|
خريستو المر، الثلاثاء 18 تشرين الثاني 2025
تقف وثيقة «كايروس فلسطين» الجديدة، الصادرة عن «المبادرة المسيحيّة الفلسطينيّة» الممثلّة لأهمّ لاهوتيّيها، كأحد أهمّ النصوص الأخلاقية واللاهوتية التي صدرت في زمن الإبادة المستمرّة ضد الشعب الفلسطينيّ. فهي شهادة نبويّة تُعيد تحديد موقع الإيمان والضمير أمام مشهد إنسانيّ منهار. تبدأ الوثيقة من تسمية الواقع بوضوح، فاللحظة «لحظة مصير، ولحظة حقيقة في آنٍ معاً». نحن، إذاً، أمام حقائق تدخل مجال السلوك الأخلاقي، لكن دون التخلّي عن الوضوح السياسيّ، فـ«ما يحصل اليوم هو الوجه الحقيقيّ للأيديولوجيّة الصهيونيّة... وما سُمّي بقانون القوميّة الإسرائيليّ الصادر سنة 2018 جسّدَ العنصريّة الصهيونيّة، و[إيديولوجيا] الفوقيّة الاستعلائيّة اليهوديّة، في فلسطين». وترى الوثيقة أنّ الصهيونيّة، كفكر عنصريّ، ليست حكراً على دين، فقد أظهرت الإبادة «الوجه الحقيقيّ للصهيونيّة يهوديّة كانت أم مسيحيّة»، وأشارت أيضاً إلى «إسلام صهيونيّ» تذكر الوثيقة ظهوره ضمن «اتّفاقيّات تطبيعيّة مع بعض الدول العربيّة» جاءت «من باب استغلال الدين لصالح أجندات سياسيّة واقتصاديّة» وجعلت «من الاحتلال والفصل العنصريّ في فلسطين أمراً طبيعيّاً مقبولاً». ثمّ تضع الوثيقة الأمور في نصابها، فـ«هجوم يوم السابع من أكتوبر له سياق. ونحن نعلم أنّ ذكر السياق لا يبرر قتل المدنيّين وأَسْرهم وكلّ انتهاك للقوانين والأعراف أو كلّ جرائم الحرب. لكن، في الوقت نفسه، لا يمكن قبول سرديّة الدفاع عن النفس، فكيف يُدافع المستعمِر عن نفسه ممّن استعمرهم وطردهم من أرضهم؟ والقانون الدولي، إن كان لهذا القانون أي قيمة بعد الآن، يُفنّد هذا الادعاء». هكذا، فإنّ أول ملامح الوثيقة جرأتها الفكرية في كشف البنية العميقة للعنف الاستعماريّ. فهي لا ترى أن ما يجري في غزة والضفة والقدس سلسلة أحداث معزولة، بل استمرار لمنهجية استعماريّة بدأت مع النكبة وما تزال تتوسّع بأشكال جديدة. هذا الربط بين التاريخ والراهن يعيد تعريف الإبادة بوصفها عملية تراكميّة لا لحظة طارئة. وتصف الوثيقة ما يحدث اليوم بأنّه نتيجة لبنية عنصريّة صهيونيّة ترسّخت عبر قوانين، ومستعمرات، وخطابات دينيّة وسياسيّة تسعى إلى اقتلاع الشعب الفلسطينيّ بالكامل؛ مذكّرة بالارتكابات وسياسات القتل والتهجير في القدس والضفة، ومشيرة إلى التمييز العنصريّ داخل دولة الاحتلال، كما إلى تدمير «الأونروا». وتشير الوثيقة أيضاً بوضوح إلى المصالح الدوليّة الاقتصاديّة المستفيدة من ارتكاب الإبادة للسيطرة على الغاز الطبيعي في المياه الإقليميّة الفلسطينيّة، وطريق حيويّة للتجارة الدوليّة، وخطوط إمدادات الطاقة. ولا تنسى الوثيقة الضرورة القصوى لوحدة البيت الداخليّ الفلسطينيّ، ناقدة تعمّق ممارسات إقصاء الآخر، وتعزّز «المحسوبيّات والفساد على أشكاله»، وانعدام تجديد القيادات والرؤى. وبجرأة، تذكر الوثيقة غياب ثقة الشعب بالقيادة الفلسطينيّة التي «نتيجة لاتفاقيّات أوسلو، وما تبعها من وقوع في فخّ خدمة المستعمِر، أصبحت تدير حياة الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال نيابة عن المحتّل الإسرائيليّ، وهي عاجزة عن حماية الفلسطيني من إرهاب الاستيطان والمنظومة الأمنيّة الإسرائيلية». كما تذكّر الوثيقة بأنّ الفلسطينيّين من كلّ الأديان هم «السكّان الأصليّون لهذه الأرض، وأنّ وجودنا اليوم مُهدّد بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ»، وأمّا المسيحيّون في فلسطين، فمهدّدون بالزوال. ورغم التركيز على فلسطين، فإنّ الوثيقة لا تنسى توصيف الكيان الاستعماريّ «كدولة عدوانيّة فوق كلّ القوانين والاتّفاقيّات»، تتابع اعتداءها على دول المنطقة «مدعومة من حلفائها». لحظة الحقيقةوفي ما دعته الوثيقة «لحظة الحقيقة» من وثيقتها رفضت بشكل مطلق القراءة الدينية التي تستخدم النصوص لتبرير الاحتلال أو لتجميل وجه الظلم. وأعلنت بوضوح أنّ «ما بُني على باطل وعلى ظلمٍ تاريخي لا يمكن أن يُثمر سلاماً» وأنّ «الحلول تبدأ بتفكيك الأنظمة الاستبداديّة الظالمة والعنصريّة». هنا تظهر قوة الورقة في إعادة الأمور إلى جوهرها: الدفاع عن الإنسان، ورفض تقديم طاعة للظلم، وتأكيد أن المسيحيّة الأصيلة لا يمكن أن تكون غطاءً لأي مشروع عنصري أو استعماريّ. كما تُعيد الوثيقة التذكير بأن الصمود الفلسطيني في الأرض ليس مجرد بقاء، بل فعل مقاومة. فالثبات على الأرض، وحماية المقدسات، وخدمة المجتمع، ومواجهة التهجير ليست ممارسات يوميّة فقط، بل جزء من المقاومة، فـ«الحفاظ على الإيمان والرجاء مقاومة. صلاتُنا مقاومة. الحفاظ على المقدّسات مقاومة. السلم الأهلي مقاومة». إنها مقاومة تتجاوز السلاح لتشمل التمسّك بالأرض، وبالذاكرة، والهويّة، ولكن بالوحدة أيضاً. ولا تهمل الوثيقة ذكر ركائز المجتمع الفلسطيني: المرأة الفلسطينيّة «عمود فقريّ لا ينحني، شريكة في النضال» حاضنة للأرض والذاكرة والمستقبل وشريكة في القيادة والقرار والإبداع؛ والشباب باعتبارهم طاقة التغيير وصوت المستقبل داعية إياهم إلى رفض السكون والاستسلام وإلى العمل المقاوِم ولو لاعنفيّاً؛ والفلسطينيّون في المهجر داعية إياهم إلى التفاعل الحيّ مع مجتمعاتهم لنقل الصوت الفلسطينيّ والحقيقة. وترى الوثيقة الفلسطينيّين المسيحيّين جزءاً أصيلاً من الشعب منسوجاً في تاريخ الأرض، وتؤكّد أن هذا الوجود ليس كأقلية بحاجة إلى حماية، بل كأساس من أسس الصمود الوطني والإنساني، وتخصّ بالذكر المسيحيّين في غزّة الذين سطّروا «بطولات في الصمود والشهادة». وأخيراً، وجّهت الوثيقة دعوة إلى مسيحيّي العالم للعودة إلى الجذور المسيحيّة: السير في خطى المسيح بالانحياز، كما انحاز هو «للمقهورين والمظلومين وكلّ ضحايا الظلم وأنواع الاستبداد من كلّ أمّة، بغض النظر عن العرق أو الدين أو القوميّة». وذكّرتهم أنّ الإبادة تراكميّة بدأت في أذهان المستعمرين الأوروبيّين الاستيطانيّين، «بها أنكروا صورة الله في الآخرين، وشرّعوا الموت والاستبداد والعبودية»، وأنّ «إسرائيل» هي امتداد لهذا الخطّ. ولهذا يمكن اعتبار الإبادة خطيئة مسجّلة في البُنى (سمّتها الوثيقة «خطيئة بنيويّة»). وواجهت بقولها إنّ مَن ينكر الإبادة الجماعيّة «يعتدي على إنسانيّة الفلسطينيّ وينكرها»، وإنّه يجب أن تحدث «مراجعة تامّة وتوبة، من قبل جميع المؤمنين بالله، ولا سيّما المسؤولين في كنائس العالم»، وبذلك قرّعت الوثيقة بشكل ملائم تردّد الكثير من الكنائس ومسؤوليها عن الوقوف مع الفلسطينيّين. ودعت الوثيقة إلى ما يشبه ثورة لاهوتيّة، إلى «حراك عالميّ لاهوتيّ» ينطلق من سياق المستعمَرين لا المستعمِرين، المظلومين لا الظالمين، إذ «لا بد لنا من أن نتحدى منطق شعارات السلام الواهية، أو الحياديّة، أو بعض الديبلوماسيّة الكنسيّة التي لا تقول الحق أمام القويّ» ولا بدّ من «التحرّر من لاهوت استعماريّ توارثناه من الغرب»؛ كما ينبغي «أن نرفض الظلم والقهر الذي تسبّب فيه لاهوت العنصريّة والاستعمار والتفوّق العرقيّ المتجسد في الصهيونية المسيحيّة». وتدين الوثيقة «كلّ من يستغلّ تهمة معاداة الساميّة من أجل إسكات صوت الحقّ الفلسطينيّ... وأي محاولة للربط بين معاداة السامية وبين مقاومة الفصل العنصري». المستقبلأما نظرة الوثيقة إلى المستقبل، فرؤية شجاعة تُعيد تعريف السلام بوصفه عملية تفكيك للظلم لا إدارة له؛ ولذلك ترفض أي حلول تلتفّ على الجذر البنيوي للمسألة، وتصرّ على أن العدالة شرط السلام، وأن تحرير الإنسان هو الأساس الذي تُبنى عليه المصالحة. وتدعو إلى تضامن عالمي مكلف، فعّال، لا يكتفي بالبيانات، بل يدفع الأنظمة نحو المحاسبة. ولا تنسى البعد السياسيّ المباشر فتدعو إلى «تشكيل تحالفات تحمي البشريّة من المزيد من الانحدار إلى واقع الظلم والاستبداد والاستقواء» و«إلى تطوير نظام عالمي إنساني عادل بديل، لأن النظام العالمي القائم قد أثبت فشله في أهم مسؤوليّاته وهي الدفاع عن الضعفاء وفي الحفاظ على السلم والأمن الدوليين». اليوماليوم هو «زمن التضامن المكلف» تقول الوثيقة، وهذا مفتاح يجب ألّا ينساه من يؤمنوا بإله أو بمبدأ. وبالفعل، لا قيمة لإيمان، ولا مصداقيّة، إلّا في زمن الشهادة لمبادئ هذا الإيمان: الوقوف في وجه الظالم مع المظلوم. عند الشهادة للحقّ هناك كلفة، هناك خسارة لا بدّ منها، وينبغي للمسيحيّين أن يتذكّروا دائماً أنّ مسيحهم قال «ماذا ينفع الإنسان أن يربح العالم كلّه ويخسر نفسه أو يفقدها؟». التهرّب من كلفة الشهادة للحقّ خيانة وخسارةٌ للإيمان بلا شكّ، ولكنّ المسيح في جملته هذه يذكّر بأنّ خيانة وخسارة الإنسان لإيمانه هي خيانة وخسارة الإنسان لنفسه، لأنّ كلّ إنسان يرى إيمانه جزءاً جذريّاً من نفسه. بالفعل نحن «نعيش معاً أو نهلك معاً»، كما تقول الوثيقة، مَن يخن إيمانه وذاته، مَن يترك المظلوم يُظلم ويُباد يَقتل نفسه معنويّاً؛ ومَن يعمل ليحيا المظلوم في العدل ينقذ المظلوم وينقذ ذاته أيضاً، فكما تقول الآية القرآنيّة: «من قتل نفساً بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنّما أحيا الناس جميعاً»، الناس جميعاً ومنهم نفسه. في جوهرها، تذكّر الوثيقة أنّ الإيمان فعل مقاوم، والرجاء قوّة تُغيّر الواقع، والكرامة حقّ غير قابل للتفاوض؛ وفي زمن بلغت فيه الوحشية ذروتها، تأتي وثيقة «وقفة حقّ-كايروس» من كنائس فلسطين لتقول إنّ صوت الحقّ لم يمت، وإنّ التحرّر، مهما طال ليل الاستعمار، سيبقى ممكناً، وهو ممكن اليوم، كلّ يوم، حين نعمل له. الوثيقة موجودة على الموقع التالي: kairospalestine.ps خريستو المرّ، الثلاثاء ١٨ تشرين ثاني / أكتوبر ٢٠٢٥ كَبُر معظمنا وهو يفكّر في الإعاقة بطرق ضيّقة جداً. تعلّمنا، بشكل مباشر أو غير مباشر، أن الإعاقة مشكلة طبّية فرديّة، أمراً مؤسفاً يحدث لبعض الناس ويجب «إصلاحه» أو التعاطف معه. لكن المقاربات النقدية في دراسات الإعاقة تقلب هذه الفكرة رأساً على عقب. فهي تطلب منا أن ننظر ليس إلى ما هو «خطأ» في أجساد أشخاص، بل إلى ما هو خطأ في البيئات والأنظمة والمواقف التي تجعل الحياة اليومية أصعب مما يجب ويمكنها أن تكون عليه. يمكننا أن نتخيّل عالماً تكون فيه كل المباني مهيّأة للجميع، والمواصلات العامة تمكّن الكرسي المتحرّك من الصعود إليها وتعلن المحطات الواحدة تلو الأخرى لكي يسمع العميان، وأماكن العمل مرنة بالطريقة عينها، وحواسيب لديها ما يكفي من تقنيات لقراءة المعلومات عن الشاشة ويمكن التواصل معها بالصوت واللمس، والرعاية الصحية تعامل الناس بكرامة بغضّ النظر عن قدراتهم. في مثل هذا العالم، ستختفي الكثير من الصعوبات التي يواجهها الأشخاص ذوو الإعاقة اليوم، ليس لأن أجسادهم تغيّرت، بل لأن المجتمع تغيّر. هذا التحوّل في التفكير ينقل النقاش من منطق «التعاطف» و«الصَدقة» إلى منطق العدالة، ومن منطق «مساعدة الضعفاء» إلى إعادة تصميم العالم بحيث يشعر الجميع بالانتماء. هذا التحوّل في طريقة التفكير يمكّننا بأن ننتبه إلى الحواجز التي اعتدنا عليها دون أن نلاحظها: الدرج عند مدخل البناية، الاستمارات الطبيّة المعقّدة، أرباب العمل الذين يرون الترتيبات التيسيريّة عبئاً، أو التكنولوجيا التي تفترض أن كل المستخدمين يتعاملون مع العالم حولهم بالطريقة نفسها. هكذا مقاربة تسمح لنا بأن نفهم بأن الإعاقة ليست أمرا نادرا، وإنّما هي جزء طبيعي ومتوقّع من التجربة الإنسانية؛ كلّ من يلبس نظّارات هو عمليّا وبالفعل إنسان معوّق ولولا النظّارات (التي اعتدنا عليها) لما تمكّن مئات الملايين من الناس من القيام بأعمالهم بشكل ميسّر. كما أنّ الكثير من أصحاب الأمراض المختلفة هم معوّقون عن القيام بشيء أو آخر، بالإضافة إلى أنّ أيٌّ منا يمكن أن يصبح من ذوي الإعاقة في أي لحظة—بسبب مرض، أو حادث، أو التقدّم في العمر. عندما نتعامل مع تيسير التعامل مع العالم للمعوّقين وكأنها خيار إضافي مكلف للمجتمع، فنحن نفترض ضمنيًا أن توسيع قدرة الناس على الانخراط في الحياة أمرا له علاقة بـ«الآخرين»، أي أنّّ ذلك لا يشملنا. لكن إن أهملنا عمليّة تحويل المجتمع ليصبح أكثر قدرة على التعامل مع التباينات لطريقة عيش أعضائه فإنّنا نكون تبني عالماً قد لا نتمكن نحن أنفسنا من الاندماج فيه يوما (فلنفكّر بعالم لا نظّارات فيه). من هنا تأتي ضرورة الإنصات للأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم، إذ كثيراً ما تُوضع السياسات التي تتوجّه نحوهم دون مشاركتهم في وضعها فتأتي تلك السياسات فوقيّة وقاصرة. بينما عندما تقود الجماعات -مطلق أيّ جماعات- المعنيّة بالسياسات النقاش حول تلك السياسات، تتبدّل الأولويات: يصبح النقل، والرعاية الصحية، والتعليم، والعمل، والسكن، وإتاحة الفضاءات الرقمية في صدارة الاهتمامات. وتتحوّل الخبرة المعيشية إلى مصدر معرفة. لكنّ الإعاقة لا تُعاش بمعزل عن العوامل الأخرى. فالعرق، والجندر، والوضع الاقتصادي، والهجرة، والفقر، كلّها تؤثر في كيفية اختبار الأفراد لإعاقتهم. قد يتشابه التشخيص الطبّي، لكن الخبرة الحياتيّة تختلف كثيراً للجندر، فالنساء يتعرضن لعنف أوسع من الرجال بين المعوّقين، وخبرة الإعاقة تختلف حسب نوعيّة السكن، ونوعيّة الرعاية الصحية المتوفّرة، وطبيعة العمل؛ وهذه أمور معروفة ومثبتة أكان الإنسام معوّقا اليوم أم لم يكن. من هنا ضرورة التكفير في هذه العوامل ومواجهتها عوضًا من إخفائها خلف كلمة «إعاقة»؛ وهي كلّها عوامل مرتبطة مباشرة بالوضع الاقتصاديّ للفرد وعائلته. من هنا من الضروري إضافة إلى تحليل الأوضاع الاقتصاديّة والمادّية. إنّ الإعاقة لا تُعاش بمعزل عن الطبقة الاجتماعية. فالفقر، والبطالة، والعمل غير المستقرّ، وغياب الرعاية الصحية، كلّها أوضاع تساهم في الإعاقة. شخص غنيّ قد يعيش الحالة نفسها بشكل مريح وآمن، بينما شخص فقير يعيشها كعبء يومي يهدّد سلامته وعيشه. هذا التفاوت ليس بيولوجياً؛ إنه نتاج توزيع غير عادل للثروة والفرص. ثمّ إنّ إقصاء المعوّقين في المجتمع ليس صدفة، بل نتيجة رؤية اقتصاديّة ضيّقة للحياة. فلنفكّر قليلا في النظام الاقتصاديّ الذي نعيش فيه: كلّما زاد الضغط على الأفراد لإثبات قدرتهم على العمل المستمرّ بزيادة دائمة في الإنتاجيّة، كلّما زادت أرباح من يملكون وسائل الإنتاج. في ظلّ هذا النظام، إقصاء المعوّقين ليس مجرّد جهل أو تجاهل، بل هو جزء من منطق اقتصاديّ يفضّل جسدًا واحدًا «مناسباً للعمل» على حساب التنوع البشريّ، يفضّل جسدًا مناسبا لإنتاجيّة ترتفع بشكل مستمرّ على حساب الإنسان نفسه. من هنا تصبح المطالبة بإدماج المعوّقين جزءًا من نضال أوسع ضدّ اللامساواة. بناء منحدرات في الشوارع، أو توفير ساعات عمل مرنة، أو جعل التكنولوجيا قابلة للاستخدام للجميع، ليست مجرّد خدمات إضافية «متعاطفة» من فوق مع المعوّقين، بل خطوات في اتجاه مجتمع يتجاوز منطق «القيمة الإنتاجية» للإنسان إلى منطق الكرامة الإنسانية: أوليّة الإنسان على الربح. عندما نرى الأمور بهذا الشكل، تزول حالة غياب وعينا عن جزء أساس من حقيقة نظامنا الاقتصاديّ، ولا نعود نرى العالم بنفس الطريقة. لا شكّ أنّنا عندما نجعل العالم أكثر إدماجا للمعوّقين فالكلّ يستفيد، فعندما نبني منحدرات للكراسي المتحرّكة فإننا نساعد الآباء الذين يستخدمون عربات الأطفال؛ وعندما تكون الإشارات واضحة، فإنها تساعد المتعلمين الجدد للغة؛ وعندما تكون ساعات العمل مرنة، يستفيد منها المرضى والمتعافون. لكنّ الأهمّ هو أنّنا عندما نصمّم مدناً شاملة للجميع، فإننا نحرّر أنفسنا من عالم يربط كرامتنا بقدرتنا على الإنتاجيّة وحدها. وعندما ندرك أن قيمة الإنسان لا تُقاس بإنتاجيته، نفتح الباب لمجتمع يتسع لضعفنا البشري الطبيعي، ويحتضن تنوّعنا، ويعاملنا كأفراد لا كعجلات في آلة. هكذا رؤية تدعونا إلى بناء مجتمع يأخذ الأجساد البشرية كما هي، لا كما «يجب أن تكون». أجساد طبيعية، متنوعة، مختلفة، لكنّها جميعها تستحق الاحترام والكرامة. عندما نحتضن هذا الفهم، نقترب من عالم لا يعتمد فيه قَدَر الإنسان على مدى سرعة مشيته، أو وضوح كلامه أو نظره أو سمعه، أو كيفية عمل عقله. عالمٌ يمكن للجميع أن يزدهروا فيه معًا. خريستو المر، الثلاثاء 11 تشرين الثاني 2025
يُقدَّم الذكاء الاصطناعي عادةً بوصفه ذروة التقدّم البشري، ووعداً بالكفاءة، والموضوعية، والدقّة. غير أنّه في غزّة تحوّل إلى أداة استعماريّة؛ فأنظمة الاستهداف المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، مثل برنامج «لافندر» لجيش الاحتلال، ليست أدواتٍ حيادية في الحرب، بل امتداد للمشروع الاستعماريّ الاستيطانيّ في فلسطين، يعمل منهجيّاً على إنتاج الإعاقة الجماعيّة وأيضاً... لإخفائها. تحت غطاء «الاستهداف الدقيق»، تُخفي هذه الأنظمة قراراتٍ سياسيّة للنظام الصهيونيّ حول اعتبار حياة الفلسطينيّين حياة قابلة للهدر بالقتل، وقابلة للإصابة والإعاقة عوض القتل. لقد أصبح الذكاء الاصطناعي وسيلةً لإدارة الحياة والموت الفلسطينية، حيث يحوّل المشروع الاستيطانيّ الاستعماريّ أجساد الفلسطينيّات والفلسطينيّين إلى بيانات، ويجعل من الوجود الإنساني احتمالاتٍ رقميّة، وبالأدقّ، احتمال عرقلة للمشروع الاستيطانيّ يجب أن يفنى. المعلومات المتوافرة تقول إنّ نظام «لافندر» حدّد ما يصل إلى 37 ألف فلسطينيّ كأهدافٍ محتملة، بناءً على أنماط التواصل التي يستخدمونها؛ أمّا المحلّلون البشريّون الذين كانوا يراقبون نتائج التحاليل، فكانوا يقضون ثوانٍ معدودة لمراجعة كل اسم ينتجه النظام قبل إعطاء الأوامر بالقصف. وذلك في ظلّ نظام عسكريّ عرّف مسبقاً نسبة «خطأ مقبولة»، أي قبِل مسبقاً باستهداف مدنيين كُثر. هذه الممارسة والاستخدام للذكاء الاصطناعي يكشفان كيف يُحوّل نظام العنف الاستعماريّ القائم في فلسطين مظهر «الدقّة العلميّة» إلى وسيلة للعنف تُشرعَن عبر وهم «الحياد» المعلوماتيّ. تقنيات الذكاء الاصطناعيّ ليست أدواتٍ تقنيةً فحسب، بل أدوات سياسية بامتياز. فهذه التقنية تعمل على أساس قاعدة بيانات، وكلّ قاعدة بيانات تحمل في داخلها تاريخ المجتمع، والعلاقات الاجتماعيّة فيه (قلّة وجود بيانات حول مجموعة من الناس في مستشفى خاص، لا تعني أنّهم لا يتعرّضون للمرض، بل أنّهم فقراء)، ونظرة جامع البيانات والمحلّل الذي يعمل (فالاثنين يقرّران ما يجب أن يُجمع، وما ينبغي أن يُحلّل، وبذلك يقرّران ما يجب أن يُخفى من التحليل). من هنا، فالذكاء الاصطناعي الذي يقوم على تحليل البيانات مرشّحٌ لأن يُنتج برامج منحازة ضدّ ما هو غير ممثَّل في البيانات. كما إنّ قرارات تصنيف شخص ووضعه في خانة أو أخرى (مريض/خال من المرض؛ مذنب/بريء؛ عدوّ/غير عدوّ) قائمة على نسبة احتمالات خطأ «مقبولة» يقرّرها المبرمج. وأخيراً، فإنّ غموض طريقة عمل بعض خوارزميّات برامج العمل الاصطناعي (ما يُسمّى بـ«الصندوق الأسود») تثير الحفيظة إذ لا يمكن فهمها عامّة. هذه العتمة التي تحيط بالذكاء الاصطناعيّ، هذه الحياديّة الكاذبة التي يمثّلها، والتي نحاول كشفها هنا، هي التي يستخدمها الاحتلال لخلق شكل براءة كاذبة، وغسل لليدين بماء العلوم: إنّها مسؤوليّة الآلة، والبرنامج المحايد، وليست مسؤوليّتنا. هذا الانزياح للمسؤولية من الإنسان نحو الآلة يتيح استمرار العنف وكأنه نتيجةٌ علميّة، رياضيّة، لا مسؤوليّة أخلاقية وقانونيّة. في الحالة الفلسطينيّة، علينا أن نفهم أنّ الافتراضات والتحيّزات المتأصّلة في البيانات التي تتعلّم منها برامج الذكاء الاصطناعيّ العسكريّة لجيش الاحتلال، هي افتراضاتٌ نابعة من العنصرية للمشروع الفكريّ القائم خلف الاحتلال وأدواته، ولهذا ينبغي أن نقرأ هذه البرامج على حقيقتها: أدوات عنف استعماريّ، أدوات لمتابعة المشروع العنصريّ الصهيونيّ. وإن ركّزنا على الإعاقة، فإنّ إعاقة الأجساد الفلسطينية ليست ظاهرةً جديدة. فمن رصاص القنّاصة الموجّه إلى الناس خلال مسيرات العودة الكبرى، إلى الغارات الحالية الموجَّهة بالذكاء الاصطناعي، يبقى المنطق ذاته: السيطرة عبر الإعاقة. فالإعاقات ليست نتيجةً عَرَضية للحرب، بل استراتيجيةٌ مدروسة للمستعمِر لـ«إدارة» السكّان الأصليّين، وفي الآن نفسه محاولة التنصّل من المسؤوليّة عن المجازر والإبادة والإعاقة. إنّ الدولة الاستيطانية الصهيونيّة، بدعم من الولايات المتّحدة ودول أخرى، تمارس التسبّب في الإعاقة كإحدى أدوات الهيمنة على الفلسطينيّين. لقد عمل الاحتلال على أتمتة هذا المنطق في غزّة عبر الذكاء الاصطناعي مُحوّلاً سياسة الهيمنة إلى نظامٍ رقميٍّ للحكم والسيطرة عبر المعاناة الإنسانية. هكذا نفهم أنّ أيّ كلام عن «إصلاح» البيانات المتحيّزة أو تحسين «دقّة» الخوارزميات، ليس كافياً، لأنّ المشكلة لا تكمن في الشيفرة، بل في البُنى الاستعمارية والرأسمالية التي تخدمها تلك الشيفرة. من هنا، فإنّ الموقف الصحيح هو ذاك المتجذّر في التحرّر والعدالة، عندها يمكن إعادة تخيّل جذرية للتكنولوجيا (وهي ليست همّنا هنا) ترتكز على مبادئ أخلاقيّة. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يمدّ إمبراطورية العنف بقدراتٍ جديدة، أو أن يصبح وسيلةً لبناء مستقبلٍ قائمٍ على الرعاية والتضامن والتحرّر الجماعي. إنّ الخيار أمامنا أخلاقيٌّ قبل أن يكون تقنيّاً: فإذا أردنا تكنولوجيا عادلة، علينا أولاً أن نفكّك الأنظمة التي حوّلتها إلى سلاحٍ ضد الحياة |
الكاتبخريستو المر الأرشيف
December 2025
Categories |
RSS Feed