موقع خريستو المرّ
  • خريستو المر
  • محاضرات
  • مقالات في «الأخبار»
  • المقالة الأسبوعيّة
  • الإيمان والحياة اليوميّة
  • فلسطين
  • التزام شؤون الإنسان
  • الإيمان والثقافة
  • كلمات
  • خريستو المرّ
  • مواقع صديقة
  • المقالة الأسبوعيّة

العنف المؤسّسي والمساواة الواهية في فرنسا العلمانيّة

7/25/2023

 
خريستو المر. الثلاثاء ٢٥ تموز ٢٠٢٣

احتلّت فرنسا الجزائر وضمّتها إليها واعتبرتها أرضاً فرنسيّة وقمعت لغة السكّان الأصليّين، وكعادة الدول الاستعماريّة صوّرت احتلالها محاولة «تحضير» للسكّان بينما كان الهدف متابعة استغلال ثروات البلاد. عند نشوب الحرب العالميّة الأولى عام 1914 كانت الخدمة العسكريّة الإجباريّة للجزائريّين أطول بمرّتين من خدمة الفرنسيّين، واحتاجت فرنسا في تلك الفترة إلى مزيد من الجنود في الحرب وإلى رجال عمّال في المصانع التي خسرت عمّالها لصالح الحرب، فاستجلبت فرنسا 120 ألف عامل و175 ألف جنديّ جزائريّ أقاموا في فرنسا بين عامي 1914 و1918، دفع خلالها الجزائريّون ٢٥ ألف قتيل دفاعاً عن فرنسا. عاد الجزائريّون عمّالاً وجنوداً إلى بلادهم مع انتهاء الحرب، ولكن بعد النقص الفادح في عدد الرجال بعد الحرب وتحت ضغط حاجة الصناعيّين إلى يد عاملة رخيصة فتحت فرنسا الباب أمام اليد العاملة الجزائريّة للعودة لأنّ اليد العاملة الإيطاليّة والبرتغاليّة والإسبانيّة لم تكن تكفي، وكذلك لأنّ تلك الجزائريّة كانت تُعتَبَر أنّها مطيعة وطالما استخدمها أرباب العمل لكسر إضراب العمّال الفرنسيّين. الحاجة إلى العمّال الجزائريّين زادت أيضاً بعد انتهاء الحرب العالميّة الثانية وخاصّة مع تصاعد عمليّات التصنيع حتّى بداية السبعينيات. وتنبغي الإشارة إلى أنّ هؤلاء العمّال وُضِعوا في مبانٍ خاصّة بهم عادة ما تكون في منطقة نائيّة على أطراف المدن. بالنسبة إلى الجزائريّين، كان العمل في فرنسا مجالاً لتحسين أوضاعهم الماليّة في الوطن وشراء أراض بعد أن كانت قد نهبتها فرنسا منهم بحجزها إلى مشروعها الاستيطانيّ (بييريت وجيلبير مونييه يشيران إلى حجز فرنسا 350 ألف هكتار من أراضي السكّان بعد انتفاضة 1871). في منتصف السبعينيات، ومع تصاعد البطالة، وضعت حكومة جيسكار ديستان حداً لهجرة الجزائريّين، بل حتّى لجمع الشمل بين الجزائريّين المقيمين في فرنسا وعائلاتهم المقيمة في الجزائر، بل إنّ ديستان كان يفكّر في ترحيل الجزائريّين جميعاً من فرنسا، ولكن لم يتسنَّ له تطبيق تلك الفكرة (ويتكلّم البعض عن مشكلة في «اندماج» الجزائريّين في المجتمع!).
هذا التذكير التاريخيّ ضروريّ لكي نفهم جانباً مهمّاً من وضع الجزائريّين في فرنسا، فإدانات عنف المتظاهرين من قبل السلطة الفرنسيّة أو العرب تأتي في سياق فوقيّ منفصل عن الواقع ومتناقضٍ في آن: إن لم تعجبهم هذه البلاد (أو بلادنا) فليعودوا من حيث أتوا، عليهم أن يشكروا الله على وجودهم في فرنسا عوض تخريبها فهي تؤمّن لهم ما لا تؤمّنه لهم بلادهم الأصليّة. بالطبع، تفضح هكذا تعليقات أمراً أساسياً: أنّها تعتبر هؤلاء الفرنسيّين غير فرنسيّين وإنّما تعتبرهم أناساً من مكان آخر، وهنا بيت القصيد. المواقف هذه هي مواقف عنصريّة تختصر أناساً بأصولهم الثقافيّة وتراهم «خارجيّين» و«تحت» بسبب تصرّفاتهم العنفيّة، بينما لا تأتي ردّات فعل المنتقدين نفسها لو أنّ «بيير» أو «بياتريس» هُما مَن قاما بأعمال عنفيّة أثناء أيّ تظاهرة، إذ عندها لا بدّ أن تكون المواقف منهما أقلّ حدة وأكثر تفهّماً، فقد يكون بيير مشاغباً مهمَّشاً، وبياتريس غاضبة انجرّت إلى هكذا أعمال، وحتّى يمكن أن يكونا كلاهما فوضويَّيْن، بل ومشاغبَين يستحقّان العقاب، ولكن لا تُطرح أبداً بالنسبة إليهما فكرة أنّهما يجب أن يكونا شَكورَين لله كونهما فرنسيَّين. عدا العنصريّة، لا يسع المرء في بلادنا إلّا أن يتساءل إن لم تكن إدانة العنف في تظاهرات فرنسا لدى المسيحيّين تخفي موقفاً سلبيّاً من الإسلام، برأيي أنها كذلك وأنّ تلك التعليقات تأتي من خلفيّة طائفيّة محضٍ لدى العديدين.
إن عدنا إلى واقع الفرنسيّين من أصول جزائريّة وأفريقيّة اليوم، تقول الأرقام إنّ نسبة البطالة في فرنسا في سنة 2022 للفرنسيّين من أصول أفريقيّة كانت 13.7%؛ وهذه النسبة هي 15.4% بالنسبة إلى الفرنسيّين من أصول جزائريّة و14.5% للمهاجرين من أصول تركيّة أو من الشرق الأوسط. هذا في الوقت الذي بلغت فيه نسبة بطالة الفرنسيّين من أصول غير مهاجِرة 6.3%، بحسب المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية في فرنسا. أي أنّ نسبة البطالة لدى الفرنسيّين من أصول أفريقيّة هي أكثر من ضعف نظيرتها بين غير المهاجرين. إحصائيّة مثل هذه تكفي ليفهم المرء ليس نسبة البطالة وإنّما مدى التهميش الذي يعيشه الفرنسيّون من أصول مُهاجِرة، وهذا التهميش ليس صدفة وإنّما ينبع من العنصريّة في فرنسا. بالطبع هناك عنصريّة اجتماعيّة بحيث نجد فرنسيّين عنصريّين ينظرون باستعلاء إلى العرب و/أو المسلمين ويحطّون من قدرهم، ولكن ما يكاد يغيب عن النقاش في فرنسا هو أنّ العنصريّة تقبع في عمل المؤسّسات. تلك العنصريّة المؤسّسية هي التي لا تسمح للفرنسيّين من أصول غير مهاجرة بفرص متساوية مع غيرهم. يمكن ملاحظة ذلك في جسم الشرطة الذي يكاد يخلو من الفرنسيّين من أصول مُهاجِرَة، ما يجعل الشرطة أكثر عرضة لتبنّي نزعة تمييزيّة ضدّهم. هذا التهميش المؤسّسي هو عنف مؤسّسي.
يُضاف إلى هذا العنف المؤسَّسي مقاربة الدولة الفرنسيّة، تلك المقاربة السطحيّة والعسكريتاريّة لظاهرة عنف الشارع. ففي حالات السلم الأهليّ تأتي مُقاربة الدولة الفرنسيّة لفظيّة، إذ تعلن الدولة بشكل دائم علمانيّتها وجمهوريّتها وأنّها بالتالي لا تميّز بحسب الدين واللون وغير ذلك. ولكن يبقى ذلك الإعلان مجرّد إعلان نظري، فالدولة تعلن «المساواة» لفظيّاً بينما تُبقي مؤسّساتها كما هي دون وضع وتطبيق سياسة تغيّر في سياسة مؤسّسات الدولة. الدولة مثلاً لا تجمع معلومات عن الخلفيّات الثقافيّة و«الأعراق» في ملفّاتها (ملفّات المدارس مثلًا) فتُبقي الأوضاعَ الحقيقيّة في العتمة ولا يتمكّن الباحثون من معرفة ومتابعة الواقع الحقيقيّ للفرنسيّين من أصول مهاجرة.
عنف المتظاهرين هذا العام لم يكن الأوّل، فقد وقعت أحداث مشابهة في الضواحي الفرنسيّة -وإن على مستوى أوسع انتشاراً وضرراً- في خريف 2005. لكنّ الدولة والإعلام الفرنسيَّين لا يطرحان في كواليسهما السؤال التالي: لماذا حدث العنف هذا العام في فرنسا ولم يحدث في بريطانيا، أو ألمانيا، أو في بلجيكا التي شهدت أحداثاً مثيلة في التسعينيات ثمّ انتهجت سياسات مختلفة تجاه الأحياء المُهَمّشة؟
القضيّة لا تكمن في توتّر بين الفرنسيّين من أصول مهاجرة والشرطة، أو شعور غضب لدى المهاجرين، بقدر ما تكمن في العنف المؤسّسي، العنصري الهويّة، للدولة وأدواتها، ذاك العنف الذي يُفرز هذا الغضب بسماحه بتفشّي التمييز العنصري في جسم الشرطة وغيرها من مؤسّسات الدولة.
​

Comments are closed.

    الكاتب

    خريستو المر
    المقالات المنشورة في «الأخبار»

    الأرشيف

    June 2026
    May 2026
    April 2026
    March 2026
    February 2026
    January 2026
    December 2025
    November 2025
    October 2025
    September 2025
    August 2025
    July 2025
    June 2025
    May 2025
    April 2025
    March 2025
    February 2025
    January 2025
    December 2024
    November 2024
    October 2024
    September 2024
    August 2024
    July 2024
    June 2024
    May 2024
    April 2024
    March 2024
    February 2024
    January 2024
    December 2023
    November 2023
    October 2023
    September 2023
    August 2023
    July 2023
    June 2023
    May 2023
    April 2023
    March 2023
    February 2023
    January 2023
    December 2022
    November 2022
    October 2022
    September 2022
    August 2022
    July 2022
    June 2022
    May 2022
    April 2022
    March 2022
    February 2022
    January 2022
    December 2021
    November 2021
    October 2021
    September 2021
    August 2021
    July 2021
    June 2021
    May 2021
    April 2021
    March 2021
    February 2021
    January 2021
    December 2020
    November 2020
    October 2020
    September 2020
    August 2020
    July 2020
    June 2020
    May 2020
    April 2020
    March 2020
    February 2020
    January 2020
    December 2019
    November 2019
    October 2019
    September 2019
    August 2019
    July 2019
    June 2019

    Categories

    All

    RSS Feed

 ليس من حبّ أعظم من هذا : أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبّائه: يسوع المسيح
  • خريستو المر
  • محاضرات
  • مقالات في «الأخبار»
  • المقالة الأسبوعيّة
  • الإيمان والحياة اليوميّة
  • فلسطين
  • التزام شؤون الإنسان
  • الإيمان والثقافة
  • كلمات
  • خريستو المرّ
  • مواقع صديقة
  • المقالة الأسبوعيّة