|
خريستو المر، الثلاثاء 24 كانون الأول 2024
«تُعظّم نَفْسي الربّ، وتبتَهج روحي بالله مُخلّصي»، كذلك قالت مريم بحسب الأناجيل، وتابعت: «صنعَ قوّة بساعده، شَتّت الْمُسْتَكْبرين... أنزَلَ الأَعزَّاءَ عن الكراسي، وَرَفَعَ المُتّضعين، أَشْبَعَ الجياعَ خيراتٍ، وَصَرَفَ الأغنياء فارغين»، وكأنّها بذلك تعلن برنامج عمل هذا العظيم الذي ولد في مغارة. يفرح الإنسان بالمواسم والاجتماعيّات المحيطة بها، هذا أمر يلتقي به مَن آمن بإله ومَن لم يؤمن. ولكنّ الذين آمنوا ولهم كتبهم فلا احتفال حقيقيّاً لهم بما جاء في الكتب إلّا بالتزام ما جاء فيها من نَفَسٍ وروح. ما قالته مريم كتفكّر في الخبر المفرح (المعنى الأصلي لكلمة إنجيل) يشكّل رؤية لمن أراد أن يحيا مُحِبّاً لهذا الذي هزّ العالم بين الشهيق الأوّل الذي أطلقه في مغارة، والزفير الأخير الذي أطلقه على الصليب. انطلاقاً من تهليل مريم يمكن لمَن يؤمن بولادة المسيح أن يذهب بالبهجة إلى نهاياتها بالالتزام ببرنامج عمل مماثل لما جاء على لسانها: العمل على هزيمة الظلم وتثبيت العدالة. عندها يتحقّق احتفال حقيقيّ ملموس بيسوع، إذ يتسرّب ضوء العدالة إلى لحم العالم فيبتهج المهمّشون والمظلومون بالعدالة والحقّ حين يلامسانهم في الحياة اليوميّة. وميلاد يسوع لدى مَن أحبّوه هو متابعةٌ لمغامرةِ مشروع الحبّ الذي خاضه الله بعمليّة خلقِ الكون. الميلاد هو الخطوة الأولى على دربٍ توصل إلى الجلجلةِ حيث عاش المسيح بلحمه ودمه موتنا، واختبر المأساة الإنسانيّة من داخلها، وأعطى لمن يمشي اليوم معه، وعلى خطاه، الروحَ القدس الذي ينتصر به الإنسان على الموت. لهذا مَن احتفل بالميلاد مشى في خطّ مواجهة الموت، كلّ أنواع الموت، في الحياة اليوميّة؛ ذاك الموت الذي يزرعه الظلم، والاستعمار، والبطش، والاستغلال، والذكوريّة، والعنصريّة، والرأسماليّة، وكلّ بُنية صنعها الإنسان ليعبد فيها ذاته، سواء أكانت ذاتاً فرديّة أم جماعيّة. لا شيء يجعل الإنسان يمشي هكذا مسيرة بشكل صافٍ سوى الحبّ. والحبّ ليس شعوراً لطيفاً، وإنّما هو موقف علاقة فاعلة، بالآخرين وبالحياة، موقف ينشأ من شعور بضرورة العناية بالآخرين، وينبع عنه مسؤوليّة عن الآخرين مضبوطة باحترامهم، وبالعمل الفاعل لمزيد من المعرفة لكي يخدمهم بما هو مناسب للحياة وليس للموت. لهذا كان الحبّ بالضرورة مبنيّاً على الحرّية التي تفرض احترام الآخر. شرط الحبّ هو الحرّية. في العلاقة الفرديّة هذا بديهيّ، إذ لا حبّ دون القدرة على رفضه، وحدها القدرة على قول «لا» تعطي لـ«نعم» معنى. أمّا على الصعيد الجماعيّ، فشرط الحرّية يعني احترام التنوّع بحيث لا تمحو الوحدة (مهما كان شكلها: وطنية أو قومية أو إنسانيّة عابرة) التنوّع الإنسانيّ، فيكون التنوّع مدعاةً للتعارف وليس للظلم أو العدوان. حاليّاً لم نبتكر كبشر شيئاً يسمح باحترام التنوّع، ويمنع الإلغاء والاقتتال الداخليّ، أفضل من الديمقراطيّة على تشوّهات تطبيقها (السيطرة على العقول وتشويه الحقائق بواسطة الإعلام-المال). يبقى تحدّي الحبّ الأكبر: دعوة الناصريّ لأتباعه بأن يحملوا المحبّة حتّى للأعداء. وهذه الدعوة لا تشكّل تضارباً مع رغبة الإنسان برفع الظلم، فهي تنسجم مع كون الحبّ ارتباطاً فاعلاً بالآخرين وبالحياة. فالأعداء، هم الذين ظلموا ولم يتراجعوا، وموقف الحبّ هو موقف الذين يريدون أن يعتنوا بالآخرين ولهذا يقفون موقفاً مسؤولاً عنهم، هم يقفون موقفاً مسؤولاً عن المظلومين أساساً، ولكن أيضاً عن الظالمين؛ ومن منظار الحبّ، تعني هذه المسؤوليّة العملَ على وقف الظلم، لأنّه اعتداء على الإنسان والحياة في المظلومين أولاً. ولكن منظار الحبّ يرى أيضاً بالظلم اعتداء على الإنسان في الظالمين الذين حين يظلمون لا يعيثون موتاً وفساداً في الأرض فقط، وإنّما أيضاً يخنقون إنسانيّتهم بأيديهم. الموقف المقاوم للظلم حتّى النهاية، هو عندها الموقف الذي ينسجم مع وصيّة المسيح بمحبّة المظلومين والأعداء، تلك المحبّة التي عاشها الذي ولد في مغارة، والتي كلّفته حياته حين استشهد لأنّه عاش وقال الحق في وجه الطغيان. مائدة الحبّ التي نسمّيها الملكوت لا بدّ أن تحتضن أولئك الذين قاوموا الظلم، قاوموه لأنّهم أحبّوا فلم يكن لديهم خيار إلّا أن يدفعوا الظلم، محبّةً بالمظلومين أساساً، وبطريقة ما بالظالمين أيضاً. أولئك الذين يقاومون حين تنهش الذئاب لحم الناس وتبثّ الدعاية حول لا جدوى المقاومة، هم بلا شكّ مجانين. ولكن ألم يكن يسوع مجنوناً؟ كمال الجنون كان على الصليب، أمّا بِدْؤه فكان في الميلاد، في المغارة، في ذاك الهامش الهشّ الذي صار المركز حين تبيّن أنّه يحتضن ذاك الذي شعّ به نور القيامة في العالم، في ذاك الهامش الهشّ الذي صار مركزاً ورمزاً لمقاومة كلّ إمبراطوريّة، في ذاك الهامش الهشّ الذي صار رمزاً للمقاومة التي تحمل النصر الأخير في منتهى الهشاشة التي تكون عليها في لحظة من زمن. خريستو المر، الثلاثاء 17 كانون الأول 2024
نعيش في منطقتنا بين الكوابيس: كابوس قمع السلطة الذي يخنقنا من المحيط إلى الخليج (مع حرّيات نسبيّة مهمّة هنا وهناك: لبنان مثلاً)، وكابوس الاستعمار الذي يستغلنا ويطحن لحمنا وبلادنا حرباً بعد حرب؛ ولقاء الكابوسين معاً في كابوس استغلال حياتنا ومستقبلنا. طالما شدّدنا على أمرين ضروريّين من أجل الوصول إلى التحرّر الكامل: الحرّية والكرامة البشريّة، والأخيرة تختصر الحقّ بالعمل في ظروف عادلة، وبالسكن، وبالطبابة، وبالتعليم، وبالخروج من الفقر، وغيرها، فجميعها ضرورة ليتمكّن الإنسان من العيش بكرامة. والحرّية هي في الحقيقة تاج الكرامة البشريّة، لا كرامة بشريّة كاملة من دون حرّية، ولكن أيضاً لا حرّية حقيقيّة كاملة من دون كرامة بشريّة مادّية ملموسة. عدا السلطات القمعيّة، طالما أعطى البعض الأولويّة للأخطار الخارجيّة -الاستعمار وقلعته الكيان الصهيونيّ- لتبرير القمع الداخليّ أو لغضّ النظر عنه، بينما تكلّم البعض الآخر (اليمين اللبنانيّ نموذجاً) عن الحرّية، من دون قناعة أحياناً، وضربوا بعرض الحائط حقيقة خطر الاستعمار، وأغفلوا عن الوقوف موقفاً استقلاليّاً منه ومعادياً له، وغضّوا الطرف عن المظالم الاقتصاديّة وضرورة العمل على وقف الاستغلال الداخليّ-الخارجيّ. يبدو هذا التوتّر بيّناً اليوم في سوريا. فالذين كانوا وما زالوا يريدون لسوريا كدولة أن تكون داعمة للحقّ الفلسطينيّ، لا يتفوّهون بكلمة عن القمع الذي كان سائداً ومعروفاً، ويخشون عن حقّ التغيير الآتي عن الطريق الأميركي-الإسرائيلي-التركي، وخصوصاً مع تصريحات قيادات المسلّحين بأنّهم سيقيمون علاقات طبيعية بين سوريا ودولة الاحتلال. وفي المقابل، يهتف المواطنون السوريّون بفرح للحرّية التي يتنشّقونها، والتي نرجو لها أن تستمرّ، بينما يبيد جيش الاحتلال البنية التحتية العسكريّة للبلاد ويحتلّ أرضاً سوريّة جديدة، من دون أيّ كلمة من القيادات المسلّحة التي تمتلك السلطة الفعليّة ومن دون كلمة من كثير من المثقّفين الفرحين بسقوط الطغيان. هكذا، يستمرّ عيشنا اليوم بين الكوابيس، وخصوصاً في لبنان وفلسطين وسوريا. فبينما يعيش الفلسطينيّون كابوس الإبادة منذ عام 1948 وتعاظمه منذ أكتوبر 2023، يُزاح عن صدر السوريّين كابوس القمع من دون أن يعرفوا أيّ نظام يلوح على يدي الكابوس الاستعماريّ الذي نخشى أن يتابع عمليّة تدمير البلاد وتقسيمها التي بدأتها، في الحرب السوريّة الماضية، وتابعتها بـ«قانون قيصر». والقلق من كابوس استعماريّ يلوح مشروعٌ، فإزاحة النظام القمعيّ القديم ليست المقصود الأخير في سوريا، بل المقصود تنظيم البلاد لخدمة المصالح الاستعماريّة في المنطقة، وهذا لا يكون بسوريا معادية للاحتلال، ومستقلّة، وواحدة. نتمنّى بالطبع أن يستطيع السوريّون هزيمة كلّ مشروع استعماريّ في بلادهم، لكنّنا لا نرى ذلك قريباً، أو سلميّاً. وأمّا نحن في لبنان، فنتابع عيشنا بين كابوسين، كابوس الاحتلال الذي بات يقصفنا ولا نقصفه، وكابوس النظام الاستغلاليّ القائم في البلاد طولاً وعرضاً والذي تحميه جميع الجهات، المقاوِمة والمطبِّعة. لا يمكن منع الناس من المطالبة ليس فقط بالمزيد من الحرّية النسبيّة في البلد، ولكن أساساً بنظام يحمي الكرامة البشريّة، أي يمنع الاستغلال الذي دمّر حياة الناس تدميراً. هل سيتمكّن ولو فريق واحد من الممسكين بالسلطة من تخيّل مسار اقتصاديّ-سياسيّ جديد في البلاد يوحّدها ويحصّن معيشة الناس في مواجهة أخطار الاحتلال والاقتصاد؟ لا يبدو ذلك حتّى الآن، فالممسكون بزمام السلطة أدمنوا الانتظار والتسويف، والخوف أنّ التاريخ لا ينتظر بلاداً فقد الممسكون بزمام سلطتها القدرة على ابتكار حلول لمشكلاتهم. هذه الكوابيس كلّها يختصرها غيابان، غياب الخبز وغياب الحرّية، ويتعاضد في هذان الغيابان الأنظمة الداخليّة والاستعمار الذي يدعم كلّ نظام قمعيّ واستغلاليّ طالما أذعن له ويهدّد بقلعته الاستعماريّة «إسرائيل» وجودنا، حرّيتنا وكرامتنا البشريّة. الحاجة في فلسطين هي إلى التحرّر من الاحتلال فهو باب كلّ شيء. الحاجة في سوريا، كما في لبنان، هي إلى إنشاء مشروع وطني معادٍ لإسرائيل لأنّ هكذا تفترض المصلحة، الوطنيّة أقلّه، الحاجة هي إلى ابتكار مسارات جديدة تلتزم فيها قوى سياسيّة واجتماعيّة قضيّة تحرير الإنسان، كلّ الإنسان؛ بجمع قضيّتي الخبز والحرّية (من الاستعمار ومن القمع الداخليّ). وإن كانت الحرّية أساسٌ فينبغي ألّا تُنسينا الخبز، وطالما بلادنا تحفل بالمؤمنين، ونحن مقبلون على فترة عيد ميلاد المسيح، فمن الضروريّ التذكير بأهمّية «الخبز» الروحيّة، فإذا كان الخبز شأناً مادّياً بالنسبة إلى مؤمن أصيل، فإنّ خبز الآخر بالنسبة إليه، هو شأن روحيّ، إيمانيّ. فالمؤمنون حقّاً، يتدخّلون بشؤون الأرض لأسباب تتعلّق بالأرض وبالسماء، فالأرض بُعدٌ من أبعاد السماء، لأنّ الإيمان، كالحبّ، يترافق مع مسؤوليّة الإنسان عن الآخر، عن الخليقة الملموسة. هل يساعدنا الإيمان بإنهاء كوابيسنا؟ لن يسهم، إلّا إن كان أصيلاً. خريستو المر، الثلاثاء 17 كانون الأول 2024
نعيش في منطقتنا بين الكوابيس: كابوس قمع السلطة الذي يخنقنا من المحيط إلى الخليج (مع حرّيات نسبيّة مهمّة هنا وهناك: لبنان مثلاً)، وكابوس الاستعمار الذي يستغلنا ويطحن لحمنا وبلادنا حرباً بعد حرب؛ ولقاء الكابوسين معاً في كابوس استغلال حياتنا ومستقبلنا. طالما شدّدنا على أمرين ضروريّين من أجل الوصول إلى التحرّر الكامل: الحرّية والكرامة البشريّة، والأخيرة تختصر الحقّ بالعمل في ظروف عادلة، وبالسكن، وبالطبابة، وبالتعليم، وبالخروج من الفقر، وغيرها، فجميعها ضرورة ليتمكّن الإنسان من العيش بكرامة. والحرّية هي في الحقيقة تاج الكرامة البشريّة، لا كرامة بشريّة كاملة من دون حرّية، ولكن أيضاً لا حرّية حقيقيّة كاملة من دون كرامة بشريّة مادّية ملموسة. عدا السلطات القمعيّة، طالما أعطى البعض الأولويّة للأخطار الخارجيّة -الاستعمار وقلعته الكيان الصهيونيّ- لتبرير القمع الداخليّ أو لغضّ النظر عنه، بينما تكلّم البعض الآخر (اليمين اللبنانيّ نموذجاً) عن الحرّية، من دون قناعة أحياناً، وضربوا بعرض الحائط حقيقة خطر الاستعمار، وأغفلوا عن الوقوف موقفاً استقلاليّاً منه ومعادياً له، وغضّوا الطرف عن المظالم الاقتصاديّة وضرورة العمل على وقف الاستغلال الداخليّ-الخارجيّ. يبدو هذا التوتّر بيّناً اليوم في سوريا. فالذين كانوا وما زالوا يريدون لسوريا كدولة أن تكون داعمة للحقّ الفلسطينيّ، لا يتفوّهون بكلمة عن القمع الذي كان سائداً ومعروفاً، ويخشون عن حقّ التغيير الآتي عن الطريق الأميركي-الإسرائيلي-التركي، وخصوصاً مع تصريحات قيادات المسلّحين بأنّهم سيقيمون علاقات طبيعية بين سوريا ودولة الاحتلال. وفي المقابل، يهتف المواطنون السوريّون بفرح للحرّية التي يتنشّقونها، والتي نرجو لها أن تستمرّ، بينما يبيد جيش الاحتلال البنية التحتية العسكريّة للبلاد ويحتلّ أرضاً سوريّة جديدة، من دون أيّ كلمة من القيادات المسلّحة التي تمتلك السلطة الفعليّة ومن دون كلمة من كثير من المثقّفين الفرحين بسقوط الطغيان. هكذا، يستمرّ عيشنا اليوم بين الكوابيس، وخصوصاً في لبنان وفلسطين وسوريا. فبينما يعيش الفلسطينيّون كابوس الإبادة منذ عام 1948 وتعاظمه منذ أكتوبر 2023، يُزاح عن صدر السوريّين كابوس القمع من دون أن يعرفوا أيّ نظام يلوح على يدي الكابوس الاستعماريّ الذي نخشى أن يتابع عمليّة تدمير البلاد وتقسيمها التي بدأتها، في الحرب السوريّة الماضية، وتابعتها بـ«قانون قيصر». والقلق من كابوس استعماريّ يلوح مشروعٌ، فإزاحة النظام القمعيّ القديم ليست المقصود الأخير في سوريا، بل المقصود تنظيم البلاد لخدمة المصالح الاستعماريّة في المنطقة، وهذا لا يكون بسوريا معادية للاحتلال، ومستقلّة، وواحدة. نتمنّى بالطبع أن يستطيع السوريّون هزيمة كلّ مشروع استعماريّ في بلادهم، لكنّنا لا نرى ذلك قريباً، أو سلميّاً. وأمّا نحن في لبنان، فنتابع عيشنا بين كابوسين، كابوس الاحتلال الذي بات يقصفنا ولا نقصفه، وكابوس النظام الاستغلاليّ القائم في البلاد طولاً وعرضاً والذي تحميه جميع الجهات، المقاوِمة والمطبِّعة. لا يمكن منع الناس من المطالبة ليس فقط بالمزيد من الحرّية النسبيّة في البلد، ولكن أساساً بنظام يحمي الكرامة البشريّة، أي يمنع الاستغلال الذي دمّر حياة الناس تدميراً. هل سيتمكّن ولو فريق واحد من الممسكين بالسلطة من تخيّل مسار اقتصاديّ-سياسيّ جديد في البلاد يوحّدها ويحصّن معيشة الناس في مواجهة أخطار الاحتلال والاقتصاد؟ لا يبدو ذلك حتّى الآن، فالممسكون بزمام السلطة أدمنوا الانتظار والتسويف، والخوف أنّ التاريخ لا ينتظر بلاداً فقد الممسكون بزمام سلطتها القدرة على ابتكار حلول لمشكلاتهم. هذه الكوابيس كلّها يختصرها غيابان، غياب الخبز وغياب الحرّية، ويتعاضد في هذان الغيابان الأنظمة الداخليّة والاستعمار الذي يدعم كلّ نظام قمعيّ واستغلاليّ طالما أذعن له ويهدّد بقلعته الاستعماريّة «إسرائيل» وجودنا، حرّيتنا وكرامتنا البشريّة. الحاجة في فلسطين هي إلى التحرّر من الاحتلال فهو باب كلّ شيء. الحاجة في سوريا، كما في لبنان، هي إلى إنشاء مشروع وطني معادٍ لإسرائيل لأنّ هكذا تفترض المصلحة، الوطنيّة أقلّه، الحاجة هي إلى ابتكار مسارات جديدة تلتزم فيها قوى سياسيّة واجتماعيّة قضيّة تحرير الإنسان، كلّ الإنسان؛ بجمع قضيّتي الخبز والحرّية (من الاستعمار ومن القمع الداخليّ). وإن كانت الحرّية أساسٌ فينبغي ألّا تُنسينا الخبز، وطالما بلادنا تحفل بالمؤمنين، ونحن مقبلون على فترة عيد ميلاد المسيح، فمن الضروريّ التذكير بأهمّية «الخبز» الروحيّة، فإذا كان الخبز شأناً مادّياً بالنسبة إلى مؤمن أصيل، فإنّ خبز الآخر بالنسبة إليه، هو شأن روحيّ، إيمانيّ. فالمؤمنون حقّاً، يتدخّلون بشؤون الأرض لأسباب تتعلّق بالأرض وبالسماء، فالأرض بُعدٌ من أبعاد السماء، لأنّ الإيمان، كالحبّ، يترافق مع مسؤوليّة الإنسان عن الآخر، عن الخليقة الملموسة. هل يساعدنا الإيمان بإنهاء كوابيسنا؟ لن يسهم، إلّا إن كان أصيلاً. خريستو المرّ، الثلاثاء ١٠ كانون الأوّل / ديسمبر ٢٠٢٤
عندما يطّلع الإنسان على المعطيات النفسيّة التي تشرح ميلنا كبشر إلى التفكير الانشطاريّ، وإلى تقسيم العالم بين أبيض وأسود، لا يُذهله ما يراه من تركيز على حقيقة واحدة، واستسهال الاتّهام بدعم ديكتاتوريّة الأسد لـمَن يعبّر عن قلقه لمصير المنطقة (حتّى ولو فرح بسقوط حكم ديكتاتوريّ)، أو الاتّهام بخيانة فلسطين لمن يعبّر عن فرحه بسقوط الحكم الديكتاتوريّ في سوريّا. هناك فريقين: واحد منهما يفرح للحرّية وينسى الهجمة الاستعماريّة المذبحيّة حوله، وآخر يخاف من الذين استلموا السلطة وينسى الهويّة الديكتاتوريّة للحكم الساقط والأجساد والنفوس التي سحقها. الواقع أنّ مَن أراد أن يحيا في وئام مع مبادئه جميعا، وليس بعض مبادئه فقط، هناك أضّاد في مواقفه ينبغي عليه أن يحمل عناءها، وهو أكثر ما ينطبق في الموقف من الديكتاتوريّة السوريّة منذ عام ٢٠١١ وهو ما قسم الناس ليس فقط في بلادنا وإنّما أيضا في المهجر. عندما يقول إنسان أنّ الحكم الساقط هو حكم ديكتاتوريّ طاغٍ، قتل من شعبه ما رأيناه على الشاشات، وسجن مَن نراهم يخرجون الآن في أوضاع مرعبة، كنّا نعرفها في روايات مَن خرجوا، فهذا أمر واقع وتوصيف. أيّ حسّ إنسانيّ عاديّ لم يقتله صاحبه يشعر بالفرح ولو لنسمة حرّية. هذا الفرح الفطريّ لا يحمل موقفًا سياسيّا، وهذا ما لا يفهمه الكثيرون ممَّن يقلقون لسقوط الحكم الديكتاتوريّ، ويتعجّبون من فرح الناس، بل وبعضهم يستنكره. كيف يمكن أن يستنكر الإنسان فرح إنسان وجد الهواء بعد اختناق؟ لا يمكن أن يبرّر إنسان التنكيل بضرورة مواجهة إسرائيل، قد يقول لا أملك أن أغيّر الواقع، وعليّ أن أتعامل معه، ولكن لا يبرّره أو ينكره. وعندما يقول إنسان آخر أنّ الحكم الديكتاتوريّ ليس الواقع الوحيد الذي يجب أن ننظر إليه في الأحداث، فطالما أنّ الإنسان يحلم بالحرّية (عداك عن تحرير فلسطين) هناك ضرورة ليفكّر الإنسان بهويّة الذي يموّل ويسلّح ويدعم القوى التي وقعت البلاد بين أيديها، تركيا ومن ورائها أميركا وإسرائيل وحلفائها من الحكّام الديكتاتوريين العرب. وبالتالي، هناك ضرورة أن يقلق الإنسان على اليوم والغد، وأن يخشى ألّا يكون سقوط النظام خطوة نحو الحرّية، وإنّما نحو استبداد آخر، وتفتيت وتدمير أكبر. فهذا ليس بموقف داعم للبطش أو لمنطق تحالف الأقلّيات (المفتِّت بالفعل). كيف لا يقلق الإنسان من ألّا يصل إلى الحرّية حين يدعم المنتصرين مَن هم أعداء الحرّية؟ هذان الموقفان الضدّان في الظاهر: الشعور بالفرح لسقوط أحد الديكتاتوريّات الكثيرة بين المحيط والخليج، والشعور بالقلق حول مصير سوريّا والمنطقة، كلاهما شرعيّان، وكلاهما ضروريّان. فقد عرفنا عبر التاريخ مناضلين من أجل الحرّية ينقلبون على هدف التحرّر ما أن يستتبّ الأمر لهم. هذا تخوّف مشروع من كلّ طرف يحمل السلاح ليحرّر، لأنّ الانجراف إلى منطق «حماية الانتصار» يطغى على ما عداه ما أن يستلم الفريق المنتصر الحكم. والتاريخ حافل بالذين انقلبوا على ما قاتلوا من أجله. الذين يناضلون من أجل فلسطين، بالمقاطعة أو بالسلاح، عليهم أن يقيموا حسابا لهذا الخطر ضمن الحسابات الكثيرة التي لا يُحسدون عليها. كما أنّ الذين يفرحون الآن بالتحرّر من الحكم الديكتاتوريّ عليهم أن يقيموا حسابا للأمر نفسه، فالديكتاتوريّة نفسها التي سقطت أتت ثورة للحريّة (وحدة، وحرّية، واشتراكيّة، لم يتحقّق منها هدف). في خضمّ التخوينات المتبادلة، ورغم خلافي مع المخوّنين (قضيت وقتا طويلا البارحة في محاولة تقريب وجهات النظر في مجموعة)، أجد أنّ الفريق المتحفّظ والقلق من الجماعات المسلحّة، ومَن وراءها، هو الفريق الأقرب إلى الواقع. وهذا التقدير يستند إلى تاريخ حديث من الثورات من ليبيا إلى العراق، وإلى واقع الطائرات الاسرائيليّة المغيرة على سوريا، والمذبحة المستمرّة في غزّة، وإلى أنّ، عدا معظم الشعب السوريّ الذي يحقّ له الاحتفال، مَنْ يحتفل بسقوط الحكم الديكتاتوريّ هو الأنظمة الديكتاتوريّة العاملة ليلا ونهارا مع إسرائيل لإكمال المذبحة بحقّ الفلسطينيّين (واللبنانيّين). مَن لا يقرأ الأحداث كجزء من كلّ المنطقة ولا يأبه إلّا لما يحدث اليوم وفي بلده فقط، لن يعجبه هذا الكلام، ولكنّه الواقع أعجبنا أم لم يعجبنا: نحن نعيش أكبر أزمة استعماريّة منذ الصليبيّين وحتّى اليوم، وهو استعمار – لمن لم يلاحظ بعد- سيكون أشدّ قمعا وتنكيلا وأوسع استغلالا في المستقبل ممّا كانه حتّى اليوم، إن تسنّى لإسرائيل وأميركا مِن ورائها أن تنتصر. مَن يحبّ الحرّية حقّا، ويحبّ أن يحيا بكرامة على أرضه، ويحبّ أرضه، ينبغي له أن يتمسّك بنظرة كاملة إلى المنطقة، فيستقبل في قلبه الفرح والقلق في آن معًا. مأساتنا في المنطقة أنّنا لم نتمكّن بعد من جمع مقاومة الاستعمار مع الحرّية والعدالة، لأسباب متعدّدة أكبرها استمرار سياسات الاستعمار الأميركيّ والأوروبيّ، والبطش الداخليّ المدعوم أميركيّا حين يكون النظام لصالح المصالح الأميركيّة. إلى أن يحين موعدنا مع التحرّر الكامل من المذبحة التي ينفّذها فينا الاستعمار منذ ١٩٤٨، ومن البطش وانعدام العدالة الداخليَّيْن، اللذَين تشترك بأسبابهما الحكّام مع مشغّليهم الخارجيّين، فليفرح السوريّون وكلّ جزء من شعبنا أينما كان بسقوط ديكتاتور، ولكن فليقلق أيضا على الحرّية التي تنشّقها، وعلى أرضه التي يحبّها، وعلى كرامته التي وجدَت الريح، لئلّا تكون هذه الخبرة الجميلة نسمةً سريعةً بين قمعين، أو بين قاع وقاع أعمق وأوسع. علّ هذا القلق يكون دافعا لعمل واعٍ للمخاطر المحدقة. لا شكّ أنّ الإنسان يفرح بنسمة حرّية، حتّى ولو كانت بين قمعين، فهي دائما جميلة على القلب وأفضل من الحياة والموت دونها؛ ولكن قنابل أميركا التي تنفجر حولنا، والتي تنهش بلحم أطفالنا في غزّة ولبنان، بدعم الديكتاتوريّين العرب والديموقراطيّين الأميركيّين والأوروبيّين، تجعلنا نخشى أن يُهرق الدم، وأن تُستباح الأرض، بشكل أوسع من السابق في سوريّا، ولبنان، وفلسطين... خريستو المر، الخميس 5 كانون الأول 2024
لا شك أن تضحيات المقاومة وإنجازاتها الأسطوريّة في صدّ العدوان الإسرائيلي تُمثل نصراً هائلاً على صعيد القدرة على ردع العدو، وكسر شوكته. لكن هذا لا يُبرر التغاضي عن الحقائق الأخرى التي تُخيّم على البلاد. فنغمات الحوار الوطني التي بدأت في الإعلام تشكّل عودة لتاريخ طويل من الكلام الذي لا فائدة تُرتجى منه، فهو «حوار» مع فريق يسعى جاهداً لتستتبّ التبعيّة للاستعمار. كما أنّ الإعلان عن جلسة انتخاب رئيسٍ يُخشى أن يكون تابعاً مباشرة للسفارة الأميركيّة يُثير القلق. والبلاد ما تزال في ضائقة اقتصاديّة ليس أسبابها الضغوط الأميركيّة وإنّما طريقة الحكم التي لا تعرف سوى توزيع المغانم على الأتباع دون أيّ اعتبار لمستقبل البلاد الاقتصاديّ والاجتماعيّ، وهما الأساس لتمكين البيئة الوطنيّة من احتمال صراع طويل الأمد مع عدوّ لن يتوانى عن محاولته غزونا مجدّداً في المستقبل. لكنّ وسط الدفاع الأسطوريّ للمقاومة عن البلاد، لا يشكّل فك الارتباط مع غزة انتصاراً بل نكسة، مهما حاول البعض تبرير هذه المواقف. وهذا أمر لا بدّ من الاعتراف به، ومواجهته، والتفكير في كيفيّة دعم الفلسطينيّين وسط الحرب الإباديّة الحاليّة وتخاذل أكثريّة الحكومات العربيّة. كما لا بدّ من التفكير في كيفيّة جعل المقاومة مستدامة، فطريقة الحكم في لبنان تُضعِف القدرات الدفاعيّة للبلاد وهو ما يفرض على مَن يريد أن يدافع عن أرضه أن يأتيه الدعم من حلفاء كإيران؛ ولكن هذا الواقع يعني أيضاً - شئنا أم أبينا - أنّ مستقبل مقاومة العدوّ مرهون بمستقبل إيران، أي إنّ من مخاطره أنّه قد يكون غير مستدام، فمسار التاريخ متعرّج. هذا أمر لا بدّ من أخذه بالاعتبار عند كلّ ذي عقل، وحلّه لا يمكن أن يكون إلّا بوجود طريقة حكم قادر وعلى ضفّة الحقّ من التاريخ، أي ضفّة التحرّر. وجود المقاومة واستمرارها ودعمها هي ضرورة حياة لدى كلّ ذي عقل يريد أن تكون أرضنا، منطقتنا، خارج براثن الاستغلال الاستعماريّ الأميركيّ-الصهيونيّ، أي يريد أن يعيش أولاد هذه الأرض في كرامة وحرّية (والحرّية لها ما ينغّصها داخليّاً). ولهذا، من الضروريّ أمام الأوضاع الحاليّة تقييم الواقع لإيضاح مَواطن الضعف ومَواطن القوّة، والتخطيط لواقع مستقبليّ أكثر منعة، وذلك بالتركيز على ضرورة خروج البلاد من سياسات اقتصاديّة رعناء، وتجاذبات طائفيّة لا يمكن إلّا أن تضعفنا كمنطقة وليس فقط كبلد فيها. هكذا تقييم لا يستقيم دون ضلوع فريق المقاومة المسلّحة فيها، فهو الذي يحمي الناس في ظلّ الضعف العسكريّ الهائل والمعروف لجيش البلاد، ولكنّه أيضاً لا يستقيم دون أن يراجع فريق المقاومة رفضه المطلق لأيّ تغيير في السياسات الاقتصاديّة وغيرها لنزع أسباب التوتّرات الطائفيّة (نظام اقتصاديّ منتج، مثلاً). المقاومة لا تنفي، بل تستدعي، الاهتمام الصالح بأبعاد أخرى لحياة الناس غير الدفاع العسكريّ! دون مراجعة نخشى أن يأتي يوم يقضي فيه التعنّت السياسيّ على التضحيات العسكريّة من حيث لم يحسب الإنسان. الذين بيننا يحترمون شعبهم وأرضهم، لا ثقة لهم بالفريق المعادي للمقاومة بسبب هذا العداء بالذات، ولكن هذا هو ما يجعلهم يحمّلون المقاومة قدراً وازناً من مسؤوليّة الخروج من الأوضاع المهترئة للبلاد، فهي مسؤولة عنه طالما كانت في الحكم وتريد أن تكون. مَن حصر فِكره بالرقعة الجغرافيّة التي فصّلها له سايكس بيكو لن يفهم شيئاً ممّا نقول. ولكن، عندما تنطلق المقاومة من هذا الواقع الـمُفَتَّت لمنطقتنا لتحريرها من الاستعمار، فهي تبقى محتاجة أن تُبقي منعتها مُستدامة بشكل شامل: عسكريّاً واقتصاديّاً، واجتماعيّاً (هل يُعقل أن يُدفعَ الناس للهجرة، مثلاً، لكي يستمرّ النظام المهترئ هذا!). عسكريّاً، الدفاع عن بلد صغير كلبنان، يقتضي، في رأيي، استمرار وجود حركة مقاومة شعبيّة حتّى في ظلّ وجود جيش نظاميّ قويّ، ودليلنا على ذلك هو الفاعليّة العمليّة للمقاومة الشعبيّة التي أفضت إليها خبرتنا التاريخيّة اليوم. إنّ مسؤوليّتنا بتحرير منطقتنا، وقلبها فلسطين - كم يجب أن نتذكّر الاحتلال الصليبيّ في هذه الأيّام - يُلقي على العاملين من أجل التحرّر مسؤوليّة المراجعة والتصويب. النصر الكامل لا يتحقق دون تحقيق العدالة الاجتماعية، والمساواة، والكرامة الإنسانية للجميع، فما معنى التحرّر العسكريّ من ظلم خارجيّ إن لم يتلازم مع مسعى تحقيق عدالة داخليّة؟ وكلّ هذا يتطلّب مراجعة نقديّة لما هو قائم بهدف خلق أرضيّة نجاح مُستدام وأكمل في المستقبل. خريستو المر، الخميس 5 كانون الأول 2024
لا شك أن تضحيات المقاومة وإنجازاتها الأسطوريّة في صدّ العدوان الإسرائيلي تُمثل نصراً هائلاً على صعيد القدرة على ردع العدو، وكسر شوكته. لكن هذا لا يُبرر التغاضي عن الحقائق الأخرى التي تُخيّم على البلاد. فنغمات الحوار الوطني التي بدأت في الإعلام تشكّل عودة لتاريخ طويل من الكلام الذي لا فائدة تُرتجى منه، فهو «حوار» مع فريق يسعى جاهداً لتستتبّ التبعيّة للاستعمار. كما أنّ الإعلان عن جلسة انتخاب رئيسٍ يُخشى أن يكون تابعاً مباشرة للسفارة الأميركيّة يُثير القلق. والبلاد ما تزال في ضائقة اقتصاديّة ليس أسبابها الضغوط الأميركيّة وإنّما طريقة الحكم التي لا تعرف سوى توزيع المغانم على الأتباع دون أيّ اعتبار لمستقبل البلاد الاقتصاديّ والاجتماعيّ، وهما الأساس لتمكين البيئة الوطنيّة من احتمال صراع طويل الأمد مع عدوّ لن يتوانى عن محاولته غزونا مجدّداً في المستقبل. لكنّ وسط الدفاع الأسطوريّ للمقاومة عن البلاد، لا يشكّل فك الارتباط مع غزة انتصاراً بل نكسة، مهما حاول البعض تبرير هذه المواقف. وهذا أمر لا بدّ من الاعتراف به، ومواجهته، والتفكير في كيفيّة دعم الفلسطينيّين وسط الحرب الإباديّة الحاليّة وتخاذل أكثريّة الحكومات العربيّة. كما لا بدّ من التفكير في كيفيّة جعل المقاومة مستدامة، فطريقة الحكم في لبنان تُضعِف القدرات الدفاعيّة للبلاد وهو ما يفرض على مَن يريد أن يدافع عن أرضه أن يأتيه الدعم من حلفاء كإيران؛ ولكن هذا الواقع يعني أيضاً - شئنا أم أبينا - أنّ مستقبل مقاومة العدوّ مرهون بمستقبل إيران، أي إنّ من مخاطره أنّه قد يكون غير مستدام، فمسار التاريخ متعرّج. هذا أمر لا بدّ من أخذه بالاعتبار عند كلّ ذي عقل، وحلّه لا يمكن أن يكون إلّا بوجود طريقة حكم قادر وعلى ضفّة الحقّ من التاريخ، أي ضفّة التحرّر. وجود المقاومة واستمرارها ودعمها هي ضرورة حياة لدى كلّ ذي عقل يريد أن تكون أرضنا، منطقتنا، خارج براثن الاستغلال الاستعماريّ الأميركيّ-الصهيونيّ، أي يريد أن يعيش أولاد هذه الأرض في كرامة وحرّية (والحرّية لها ما ينغّصها داخليّاً). ولهذا، من الضروريّ أمام الأوضاع الحاليّة تقييم الواقع لإيضاح مَواطن الضعف ومَواطن القوّة، والتخطيط لواقع مستقبليّ أكثر منعة، وذلك بالتركيز على ضرورة خروج البلاد من سياسات اقتصاديّة رعناء، وتجاذبات طائفيّة لا يمكن إلّا أن تضعفنا كمنطقة وليس فقط كبلد فيها. هكذا تقييم لا يستقيم دون ضلوع فريق المقاومة المسلّحة فيها، فهو الذي يحمي الناس في ظلّ الضعف العسكريّ الهائل والمعروف لجيش البلاد، ولكنّه أيضاً لا يستقيم دون أن يراجع فريق المقاومة رفضه المطلق لأيّ تغيير في السياسات الاقتصاديّة وغيرها لنزع أسباب التوتّرات الطائفيّة (نظام اقتصاديّ منتج، مثلاً). المقاومة لا تنفي، بل تستدعي، الاهتمام الصالح بأبعاد أخرى لحياة الناس غير الدفاع العسكريّ! دون مراجعة نخشى أن يأتي يوم يقضي فيه التعنّت السياسيّ على التضحيات العسكريّة من حيث لم يحسب الإنسان. الذين بيننا يحترمون شعبهم وأرضهم، لا ثقة لهم بالفريق المعادي للمقاومة بسبب هذا العداء بالذات، ولكن هذا هو ما يجعلهم يحمّلون المقاومة قدراً وازناً من مسؤوليّة الخروج من الأوضاع المهترئة للبلاد، فهي مسؤولة عنه طالما كانت في الحكم وتريد أن تكون. مَن حصر فِكره بالرقعة الجغرافيّة التي فصّلها له سايكس بيكو لن يفهم شيئاً ممّا نقول. ولكن، عندما تنطلق المقاومة من هذا الواقع الـمُفَتَّت لمنطقتنا لتحريرها من الاستعمار، فهي تبقى محتاجة أن تُبقي منعتها مُستدامة بشكل شامل: عسكريّاً واقتصاديّاً، واجتماعيّاً (هل يُعقل أن يُدفعَ الناس للهجرة، مثلاً، لكي يستمرّ النظام المهترئ هذا!). عسكريّاً، الدفاع عن بلد صغير كلبنان، يقتضي، في رأيي، استمرار وجود حركة مقاومة شعبيّة حتّى في ظلّ وجود جيش نظاميّ قويّ، ودليلنا على ذلك هو الفاعليّة العمليّة للمقاومة الشعبيّة التي أفضت إليها خبرتنا التاريخيّة اليوم. إنّ مسؤوليّتنا بتحرير منطقتنا، وقلبها فلسطين - كم يجب أن نتذكّر الاحتلال الصليبيّ في هذه الأيّام - يُلقي على العاملين من أجل التحرّر مسؤوليّة المراجعة والتصويب. النصر الكامل لا يتحقق دون تحقيق العدالة الاجتماعية، والمساواة، والكرامة الإنسانية للجميع، فما معنى التحرّر العسكريّ من ظلم خارجيّ إن لم يتلازم مع مسعى تحقيق عدالة داخليّة؟ وكلّ هذا يتطلّب مراجعة نقديّة لما هو قائم بهدف خلق أرضيّة نجاح مُستدام وأكمل في المستقبل. |
الكاتبخريستو المر الأرشيف
December 2025
Categories |
RSS Feed