موقع خريستو المرّ
  • كتب
  • محاضرات
  • مقالات في «الأخبار»
  • المقالة الأسبوعيّة
  • الإيمان والحياة اليوميّة
  • فلسطين
  • التزام شؤون الإنسان
  • الإيمان والثقافة
  • كلمات
  • خريستو المرّ
  • مواقع صديقة
  • المقالة الأسبوعيّة

الحرّية التي تتكلّم بيننا

11/26/2024

 
خريستو المر، الثلاثاء 26 تشرين الثاني 2024
[إلى علي...]
عندما وضع «نعمة الله» هاتفه وجلس على الكنبة بالقرب من زوجته وأولاده الثلاثة، ابتسمت له زوجته وقالت أشياء لا نعرفها، نعرف أنّها وافقته وسلّمت أمرها لمدبّر الدنيا. «لن نترك بيتنا. هذه أرضنا ولن نتشرّد منها. نحيا عليها أو لا نكون» قال «نعمة الله» لأخيه عليّ على الهاتف، فأكل القلق الأخير.
بيت «نعمة الله» وزوجته ليس بيتاً عاديّاً. مجبول هو بالأحلام والحبّ اللذين يعجنهما كلّ حبيبين حقيقيّين لكي يضيئا في هذا العالم زيتونة مباركة لا شرقيّة ولا غربيّة، تتوسّط الدنيا فتضيء وتُهدي مَن يشاء أن يرى. فنعمةُ الله تجبل الرجلَ من تراب امرأته، وتجبل المرأةَ من تراب رجلها، لتضيء وحدتهما الإنسانيّة في وجهين، ويُتَوَّجا كلاهما بالحبّ الذي به يرى واحدُهما الآخرَ نفسَه فيحبّه كنفسه. هذا هو السرّ الكبير الذي يجعل الواحد لباسَ الآخر، فيغدو الحبّ هكذا آيةً للذين يعلمون أنّ الحياة جسدٌ من مودّة ورحمة يُسكِنُ ظمأ القلب إلى الرحمن.
بيت «نعمة الله» وزوجته ليس حجراً وإنّما لحم الأرض التي تصبح روحاً بالحبّ، وخمرة تُسكر الروح في صحو الجسد. ولذلك لا يُهدم البيت إذا ضربه الغزاة وهدموه ثمّ قالوا «هدمناه»؛ فما هدموه وما خربوه، ولكن شُبّهَ لهم، فما يمكن لإنسان أن يهدم الحبّ الذي جعله الله بيتاً وضوءاً للحرّية. ولا يرى الذين حقدوا ضوءَ الحرّية المشعّ من الأجساد حين تصبح رمزاً يقول «لا». فالـ«لا» هو الرفض الذي به تبدأ معموديّة الأحرار الذين يبتغون وجه الله، ولذلك يبتغون كرامة بناته وأبنائه كي تنطق الأرض بالعدالة، أي بالسماء، وتجمع المتفرّقين إلى واحد.
لهذا، جلس «نعمة الله» مع زوجته وأولادهم اليافعين الثلاثة وابتسموا معاً، وصاروا كلمةً طيّبةً كشجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء. وحين جاء الغزاة بالحديد والنار والتمع المساء، غدوا كلمات تقول «لا» ونبتوا شهادة للحقّ في ضمير الذين إذا رأوا مصيبةً هدّأوا قلوبهم بالحقّ المبين، وذاك هو الفوز العظيم؛ فبالحياة التي تغدو كلمات تولدُ البشارةُ في النفوس الكريمة التوّاقة إلى الحقّ الذي يحرّر.
بعد ثلاثة أيّام جاء دور إسماعيل. وإسماعيل الشاب صغير أخواته وإخوته. نما من أحضان أخواته وأكتاف إخوته إلى السماء التي تمشي على الأرض. وإسماعيل إنسان صادق الوعد بالحبّ المبذول حتّى الشهادة: «حياة بلا حرّية وكرامة ليست بحياة». هكذا قال، وهرول صاعداً إلى أخيه «نعمة الله» حين رمى وحش الحقد نيرانه على الطراوة التي تمشي بيننا منذ آلاف السنين.
في أرضنا باتت الأجساد نوراً للذين يفهمون حكاية ذاك الذي صعد خشبةً منذ ألفي عام ليَغلِبَ العالم. ولذلك بكى عليّ كما ينبغي أن يبكي، وهدأ كما أحبّ أن يهدأ، ليبشّر مع صحبه من جديد بقيامة الذين انتصروا من بعد ما ظُلموا، أولئك الذين بذلوا حياتهم ليُخرِج الله بهم محبّيه من الظلمات إلى النور. أولئك هم الحرّية التي تكلّمت بيننا.

نحن الذين ينتابنا شعور عميق بوحدتنا الإنسانيّة

11/17/2024

 
خريستو المر، الأحد 17 تشرين الثاني 2024
[هذا النص من الكلمة الافتتاحيّة لـ«المجلس التنسيقي من أجل فسطين» في كندا]

إنّ معاناة الشعب الفلسطيني هائلة منذ أكثر من سبعين عاماً؛ وعلى مدى أكثر من عام، دُمّرت منازلهم، وسُوّيت مدارسهم ومستشفياتهم بالأرض، وأُزهقت أرواح لا تُحصى. هذه الإبادة الجماعية من قبل الدولة الصهيونيّة الاستعمارية تحصل مع الدعم الثابت للإمبريالية الأميركية وتواطؤ الحكومات في كندا والعديد من الدول الأوروبية.
تلك الحكومات، كما معظم الحكومات العربيّة، وقفت متفرّجة مكتوفة الأيدي، لتقوم بتصريحات جوفاء حول حماية المدنيين الفلسطينيين. لكن كيف نفسّر هذا التصرّف؟ في حالة الدول العربيّة، معظمها لا يزال تحت الاحتلال الاستعماريّ السافر منه والمبطّن، وعدد القواعد العسكريّة الأميركيّة فيها خير دليل.
أمّا بالنسبة إلى الدول الأوروبيّة والشمال أميركيّة، فلا يمكن فهم موقف حكوماتها دون إدراك أنّ الاحتلال الإسرائيلي يخدم مشروعاً استعمارياً إمبريالياً يهدف إلى تراكم الثروة من خلال الإرهاب والدمار. إنّ عنف الدولة الإسرائيلية، وخاصة مصادرة الأراضي، بمثابة آلية وأساس لتراكم رأس المال لإسرائيل وحلفائها الاستعماريّين، ولا سيما الولايات المتحدة. من هذه الزاوية، يمكننا أن نفهم أنّ الإبادة الجماعية في غزة هي جزء من بنيةِ إبادةٍ جماعيةٍ للفلسطينيّين أشمل بدأت في أواخر القرن التاسع عشر مع الطموحات الاستعمارية الصهيونيّة التي نمت في البداية تحت حماية الإمبراطورية البريطانية، ومن ثم الولايات المتحدة. وفي التحليل الأخير هي جزء من البنية الرأسماليّة الأوروبيّة والشمال أميركيّة التي أبادت ملايين من السكّان الأصليّين في القارة الأميركيّة واستعبدت جلّ القارة الأفريقيّة. لهذا كلّه، وعلى الرغم من الإدانة اللفظيّة الدوليّة، تظلّ العواقب الملموسة للوحشيّة الإسرائيليّة محدودة للغاية، إذ تُقابل الإبادة الجماعية المستمرّة بتجاهل تام من أولئك الذين يدّعون دعم حقوق الإنسان والعدالة.
لكن كلّ ذي ضمير إنسانيّ لا يصمت أو يتواطأ. ملايين من الناس حول العالم لم يقفوا مكتوفي الأيدي، بينما يُحرم الشعب الفلسطيني من حقّه في الحياة وحقوقه الإنسانيّة الأساسية. هؤلاء فهموا أنّه لن يكون أحدٌ حرّاً بالفعل حتّى يتحرر الجميع.
الأعمال الوحشية التي تقوم بها الدولة الصهيونيّة ومؤسّساتها (ومن ضمنها تلك الجامعيّة) ليست جديدة. لقد بدأت عام ١٩٤٨. لأكثر من سبعة عقود، عانى الفلسطينيون من الواقع الوحشي للاحتلال الإسرائيلي: المذابح، التطهير العرقي، الطرد، مصادرة الأراضي، هدم المنازل، القيود الصارمة على الحركة، إرهاب الدولة، الإذلال اليومي، وترسيخ الفصل العنصري. حُرموا من حقوقهم الأساسية بشكل منهجي، وكُبحت أصواتهم، وهُمّش وجودهم. ورغم كل ذلك، صمد الفلسطينيون، مُجسّدين مقاومة وأملاً لا يتزعزعان.
إنّ المقاومة هي أمل. ولكن أيضاً الأمل هو مقاومة. نحن، في هذه المنطقة وحول العالم، نحن الذين ينتابنا شعور عميق بوحدة إنسانيّة تجمعنا، بأنّ كلّ عيون الأطفال هي عيون أطفالنا، بأنّ كلّ جسد ممزّق أو مصلوب هو جسدنا أو يسوعُنا، نحن شعب المقاومة والأمل. لن يتمّ إسكاتنا. نرفض أن نكون سلبيّين أو حياديّين بينما يتمّ محو شعب بأكمله بشكل منهجي. نحن هنا وهناك وفي كلّ مكان لأنّنا ندرك أن التحرير ليس حلماً بعيد المنال، وإنّما ضرورة مُطلقة الآن.
إنّ النضال الفلسطيني ليس معركة معزولة. إنه القلب النابض لحركة عالمية ضد الاستعمار والعنصرية والعنف الذي ترعاه الدولة. لكنّ الفلسطينيين يواجهون بشكل فريد مشهداً إعلامياً يشوّه رواياتهم، وترسانة قانونيّة داخل كلّ بلد استعماريّ تتّهمهم بخبث بالإرهاب ومعاداة الساميّة، وأنظمة حكومية تحاول إسكات نداءاتهم التي تدعو إلى العدالة. كلّ هذه الأساليب الحكوميّة والإعلاميّة إنّما تهدف إلى غرس الخوف ومنع العمل. وحين نجتمع معاً في كلّ بلد، نكون نتحدّى بالضبط هذا التخويف ونرفض الصمت. إنّ كلّ تجمع من أجل فلسطين، أينما كان هو اليوم بمثابة إعلان بأنّنا نحن الذين ينتابنا شعور عميق بوحدة إنسانيّة سنُضخّم الأصوات التي تدعو إلى الحرّية، ونشهد للحقيقة، وندافع عن الحقّ بالمطالبة بالعدالة.
مَن يحبّ الإنسان يصغي إلى الأصوات الفلسطينية التي تشاركنا كلّ يوم بأجسادها الممزّقة ومقاومتها الأسطوريّة تجاربها المعيشة عن القمع والمقاومة. مَن يحبّ الحياة يتعلّم من أشخاص كرّسوا حياتهم للقضية الفلسطينية. من يهمّه السلام يساهم في وضع استراتيجيات حول كيفية تعزيز تضامن المستضعفين وتضخيم تأثيرهم. مساهمات كهذه ليست مجرد تمارين فكريّة، وإنّما تعبير عن اتّجاه حياة متجذّر بأجساد وأرواح وأحلام بشر حقيقيّين، بنضالات حقيقية، بأشخاصٍ حقيقيين يناضلون من أجل حياتهم وحريّتهم.
مبادئنا، نحن الذين ينتابنا شعور عميق بوحدتنا الإنسانيّة، هي العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية للجميع. ولذلك نرفض الصهيونية وكل شكل آخر من أشكال العنصرية، نرفض الفصل العنصريّ وكل أشكال أخرى من عنف الدولة التي تدعم هيكليّات القمع في كلّ مكان. نحن نعلم أنّ جرائم النظام الصهيوني - الإبادة الجماعية، التطهير العرقي، الفصل العنصري - ليست مجرد فظائع ضد الفلسطينيين، إنّها اعتداء على إنسانية الجميع. لذلك لن نستريح حتى تكون هناك مساءلة كاملة عن كل جريمة وحتى يعيش كل فلسطينيّ - من البحر إلى النهر - في حرية وعدالة وسلام. نحن ندرك أن تحقيق هذه الرؤية يتطلّب أكثر من مجرد أمل - إنه يتطلب عملاً.
نحن، بلا شكّ، على مفترق طرق. لقد أظهر لنا العام الماضي عمق وحشيّة حالة الإفلات من العقاب الإسرائيلي، وأظهر تواطؤ القوى الدولية، بما في ذلك الموقف السياسي المتواطئ في البلاد العربيّة. لكنّه أظهر لنا أيضاً روح المقاومة الفلسطينيّة التي لا تلين، فضلاً عن المقاومة الشعبيّة في لبنان والمنطقة. من واجبنا بناء العالم الذي نعرف أنه ممكن - عالم خالٍ من قيود العنصريّة والاستعمار الاستيطانيّ وجميع أشكال القمع.
الشعب الفلسطيني ليس وحده. نحن الذين ينتابنا شعور عميق بوحدتنا الإنسانيّة نقف معهم. نحن كثيرون، ونحن متّحدون في تضامن وازن. الاستعمار وقوى الرأسمال المتوحّش يحاولون إقناعنا بأن لا قوّة لنا، وهنا تكمن كلّ الخدعة: ألّا نرى قوّتنا. المثل القديم «في الاتّحاد قوّة» لا يزال يحمل كلّ وزن الحقيقة والواقع. الطريق أمامنا سيكون مليئاً بالتحدّيات، لكنه سيكون أيضاً تغييريّاً. قد تكون الرحلة طويلة، ولكن بشجاعة وأمل في قلوبنا، وبالعدالة والمساواة كدليل لنا، اليوم وغداً، نحن نجعل أصوات الفلسطينيين مسموعة، ونترك بصمتنا على هذا العالم.
نحن الذين ينتابنا شعور عميق بوحدتنا الإنسانيّة، مصيرنا أن نرتقي إلى مستوى التحدّي بتضامن، ونبني إرثاً يُلهم الأجيال القادمة، إرثاً يمكننا أن نفخر به. فاليوم، كما كلّ يوم، هو اليوم المناسب لتشكيل المستقبل الذي نرغب فيه! وفي ذاك المستقبل فلسطين ستكون حرّة، حرّة من البحر إلى النهر!

على حافة التاريخ الأماميّة

11/9/2024

 
خريستو المر، السبت 9 تشرين الثاني 2024

​كلّ المقاومين اليوم من أجل العدالة والتحرّر من الاستعمار والظلم يقفون معاً، عرفوا أم لم يعرفوا. يأخذون التاريخ من ناصيته ليفعل ما يشاء العدل، أولئك هم معاً يناضلون على حافة التاريخ الأماميّة، ويقف على حافة الحافّة أولئك المقاومون في لبنان وغزّة، المنطقتين الشاهدتين على الوحشيّة الاستعماريّة العنصريّة للشركات الغربيّة ووسائل إعلامها. المقاومون لا يكتفون بردّ فعل على أزمة، بل يشعلون نيران الوحدة والتضامن والعمل المستمر. لأكثر من عام، عانى الشعب الفلسطيني – وخاصة في غزة – من هجوم إباديّ لا يوصف من قبل دولة الاستعمار الإباديّ العنصريّ الصهيونيّة، بدعم متواصل من الإمبريالية الأميركية. دُمِّرت المنازل، سوّيت المدارس بالأرض، تحوّلت المستشفيات إلى أنقاض، وقُتِلَ الأبرياء. حجم الدمار لا يمكن تصوّره.
ومع ذلك، يتألّق الشعب الفلسطيني وهو تحت الدمار، وتتألّق فيه روح المقاومة أكثر من أي قنبلة وأيّ نيران. شجاعته تتحدّى الآلة العسكريّة الإسرائيليّة-الأميركية-الغربيّة وكلّ حصار. غزة، وكلّ فلسطين، تستمرّ في المقاومة.
العمل الذي يحدث في بلاد العالم خارج المقاومة المسلّحة، ليس لا شيئاً. هو أيضاً عمل مقاومة وإنّما وسائلها مختلفة. هي لا تحمل خطر الاستشهاد، ولكنّها تشكّل شهادة لمحبّة الحياة والعدالة والحرّية باحتمالها الشدائد وضغوط المجتمع وخطر فقدان العمل. كلّ تظاهرة أو مؤتمر أو لقاء ليس مجرد جمهرة أو تجمّع لأصوات؛ بل هو زئير مدوٍ، صرخة قويّة جماعيّة يشترك فيها الطلاب، ربّات المنازل (وهنّ في الحقيقة عاملات دون أجر)، المتقاعدون، المحاسبون، العمّال، أصحاب الأعمال الصغيرة، الصحافيّون الشرفاء، الفنّانون، والمحترفون، وغيرهم. كلّما اجتمع هؤلاء، اجتماعهم يقول: محاولات إرهابنا بقوانين غير مشروعة لن يسكتنا، وسنتحدّى قوانينكم بالقانون وبحقّنا بالحرّية. لن نصمت. نحن نرفض أن نكون متفرّجين سلبيّين بينما يتم القضاء على شعب بأكمله بشكل منهجي. نحن هنا لأنّنا ندرك أنّ التحرر ليس حلماً بعيداً؛ بل هو ضرورة مطلقة، ضرورة مطلقة الآن!
كلّ عمل مشترك من أجل فلسطين حول العالم هو شهادة على إصرار جماعيّ لإعلاء أصوات المظلومين، والدعوة إلى العدالة، والعمل بلا كلل من أجل مستقبل يتمتّع فيه الشعب الفلسطيني بكامل حقوقه الإنسانية وكرامته على أرض الأجداد وفي الشتات. على أرض الواقع، نحن نشهد صعود وعي أنّ النضال الفلسطيني ليس معركة معزولة؛ بل هو القلب النابض لشعور شعبيّ حول العالم مناهض للاستعمار والعنصريّة والعنف الممنهج للحكومات، وللشركات المختبئة التي تتحكّم في قراراتها. كلّ عمل مشترك من أجل فلسطين هو وقفة تضامن مع فلسطين، ووقفة تضامن مع الشعوب الأصلية في جميع أنحاء العالم الذين يواجهون قوى النهب نفسها ومحو الضعفاء العنصريّة. من فلسطين إلى لبنان، من حوض الأمازون إلى جزيرة السلحفاة (شمال أميركا)، النضال ضد الاستعمار الاستيطاني واحد. العنف البنيويّ الذي يحاصر ويسلب إنسانيّة الناس في جميع أنحاء العالم هو واحد.
مبادئ العاملين من أجل فلسطين حول العالم واضحة: العدالة، المساواة، وكرامة الإنسان للجميع. الانتفاضات السلميّة من أجل فلسطين حول العالم تعبير عن رفض الصهيونية، والفصل العنصري، وكل شكل من أشكال عنف الدولة الذي يدعم الهيكليّات القمعيّة ليس فقط ضدّ الفلسطينيّين وإنّما أيضاً ضدّ السود والسكّان الأصليّين في شمال أميركا والمهاجرين في أوروبا وغيرهم من الذين تُمارس الدول في حقّهم عنفاً بُنيويّاً. إنّ التضامن العالميّ وكلّ عمل مشترك من أجل فلسطين يقول إنّ جرائم النظام الصهيونيّ – الإبادة الجماعية، التطهير العرقي، الفصل العنصري – ليست جرائم ضد الفلسطينيين فقط، بل هي اعتداء على الإنسانية جمعاء. «لن نرتاح حتى يتم محاسبة كل جريمة بحقّ الفلسطينيّين، وحتى يعيش كل فلسطينيّ – من النهر إلى البحر – في حرية وسلام» هكذا رأى المجتمعون في أحد المؤتمرات منذ يومين. لا شكّ أنّ تحقيق هذه الرؤية يتطلب أكثر من الأمل – يتطلب العمل. لهذا يجتمع الشرفاء للتخطيط، والتعاون، والتعبئة.
إنّ التحرّكات الشعبيّة التي قادها الطلّاب كثيراً من الأحيان، وحركة المقاطعة، والمقاومة المستمرة في غزة والضفة الغربية، وفي لبنان، هي معنويّاً في خندق واحد على الخطوط الأماميّة في معركة محاصرة الاستعمار. دور الشرفاء هو تقوية هذا النضال ودعمه. هذا النضال ليس من أجل فلسطين فقط؛ فهو من حيث يدري أو لا يدري منخرط في معركة لتفكيك كل أشكال الاضطهاد. من سجون فلسطين إلى شوارع فيرغسون، من مخيمات اللاجئين في لبنان إلى غابات الأمازون، من المقاومة في اليمن والعراق إلى المقاومة في لبنان وفلسطين، كلّ يقاوم بطريقته الخاصة، من أجل عالم لا يُضطهد فيه أحد.
السنة الماضية أظهرت لنا البعد الإجراميّ للإفلات الإسرائيلي من العقاب وتواطؤ السياسات الدولية والعربيّة الداعمة للإبادة. لكنّها أظهرت لنا أيضاً انتفاضة الروح المقاوِمَة للظلم والطامحة للحرّية عند الإنسان، أكان في فلسطين، أو لبنان، أو اليمن، أو العراق، أو في الشوارع حول العالم. واجبنا كبشر أن نبني العالم الذي نعلم أنه ممكن – عالم خالٍ من قيود العنصريّة والاستعمار الاستيطانيّ وكلّ أشكال الاضطهاد. الطريق أمامنا سيكون مليئاً بالتحديات، لكنه سيكون أيضاً طريق تغيير. ما من شكّ أنّنا معاً يمكننا أن نحقق التحرير والعدالة اللذين نريدهما في فلسطين حرّة من البحر إلى النهر، وأن ندفع بحافة التاريخ الأماميّة إلى تخوم الحرّية والكرامة الإنسانيّة.

    الكاتب

    خريستو المر
    المقالات المنشورة في «الأخبار»

    الأرشيف

    December 2025
    November 2025
    October 2025
    September 2025
    August 2025
    July 2025
    June 2025
    May 2025
    April 2025
    March 2025
    February 2025
    January 2025
    December 2024
    November 2024
    October 2024
    September 2024
    August 2024
    July 2024
    June 2024
    May 2024
    April 2024
    March 2024
    February 2024
    January 2024
    December 2023
    November 2023
    October 2023
    September 2023
    August 2023
    July 2023
    June 2023
    May 2023
    April 2023
    March 2023
    February 2023
    January 2023
    December 2022
    November 2022
    October 2022
    September 2022
    August 2022
    July 2022
    June 2022
    May 2022
    April 2022
    March 2022
    February 2022
    January 2022
    December 2021
    November 2021
    October 2021
    September 2021
    August 2021
    July 2021
    June 2021
    May 2021
    April 2021
    March 2021
    February 2021
    January 2021
    December 2020
    November 2020
    October 2020
    September 2020
    August 2020
    July 2020
    June 2020
    May 2020
    April 2020
    March 2020
    February 2020
    January 2020
    December 2019
    November 2019
    October 2019
    September 2019
    August 2019
    July 2019
    June 2019

    Categories

    All

    RSS Feed

 ليس من حبّ أعظم من هذا : أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبّائه: يسوع المسيح
  • كتب
  • محاضرات
  • مقالات في «الأخبار»
  • المقالة الأسبوعيّة
  • الإيمان والحياة اليوميّة
  • فلسطين
  • التزام شؤون الإنسان
  • الإيمان والثقافة
  • كلمات
  • خريستو المرّ
  • مواقع صديقة
  • المقالة الأسبوعيّة