موقع خريستو المرّ
  • كتب
  • محاضرات
  • مقالات في «الأخبار»
  • المقالة الأسبوعيّة
  • الإيمان والحياة اليوميّة
  • فلسطين
  • التزام شؤون الإنسان
  • الإيمان والثقافة
  • كلمات
  • خريستو المرّ
  • مواقع صديقة
  • المقالة الأسبوعيّة

العنف واللاعنف وما بينهما من نضال

1/21/2020

 
هناك أنواع من العنف. ليست كلّ أنواع العنف منبوذة ومرفوضة وغير أخلاقيّة. يسوع داخلاً إلى الهيكل وقالبًا طاولات الصيارفة مارس شيئا من العنف.
كان الهيكل لا شكّ جميلاً. بعض المناطق في الهيكل كانت مُحَدَّدة بحيث يُمنع الناس من الطبقات «الدنيا» من الوصول قريباً من المعبد. في الوسط كان هناك ساحة مُخَصَّصة للكهنة، ثمّ تلك المخصّصة للرجال، ثمّ للنساء، وأخيراً في الأطراف ساحة للوثنيّين أولئك «الغرباء».
في لبنان والدول العربيّة (ولنترك البلاد الأخرى جانبا) الله ليس سوى المعبود اللفظيّ معظم الأحيان، وهو لأهل السلطة والمال المعطفَ الذي يخفون خلفه ضحايا جرائمهم. في الواقع، يحلّ «بَعْل» المال والسلطة مكان الله في المجتمعات. هيكل «بَعْل» في الوسط، وحوله طبقات «عليا» تعبد بَعْل، وهي ككلّ العبادات المصلحيّة تسعى للسطو على «قواه السحريّة». وبعدها تأتي الطبقات «الدنيا». حول الوسط حيث رموز بَعْل، هناك ساحة لكهنة الهيكل، ثمّ حلقات من الرجال (هؤلاء جلّهم اختصاصيّين مرتزقة)، ثمّ النساء، «أكسسوار» هذا المجتمع الذكوريّ، ثمّ الأجانب، «الخدم» الأقلّ قيمة، في الهيكل غير الشريف هذا.
كان الباعة الذين يتكلّم عنهم الإنجيل موجودين في الساحات الخارجيّة: باعة حيوانات أو حبوب مخصّصة للأضاحي؛ وكان هناك خاصّة صرّافون لأنّ العملة اليهوديّة وحدها كانت مقبولة في الهيكل، فالعملة الرومانيّة المستعملة في معظم العمليّات التجاريّة اليوميّة في البلاد كانت تُعتَبَر نجسة. هناك عملتان إذن. الناس مجبورة أن تستعمل في الهيكل عملة دينيّة واحدة، يحدّد سعر صرفها «صرّافو الهيكل»: مصارف تلك الأيّام. هم يشبهون «صرّافو بَعلْ» المال والسلطة في لبنان، الذين يحدّدون سعرين لصرف عملة الإمبرطورية (الدولار) وعملة «الهيكل» بالطريقة التي تناسب عباداتهم الحقيقيّة، أي أرباحهم الماليّة والسلطويّة.
لم يرضَ يسوع هذا النفاق وهذا الاستغلال. ولم يرضَ أيضا أنّ «الهيكل» غدا مكان غربة بينما كان من المفترض أن يكون مكان حضور إلهيّ يجمع أبناء وبنات الله إلى واحد، يجمع «عيال الله» في عائلة واحدة تهتمّ ببعضها البعض، بحاجات العائلة، ولا فضل فيها لأحد على أحد إلاّ بالتقوى، أي إلاّ بمقدار خدمته للآخرين.
لكنّ عبّاد بَعْل المال والسلطة حوّلوا البيت العائليّ إلى مغارة لصوص: «بَيتي بَيتَ صلاةٍ يُدعَى لجميعِ الأُمَمِ. وأنتُم جَعَلتُموهُ مغارَةَ لُصوصٍ". صرخ يسوع.
الوطن هو كيانٌ يعامَل الناسُ فيه كعائلة، بتساوٍ وعدالةٍ وتوزيعٍ للحقوق والواجبات بحيث يكون الجميع أحياء وفرحين. لكنّ عبّاد بَعْل جعلوه مكانا لإبليس، مكانا للظلم والجريمة والنهب والسلب والقتل ورمي الناس في اليأس والجوع والمرض والجهل والكراهية لثلاثين من الأعوام، والبارحة في ٢٠ كانون ثاني ٢٠٢٠ جعلوه مكانًا لإطفاء العيون وخنق الناس في الشوارع.
هذا النفاق هو ما شجبه يسوع وهذا النفاق هو عينه ما شجبه المتظاهرون في شوارعهم.
ليس كلّ عنف مشجوب. غضب الشارع لم يقتل ولم يفقأ عيون ولم يكسر سوى واجهات مصارف تخالف كلّ القوانين وتسحل حياة المواطنات والمواطنين سحلاً بشكل يوميّ وتفقأ قلوبهم. هذه الغضب مفهوم، وهو إنّما يدلّ على أنّ الناس لم تعد خانعة، وأنّها تحاول أخذ زمام أمورها وأمور بلادها بيدها.
العنف المشجوب هو نوعين: العنف المؤسَّسيّ البنيويّ، السابق لأيّ عنف لفظيّ أو مادّي حدث بعد الانتفاضة الشعبيّة. وهو عنف موجود ومنتشر ويقتل يوميّاً، ولا يثير غضب الغاضبين من عنف المتظاهرين، لا رؤساء حكومات (ما عدا سليم الحصّ)، ولا وزراء داخليّة، ولا رؤساء جمهوريّة، ولا رؤساء مجلس نوّاب، لأنّ هذا العنف هو عنفهم بالذات.
هذا العنف هو عنفهم اليوميّ ولكنّه عنف «كلاس»: يقتل ولكنّه يدع الناس تذهب إلى أعمالها «بسلام»، يسحل ولكنّه لا يقطع الطرقات، ينهب ولكنّه يُبقي على الفتات وبضعة كيلومترات من نفايات التعليم الأخلاقيّ ليرتاح بها ضمير الناس بسلام. هذا العنف المؤسّسيَ البنيويّ هو العنف السابق لكلّ عنف ظاهر باد للعيان اليوم. وهو المسؤول الأوّل والأخير عن عنف رمزيّ قام به متظاهرون.

العنف الآخر المشجوب هو عنف الشرطة والجيش. في الأوطان ما من أمر مقدّس إلاّ الشعب والأرض. إن مسّ بهما أحد كان خائنا أو عدوّا، ومن يمسّ بالشعب أكان في القوى الأمنية أم لا، هو خائن للشعب ولا يقوم بواجباته. واجب القوى الأمنية هو أساسا حماية الشعب. القوى الأمنيّة لديها واجب أخلاقيّ تجاه الشعب وليس تجاه من استلم زمام السلطة في حقبة من تاريخ الشعب. هل تحدث محاكمات في لبنان لمن مارس العنف غير المبرّر ضدّ المتظاهرين؟ ليس من أسباب تدعو للتفاؤل، ولكن تجدر محاولة محاكمة المسؤولات والمسؤولين.

هناك عنف آخر نختلف فيه هو العنف الثوريّ. هل هو الحلّ اليوم؟ لا يبدو ذلك في الأوضاع الحاليّة، العنف في لبنان أوصلنا إلى حروب أهليّة مدمّرة، وإلى.... سلطة النهب الحاليّة. تجنّب هذا المنزلق واجب، هو في جميع الأحوال غير مفيد وغير واقعيّ لأنّه لا يوصل إلى هدف العدالة.

في الظاهر نحن أمام خيارات وطنيّة، أمّا عند من لامس وجه يسوع يوماً بقلبه، وأكاد أقول بيديه، من أحبّ الله، من أحبّ الإنسان، فهو أيضا أمام خيار إيمانيّ، أن يظلّ عبدا لبَعْل وكهنته أو أن يلفظ بَعْل وسلطته ويعمل في نضال لاعنفيّ، بشكل جماعيّ، وبرجاء المؤمن وصلابة عزيمته، على قلب سلطة بعل وطرد صيارفة الهيكل وكهنته لإرساء عدالة على هذه الأرض.

خريستو المرّ

Comments are closed.

    الكاتب

    خريستو المر
    المقالات المنشورة في «الأخبار»

    الأرشيف

    March 2026
    February 2026
    January 2026
    December 2025
    November 2025
    October 2025
    September 2025
    August 2025
    July 2025
    June 2025
    May 2025
    April 2025
    March 2025
    February 2025
    January 2025
    December 2024
    November 2024
    October 2024
    September 2024
    August 2024
    July 2024
    June 2024
    May 2024
    April 2024
    March 2024
    February 2024
    January 2024
    December 2023
    November 2023
    October 2023
    September 2023
    August 2023
    July 2023
    June 2023
    May 2023
    April 2023
    March 2023
    February 2023
    January 2023
    December 2022
    November 2022
    October 2022
    September 2022
    August 2022
    July 2022
    June 2022
    May 2022
    April 2022
    March 2022
    February 2022
    January 2022
    December 2021
    November 2021
    October 2021
    September 2021
    August 2021
    July 2021
    June 2021
    May 2021
    April 2021
    March 2021
    February 2021
    January 2021
    December 2020
    November 2020
    October 2020
    September 2020
    August 2020
    July 2020
    June 2020
    May 2020
    April 2020
    March 2020
    February 2020
    January 2020
    December 2019
    November 2019
    October 2019
    September 2019
    August 2019
    July 2019
    June 2019

    Categories

    All

    RSS Feed

 ليس من حبّ أعظم من هذا : أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبّائه: يسوع المسيح
  • كتب
  • محاضرات
  • مقالات في «الأخبار»
  • المقالة الأسبوعيّة
  • الإيمان والحياة اليوميّة
  • فلسطين
  • التزام شؤون الإنسان
  • الإيمان والثقافة
  • كلمات
  • خريستو المرّ
  • مواقع صديقة
  • المقالة الأسبوعيّة