عاد كثير من الرجال الذين تعاونوا فعلياً مع الاحتلال الألماني سياسياً أو اقتصادياً إلى مواقعهم بعد الحرب (إقرأوا فابريس فيرجِلي). وفي حرب فيتنام، قادت القوات الشيوعيّة نضالًا تحرّريًا ضد الولايات المتحدة وحلفائها، لكنّها نفّذت أيضًا عمليات قتل وتطهير سياسيّ ضد مدنيّين اعتُبروا أعداء الثورة، كما في أحداث هوي عام 1968. ويجب وضع هذه الانتهاكات ضمن سياق حرب أوسع شنّتها الولايات المتّحدة واتسمت بعنف أميركيّ واسع النطاق ضد المدنيّين، حيث ارتكبت القوات الأميركيّة فظائع كبيرة، مثل مجزرة «ماي لاي»، والقصف الواسع للقرى، والقتل خارج نطاق القضاء، والتعذيب، والاحتجاز التعسّفي. أما في حرب الجزائر، فقد مارست جبهة التحرير الوطنيّ هجمات وتفجيرات ضد مستوطنين أوروبيّين وضد جزائريّين اعتُبروا خونة (مجزرة ملوزة). هنا أيضا، مارس المناضلون العنف بحقّ حتّى مدنيّين جزائريّين، في سياق عنف الدولة الفرنسيّة الاستعماريّة الأوسع، حيث مارست القوات الفرنسية حملة قمع واسعة شملت التعذيب المنهجي والاختفاء القسريّ، والتدمير الجماعي للقرى، ذلك بعد أن قتلت حوالي ثلث السكّان خلال السنوات الأولى من احتلالها للجزائر.
يذكّرنا تاريخ حركات التحرّر بأنّ الطريق إلى الحرّيّة ليس بسيطا وسهلا، وليس خاليًا من الأخطاء والجرائم أحيانًا. لتجنّب انحرافات العنف (أو لأسباب إيمانيّة) يمكن للإنسان أن يفضّل النضال اللاعنفيّ، المهمّ أن يمارسه بالفعل لا أن يختار الانكفاء عن المواجهة والجبن، أو ممارسة العنف على المستضعف! كما أنّه من الضروريّ نقد النضال اللاعنفيّ حين يكون غير فعّال وعقيمًا، أو ينجرف إلى الجبن والتطبيع مع العدوان.
لكنّ النضال العنفيّ طريق ضروريّ، ووحيدٌ أحيانا، لأجل التحرّر، يختاره البشر رفضًا للعبوديّة والاستغلال والإذلال. التحدّي لا يمكن في رفض النضال العنفيّ لمجرّد حدوث الأخطاء والخطايا، أو في إنكار تلك، بل في نقدها وضبطها حتى يبقى النضال في خدمة التحرّر، مع توسيع حركة التحرّر بهويّة جامعة ورفدها بنضال لاعنفيّ، مثل المقاطعة التي يستطيع كلّ إنسان المشاركة فيها. هناك عبارة قيلت يوما بشأن المسيحيّين الذين يتجنّبون الالتزام في قضايا التحرّر خوفا من الأخطاء، يجب أن يتأمّلها طويلا المؤمنون صدقا بضرورة التحرّر: إنّهم من كثرة ما خشوا أن يوسّخوا أيديهم صاروا بلا أيدي!
ننحني أمام مقاومينا الذين يضحّون لكي نتحرّر جميعا يومًا، ونرفدهم بما استطعنا من قوّة، ومنها المقاطعة، وربّما، هذه المقالة البسيطة.

الصوم الذي يفتح باب القلب: كلام في الوضع اللبنانيّ الجارح

3/10/2026

 
خريستو المرّ، الثلاثاء ١٠ أذار / مارس ٢٠٢٦
----------------------------------
سرّ الصوم ليس في الامتناع عن الطعام، وإنّما في الامتناع عن القسوة، وبالأحرى بالانطلاق في التعاطف والمحبّة. وضبط الجسد في الصوم ليس هو الهدف، وإنّما الهدف هو تهذيب القلب. الموضوع يتجاوز موضوع الامتناع عن الطعام، فكثير من الملحدين يصومون عن اللحم طوال حياتهم، أي أكثر بكثير من فترات الصوم لدى المسيحيّين والمسلمين. والموضوع الأساس ليس معرفة الله أيضا معرفة ذهنيّة، فالشيطان (الذي يعترف المؤمنون بالله بوجوده) يعرف الله أكثر منّا جميعا، وهو لا يأكل ولا يشرب، ورغم ذلك فهو ليس بأقلّ من... شيطان.
الصوم، في أعمق معانيه، تمرينٌ على أن يفسح الإنسان مجالا أوسع في قلبه لله، والإثبات الوحيد على هذا الإفساح هو بأن يفسح مجالا أوسع لغيره في قلبه وعمله، أن يكون رحيما، واسع القلب كالله، وكلمة الرحيم تأتي من الرحم الذي يتّسع ليحمل الجنين. الصوم تمرين على أن يكون الإنسان على «صورة» الله بالمعنى المجازيّ للكلمة، بمعنى أن يكون رحيما كالله، مُحِبّا مثله. هذا يعطي الصوم معنى إيجابيّا وليس سلبيّا، معنى لا يقوم بالامتناع عن، بل بالسير نحو، بتغيير طريقة الحياة لتكون شبيهة بطريقة الحياة الإلهيّة: حياة رحمة ومحبّة. إنّ جوع الإنسان الحقيقي ليس جوع المعدة، بل جوع قلبه إلى حنان الآخرين، وجوع قلبه إلى أن يكون أكثر إنسانيّة، إلى أن يسكنه الله كي يكون رحيما.
يقول الكتاب: «لا تغلق أحشاءك عن أخيك» (1 يوحنا 3: 17). وفي موضع آخر يأتي تحذير يعكس قسوة الواقع: «لا يعضّ بعضكم بعضًا ولا يأكل بعضكم بعضًا» (غلاطية 5: 15). هذا يعني أنّ الصوم، في معناه العميق، ليس مجرد امتناع عن لحم الحيوان، أو امتناع عن الطعام لفترة، وإنّما امتناع عن لحم الأخ والأخت: الامتناع عن ظلمه، عن استغلاله، عن تعنيفه، عن إقصائه، عن تركه لمصيره دون أحد، أي هو يكمن في العمل الفاعل لكي يكون القلب قلبا لحميّا لا قلبا حجرّيا، متعاطف مع الآخرين ولذلك فاعل من أجلهم. ما جدوى أن يترك الإنسان اللحم على مائدته إن كان يأكل كرامة أخيه في الحياة، أو يمتنع عن أن يستردّ إخوته في الإنسانيّة كرامتهم؟ كرامتي من كرامة كلّ مَن امتهنت كرامته، أو تعرّض لقسوةٍ تريد انتزاع كرامته منه. لا معنى للتقشّف والصوم إن كان القلب لا يزال مغلقًا.
لكن هل أتعاطف وأعمل من أجل من يشبهني؟ لقد أعطى التقليد المسيحي «للغريب» مكانة خاصة. فالغريب في الكتاب ليس مجرد عابر سبيل؛ إنه كلّ آخر، خارج قبيلتي، عائلتي، طائفتي، ديني، وضعته الظروف في طريقي ليخاطب ضميري، كلّ غريب هو كلمة الله إليّ لكي أبقى بشرا ولا أصبح حجرا، لكي أصنع معه المحبّة فيصبح قريبي بالمحبّة التي وحدها تُنشئ عائلة حقّا. في الآخر «الغريب» يختبر الإنسان صدق إيمانه، لأن الله نفسه يظهر في صورة الغريب، ولذلك يقول الإنجيل: «كنت غريبًا فآويتموني» (متى 25: 35). وفي زمننا هذا، حيث حروب الاستعمار والاستكبار تحاصرنا، يصبح الصوم سؤالًا أخلاقيًا حادًّا: هل يفتح الإنسان بيته، أم يغلق قلبه؟ هل تفتح المدن والقرى مدارسها أم تغلقها؟ هل يكون الناس للناس أم يفقدون إنسانيّتهم؟ في هذه الهجمة الإسرائيلية، وفي هذا التهجير القسري الذي هو بمثابة عقاب جماعيّ لأكثر من ربع الشعب اللبناني، لا يكفي أن يتكلم الإنسان عن الإيمان. الإيمان يُمتحن هنا، في هذه اللحظة. أن يكون الإنسان مؤمنا في مثل هذه اللحظات يعني أن يعمل المستحيل ليجد للغريب مكانًا، فكيف إذا كان «الغريب» ليس غريبًا حقًا، وإنّما قريب، أوّلا في الإنسانيّة، ثمّ في الوطن والقرى والمدن التي تقاسمنا معه فيها الخبز واللغة والذاكرة؟ الصوم لا يستقيم بدون تبنٍّ لآلام الأخرين بحيث تكون آلامي أنا، دون ذلك لا معنى للصوم.
الأمر نفسه ينطبق على المسلمين أيضا الذين يقيمون اليوم صوم رمضان. فالصوم في الإسلام أيضًا ليس مجرّد انقطاع عن الطعام بلا معنى. يرد في القرآن: «أرأيت الذي يكذب بالدين، فذلك الذي يدع اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين، فويل للمصلين، الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراءون، ويمنعون الماعون.» (الماعون 1–3). ويرد أيضًا: «ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر من آمن بالله واليوم الاخر والملائكة والكتاب والنبيين، وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين» (البقرة 177). فالصوم في رمضان، كما في الصوم المسيحي، ليس مجرّد طقس وإنّما طريق نحو القلب المنفتح على الآخر في أوضاعه هو، أي طريق نحو العدالة. لا معنى للجوع إن لم يفتح باب القلب للآخر، ولا معنى للعبادة إن لم تمتد اليد إلى الموجوعين.
الصوم يتمّ عندما ينتهي الطعام ويبدأ القلب. عندما يتعلّم الإنسان أن يرى وجه الله في وجه الجائع، وفي وجه اللاجئ، وفي وجه المهدَّد بيته، وفي وجه الطفل الذي فقد بيته وفي وجه الذي شرّدته يد الاستعمار والاستكبار والإهمال الداخليّ. عندها يصبح الصوم صلاةً حيّة. ليس السؤال الأخير إن كنّا صمنا عن الطعام، ولا إن صمنا عن القسوة (وبقينا سلبيّين فلم نفعل شيئا)، السؤال هو ماذا فعلنا؟ ماذا فعلنا اليوم بالآخر الذي تغرّب في وطنه كغريب؟
يقول الكتاب أنّ الله سأل قايين «أين أخيك هابيل.»، وأن ذاك أجابه «لا أعلم، ألعلّي حارس لأخي؟». كلّ مَن لم يعتبر نفسه حارسا للمهجّرين اليوم، كلّ من لم يمدّ لهم يد المساعدة يكون قد شريكا لقايين. إن لم يَصُم الإنسان عن أكل لحم أخيه الإنسان فيمتنع عن استغلاله، وإن لم يغيّر طريقة حياته ليرى المظلومين عيالا لله، ووجها مميّزا لأبيهم السماويّ، يبقى صومه مجرد جوعٍ طويل، ولا يتحوّل ليكون طريقا إلى السماء. أمّا الصوم الذي يفتح القلب على الآخر، فذاك صوم ثوريّ، هو صوم على حسب قلب الله، هو صوم يغيّر العالم لأنّه يهتمّ لمصير الناس، فيعمل.

حين تصبح الحرّية أداة في مشروع الإمبراطوريةقضايا وآراء

3/4/2026

 
خريستو المر، الأربعاء 4 آذار 2026

عندما تتعرّض دولة ما لاعتداء عسكريّ أو اقتصاديّ من قِبل قوى خارجيّة كبرى، تحت شعار «تغيير النظام» أو «نشر الديمقراطيّة» أو «حماية الأمن الإقليمي» أو «تحرير الشعب»، فإنّ أولى الضحايا تكون السيادة. والسيادة ليست تفصيلاً تقنيّاً؛ إنها التعبير السياسيّ عن حقّ الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها. حين تشنّ عدوّتا شعوب هذه الأرض، الولايات المتّحدة الأميركيّة و«إسرائيل»، هجوماً على إيران بزعم السعي إلى «تغيير النظام»، فالسؤال الأساس ليس ما إذا كان النظام القائم بالفعل قمعيّاً أم لا، أو إن كان يعاني من اختلالات شتّى أم لا، وإنّما السؤال الحقيقي هو: مَن يملك الشرعيّة لتقرير هذا التغيير، وبأيّ وسائل؟
إنّ تغيير أيّ نظام هو حقّ الشعوب ذات السيادة. هو حقّ المواطنين والمواطنات، والحركات الاجتماعية، والمجتمعات التي تعيش يوميّاً تبعات الحكم. هذا التغيير ليس من حقّ دول خارجيّة تبني استراتيجيّاتها على السيطرة على الموارد، وترسيخ النفوذ. عندما تبادر قوى خارجيّة (في إيران أم في سوريا) إلى السعي لتغيير نظام، فإنّ حساباتها لا تكون أخلاقيّة وإنّما تكمن في كيفيّة استخدام هذا التغيير لدعم مصالحها، فكيف إن كانت تلك الدول الخارجيّة إمبراطوريّة كالولايات المتّحدة، أو استعماريّة كـ«إسرائيل»؟ هذه الدول لا تفكّر إلّا في طرق الإمداد بالمواد الأوليّة، وطرق التجارة، وأماكن التموضع العسكريّ، وكيفيّة الوصول إلى الطاقة وغيرها من المواد بالأسعار التي تريدها، وكذلك كيفيّة قمع أيّ معارضة لمخطّطاتها.
لقد أظهرت حروب الاستعمار الحديثة (العراق مثلاً) والقديمة أنّ التدخّل حين يُقدَّم بوصفه «تحريراً» أو «نقلاً للحضارة» يؤدّي بالفعل إلى تفكيك للبنى الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة للبلد المُهاجَم وإلى نهب ثرواته والمزيد من القمع بأجهزة جديدة. فعادة ما تنهار المؤسسات، وتتفاقم التوتّرات الطائفية أو الإثنية، وتتحوّل وعود «الحرّية» و«الحضارة» إلى مسألة ثانوية أمام الحاجة الملحّة إلى إعادة فرض النظام والأمن. ويُجري المنتصرون تقسيماً فعليّاً للدولة، أو يعملون على إضعافها إلى حدّ تفقد معه قدرتها على انتهاج سياسة مستقلّة، إذ تُستتبع لمركز الإمبراطورية وحاجاته، وحاجات ممثّليه الإقليميّين (إسرائيل في حالتنا، ودول الخليج التي تدور في فلكها).
ضعف الدولة المُهاجَمَة بعد الحرب ليس صدفة، بل جزء من التصميم الأساس للذين شنّوا الحرب. وعندما يكون الهدف الأعمق للحرب ضمان سيطرة طويلة الأمد على موارد المنطقة، وكسر أيّ مقاومة لمصالح الإمبراطورية، فإن تفكيك الدولة (أو إضعافها) يكون أداة لخدمة تلك المصالح. فالدولة المُمزّقة وتلك الضعيفة يسهل التحكّم بها، إذ يمكن للدول الاستعماريّة إدارة سلطات محلّية متنافسة (طائفيّة أو إثنيّة لا يهم)، والضغط عليها، وحتّى تمويلها بهدف الضغط عليها بالتهديد بإيقاف التمويل. عندها، يُحافظ على السيادة اسميّاً فقط بعد أن تُفرَّغ من مضمونها، إذ إنّ المتحكّم ليس الشعب وإنّما الطرف الخارجيّ.
قد يجادل أنصار التدخل في إيران بأن الأنظمة القمعية تشكّل خطراً على الشعب الإيرانيّ وأنّ هذا يبرّر مهاجمتها. غير أن هذا المنطق ينهار عند تعميمه. فلو أصبح مبدأ عاماً، لأصبحت الدول القوية مُخوّلة دائماً بغزو الأضعف استناداً إلى تقييمات ذاتية للحُكم في الأوضاع، ولساد منطق الهيمنة، وهو ما بقي سياسة مبطّنة للولايات المتّحدة حتّى مجيء الرئيس الحالي الذي تابع منطق الهيمنة لمن سبقوه بطريقة علنيّة وأكثر استباحة للقوانين الدوليّة.
القوى الخارجية لا تفعل سوى استبدال مجموعة مستفيدين بأخرى أكثر تمثيلاً لمصالح الخارج لا الداخل. إنّ الاستبدال عندها لا يتعدّى تغيير الوجوه المستفيدة، ليصبح هؤلاء أكثر خدمة للرعاة الخارجيّين، ويترسّخ بالتالي منطق إخضاع الشعب. التغيير الحقيقيّ في بلد لا يمكنه أن يكون مُرَشّحاً لأن يصبّ في مصلحة الشعب إلّا حين ينبع من الداخل. قد يكون التغيير الداخليّ أبطأ وأكثر تعقيداً، من التحوّل المفروض من الخارج، لكنه أكثر أماناً ويحمل الشرعيّة الحقيقيّة الوحيدة: الشعب نفسه هو مَن يعمل للتغيير، ويتحمّل المخاطر، ويجني الفوائد المحتملة، للتغيير الذي ينشده هو (أو تنشده الأكثريّة مهما كانت على خطأ). التغيير الداخليّ السياديّ يعكس حراكاً اجتماعيّاً، وتفاوضاً لمراكز القوى في المجتمع، على عكس الحرب الخارجيّة التي تعكس إملاءً أجنبيّاً لجني فوائد للخارج. التغيير الداخليّ يُنتِج مساءلة أمام المواطنين، لا ارتهاناً لرعاة خارجيّين.
إنّ التضامن الحقيقي مع شعب أيّ دولة لا يكون بالقنابل أو بالعقوبات الإجراميّة التي هي تقتل الناس بشكل بطيء، بل باحترام إرادة ذاك الشعب. التغيير المفروض من الخارج لا يحرّر المجتمعات، بل يعيد ترتيب النخب لمصلحة الخارج في الدرجة الأولى لتكون له الحصّة الأكبر من ثروات البلاد. مبدأ السيادة بسيط: الأنظمة تسقط وتنهض بإرادة شعوبها. عندما تدّعي دول أجنبيّة حقّ تغيير الأنظمة لنفسها، فإنها لا تدافع عن الحرية، بل تهدم السيادة وتشوّه معنى الحرّية لتصبح أداة في مشروع للسيطرة والإخضاع.
خلال هذه الحرب الهمجيّة الجديدة، ليس السؤال إن كنت مع أو ضدّ الحكم الإيرانيّ، وإنّما إن كنت مع أو حقّ تقرير الشعوب لمصيرها بنفسها أم لا، وبكلمات أخرى: إن كنت ضدّ الهجمات الإرهابيّة للمشروع الإمبراطوريّ الأميركيّ وتعمل ضدّ هذا المشروع أم لا؟
* كاتب وأستاذ جامعي

¿Una nueva civilización o una continuidad colonial?

2/24/2026

 
Christo El Morr, martes 24 de febrero de 2026
En su reciente entrevista en el diario La Tercera de Chile, país que estoy visitando actualmente (edición del sábado 21 de febrero de 2026), titulada “Se está construyendo una nueva civilización, la civilización de la omnipotencia”, el filósofo francés Gilles Lipovetsky sostiene que estamos presenciando el nacimiento de una “civilización de la omnipotencia”: una era marcada por una ambición tecnológica ilimitada y un capitalismo desregulado, una civilización que encarna el exceso de poder en figuras como Donald Trump. Su diagnóstico es agudo y serio, como cabría esperar: retroceso democrático, predominio de la fuerza, acelerada degradación ambiental y una creciente obsesión por el poder. Sin embargo, una lectura de los mismos acontecimientos desde una perspectiva anticolonial y decolonial puede revelar que lo que Lipovetsky describe como una nueva ruptura civilizatoria no es sino una intensificación y adaptación de una antigua estructura colonial, una forma renovada de modernidad colonial.
Lipovetsky sitúa la crisis principalmente dentro de coordenadas occidentales: el declive de las democracias liberales, la caída de la Unión Soviética, el populismo vulgar de Trump y la erosión de la “corrección política”. Su cronología comienza en 1991. Pero para muchos países del Sur global, 1991 no fue el amanecer de una armonía democrática, sino el momento de consolidación de la globalización neoliberal, los programas de ajuste estructural y los regímenes de endeudamiento en América Latina, África y partes de Asia. Lo que se denominó “globalización feliz” se tradujo para muchos en austeridad, privatización, despojo de tierras y una intensificación de la extracción de recursos naturales por parte de quienes ven la tierra únicamente como “materia prima” para la venta y la acumulación de ganancias. La crisis que Lipovetsky presenta como un fenómeno “nuevo” —la fragilidad, el retroceso democrático, el ascenso del autoritarismo y la sensación de inestabilidad— no es nueva a escala global. Es nueva solo para los países que ocupaban el centro de la hegemonía mundial: Europa occidental y América del Norte.
Incluso el concepto de “civilización” que utiliza Lipovetsky merece ser cuestionado. Históricamente, este concepto fue una herramienta colonial: se utilizó para distinguir entre lo “civilizado” y lo “primitivo”, entre lo “moderno” y lo “atrasado”. Hablar de una “nueva civilización de la omnipotencia” sin deconstruir este término corre el riesgo de reproducir la jerarquía epistemológica que legitimó el colonialismo europeo. ¿Quién define la civilización? ¿Quién se beneficia de la omnipotencia? ¿Quién paga sus costos ambientales y sociales? Estas preguntas están ausentes en el análisis de Lipovetsky.
Las tecnologías que menciona —la inteligencia artificial, la biotecnología, la colonización de otros planetas— no flotan en el vacío. Están materialmente arraigadas en la extracción de litio en Chile, la minería de cobalto en la República Democrática del Congo, el procesamiento de tierras raras en Mongolia Interior y en las infraestructuras y mecanismos de la tecnología digital distribuidos a escala global. La “civilización de la omnipotencia” no está separada de las geografías de extracción ni de las formas de explotación ni de los regímenes laborales racializados, en los que el trabajo se organiza, distribuye y jerarquiza según criterios raciales. El problema, por tanto, no es simplemente una crisis de exceso de poder —no es solo una cuestión de acumulación excesiva de poder, consumo, tecnología o riqueza— sino la continuidad de una acumulación colonial que adopta nuevas formas digitales y tecno-científicas.
Lipovetsky propone “civilizar el capitalismo, no demonizarlo”. Precisamente aquí aparecen los límites de una crítica reformista. La literatura crítica decolonial —desde el peruano Aníbal Quijano hasta el pensador afroamericano Cedric Robinson— ha demostrado que el capitalismo no solo acompañó al colonialismo, sino que se formó a través de él. Las jerarquías raciales, el despojo de tierras y el trabajo forzado no fueron desviaciones, sino fundamentos estructurales del capitalismo. Suponer que el capitalismo puede “civilizarse” implica considerar su violencia como accidental y no estructural. La verdadera cuestión no es si el capitalismo puede suavizarse, sino si un sistema que nació del saqueo colonial, del comercio de esclavos, de la jerarquía racial, del despojo territorial y de la dominación militar puede separarse de la lógica de dominación que dio forma a su origen.
Incluso la reducción que hace Lipovetsky del fenómeno Trump a una mera exhibición vulgar de riqueza y poder (kitsch) no constituye una verdadera politización de la realidad. Aunque el análisis estético que emplea revela la lógica del espectáculo y la vulgaridad, puede ocultar dimensiones fundamentales como la raza, el colonialismo de asentamiento, el autoritarismo contemporáneo y el capitalismo que subyacen a todo ello. La militarización de las fronteras, el pánico al “reemplazo demográfico” de los blancos y el ascenso de los nacionalismos no son simples desviaciones estilísticas; son, en realidad, una reafirmación de la soberanía colonial dentro de las democracias liberales.
Lipovetsky tiene razón en que se está produciendo una transformación profunda y en que la expansión tecnológica sin límites coincide con una creciente fragilidad de la vida en el planeta. Pero la fragilidad que describe ha caracterizado durante mucho tiempo la vida de los pueblos colonizados bajo imperios que recientemente el secretario de Estado estadounidense Marco Rubio llegó incluso a elogiar públicamente, entre aplausos de dirigentes europeos. Lo verdaderamente nuevo quizá no sea la aparición de la omnipotencia —tecnologías gigantescas, poder militar, capitalismo hipertrofiado— sino el hecho de que Occidente ya no monopoliza ese poder ni controla su dirección como antes. Lo que se tambalea es la hegemonía occidental dentro del sistema que ella misma construyó.
No, no estamos ante una nueva civilización. Estamos ante la intensificación de una vieja brutalidad: las contradicciones de la modernidad colonial que se condensan una vez más. La tarea no consiste simplemente en contener el exceso de poder, sino en cuestionar las bases económicas, políticas y epistemológicas que hicieron posible e incluso imaginable ese exceso. Para nuestro futuro común —y especialmente para los países del Sur— la verdadera cuestión es desmantelar la estructura capitalista mediante el desmantelamiento de las estructuras coloniales que la fundaron. En última instancia, se trata de una cuestión de vida o muerte..

https://www.al-akhbar.com/NewspaperArticles/topics-opinions/880224/

حضارة جديدة أم استمراريّة استعماريّة؟

2/24/2026

 
خريستو المرّ، الثلاثاء  ٢٤ شباط / فبراير ٢٠٢٦
 
في مقابلته الأخيرة في جريدة «لا تيرسيرا» في تشيلي التي أزورها حاليّا (عدد السبت 21 شباط/فبراير 2026) بعنوان «يجري بناء حضارة جديدة، حضارة القدرة المطلقة»، يرى الفيلسوف الفرنسي جيل ليبوفيتسكي أننا نشهد ولادة «حضارة القدرة المطلقة»، عصر يتسم بالطموح التكنولوجي اللامحدود، والرأسمالية المنفلتة من الضوابط، حضارة تجسّد فائض القوة في شخصيّات مثل دونالد ترامب. تشخيصه حادّ وجدّي كما هو متوقّع: تراجع ديمقراطيّ، غلبة القوّة، اختلال بيئيّ متسارع، وهوس متنامٍ بالسلطة. غير أنّ قراءة الأحداث نفسها من منظور مناهض للاستعمار وتفكيكيّ (ديكولونيالي) يمكنها أن تكشف لنا أنّ ما يصفه ليبوتفسكي كقطيعةً حضاريّة جديدة، ليس إلّا تكثيف وتكيّف لبنية استعماريّة قديمة، نوعٌ من حداثة استعماريّة متجدّدة.
يؤطّر ليبوفيتسكي الأزمة ضمن إحداثيات غربيّة أساسًا: أفول الديمقراطيات الليبرالية، سقوط الاتحاد السوفياتي، شعبويّة ترامب الفجّة، تآكل «الصوابية السياسيّة». يبدأ المسار الزمني عنده من عام 1991 فصاعدًا. لكن بالنسبة لكثير من بلدان الجنوب العالمي، لم يكن عام 1991 فجر انسجام ديمقراطيّ، بل لحظة ترسيخ العولمة النيوليبراليّة، وبرامج التكييف الهيكليّ، وأنظمة المديونيّة في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وأجزاء من آسيا. ما سُمّي «العولمة السعيدة» تُرجم لدى الكثيرين تقشّفا، وخصخصة، وانتزاع أراضٍ، وتكثيفًا لاستخراج المواد الطبيعيّة من قِبَل مَن لا يرون في الأرض سوى «مواد أوليّة» للبيع وزيادة الأرباح. الأزمة التي يُقدِّمها ليبوفيتسكي بوصفها ظاهرةً «جديدة» (الهشاشة، وتراجع الديمقراطيّة، وصعود السلطويّة، والشعور باللااستقرار) ليست جديدة على مستوى العالم كلّه، هي جديدة فقط على الدول التي كانت في موقع الهيمنة العالميّة: أوروبا الغربيّة، وأمريكا الشمالية.
حتى مفهوم «الحضارة» الذي يتفوّه به ليبوفيتسكي يستحق مُساءلة. تاريخيًا، كان هذا المفهوم أداة استعماريّة، فقد استُخدم لتمييز «المتحضّر» من «البدائي»، و«الحديث» من «المتخلّف». الحديث عن «حضارة جديدة للقدرة المطلقة» من دون تفكيك هذا التعبير قد يعيد إنتاج الهرميّة المعرفيّة التي شرعنت الاستعمار الأوروبي. من يعرّف الحضارة؟ من ينتفع من القدرة المطلقة؟ ومن يتحمّل كلفتها البيئيّة والاجتماعيّة؟ هذا ما هو غائب عن حديث ليبوفيتسكي.
التقنيّات التي يذكرها ليبوفيتسكي من ذكاء اصطناعي، وتكنولوجيا حيويّة، واستعمار الكواكب الأخرى، ليست عائمة في الفراغ. إنها متجذّرة ماديًا في استخراج الليثيوم في تشيلي، وتعدين الكوبالت في الكونغو الديمقراطية، ومعالجة العناصر النادرة في منغوليا الداخلية، وبُنى وآليّات التكنولوجيا الرقميّة الموزّعة حول العالم. «حضارة القدرة المطلقة» لا تنفصل عن جغرافيّات استخراج المواد من الأرض، ليست منفصلة عن الاستغلال وأنظمة العمل العنصريّة التي يتمّ فيها تنظيم العمل وتوزيعه وتراتبيته على أساس عرقيّ. الموضوع إذا ليس مجرد أزمة فائض قوّة، ليست مشكلة زيادة مفرطة في السلطة، أو الاستهلاك، أو التكنولوجيا، أو الثراء، بل استمراريّة تراكم استعماريّ بأشكال رقميّة وتكنو-علميّة جديدة.
يدعو ليبوفيتسكي إلى «تهذيب الرأسمالية لا شيطنتها»، وهنا بالذات تظهر حدود النقد الإصلاحي للواقع. فقد بيّنت الأدبيات التفكيكيّة النقديّة، من البيروفي أنيبال كيخانو إلى الأميركيّ الأفريقيّ سيدريك روبنسون، أن الرأسماليّة لم ترافق الاستعمار فحسب، بل تشكّلت عبره. لم تكن الهرميّات العرقيّة، وانتزاع الأراضي، والعمل القسري انحرافاتٍ، بل أسسًا بنيويّة احتاجتها الرأسماليّة. افتراض إمكانية «تهذيب» الرأسماليّة يعني اعتبار عنفها عرضيًّا لا بنيويًّا. المسألة الحقيقيّة ليست ما إذا كان يمكن تلطيف الرأسماليّة، بل ما إذا كان نظام وُلد على أسس نهب المستعمرات وتجارة العبيد وتراتبيّة العرق وانتزاع الأراضي والعبوديّة والإخضاع العسكريّ، يمكن فصله عن منطق السيطرة الذي شكّل نشأته.
حتى اختزال ليبوفيتسكي لظاهرة ترامب في كونه استعراضًا فجًّا للثراء والسلطة (Kitsch) ليس تسييسا حقيقيّا للواقع. فمع أنّ التحليل الجماليّ الذي يستخدمه هنا يكشف منطق الاستعراض والابتذال، إلا أنه قد يحجب الأبعاد الواقعيّة للظاهرة كالعرق والاستيطان والاستبداد المعاصر والرأسماليّة وراء كلّ ذلك. إنّ عسكرة الحدود، وهلع «الاستبدال الديمغرافي» للبيض، وصعود القوميّات ليست مجرد انحرافات أسلوبيّة، وإنّما هي في الواقع إعادة تأكيد لسيادة استعماريّة داخل ديمقراطيّات ليبراليّة.
ليبوفيتسكي محقّ في أنّ تحوّلًا عميقًا يجري، وأنّ السعي إلى توسّع تكنولوجيّ بلا حدود يتزامن مع هشاشة متفاقمة للحياة على وجه الكوكب. لكن الهشاشة التي يصفها ميّزت حياة الشعوب المستعمَرة منذ زمن طويل تحت الإمبراطوريّات التي مجّدها وزير الخارجيّة الأميركيّ مارك روبيو علنا مؤخّرا وسط تصفيق القيادات الأوروبيّة. الجديد ربّما ليس في ظهور القدرة المطلقة (تكنولوجيا هائلة، قوّة عسكريّة، رأسمالية متضخّمة)، بل في أن القوى الغربية لم تعد تحتكر تلك القوّة أو تتحكم بمسارها كما في السابق، أي في اهتزاز الهيمنة الغربيّة داخل النظام الذي بنته.
لا، نحن لسنا أمام حضارة جديدة، وإنّما أمام احتدام الوحشيّة القديمة ذاتها؛ نحن أمام تناقضات الحداثة الاستعماريّة وهي تتكثّف من جديد. والمهمّة لا تكمن في ضبط فائض القوّة فحسب، وإنّما في مُساءلة الأسس الاقتصاديّة والسياسيّة والمعرفيّة التي جعلت هذا الفائض ممكنًا ومتخيَّلًا أصلاً. بالنسبة لمستقبلنا جميعا، وخاصّة في دول الجنوب، فالمسألة الحقيقيّة هي مسألة تفكيك البنية الرأسماليّة وذلك عبر تفكيك البنى الاستعماريّة التي أسّستها، وهي في الواقع مسألة حياة أو موت.

الالتزام بالشأن العام والمحبّة

2/17/2026

 
خريستو المرّ، الثلاثاء ١٧ شباط / فبراير ٢٠٢٦


ينبع من المحبة شعور بالاهتمام بالمحبوب، اهتمام فاعل بأن ينمو المحبوب إلى ملء طاقاته وأن تنتعش فيه الحياة. والاهتمام نفسه ينعكس إحساسا بالمسؤوليّة كردّ فعل على حاجات المحبوب، تلك التي يعلنها أو تلك التي نستشفّها منه في أوضاعه. لكنّ الشعور بالمسؤوليّة ذو حدّين، فهو إن طغا يأسر المحبوب ويرتدّ بالتالي على نموّه إلى ملء طاقاته وفرحه وانتعاش حياته، لذلك ينبغي للمحبّ -كي يبقى على طريق المحبّة أو الحبّ- أن يحرص على احترام المحبوب، والاحترام يعني أن نرى الآخر كما هو، في فرادته الخاصّة، فنرجو أن ينمو في تلك الفرادة من أجل ذاته (لا من أجلنا)، وهذا ما يفرض احتراما لحرّية الآخر، تلك الحرّية التي تحفظ اهتمام المحبّ من الطغيان والتحوّل إلى أسر. إلّا أنّ الاحترام يعني ضمنا، أن نعرف المحبوب، وبالأحرى أن نسير مسار حياة كاملة نحاول فيها معرفة المحبوب في ظروف الحياة المتغيّرة، فالمعرفة هي التي تجعلنا نفهم الآخر كما هو ونفهم حاجاته المتغيّرة، نفهمه من الداخل، في معرفة تتجاوز معرفة أشياء عنه، إلى معرفته هو في خبرته الخاصّة. إن فهمنا الحبّ والمحبّة على هذا الشكل، نفهم أنّها مجبولة بالعاطفة والتعاطف، ولكنّها ليست مجرّد شعور قد يتبدّل لأبسط الأسباب (الطقس مثلا) أو سرعة في خفقة القلب لا يمكن أن تستمرّ فيزيولوجيّا دون أن تكون مرضًا؛ ونفهم أنّها مسار يحتاج حياة بأكملها، يبدأها الإنسان ولا يمكن له أن ينتهي لأنّ الآخر (والذات) سرّ دائم لا يمكن أن يحيط به فكر؛ ولذا كان الحبّ مسعى دون وصول، أو هو رحلة وليس إقامة، أو إقامة مسافرة، وهنا كلمة الشاعر «عيناك هما سكني» تلامس معنى مختلفا.
هذه المحبّة التي تحظى فطريا بالتقدير حول العالم، والتي جلتها المسيحيّة تعريفا لله أي وصفت بها طريقة الحياة الإلهيّة (الله محبّة) لها ترجمة أساس في الشأن العام. فكما أنّ المحبّة لا تكتفي بشعور داخلي تجاه فرد معيّن، بل تتجسّد اهتماما ومسؤوليّة واحتراما ومعرفة، كذلك تمتدّ بطبيعتها إلى حياة الجماعة كلّها. فالمحبّة، إن كانت صادقة، لا تنحصر في نطاق العلاقات الشخصيّة الضيّقة، بل تنفتح على المجتمع بكلّ أبعاده، السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة، لأنّ حياة الإنسان لا تُختزل في ذاته المنفردة، بل تتحقّق في شبكة العلاقات التي ينتمي إليها، وما من دين حول العالم إلّا ويولي اهتماما لحياة الجماعة، جماعة الذين يتشاركون الإيمان نفسه، وجماعة الخلق كلّهم، الموصوفون بـ«عيال الله» و«أولاده» و«على صورته» في الإسلام والمسيحيّة واليهوديّة.
ومن هنا، فإنّ الالتزام بالشأن العام ليس خيارا ثانويا أو ترفا فكريّا، بل هو ثمرة طبيعيّة للمحبّة. فالذي يحبّ لا يستطيع أن يكون غير مبالٍ بالظلم أو الفقر أو الفساد أو التهميش، لأنّ كلّ ذلك يمسّ حياة المحبوبين، أي الناس الذين يشكّلون الجماعة. وإذا كانت المحبّة تسعى إلى إنعاش حياة الفرد المحبوب ونموّه إلى ملء طاقاته، فإنّها تسعى أيضا إلى خلق شروط عامّة تتيح لكلّ إنسان أن ينمو ويزدهر. وهكذا يصبح العمل من أجل العدالة، ومن أجل انتظام جماعي يهدف إلى تغيير البنى التي تعيق الحياة، تعبيرا عمليّا عن المحبّة، بل وبرهانا على أخذ البعد الجماعيّ للإيمان على محمل الجدّ بحيث لا يبقى مجرّد فكرة جميلة في الدماغ.
إنّ الإنسان المؤمن والمحبّ يهتمّ بحياة الجماعة، لا بمعنى أن يذيب الفرد فيها، بل بمعنى أن يدرك أنّ المحبّة تنضمّن حكما فيها محبّة الجماعة وتقتضي اهتماما ومسؤوليّة تجاه حياة أفرادها ومعرفة وحرّية كي لا يطغى إنسان شرِه إلى السلطة تحت غطاء المسؤوليّة والاهتمام. لذلك من أبعاد المحبّة (والإيمان بإله هو محبّة) أن ينخرط الإنسان في الشأن العام، بحسب طاقاته. والشأن العام يقتضي عملا جماعيّا، ليس بالضرورة أن يكون حزبيّا، يتعاون فيه الإنسان مع غيره ليعملوا معا في مبادرات تسعى إلى ترسيخ قيم العدالة والمساواة، أي لتغيير البُنى الاستغلاليّة والمتسلّطة المناهضة للمحبّة كونها تسبّب تراجع انتعاش الحياة في المحبوب-الإنسان، أكان بالفقر أو بالقمع. وفي هذا الصراع يحبّ الإنسان الجميع، يحبّ المظلومون وهذا بديهيّ، ويحبّ الظالمون بدحرهم وإفشال خططهم وتفكيك البُنى التي أسّسوها، يحدّ من أسر طغيان رغباتهم، من توحّشهم، وذلك فرصة لهم إن أرادوا ليعودوا إلى إنسانيّتهم. روحيّا، إن صحّ التعبير، النضال الجماعيّ من أجل العدالة تعبير محبّة للجميع، فيعمل تحريرا للمقهورين من بُنى القهر والاستغلال، وحدًّا لشرّ الظالمين. من جعل للمحبّة وزنا في حياته، يلتزم في الشأن العام، لا بدافع السيطرة، بل بدافع الاهتمام والمسؤوليّة والاحترام والمعرفة التي تميّز المحبّة. لهذا فإنّ السعي المُحِبّ للخير المشترك، بالنضال المشترك، يحفظ الوحدة في التنوّع، ويسعى إلى قهر البُنى لا الإنسان.
المحبّة، إن فُهمت في عمقها، هي طاقة تحرّك التاريخ، لأنّها لا ترضى بأن تبقى الحياة حولها على حالها إن كانت تلك الحال تُنقص من كرامة الإنسان أو تعيق انتعاش حياته. إنّها دعوة دائمة إلى الخروج من اللامبالاة، إلى الاهتمام، والتعبير عن الاهتمام بتحمّل المسؤوليّة الجماعيّة؛ إنّها دعوة إلى الفعل، والفعل إلى مسار طويل من التزام مسؤول يحترم الآخر، ويحشد من أجله كلّ معرفة ممكنة، وهذا غير ممكن إلّا جماعيّا. في الشأن العام كما في العلاقة الشخصيّة، تبقى المحبّة رحلة لا تنتهي، ومسعى دائم إلى أن تغدو الحياة أكثر إنسانيّة، وأكثر عدلا، وأكثر امتلاء بالحياة. المهمّ ألّا يتهيّبها الإنسان ويمشي فيها بوصفها مسارًا للحرّية والكرامة البشريّة والحفاظ على الحياة.
<<Previous

    الكاتب

    خريستو المر
    المقالات المنشورة في «الأخبار»

    الأرشيف

    April 2026
    March 2026
    February 2026
    January 2026
    December 2025
    November 2025
    October 2025
    September 2025
    August 2025
    July 2025
    June 2025
    May 2025
    April 2025
    March 2025
    February 2025
    January 2025
    December 2024
    November 2024
    October 2024
    September 2024
    August 2024
    July 2024
    June 2024
    May 2024
    April 2024
    March 2024
    February 2024
    January 2024
    December 2023
    November 2023
    October 2023
    September 2023
    August 2023
    July 2023
    June 2023
    May 2023
    April 2023
    March 2023
    February 2023
    January 2023
    December 2022
    November 2022
    October 2022
    September 2022
    August 2022
    July 2022
    June 2022
    May 2022
    April 2022
    March 2022
    February 2022
    January 2022
    December 2021
    November 2021
    October 2021
    September 2021
    August 2021
    July 2021
    June 2021
    May 2021
    April 2021
    March 2021
    February 2021
    January 2021
    December 2020
    November 2020
    October 2020
    September 2020
    August 2020
    July 2020
    June 2020
    May 2020
    April 2020
    March 2020
    February 2020
    January 2020
    December 2019
    November 2019
    October 2019
    September 2019
    August 2019
    July 2019
    June 2019

    Categories

    All

    RSS Feed

 ليس من حبّ أعظم من هذا : أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبّائه: يسوع المسيح
  • كتب
  • محاضرات
  • مقالات في «الأخبار»
  • المقالة الأسبوعيّة
  • الإيمان والحياة اليوميّة
  • فلسطين
  • التزام شؤون الإنسان
  • الإيمان والثقافة
  • كلمات
  • خريستو المرّ
  • مواقع صديقة
  • المقالة الأسبوعيّة