موقع خريستو المرّ
  • خريستو المر
  • محاضرات
  • مقالات في «الأخبار»
  • المقالة الأسبوعيّة
  • الإيمان والحياة اليوميّة
  • فلسطين
  • التزام شؤون الإنسان
  • الإيمان والثقافة
  • كلمات
  • خريستو المرّ
  • مواقع صديقة
  • المقالة الأسبوعيّة

...كذلك على الأرض

12/30/2025

 
خريستو المر - الثلاثاء 30 كانون الأول 2025

العام الجديد على الأبواب، وما نزال في أنوار الميلاد. في ميلاد المسيح، لا نحتفل بحدثٍ سماويٍّ منفصل عن الأرض، بل بإعلانٍ جذريّ عن أهميّة الأرض والكون الذي ضمّه الله إليه بالتجسّد. الإيمان بالمسيح، إذاً، ليس خروجاً من العالم، بل دخول أعمق فيه. مَن يؤمن بالمسيح ويمشي على خطاه، ينبغي أن يؤكّد بوجوده وحياته أنّ العمل في الأرض لا يقلّ شأناً عن التأمّل والصلاة، بل إنّ كليهما وجهان لحياة واحدة تُعاش في كنف الروح القدس.
هذا المعنى يتكثّف في مشهد «صعود يسوع إلى السماء» بحسب التعبير الإنجيليّ، فحين وقف التلاميذ وقتها شاخصين أبصارهم إلى السماء، أتى رجلان بلباس أبيض ليقولا لهم «ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء؟ إنّ يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقاً إلى السماء»، وكأنّهما كانا يقولان «ما بالكم؟ التفتوا إلى الأرض».
تعليق الرجلين يضع حدّاً للحنين إلى الماضي ولانتظارٍ غير فاعل، ويعيد توجيه البوصلة: يسوع لم يعد مرئياً، نعم، لكنّ ذلك لا يعني الانتظار، سيعود المسيح ولكن عودة المسيح تتطلّب منكم اليوم أن تعملوا للتحضير لمجيئه بإعداد الأرض لتصبح لها ملامح السماء، المسؤوليّة الآن هي في الالتفات إلى الأرض، إلى الحاضر، إنّها تتطلّب العمل في هذا «الآن وهنا» للشهادة «للحقّ الحاضر»، كما قيل في موضع آخر. طريق السماء تمرّ حُكماً بالأرض. المسيحيّة ليست هروباً إلى سماء مؤجّلة، بل عمل لتحويل الأرض كي تكون تهجئة للسماء، على شبه الخبز والقربان اللذان يتحوّلان ليصيرا «سماء» في القدّاس. من هذه الزاوية، الحياة كلّها قدّاس جماعيّ، عمل لبناء شركة محبّة بشريّة تصير واحداً مع يسوع الواحد المتجلّي، وتغدو جسده السرّي، أي حضوره، في هذا العالم.
في الإيمان بالمسيح لا مكان لانتظارٍ سلبيّ، بل لمشاركة فاعلة في عمله، ولمواصلة ورشة تجديد العلاقات البشريّة كي تصير علاقات مشاركة. والمشاركة ليست مفهومًا مجرّدًا، بل هي التعبير الملموس عن المحبّة حين تخرج من حيّز النيّات إلى حيّز التاريخ. ومن يريد تجديد العلاقات البشريّة يدرك سريعًا أنّ هذه العلاقات لا تُختصر بعلاقات فرديّة فقط، كما هو شائع اليوم في كثير من الخطاب المسيحيّ الذي يحصر المحبّة في بعدها الشخصيّ. العلاقات البشريّة لها بعد جماعيّ لا يقلّ أهميّة، بُعدُ مسؤوليّتنا كبشر عن مصير بعضنا البعض. المحبّة تقتضي المسؤوليّة: من يحبّ إنسانًا يشعر بمسؤوليّة حياله، ومن يحبّ يسوع ويريد تجديد العلاقات البشريّة حقاً، لا بدّ أن يسعى إلى تجديد علاقاته الفرديّة كما إلى تجديد العلاقات الجماعيّة.
لكن إن كانت الخطيئة الشخصيّة (مخالفة المحبّة) تقتضي توبة حرّة، فإنّ الخطيئة الجماعيّة الرابضة عند أبواب الحياة الاقتصاديّة والسياسيّة، تتجسّد في بُنى الظلم، في بُنى الاستغلال والطغيان. هذه ليست مجرّد أخطاء عرضيّة، بل انعكاسات بنيويّة للخطيئة حين تتجسّد في أنظمة وعلاقات غير عادلة. الخطيئة تنعكس في البُنى، في قوانين جائرة، وفي أنماط إنتاج وتوزيع تُفقِر كثيرين وتُغني قلّة. وإذا كانت العودة عن الخطيئة الشخصيّة تتمّ بحرّيّة الضمير، فإنّ العودة عن الخطايا الجماعيّة لا يمكن أن تحصل إلّا بالقوّة، قوّة القانون الذي يفرضه الصراع من أجل بناء بُنى مشاركة داخل المجتمع الواحد، وهذا يتطلّب التزاماً.
عبر الصراع ضدّ الخطيئة الفرديّة والخطيئة الجماعيّة، يصبح الإنسان إنساناً جديداً بالفعل، يصبح التجديد تجديداً فعلياً لا لفظياً. مَن يشاركون المسيح ورشة التجديد التي أطلقها هؤلاء هم أتباعه. من وجهة نظر مسيحيّة، يكون العالم جديداً بالفعل حين يُجدَّد بروح المسيح: بروح المشاركة على المستوى الشخصيّ، وبروح المشاركة الجماعيّة عبر الالتزام في الصراع من أجل حياة العالم، هنا والآن، في مواجهة بُنى الظلم والاستغلال.
هكذا يتجسّد الإيمان فعليّاً خارج الألفاظ والأفكار، ويصير الميلاد حدثاً مستمراً في التاريخ، لا ذكرى عاطفيّة عابرة، وتتجسّد ملامح تلك الجملة من الصلاة الوحيدة التي أوصى بها يسوع بحسب الأناجيل «كما في السماء كذلك على الأرض»، فتتخطّى كونها أمنية لتصبح رجاء، أي التزاماً حيّاً رغم كلّ الأمواج المعاكسة لمسار التجديد، فيكون الإيمان حيّاً بالفعل ويحمل فرحاً من أجل حياة العالم.

الروح الذي يحتضن التراب

12/23/2025

 
خريستو المر -الثلاثاء 23 كانون الأول 2025

لا يمكن للمسيحيّة أن تكون مخلصة لنفسها ولا أمينة لإيمانها إلّا إذا جعلت الاهتمام بالحياة الأرضيّة والمعاناة الإنسانيّة اهتماماً مركزيّاً. فالحياة الروحيّة ليست حياة أخرى موازية، أو «طُهريّة» منفصلة تنظر إلى «الأرض» من فوق، ولا هي «ترفّع» عن العالم لأسباب تتعلّق بالسماء، بل هي الحياة الأرضيّة نفسها حين تُعاش بروح الإيمان، أي في كنف الروح القدس. فالروحانيّة المسيحيّة لا تُلغِي الجسد، ولا التاريخ، ولا العلاقات الاجتماعيّة، بل تمنحها معناها الأعمق، وتجعلها مكاناً لحضور الله وعمله، أي مكاناً يتجلّى فيه الحبّ وتتجلّى فيه المشاركة كتعبير عن الحبّ.
من هنا، يصبح الاهتمام بالحياة الأرضيّة وبمعاناة البشر قضيّةً روحيّة في صميمها، لا إضافة خارجيّة على الإيمان. فالديانة المسيحيّة تقوم على عقيدة التجسّد، أي على الإيمان بأنّ الله نفسه دخل بشكل متميّز إلى قلب الحياة البشريّة مذ صار كلمة الله إنساناً يعيش في الجسد والزمن والتاريخ. بالتجسّد، لم يعد في الإمكان مقاربة الحياة الأرضيّة وكأنّها أمر هامشي أو تافه يمكن تجاهله باسم «الروح». على العكس، بالتجسّد أصبحت الحياة الأرضيّة أكثر مركزيّة، كونها مقدّسة ومحبوبة من الله بعدما اختبرها الكلمة. الواقع أنّه إن لم يأخذ المسيحيّون البُعد الأرضيّ بجدّيّة، تفقد روحانيّتهم معناها، وتتحوّل إلى هروبٍ خائف من الواقع.
لكنّ الاهتمام بالحياة الأرضيّة والمعاناة الإنسانيّة لا يمكن أن يكتفي بمجرد السعي إلى تخفيف الألم. صحيح أنّ تخفيف المعاناة هو أمر أساسي وضروري، لأنّه الدليل الأقرب والأوضح على كون الإنسان إنساناً مُحبّاً، أي مسيحيّاً. غير أنّ هذا وحده لا يكفي، لأنّه يشبه إعطاء مسكّنٍ لمريض مع الإبقاء على أسباب مرضه. المحبّة الحقيقيّة لا يمكنها أن تكتفي بالتخفيف من العوارض، بل تجرؤ على النظر في الأسباب ومواجهتها.
في واقعنا المعاصر، نعلم أنّ المعاناة الإنسانيّة ليست قدراً محتوماً، بل هي في كثير من الأحيان نتيجة سياسات موضوعة وبُنى تؤدّي إلى الظلم، والإفقار، والتدمير؛ ومثالنا على ذلك الآثار المدمّرة للبنى الطائفيّة، والقمعيّة، والاستعماريّة، على حياة الناس. لهذا، إنّ ما نسمّيه «لاهوت التحرّر» ليس أمراً ثانوياً هامشيّاً يُضاف إلى الإيمان عند الحاجة، بل هو تعبير أساسي عن كون المسيحيّة حقيقيّة وأمينة للتجسّد.
إنّه الوجه الذي يقول إنّ الروحانيّة لا تنفصل عن الجسد، ولا عن التاريخ، ولا عن معاناة البشر، وإنّ الإيمان الذي لا يجرؤ على الاهتمام الجذري بالحياة الأرضيّة يخون الحياة الروحيّة نفسها. فأن نكون روحيّين حقّاً، في المسيحيّة، يعني أن نعيش هذه الأرض بروح الله، وأن ندافع عن كرامة الإنسان فيها، وأن نرفض السياسات التي تُنتج موته باسم أيّ نظام، أو مصلحة، أو دين، أو طائفة، أو إله.
الوسائل قد تتنوّع وقد يختلف فيها الناس، ولكن أن يكون اللاهوت تحريريّاً من البُنى القاتلة هو أبسط البديهيّات المسيحيّة التي غدت غريبة عن الواقع!
إنّ التحرّر هنا لا يقتصر على تغيير نظام سياسيّ وبُنى موجودة فحسب، فهو يبدأ بتحرّر من الخوف والإذلال، وينتقل إلى التحرّر من الإحساس بأنّ المعاناة بلا معنى أو تبرير، وينتهي بالنضال المستمرّ لكي لا يخضع الإنسان لأيّ بنية جديدة بعد التحرير، بنية تتحوّل إلى تنّين جديد على ركام التنّين القديم، وتحاول ابتلاع الإنسان وتحويله إلى شيء.
لكي يبقى هذا التحرّر من «التنين»، ينبغي أن يكون مرتبطاً بمسعى القداسة، باستلال «سيف» القداسة أمام التنّين. والقداسة ليست هروباً من العالم، بل قدرة على الوقوف فيه بمحبّة، أي بكرامة وثبات في الحقّ، الحقّ الذي يحرّر الإنسان من عبادة الأشخاص، والتيّارات، والأحزاب، والجماعات، دينيّة كانت أم قوميّة أم ثقافيّة أم مهنيّة أم غيرها. القداسة شهادة، رفضٌ للاستسلام للظلم، وفعل بقاء، وحفظ للإنسانيّة وسط الخراب، وتأكيد أنّ الروحانيّة الحقيقيّة تتجسّد في السعي الدائم إلى تحرير الإنسان وكرامته من الظلم الخارجيّ والداخليّ معاً. الواقع أنّه لا يمكن للإنسان خلال حياته على الأرض أن يبلغ الحالة «السماوية» (حالة محبّة الله والناس) إلّا انطلاقاً من الحياة الأرضيّة، ومن قلبها حكماً.
لكنّ هذا صراعٌ يدوم ما دامت الحياة. ففي هذا العالم الذي لم يبلغ المرتجى، ستبقى قوى الظلمة تحاول ابتلاع النور، إلى أن يأتي الله في اليوم الأخير، فيكون كلّ شيء في كلّ شيء، ونَتلألأ بالحياة. إن كانت عبارة «الروح يرفّ على وجه المياه» في أسطورة الخلق، لمحة شعرية تعبّر عن خلق الله للأرض-التراب والعالم من الفوضى، فإنّ المسيحيّة تهدف إلى إكمال عمليّة الخلق بالعمل مع الله لإعداد هذا التراب كي يتجلّى العالم عالم حبّ وحياة، يبدأ اليوم ويكتمل لاحقاً. لذلك، وعلى عكس الفكرة الشائعة عن ضرورة «الترفّع» عن الحياة الأرضيّة لأسباب تتعلّق بالسماء، فإنّ الاهتمام بالحياة الأرضيّة كتعبير عن مسؤوليّة المُحبّ عن المحبوب، هو واجب إيمانيّ لأسباب تتعلّق بالسماء والأرض، هو الحياة الروحيّة نفسها متجسّدة في اللحم الحيّ وفي بُنى هذا العالم الجميل والمأساوي في آن.

المحبّة التي تُقلق العروش

12/16/2025

 
خريستو المر - الثلاثاء 16 كانون الأول 2025 (الأخبار)

تنتشر فكرة شائعة لدى المسيحيّين عامّة (والأرثوذكس خصوصاً) تقول إنّ المسيحيّة تهتمّ أساساً بشؤون الحياة «الروحيّة»، وإنّ علاقتها بالحياة «الأرضيّة» لا تتجاوز التوصية بعدم إيذاء الآخرين ومساعدة الفقراء، وهو ما يُسمّى عادة المحبّة. مقابل ذلك، هناك تعفّف لاهوتيّ رخيص عن خوض النقاش في أمور الحياة المعقدة من بُنى استغلاليّة وقمعيّة: سياسات اقتصاديّة، طائفيّة، استعمار، فلسطين، لاهوت تحرير، نهب الناس. يظنّ أصحاب هذه الفكرة الشائعة، أنّ تلك الأمور تقع في ميادين خارج «المحبّة»، وأنّ الصلاة والنسك والقداسة شؤون «أعلى» منها ومركزيّة. دليلنا على ما نقول هو ببساطة محتوى المقالات اللاهوتيّة والوعظ والتربية الكنسيّة عبر أجيال وأجيال، وبلاد وبلاد، مع استثناءات نادرة.
هناك ثلاثة أمور نلاحظها هنا لدى أصحاب هذا الفكر:
الأوّل، هو الفردانيّة التي يعيشها الإنسان بحيث هو يرضي ضميره بأعمال محدّدة، وينكفئ إلى شؤونه الخاصة، في إهمال شبه كامل لمصير المجتمع، في ديانة قائمة على الاهتمام بالآخر، وتعتبر أنّ الله خلق العالم ويحبّه، وأنّ الإنسان عامل مع الله!
الأمر الآخر، هو الاعتقاد عمليّاً أنّ المحبّة محصورة بممارسات محدّدة كالطقوس والتبرّع من وقت لآخر. لكنّ الإيمان المسيحيّ لا يسمح باستنتاج مماثل، فما من ميدان من الشؤون الأرضيّة إلّا وتشمله المحبّة، فالمسيحيّة ديانة قائمة على فكرة أنّ كلمة الله تجسّد كإنسان، بحيث باتت الخليقة مضمومة إلى الخالق، وباتت الأمور الأرضيّة سماويّة أيضاً إن كانت تُعاش بروح المسيح، أي بالعمل المستمرّ لأجل أن تكون الحياة أوفر، والنور أعمّ، والظلمة متقهقرة.
وهذا يعني أنّه لا يمكن التعفّف عن الأمور المعقّدة أو اعتبارها هامشيّة، فالمحبّة ليست شعوراً ورديّاً وإنّما طريقة حياة تدفع الإنسان للنضال الدائم لتتراجع مشاريع الشرّ (قهر واستغلال)، وتتقدّم مشاريع المشاركة والوحدة ضمن التنوّع.
لم تكن أعمال يسوع، سيّد المحبّة، محصورة بإطعام الجياع لمرّتين أو ثلاث، وإعانة بعض المرضى، وإنّما لبّ ما كان يصنع ويقول في حياته القصيرة هو مقاومة الظلم وفضح التناقضات والدعوة إلى التحرّر والحياة. كلامه كان قاسياً مع مَن تحجّرت قلوبهم من أصحاب السلطة، وقد شكّل ذلك خطراً على الحياة، قدّم حياته من أجل تحرّر الإنسان من الخطيئة ومن البُنى الظالمة. المحبّة تقتضي نضالاً ضدّ أمرين: تراجُع الظلم التي ترتكبه قوى الشرّ، والتخفيف من أثر قوى الكون العشوائيّة (أمراض، كوارث طبيعيّة).
الأمر الثالث، الذي نلاحظه هو أنّ هذه التربية التي تفصل تعقيدات الحياة عن المحبّة، تحافظ في نفس الإنسان على ميدانين مفصومين: ميدان الحياة «الروحيّة» اللطيف المليء بالأفكار الجميلة والأفعال البسيطة التقويّة والمساعدات الخيريّة، وميدان الحياة اليوميّة «الأرضيّة» المفعمة بالعنف والكراهية والحقد والاستغلال، والجبن، والخسّة، والنذالة.
عوض أن تسمح التربية الدينيّة لتعقيدات الحياة لتعبّر عن نفسها في المدى الإيمانيّ بحيث يصارح الإنسان نفسه وغيره بحقيقة ما يواجهه من مشكلات ومشاعر وصراعات في أوضاع ملموسة، فيضيء الإيمان على الخبرة الملموسة ليدفعها إلى الأفضل بينما هي تسائله لكي لا يتحجّر، ويصل الإنسان بذلك إلى مصالحة مع نفسه فيعيش المحبّة طريقة حياة تفرض صراعاً خلّاقاً وصعباً؛ عوض ذلك، تختزل التربية تلك الميدانَ الإيمانيّ بأعمال «تقويّة» وتحصره في زاوية محدّدة من الحياة، فتبقى مواجهات الإنسان وصراعاته ومشاعره الواقعيّة على فجاجتها من دون رعاية، فيخسر الإنسان بذلك نفسه إذ يعيش حياة فصاميّة مدمّرة (حروب، كراهية)، وتبقى الأوضاع الظالمة القائمة من دون مقاومة، ويخسر الإيمان فرصة مواجهة واقع الناس في عصره، فيتحجّر ويتحنّط.
قال يسوع يوماً: «ما جئتُ لألقي سلاماً [على الأرض] بل سيفاً»، و«ما جئت لألقي سلاماً على الأرض، بل انقساماً، جئت لأفصل الابن عن أبيه، والابنة عن أمّها، والكنّة عن حماتها»، لأنّه جاء ليشعل المحبّة، ومَن تبنّى المحبّة طريقةَ حياة مضطر لأخذ موقف وللمواجهة، وهاتان تفصلان الناس فوراً، وتسبّبان بضيق، وأحياناً بشعور بالذنب وتأنيب للضمير الاجتماعيّ. ولهذا كتب رسولٌ ليسوع بعدما أوصى بالمحبّة التي تعمل: «إن لامتنا قلوبنا فالله أعظم من قلوبنا»، فموقف المحبّة أهمّ من الرابط الاجتماعيّ.
المحبّة طريقة حياة يصارع فيها الإنسان ظلم البُنى وكهنة الظلام وعشوائيّة هذا العالم، أو هي وهمٌ يمتصّ الحياة من الأجساد والنفوس. لا بدّ من مراجعة طريقة التربية الدينيّة المسيحيّة على ضوء النار التي أشعلها يسوع القائل «جئت لأوقد ناراً على الأرض وكم أتمنّى أن تكون قد اشتعلت»، والناس تتناقل الشعلة من جيل إلى جيل، وبدورها تُشعل وترجو.

من أجل تحالف يُدعّم الدولة

12/9/2025

 
خريستو المر-الثلاثاء 9 كانون الأول 2025 (الأخبار )

تمرّ بلادنا في منعطف تاريخيّ خطير تتكشّف فيه ملامح الهجمة الإسرائيليّة–الأميركيّة على لبنان بأوضح صورها. والمشاركة الأخيرة في اجتماعات لجنة «الميكانيزم» بتمثيل سياسيّ ليست تفصيلاً عابراً، بل خطوة خطيرة تُدرج في سياق مشروعٍ يراد له أن يكبّل لبنان، وينزع قدرته على المقاومة، ويدفعه نحو قبول شروط احتلالٍ جديد بأدواتٍ سياسيّة واقتصاديّة. لذا، فما كان ضرورة منذ زمن بعيد، بات ملحّاً بشكل لا يمكن التسامح مع التباطؤ فيه: لقد غدا لزاماً على الأحزاب السياسيّة الوطنيّة أن تتحالف لمواجهة محاولة فرض أمرٍ واقع يكرّس التطبيع ويهدم أسس السيادة، ويُخضع شعبنا للمحتلّ. بالطبع هذا واجب الشعب في الأساس، ولكنّه أيضاً واجب الأحزاب السياسيّة أوّلاً، فهي تنطّحت للعب دور سياسيّ ولذلك تحمل واجباً في هذا المجال لا يمكن التهرّب منه. الناس والتجمّعات يمكنها إصدار البيانات، أمّا الأحزاب، فمطالبة بوضع خطط وبناء تحالفات.
الحقيقة الأعمق تتجاوز مجرّد النقاش حول مدى وجود تفويضٍ شعبيّ للاجتماع بالعدوّ والتفاوض معه. فما نواجهه هو محاولة إعادة صياغة موقع لبنان في المنطقة بما يخدم منطق السيطرة الاستعماريّة، بعد أن أثبتت المقاومة -رغم سوء رؤيتها وممارستها السياسيّة- بدماء الشهداء وتضحيات شعبنا، أنّ هذا البلد قادر على الدفاع عن نفسه وحماية أرضه وكرامة أهله لسنوات طويلة، في ظلّ تصميم الدولة على الانسحاب المستمرّ من مسؤوليّاتها.
إنّ التنازلات المتكرّرة، وإضعاف عناصر القوّة الوطنيّة، وتسويق مقولات «الواقعيّة السياسيّة»، كلّها أدوات تُستخدم لإعادة لبنان إلى زمن الهيمنة. في العمق، هذه ليست معركة حدودٍ فقط، بل معركة رؤية لبناء وطنٍ حرّ. فالدولة تغدو بلا معنى عندما لا يضع الحكّام سياسات تخدم حياة الناس بحرّية وكرامة، والدولة اللبنانيّة الطائفيّة مقصّرة في خدمة الأمرين معاً. الدولة التي تنسحب من حماية شعبها، وتنكفئ عن مسؤولياتها الأمنيّة والسياديّة، وتستعيض عن مشروع وطنيّ شامل بحساباتٍ طائفيّة ضيّقة، تفقد كلّ شرعيّة أمام مواطنيها. وحين تغيب الدولة القادرة والعادلة، يصبح حقّ الشعب الدائم في المقاومة واجباً وضرورة وجوديّة، ليس فقط لمواجهة العدوّ، وإنّما أيضاً لمواجهة الانهيار الداخليّ.
من هنا، الضرورة اليوم ليست إلى مجرّد اعتراضٍ ظرفيّ، بل إلى تأسيس تحالفٍ وطنيّ واسع يضمّ القوى السياسيّة، والنقابيّة، والشعبيّة، التي تؤمن بأنّ لبنان لا يُدار بالاستسلام ولا يبنى بالتطبيع، ولا يخدم شعبه بالطائفيّة. تحالفٌ يُعيد تعريف الأولويّات الوطنيّة على قاعدة أنّ الإنسان هو الأساس، وأنّ السيادة ليست شعاراً، بل قدرة واقعيّة ترتكز إلى وحدة الشعب، واقتصادٍ قادر، وجيشٍ محصّن، ومقاومةٍ شعبيّة ورسميّة تحمي الأرض والإنسان.
هذا التحالف يجب أن يعمل على ثلاثة مسارات متلازمة:
1. مناهضة التطبيع بكلّ أشكاله: سياسيّاً، اقتصاديّاً، أمنيّاً، وثقافيّاً، والضغط لمنع أيّ خطوة تقود إلى تكريس علاقة مع العدوّ خارج إطار الصراع الوجوديّ معه.
2. إعادة بناء الدولة على أسس المواطنة: دولة قادرة، عادلة، خارج القيد الطائفيّ، تملك خططاً فعليّة للإنقاذ الاقتصاديّ، ولتعزيز قدرات الجيش، ولتطوير الجهوزيّة المدنيّة والطوارئ.
3. صياغة مشروع وطنيّ جامع: مشروع يرى في الكيان الصهيونيّ خطراً وجوديّاً، ويعتبر حماية القدرة الشعبيّة على المقاومة جزءاً من حماية الدولة، لا نقيضاً لها؛ مشروع لا طائفيّ يعيد الثقة بين المواطن ومؤسساته، ويحصّن الداخل من التفكّك والاستغلال الخارجيّ.
إنّ التحالف المنشود ليس إطاراً بديلاً من الدولة، بل خطوة تأسيسيّة لإنقاذ الوطن من الانهيار ومن التطبيع، وللالتزام بمشروعٍ وطنيّ حقيقيّ. أمام الخطر الذي يتهدّدنا اليوم، نحن مدعوّون إلى حمل مسؤوليّتنا التاريخيّة: أن نبني قوة شعبية موحّدة، أن ندعم كلّ قدرة دفاعيّة وطنيّة، ليكون وطناً حرّاً، لا تابعاً، ولا مطبِّعاً، ولا خاضعاً لإملاءات المستعمر.
نقول للأحزاب السياسيّة الوطنيّة: أمام هذا الواقع الخطِر، ينبغي وضع الطموحات السياسيّة جانباً، لم يبقَ شيء لتطمحوا إليه؛ ويجب تنحية من يخاف المواجهات لأنّ الأيّام للشجاعة والحكمة معاً. أمّا الفردانيّون بينكم، فهم تخريبيّون، اطردوهم من بينكم. أمّا لسان القلب الغاضب من تفكّكم، فيقول: اخجلوا من تفكّكم وبياناتكم، اتّحدوا وتعاونوا، أنتم مسؤولون.

لا حياد في حضرة الجلجلة

12/1/2025

 
خريستو المر - الإثنين 1 كانون الأول 2025 (الأخبار)

في البدء كان الكلمة، ولم يكن الكلمة رماديّاً، ولا كانت كلماته. اليوم، وبينما تشتعل النار في جسد المشرق، من غزة إلى جنوب لبنان إلى سوريا، يُطلُّ علينا جرح السؤال الأبديّ: أين هو المسيح؟ الإجابة الوحيدة التي نُعطاها في الإنجيل، في حياة وكلمات يسوع المسيح، هي الضحيّة البريئة القائمة من الموت.
هنا لدينا الأرض والسماء، والسماء في المسيحيّة ليست شيئاً آخر إلّا الأرض والكون متجلّيين بالحبّ والحرّية منسوجين بالجسد الممجّد في اليوم الأخير، حين يكون الحبّ وجهاً لوجه فيبدأ اليوم الأجمل. بين الركام، وفي ساحات معارك القلوب، مع المُحتَلّين والمقهورين والمسحوقين، اختار الله أن يقيم مذ بشَّرَنا ملاك بكلمة من عنده جاء لتكون الحياة وتكون أوفر، جاء ليصبح الجسد ضدّ الموت ويطرد العتمةَ بالحبّ. الحبّ؟ وما الحبّ؟ هو طريقة الحياة التي لا تتراجع أمام خوض عباب الموت لتبقى نفسها وحرّة، ويكون الحبيب نفسه وحرّاً، ويُكَلّل المحبّون بالمجد والكرامة أوسع من أنفسهم.
لذلك، نفهم أنّ من لم يحبّ الأرض لم يحبّ السماء، أنّ المسيحيّة التي لا تدافع عن الجسد والنفس، عن اللحم والدم والشعور، مسيحيّة لا يمكنها أن تنطق بكلمة عن الحياة الروحيّة. وأنّ «مسيحيّةً» لا تشبه ذاك الذي رفعه الحقد عارياً من كلّ شيء خارج الأسوار، ليست بمسيحيّة. الصمتُ أمام الذبح ليس حكمةً، وإنّما إكليل شوك آخر؛ إنّه السوط الذي يجلد الضحية مرتين: مرةً بيدِ الإمبراطورية التي تقتل الجسد، ومرةً بخوف الرعاة الذين يحاصرون الرجاء.
لذلك كان إكليل الشوك في قلب المؤمنين يهتف «أين تقف الكنيسة؟ أمع المسيح أم ضدّه؟» والقلب يعرف أنّ السلطة لا تكون كنسيّة إن كانت ضدّه. وفي تعرّجات التاريخ والخوف تبرز الحياديّة، والحياديّة ضدّ المسيح، إذ لم يكن الإنجيل يوماً حياديّا بين السوط والظهر العاري، لم يكن يوماً ميزاناً ديبلوماسياً يوازي بين الجلّاد والضحّية. لم يُرفع الناصريُّ على الخشبة لأنه أتقن فنّ التوازن بين الظالم والمظلوم، ولا لأنه وقف محايداً بين سلطة سياسيّة ودينيّة تسحق الأجساد والنفوس من جهة، وبين المسحوقين من جهة أخرى.
رُفعَ الناصريّ على خشبة لأنه كان سيّد المنحازين، قتله الطغاة لأنّه انحاز إلى المنبوذين، بملء جسده المكسور ودمه المهرق. جسد المسيح المرفوع، ويداه الممدودتان ليستا عمود توازنٍ بين القاتل والضحية، بل عشق يحضن العالم بيدين مفتوحتين على الحرّية، وقامة واقفة بكرامة إنسانيّة تجمع صلابة الأرض بسماء الحلم. جسد المسيح المرفوع سلّم روحيّة مغروسة في معارك قلوب المناضلين ضدّ العتمة، لكي يصعد الجميع إلى الضوء والحرّية؛ ويداه الممدودتان جسر يوحّد المظلومين.
منذ ذلك المساء العظيم، خارج أسوار المدينة، بات مكان الكنيسة واضحاً: خارج أسوار السلطة والبهرجة، وتحت أقدام المصلوبين. قداسة البابا، أنت تعلم أنّ الوجهة الحقيقيّة نحو المسيح ليست حيث يُفرش السجاد الأحمر، بل حيثُ يُسفك الدم الأحمر. في فلسطين، شعب صغير مسحوق فكنْ معهم لتكون مع المسيح. دِن الإمبراطورية ودولة البطش بوضوح، وقِفْ مع الجرحى والأسرى. حينها فقط، تخرج الكلمة من فم الكنيسة لا لترضى عنها الدول، بل لتشفي جراح المسيح المفتوحة في جسد هذه البلاد.
قداسة البابا، وأنت تطأ أرضاً يمشي أولادها فوق الجمر والبارود، نسألك باسم جرح السؤال الأبديّ المفتوح: لا تكتفِ بالطقوس والمراسم والشعارات، بل كنْ شاهداً للمسيح. قداسة البابا، حين يصير «السلام» مفردةً غامضةً في البيانات، وحين تُسمّى الإبادة «نزاعاً» أو «حرباً»، فإننا نصلب الحقيقة مرة أخرى، ونسهم في جلد الأبرياء الذين صاروا جسد المسيح بجراحاتهم. إنّ مسيحيّة خائفة، تدين العنف بقفّازات حريريّة، وتهمس خجلاً حين يتكلّم الحقد حديداً وناراً ليكسر الأجساد ويجرّح النفوس ويُرعب العائلات ويفجّر العمران، هي مسيحية لم تعرف يسوع.
قداسة البابا الزائر لبنان، سمِّ الخطيئة باسمها. الاحتلال ليس وجهة نظر، والإبادة ليست قدراً، والصليب لا يُهادن قيصر. وأنت في لبنان، تتّجه الأنظار إليك، والبوصلة تشير إلى فلسطين، والذاكرة تعود بنا إلى قانا. في قانا الجليل، حين شحّ الفرح، حوّل المسيح الماءَ إلى خمر، لئلّا ينكسر قلب العرس. وفي قانا لبنان، شحّت الإنسانية، حين سكب القاتلُ أجساد الأبرياء تحت الردم، فأفرغ الحياة وصار العرس مأتماً. يا سيّد الفاتيكان، لا تحتاج جرار الحياة في المشرق اليوم وعظاً وكلمات بهيّة، إنّها تحتاج إلى مَن يرسم طريق الأعجوبة، ومنك تحتاج كلمةً نبويّةً تشقّ عتمة الموت، تقول لمرتكب الإبادة مرتكباً، للمحتلّ محتلّاً، وللحياة المسفوكة: لن تكوني ماءً هُدِرَ، ستصيرين خمر حريةٍ ويكون بك فرح للناس.
إذا لم يقف خليفة بطرس، هنا في قلب المأساة، ليصرخ في وجه طغاة هذا العصر، فماذا نصنع بالمعنى الساكن في أعجوبة قانا والمنتظر مَن يوقظه؟

    الكاتب

    خريستو المر
    المقالات المنشورة في «الأخبار»

    الأرشيف

    June 2026
    May 2026
    April 2026
    March 2026
    February 2026
    January 2026
    December 2025
    November 2025
    October 2025
    September 2025
    August 2025
    July 2025
    June 2025
    May 2025
    April 2025
    March 2025
    February 2025
    January 2025
    December 2024
    November 2024
    October 2024
    September 2024
    August 2024
    July 2024
    June 2024
    May 2024
    April 2024
    March 2024
    February 2024
    January 2024
    December 2023
    November 2023
    October 2023
    September 2023
    August 2023
    July 2023
    June 2023
    May 2023
    April 2023
    March 2023
    February 2023
    January 2023
    December 2022
    November 2022
    October 2022
    September 2022
    August 2022
    July 2022
    June 2022
    May 2022
    April 2022
    March 2022
    February 2022
    January 2022
    December 2021
    November 2021
    October 2021
    September 2021
    August 2021
    July 2021
    June 2021
    May 2021
    April 2021
    March 2021
    February 2021
    January 2021
    December 2020
    November 2020
    October 2020
    September 2020
    August 2020
    July 2020
    June 2020
    May 2020
    April 2020
    March 2020
    February 2020
    January 2020
    December 2019
    November 2019
    October 2019
    September 2019
    August 2019
    July 2019
    June 2019

    Categories

    All

    RSS Feed

 ليس من حبّ أعظم من هذا : أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبّائه: يسوع المسيح
  • خريستو المر
  • محاضرات
  • مقالات في «الأخبار»
  • المقالة الأسبوعيّة
  • الإيمان والحياة اليوميّة
  • فلسطين
  • التزام شؤون الإنسان
  • الإيمان والثقافة
  • كلمات
  • خريستو المرّ
  • مواقع صديقة
  • المقالة الأسبوعيّة