|
خريستو المر، الأحد 27 تشرين اول 2024
قرّرت الحكومة الكندية تصنيف «صامدون»، شبكة التضامن مع الأسرى الفلسطينيين، كمنظمة إرهابية، في اتّباع ذيليّ لقرار مشابه للحكومة الأميركيّة وخضوع لاتّهامات لا أساس لها للمنظّمات الصهيونيّة في البلاد. وقد أثارت صدمة القرار غضباً بين المدافعين عن حقوق الإنسان في كندا والعالم. ما يجمع عليه المنتقدون للحكومة الكنديّة (والأميركيّة) أنّ هذا التصنيف هو خطوة لا أساس لها وضعته الحكومة لدوافع سياسيّة بهدف واضح ألا وهو إسكات الأصوات التي تدافع عن الفلسطينيّين وقضيّتهم العادلة، ومنها قضيّة معاناة الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي. كلّ ذي حسّ نقديّ يعرف أنّ القرار يأتي بهدف الحدّ من قدرة الناس على التعبير عن تضامنهم المشروع مع القضية الفلسطينية، أي في سياق متابعة الدعم العمليّ للإبادة الاسرائيليّة المترافقة مع الكلام الفارغ للحكومة عن حقوق الإنسان، ورغبتها في حلّ الدولتين! أعلنت «وزارة السلامة العامة» في كندا هذا القرار المشين، والذي يضع «صامدون» على لائحة المنظّمات الإرهابية في البلاد، ما يعني فرض قيود صارمة على المنظمة، بما في ذلك تجميد الأصول وإمكانية توجيه تهم جنائية لأي شخص يدعمها أو يتعاون معها. تصنيف بلا أدلة ولا شفافية نقول هذا لأنّ هناك أسئلة مشروعة وخطيرة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التصنيف، والمعايير التي استخدمت لتبريره. من الواضح أن الحكومة الكندية لم تقدّم أي أدلة حقيقية تربط «صامدون» بأي نشاط إرهابي. لذلك دقّت المنظمات المختلفة، ومنها منّظمات حقوقيّة، ناقوس الخطر، ووصفت هذه الخطوة بأنها تفتقر إلى المصداقية وتقوم على ادعاءات غامضة ومبهمة. يزعم القرار المشين أن «صامدون» لديها «علاقات وثيقة» مع «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، ولكن أين هي الأدلة؟ وكيف يمكن أن يكون مجرد التضامن مع الأسرى الفلسطينيين جريمة؟ «يعكس هذا القرار بوضوح تحيزاً سياسيّاً ويهدف إلى إسكات أي صوت يتحدث عن الحقوق الفلسطينية»، على ما نشره المنتدى الأكاديمي الكنديّ اللبنانيّ. وبدورها، دعت المجموعة الدولية لرصد الحريات المدنية (ICLMG) إلى إلغاء نظام تصنيف المنظّمات الإرهابية في كندا، والذي وصفته بأنه نظام سرّي وعشوائي يمكن استخدامه كسلاح سياسي ضد الأصوات التي تزعج أصحاب النفوذ. قمع حرية التعبير والتضامن مع فلسطين إنّ ما قامت به الحكومة الكندية لا يمكن وصفه إلا بأنه محاولة لقمع حرية التعبير، وإرهاب الأصوات المدافعة عن الحقوق الفلسطينيّة في كندا بواسطة عنف الدولة العشوائيّ، ومنع أي شكل من أشكال التضامن مع الشعب الفلسطيني. تصنيف «صامدون» كمنظمة إرهابية يهدف إلى بث الخوف في قلوب كل من يريد أن يعبر عن دعمه للحقوق الفلسطينية خشية الملاحقة القانونية. إنّ الدفاع عن الأسرى الفلسطينيين الذين يُحتجزون بطرق غير قانونية ويتعرضون للتعذيب وسوء المعاملة في سجون الاحتلال الإسرائيلي ليس إرهاباً، بل هو واجب أخلاقي وإنساني. ولكن يبدو أن الحكومة الكندية اختارت أن تقف في صف الظالم وتُجَرِّم من ينحاز إلى المظلوم، فقد أصبحت مناصرة حقوق الإنسان جريمة في عرفها. ازدواجية المعايير وتحيز واضح إن هذه الخطوة ليست فقط اعتداءً على الحقوق المدنية للمواطنين، بل هي دليل على ازدواجية المعايير والتحيّز الصارخ ضد الفلسطينيين والمسلمين. فتصنيف «صامدون» يأتي ضمن سياق أوسع من استهداف المنظمات الفلسطينية أو ذات الصلة بالمسلمين في البلاد، ما يعزز الصور النمطية السلبية ويعزز الأجندات السياسية للتيّارات العنصريّة. بدلاً من اللجوء إلى تصنيفات «الإرهاب» الفضفاضة بقرارات حكوميّة دون محاكمة، يجب أن تُواجَه أي تهم حقيقيّة بإجراءات قانونية عادلة وشفافة، وليس بقرارات مستبدة ومسيّسة. نهج كندا في مكافحة الإرهاب يجب أن يستند إلى العدالة والشفافية، وحماية الحريات المدنية وليس قمعها. إن هذا التصنيف الظالم لا يؤدي إلا إلى تآكل الثقة بين الحكومة والشعب، ويجعل من الصعب على الأصوات المنادية بالحرية والعدالة أن ترتفع. محاولة لإسكات الحقائق وإنكار العدالة لا يمكننا أن نرى تصنيف «صامدون» بمعزل عن المحاولات العالمية لإسكات أي صوت يعرّي ممارسات الاحتلال الإسرائيلي. التضامن مع الأسرى الفلسطينيين ومناصرة حقوقهم هو عمل نبيل، وتجريم «صامدون» ما هو إلّا إحدى المحاولات المستمرّة لإرهاب المواطنين المناصرين لفلسطين في كندا، وتكميم الأفواه، وقمع الحركات الشعبية التي تقف مع الحق الفلسطيني. لكنّها محاولات فاشلة، لن تستطيع لا هذه الحكومة ولا غيرها إسكات الحقيقة، ولن يتوقف العالم عن التضامن مع الأسرى والشعب الفلسطيني. هذا القرار معيب. مسؤوليّة الحكومة حماية الحقوق المدنية والعدالة، وليس خنقهما. إن الدفاع عن الحرية والعدالة لا يمكن أن يُجرَّم إلّا ممّن فقد كلّ ضميره، وهذا ليس بغريب عن كثير من المسؤولين الحكوميّين في كندا وخارجها. خريستو المرّ – الثلاثاء ١٥ تشرين أوّل / أكتوبر ٢٠٢٤
لا تمرّ بلادنا، لبنان أو المنطقة، بأقلّ من حرب أوروبّية أميركيّة علينا لإخضاعنا ونهبنا بواسطة آلة حرب إسرائيليّة. ليست هذه الحرب مجرّد مصادفة أو ردّة فعل وإنّما نتيجة حتميّة لعقليّة الاستعمار العنصريّ أكان في الإمبراطورية الأميركيّة أو فلكها الأوروبيّ ومشروعها الاسرائيليّ الذي تتبّناه. فهذه البلدان لا ترانا بشرا وإنّما أشياء إمّا تعرقل أو تسمح بالنهب والسلب. فخرنا أنّنا نعرقل عمليّة إخضاعنا بفضل المقاومة وجميع داعميها من دول وتنظيمات. ليس لدينا حلّ آخر سوى الوقوف في وجه العته الذي يشكّله الغرب الاستعماريّ العنصريّ، لأنّ القبول به والخضوع له يعني فقر أوسع من الفقر الحاضر، وخراب اجتماعيّ أكبر، وقتل اجتماعيّ (نتيجة أمراض الفقر الناتج عن النهب) يقضي على بشر أكثر بكثير من الضحايا والشهداء الذين يسقطون اليوم في الحرب القائمة. قد يظنّ إنسان أنّه إن خضعنا فسيكون هناك سلام، ولن يكون هناك حرب وقذائف، وهذا وهم، فشهوة الصناعات العسكريّة تحتاج لأجساد تلتهمها لمراكمة الأرباح وأجسادنا في المنطقة ستبقى مستباحة لحاجاتها متى هي ترغب، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ الموت الناتج عن إفقار شعوبنا هو قتلٌ، وعنفٌ وحشيّ، وحربٌ علينا ستكون مستعرة، فأيّ سلام ذاك الذي يكون عندها؟ من الضروري تظهير هذا الواقع الذي يمكننا توقّعه في النقاش العام ونشره في أدوات الإعلام لتوسيع رقعة الذين يفهمون ضرورة المقاومة ودعمها، وصغر التضحيات التي نقوم بها اليوم إذا ما قارنّاها بما يمكن أن يحدث غدا لو استسلمنا. هذا النقاش لن يهمّ أصحاب المصالح، ويمكننا أن نتوقّع منهم كلامًا إنشائيًّا مضادا لـ«إسرائيل» مع دعوة مبطّنة للاستسلام تحت ذريعة السلام وحبّ الحياة. وهذا ما نشتمّه من بيان صدر عن لقاء عقدته البطريركيّة الأرثوذكسيّة مع نوّاب ووزراء من الطائفة (نداء الأرثوذكس في لبنان: "دعوا شعبنا يعيش"، البلمند، 10 تشرين الأول 2024). فالبيان رغم تسميته الشفهيّة لإسرائيل ب«العدو» وإدانة «الحرب الهمجيّة التي يشنّها على لبنان» حصرا، دعا إلى «تحقيق السلام العادل». كيف تستوي هكذا دعوة مع أيّ فهم لطبيعة الصراع مع دولة استعماريّة يصرّح وزرائها أنّهم يريدون احتلال لبنان، وتتسلّى عصاباتها المدعوّة جيشا بقتل المدنيّين وتعذيبهم وتجويعهم أيّ إبادتهم، في غزّة، وهو ما تعد حكوماتهم المتعاقبة أن تفعله في لبنان (ردّه إلى العصري الحجري). يدعو البيان أيضًا إلى «تطبيق القرارات الدولية من قبل جميع الأطراف»! لا يفهم الإنسان كيف تسمح مجموعة من رجال الدين (والسياسيّين) أن يضعوا أنفسهم في منطقة وسطى بين شعبهم الذي يقاوم آلة البطش والإخضاع والتدمير وبين عدوّه، بحيث يصنّفون الاثنين بـ«طرفين»؟ ويكتب المجتمعون أنّهم يثمّنون دور الجيش «في حفظ الأمن والاستقرار»! ولكن كيف لهم أن يتفوّهوا بكلمتي الاستقرار والأمن في ظلّ حرب وحشيّة مدمّرة ونزوح هائل؟ يبدو أنّه من المناسب للمجتمعين أن ينسوا أنّ الجيش لم يحارب إسرائيل لأنّ السياسيّين لم يسلّحوه بأسلحة مناسبة، وأنّ الحرب القائمة دمّرت الأمن والاستقرار وبالتالي لا يمكن التحدّث عن أمن واستقرار. هذا النسيان مناسب لأنّ المجتمعين تعمّدوا أن يتجاهلوا واقع أنّ مقاومة هذا الشعب حاجة حيويّة للحياة لأنّها وحدها القادرة على ردّ اجتياح العدوّ ببطولة نادرة، ولا يعيبها أنّها غير قادرة على ردّ سلاح الطيران الذي لا تتمكّن من صدّه حاليّا دول مجاورة (سوريا مثلا). يشكر المجتمعون «الهيئات الإغاثية والاستشفائية على الدور الذي تلعبه في التخفيف من حدة الأزمة التي يتعرض لها الشعب اللبناني»! لكنّ استعمال كلمتي «الشعب اللبناني» و«الأزمة» غير مناسبين إطلاقا، فالأوضاع الخطرة الناتجة عن الحرب الهمجيّة يتعرّض لها جميع سكّان لبنان، لبنانيّين وغير لبنانيين، كما أنّ الوضع القائم ليس مجرّد أزمة ناتجة عن عمل من أعمال الطبيعة، بل نتيجة حرب تدميريّة. وكما يستعمل البيان كلمات محدّدة ويظهّر مواضيع محدّدة، فهو يغيّب أخرى، وفي الحالتين يمكن قراءة ذهنيّة مَن وضعوه ومصالحهم. مثلا، ينتهي البيان بالدعوة إلى «تجفيف تدفق السلاح الذي يقتل المواطنين اللبنانيين» دون أيّة إشارة إلى الحكومات الأميركيّة والأوروبّية التي تسلّح من يسمّونه بـ«العدوّ». وفي رأينا يدلّ تجهيل الفاعل هنا على خوف على المصالح، كالخوف من تجفيف تدفّق التمويل على مؤسّسات الكنيسة الأرثوذكسيّة، مثلًا. الأمر الآخر المُغَيَّب عن البيان هو أنّ القيادات الكنسيّة التي طالما كانت «تعزي ذوي الضحايا وتسأل الشفاء للمصابين والرحمة الإلهية للشهداء» في سوريا، غاب عنها تماما كلمة عزاء أو مجرّد دعاء للذّين يضحّون بحياتهم وأمانهم واستقرارهم من أجل أن يدافعوا عن الأرض من الاحتلال وعن المواطنين من تنكيل أوسع. إنّ انعدام الشكر أو الدعاء يتعارض واقعيّا مع وصف «العدوّ الاسرائيليّ» بحيث يصبح وصف «العدوّ» مجرّد وصف لفظيّ بارد لا حرارة فيه، ويحقّ للقارئ عندها أن يشكّ في أنّ الأهداف النهائيّة للبيان هي تطبيعيّة. وإن صحّ تحليلنا (ونرجو ألّا يصحّ) تكون القيادات الكنسيّة الأرثوذكسيّة قد بدأت عمليّة التفاف على تاريخ الكنيسة الأرثوذكسيّة في بلادنا، بينما وقفت القيادات تاريخيّا مواقف مضادة لوجود إسرائيل كونها مبنيّة على الظلم، وكونها لا تستمرّ إلّا بسفك الدم. إن كان هذا البيان بالفعل مقدّمة لعمليّة التفاف كهذه فذاك يشكّل خيانة لروحيّة الانجيل، وعندها سيلفظ ضمير المؤمنات والمؤمنين الأحرار هكذا قيادات كنسيّة ويضعها في مزبلة تاريخ الكنيسة حيث وضع الشعب من قبل المجامعَ اللصوصيّة الشهيرة. لا؛ هذا البيان لا يشكّل «نداء الأرثوذكس في لبنان» كما يعنونه واضعوه زورا وبهتانا. الأرثوذكس، الذين بالفعل تسمّوا على اسم السيّد، لا يعرفون سيّدا لهم غيره، هو الذي توحّد مع المعلّقين على صلبان الظلم أينما وُجدوا، مصير الأرثوذكس وموقعهم هناك، عند أقدام هؤلاء، في خدمة هؤلاء، هؤلاء هم أسيادهم وليست القيادات إن خانت. الأرثوذكس، وكلّ ذي عقل، يعلم أنّ الدول الاستعماريّة لا تستجيب للنداء المائع «دعوا شعبي يعيش». الشعوب المستضعفة إن لم تقاوم لا تعش، وإنّما تُقتَل أو تُستَعبَد. الإخلاص للحياة والحرّية والكرامة البشريّة التي تجلّت في يسوع تقتضي المقاومة الشُجاعة لا الاستجداء الرخيص. خريستو المر، الأحد 13 تشرين اول 2024
المسيحية الصهيونية ليست مجرّد بدعة إنّها لوبي سياسي لا بدّ من إعادة قراءة الكتاب المقدس كأدب مقاومة القسيس الفلسطيني الدكتور متري الراهب، راعي كنيسة الميلاد الإنجيلية اللوثرية في بيت لحم، هو مؤسس كلية دار الكلمة الجامعية. كاتب لاهوتي، مؤلف كتاب «إنهاء الاستعمار في فلسطين»، وقد حاز كتابه «بيت لحم محاصرة»، الذي يحكي قصة حصار كنيسة المهد كما عايشها من نافذة بيته، جائزةَ أفضل كتاب روحي ينشر في الولايات المتحدة في عام ٢٠٠٤. في هذا الحوار، بعد مرور عام على الإبادة المستمرة في غزة، يتحدّث عن موقف الكنائس من الحرب وعن دور الصهيونية المسيحية ما هو تقييمكم لموقف الكنائس -شرقيّة وغربيّة- المقيمة في بلادنا من حرب الإبادة الحاليّة؟ الإبادة تطال شعب الكنائس في فلسطين. أكان في غزّة هناك كنائس مسيحيّة أصيلة وليست مستحدثة، تعود جذورها إلى ما يزيد على 1600 عام، وبالتالي لها أعضاء ومؤسّسات وكنائس في غزّة. ولكن بشكل عام موقف الكنائس هو موقف دعم للصمود، ولكنّه سياسيّاً موقف ينتابه شيء من الحياء. صوت الكنيسة المحلّية خافِت، ربّما لأنّ الكثير من رؤسائها هم من الأجانب وليسوا من الفلسطينيّين. هناك تنديد، هناك بيانات، ولكن ليس هناك صوت نبوي واضح وقوي وفاعل، هذا ما ينقصنا في فلسطين حالياً. ولكن هناك أصوات لمسيحيين طبعاً قوية ونبوية وتخاطب العالم بشكل عام. وماذا عن مواقف الكنائس في بلاد العرب خارج فلسطين؟ أعتقد أنّ كنائس الشرق الأوسط منقسمة على ذاتها، وأكثر الكنائس تأخذ موقف زعمائها. فالموقف في مصر مثلاً يختلف عن الموقف في سوريا، ويختلف عن الموقف في لبنان، وفي داخل لبنان هناك مواقف عدة، فالموقف الأرثوذوكسيّ ربما يختلف عن الموقف الماروني؛ وفي الأردن ربما هناك أيضاً موقف يتبع موقف القدس إجمالاً. بالتالي، فإنّ الصورة ليست نمطية وليست واحدة، بل هناك أصوات وأنماط متعددة في الكنائس، بعضها قوي وبعضها أضعف. تكلمت عن المواقف النبوية فماذا عن موقف كايروس، لقد كان موقفاً نبويّاً في السابق فما هو الموقف اليوم؟ كايروس، أو «وقفة حقّ»، مبادرة لها موقف قوي من حرب الإبادة وهي تجاهر بذلك هنا وفي الخارج. ولكنّها ليست مؤسسة كنسية بهذا المعنى، فهي مبادرة مسيحية ولكنّها ليست مبادرة كنسيّة؛ وبالتالي فإنّ كايروس لا تعبّر اليوم عن صوت الكنائس في القدس، وإنما هي صوت يتحدى ويحاول أن يدفع كنائس القدس لأخذ موقف أكثر قوة. ما هو تقييمكم لموقف الكنائس المقيمة في الغرب من حرب الإبادة؟ الكنائس في الغرب منقسمة على ذاتها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. فهناك في أقصى اليمين المسيحيون الصهاينة وكنائسهم الحرّة ليس فقط في أميركا، وإنما أيضاً في أوروبا وأفريقيا وحتى في أميركا اللاتينية، هناك قوى مسيحية صهيونية في تنامٍ مستمر وهو أمر مقلق، ولكن أيضاً هناك كنائس تقف مع الحق الفلسطيني، مع حق تقرير المصير ضد الإبادة. مثلاً في أميركا، للكنيسة المشيخية، وكنيسة المسيح المتّحدة (United Church of Christ)، وكنيسة التلاميذ، والكنائس اللوثريّة، دور قوي؛ فقد طالبوا الحكومة الأميركية بعدم إرسال أسلحة إلى إسرائيل، كما أنّ الكنيسة المشيخية سحبت استثماراتها من مصانع أو مؤسسات تدعم الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية. إذاً، هناك كنائس لها مواقف مشرفة أكثر من الدول العربية وحتى الإسلامية. لا بد للحقّ بأن يُقال، وأن نشكر الكنائس التي تأخذ موقفاً قويّاً وتدفع ثمنه. اليوم بعض الكنائس تدفع ثمن وقفتها مع الشعب الفلسطيني، فهي أحياناً تُجرّ إلى المحاكم في محاولة لتشويه سمعتها. هذه الكنائس في الغرب لها مواقف أقوى من الكنائس في القدس، هذا حق لا بد أن يقال. ولكن أيضاً هناك المسيحيّة الصهيونية والتي تدعم حرب الإبادة. أريد أن أتابع مع موضوع المسيحية الصهيونية. كيف تواجه الكنائس المختلفة المسيحية الصهيونية؟ هل هناك مواجهة لهذه الأيديولوجية داخل الكنائس المسيحية؟ نعم، في الواقع كنائس ومنذ أمد بعيد تحاول أن تسلط الضوء على خطر المسيحية الصهيونية. مثلاً، بالأمس كان لي لقاء مع الكنيسة المشيخية في الولايات المتحدة عبر الإنترنت حول موضوع المسيحية الصهيونيّة والاستعمار الإحلاليّ والقوميّة الدينيّة. المسيحية الصهيونية حسب ما شرحتها في كتابي الجديد «إنهاء الاستعمار في فلسطين» (Decolonizing Palestine) ليست فقط مجموعة تقرأ الكتاب المقدس بطريقة خطأ، أي إنّها ليست مجرّد بدعة مسيحية، إنّها لوبي داعم لاستعمار الأرض الفلسطينية وإحلال اليهود بدلاً من الفلسطينيين فيها، لوبي يستغلّ أو يستخدم مجرّد بضع آيات من الكتاب المقدس من مجمل الكتاب، ليفسّروها كما يروق لهم. وبالتالي، هذه حركة خطرة جداً، تجمع الأموال من أجل دعم إسرائيل عسكرياً؛ إنّها لوبي سياسي داعم لإسرائيل في الكونغرس، ولكن أيضاً في دول أوروبا، وحتّى في بعض دول أفريقيا وأميركا اللاتينية (البرازيل، مثلاً، أثناء حكم الرئيس السابق بولسونارو كانت أكبر مثال). كما إنّه لا بدّ أن نرى أيضاً المسيحية الصهيونية اليوم كجزء من صعود اليمين الديني المتطرف بكل أشكاله. هناك اليوم يمين ديني يهوديّ في إسرائيل تمثله بعض التيارات في الحكومة الإسرائيلية الحالية، وهناك صعود اليمين في الولايات المتحدة كما رأينا أثناء رئاسة الرئيس الأميركيّ السابق ترامب (الذي قد يعود للحكم)، وهناك يمين بولسونارو في البرازيل، ويمين مودي في الهند، إلى ما هنالك. هكذا نرى صعود يمين متطرف يربط القوميّة والعنصريّة والدين في بوتقة واحدة وهذا هو خطر هذه الحركات. المسيحية الصهيونية اليوم هي جزء من هذا الحراك، وهذا الحراك يدعم المسيحية الصهيونية. جامعة دار الكلمة اهتمّت بهذا الموضوع، فأقمنا قبل سنتين في تشيلي مؤتمراً عاماً لكل أميركا اللاتينية حول المسيحية الصهيونية في أميركا اللاتينية؛ وهناك مؤتمر دولي سنقيمه في الأردن في شهر كانون الثاني من عام 2025 عن موضوع المسيحية الصهيونية وأثرها على مسيحيي الشرق لأنّ المسيحيّة الصهيونيّة معادية أيضاً للمسيحيين في الشرق. وفي شهر أيّار من عام 2025 ستقيم الجامعة أيضاً مؤتمراً ثالثاً في الدنمارك عن المسيحية الصهيونية في الدول الإسكندنافية. جامعتنا في الواقع تحاول أن تجمع المفكرين الذين عملوا هذا الموضوع للتفكير في طرق لمواجهة هذا المدّ المسيحي الصهيونيّ الذي يؤثر علينا. وأشير إلى أنّ هناك فصلاً كاملاً عن موضوع المسيحية الصهيونية وإعادة تعريفها في كتابي «إنهاء الاستعمار في فلسطين». هل هناك مشاريع تعمل عليها الكنيسة أو المؤسسات التي تديرها لتعزيز الصمود الفلسطيني في مواجهة التحديات الراهنة؟ طبعاً. يشكّل المسيحيون اليوم في فلسطين ما نسبته 1% من مجموع السكان. ولكن في دراسة قامت بها جامعة دار الكلمة منذ أربع سنين عن المؤسسات المسيحية، هناك حوالى ثلاثمئة مؤسسة مسيحية تعمل في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية (لم نستطع أن نغطّي فلسطين التاريخية). هذه المؤسسات تشكّل ثالث أكبر مشغّل في فلسطين بعد الدولة السلطة الفلسطينية التي تُعتبر أكبر مشغّل، والتي يليها وكالة غوث اللاجئين (الأونروا). المؤسسات الكنسية تشغّل ما يقارب من تسعة آلاف شخص، مع أنّ كل المسيحيين هم أقل من 50,000 شخص. تضخّ المؤسّسات الكنسيّة تلك في الأراضي الفلسطينية في فلسطين ما تزيد قيمته على أربعمئة مليون دولار أميركي بالسنة. إذا نظرنا إلى مؤسسات المجتمع المدني في فلسطين 45% منها تقريباً أسسها مسيحيون فلسطينيون. وإذا أخذنا قطاع الصحة، فإنّ ثلث الخدمات الصحية في فلسطين تقدّمها المؤسسات الكنسية، وإذا أخذنا مواضيع الرعاية الاجتماعية وغيرها نرى دوراً واضحاً للكنائس. وطبعاً هناك دور للكنائس في التربية، فهناك جامعتان، هناك كلّيتان، وهناك حوالى أكثر من 60 مدرسة مسيحية تعمل في فلسطين. وبالتالي، فإنّ دور الكنائس ودور المؤسسات المسيحيّة لا يستهان بهما ولا يقارنان بالنسبة العدديّة للمسيحيين. وبالطبع، هذه المؤسّسات هي لجميع الفلسطينيين، يستفيد منها الفلسطينيون كافة من دون تمييز. في رأيك، كيف يمكن للإيمان أن يكون مصدراً أو أن يلعب دوراً في عملية تحرر الفلسطيني؟ أحياناً يبدو لي بأن هناك تيّارات فكرية وإيمانية تقول إن الإنسان عليه أن ينتظر العدالة في السماء وإنه هنا على الأرض عليه أن يصلي ويصوم... فكيف يمكن للإيمان أن يكون مصدراً أو ملهماً في عملية التحرّر؟ في الواقع أنا أعتقد أن الإيمان المسيحي بالذات أيضاً مهم جداً في أي عملية تحرّر، لأن قراءة الكتاب المقدس في سياقه التاريخي تبيّن أنّ الكتاب المقدس، كما أرى، هو مجموعة من أدب المقاومة، كتابات من أدب المقاومة، وهذا له علاقة بتاريخ فلسطين. ففلسطين، للأسف، على مدى قرون كثيرة عاشت تحت احتلالات من القوى الإقليمية الكبيرة المحيطة بها، وبالتالي إنّ الكتاب المقدس الذي خرج من فلسطين حاول أن يجيب عن أسئلة مصيرية عدة لشعب أرض فلسطين. لأنّ القوة الغاشمة المحتلّة، أو الإمبراطوريات، تشعر وتظنّ أنها هي الله، لأنها كلّية القوة إذ لديها كلّ القوة العسكرية، وهي كلية المعرفة لأنّ لديها يتمّ إنتاج المعرفة، وهي موجودة في كلّ مكان بفضل التقنيات الجديدة ومنها تكنولوجيا المراقبة. هكذا، فالإمبراطوريات تتصرف وكأنها الله على الأرض. شعب فلسطين الذي عانى الأمرّين من بطش الإمبراطوريات كان يسأل نفسه أين أنت يا الله؟ هل يُعقل نكون الكلمة الأخيرة للإمبراطورية؟ ولهذا فالإيمان المسيحيّ خرج من فلسطين. الإيمان المسيحي لم يخرج من الإمبراطوريات، بل من دولة كانت محتلّة. لقد كتبت أكثريّة الكتب المجموعة في الكتاب المقدّس تحت الاحتلال. أسفار العهد القديم أكثرها كُتِبَ تحت الاحتلال الآشوري أو البابلي أو الفارسي؛ والعهد الجديد كُتِب تحت الاحتلال الروماني. وبالتالي لا بدّ من إعادة قراءة الكتاب المقدس كأدب مقاومة. لا يمكن سلخ الإيمان المسيحي عن المقاومة. حتى قصة المسيح يمكننا أن نقرأها كقصة إنسان فلسطيني قاوم الإمبراطورية الرومانية. ولهذا لا نستطيع أن نفهم موضوع ملكوت الله إلا إذا فهمنا الإمبراطورية/ فملكوت الله قوة البديل الإلهي للإمبراطورية: الإمبراطورية هي إمبراطورية قائمة على بطش القوة، بينما الملكوت قائم على قوة المحبة، وقوة العدالة، وهذه هي المفارقة بين الإمبراطورية وبين الملكوت. بالتالي لا يمكن للإنسان أن يكون مسيحياً وأن يعيش فقط كإنسان مستهلك منزوٍ عن العالم. لا، الإنسان المسيحي هو إنسان واعٍ لما يحدث حوله، يبحث، يحلل، يفكر، يصلي، ويعمل. هذا هو، في رأيي، الإنسان المسيحي كما أراده الله. هل يقدر الإنسان أن يكتفي بأنه يصلي لكي ينتهي الظلم؟ مثلاً، ما رأيك في شخص يقول لك إنّه لا يؤذي أحداً، ويكتفي بأن ينزوي ويصلّي لكي ينتهي الظلم؟ طبعاً لا. عندنا بالشرق الأوسط عقدة المخلص المنتظر. بغض النظر من هو أكان هو صلاح الدين، أم صدام حسين، أم أحداً آخر. كأنّا نريد أن يأتي مخلّص على فرس ويخلّصنا من كل مشكلاتنا. الإيمان المسيحي يقول إنّ المخلّص أتى. أي لا يمكننا انتظار مخلّص بعد. الانتظار هو تضييع وقت. المخلص أتى وقال ما كان يجب أن يُقال، عمل ما كان يجب أن يُعمل، والباقي هو مسؤوليّتنا. نحن اليوم أيادي الله في هذا العالم. وبالتالي الصلاة وحدها لا تكفي. في منتصف شهر أكتوبر 2023 عندما قصفت الطائرات الإسرائيلية الكنيسة الأرثوذوكسية في غزة. اتصلت بعد دقائق بالكنيسة اللاتينية، لأن أحداً لم يردّ في الكنيسة الأرثوذكسيّة. ردّ أحد الأصدقاء، وبعد دقائق استطعت الكلام مع راهبة، كانت الراهبة تصرخ وتقول ما معناه دمّروا الكنيسة وقتلوا الناس. قلت لها نحن نصلّي لكم، فماذا كان جواب الراهبة؟ قالت لي: لا نريدكم أن تصلّوا. ففي ذاك الموقف، غزّة لم تكن تحتاج أن نصلّي، كانت تحتاج إلى فعل. وهذا ما نقوله للكنائس في الغرب. يكفي صلاة، نريد منكم فعلاً، يكفي وعظاً نريد فعلاً. الإيمان المسيحي هو إيمان فاعل واعٍ، وليس إيماناً يقتصر على الصلاة منتظراً الفرج من الله. كيف يمكن للكنائس الفلسطينية والعربية أن تدعم عملية تحرر الفلسطيني في أميركا الشماليّة وأوروبا؟ المسيحيون العرب في الغرب منقسمون على ذاتهم. هناك كنائس منزوية تعيش وكأنها في غربة، غير قادرة على التأقلم مع المجتمع الغربي، فتنزوي على ذاتها وبالتالي يبطل أي دور فاعل لها. هذا ينطبق خاصة على المهاجرين من الجيل الأول والثاني. اليوم أرى أنّ الجيل الشاب الثالث والرابع، الذي أقابله في الغرب من أصول شرق أوسطية، أرى روحاً أخرى. أولاً، هو يجيد اللغة والثقافة الغربيّة، وبالتالي يمكنه أن يعبّر عن نفسه في اللغة نفسها التي يفهمها شعبه. ثانياً، هو متعلم وهذا أمر مهمّ جداً. ثالثاً، هو مطّلع على ما يحدث في فلسطين عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي. ورابعاً، هو فاعل، فهو يقود المظاهرات، مثلاً، ولديه صوت وازن في الجامعات كما نرى عبر انتشار مجموعات طالبيّة من أجل العدالة في فلسطين عبر الجامعات كلّها تقريباً. هذا لم يكن ممكناً دون الجيل الثالث والرابع. هذا ما يجب التركيز عليه. بصراحة، لا أعوّل كثيراً على الكنائس، من يعمل مع الكنائس الرسميّة كبُنى مؤسّساتيّة يكاد لا يرى أملاً. لكن اليوم لدى هؤلاء الشباب روح جديدة. في جامعة دار الكلمة لدينا مشروع سمّيناه «الجسر بين البقية الباقية والمهجر» وجمعنا في شهر أيّار 2024، جمعنا في لارنكا حوالى 20 طالب دكتوراه في اللاهوت من مختلف الكنائس من مختلف دول الشرق الأوسط، وبغض النظر عن مكان إقامتهم. هؤلاء الشباب العشرون يعملون على مواضيع مهمّة جداً، مستقبل منطقتنا وشعبنا. أتى كلّ واحد منهم محبطاً، ولكن حين اجتمعوا معاً رأوا أن همومهم مشتركة وخبرتهم مشتركة، وبالتالي فكّروا في أنّهم يمكنهم أن يكونوا جيل التغيير. أنا أعوّل على هذا الجيل وهذا المشروع. في الواقع سنكمل في المشروع في السنة القادمة لنجمع هؤلاء الشباب طلّاب دكتوراه اللاهوت من جديد مع شباب يدرسون دكتوراه فقه أو علم كلام، بغضّ النظر عن مكان إقامتهم سواء أكانت في الغرب أم في بلادنا، لنفكّر في دورنا كمؤمنين في رقيّ العالم العربيّ. أريد أن أعوّل على هذا الجيل ولهذا تركيزنا اليوم على هذا الجيل. للأسف، الكثير من الكنائس أصبح مترهلاً، والكثير من قياداتها يفتقر إلى الرؤية وإلى الإرادة في التغيير. هذه ليست روح الكتاب المقدس ولا روح الله الذي يدعونا دائماً إلى التجديد والتغيير، إلى تغيير مجتمعاتنا والانخراط فيها، وبناء بديل عمّا هو قائم. كما نادى المسيح ببديل الملكوت اليوم، نحن مطالبون اليوم بأن نعمل نحو بديل لمجتمع عادل حر، مجتمع يقوم على المساواة، مجتمع قانون. هذه هي المجتمعات التي نريد أن نبنيها، طبعاً هذا أمر صعب، ولكن لا يمكن أن نفقد الأمل في مجتمعاتنا، ويبقى الرجاء هو البوصلة التي تحركنا. كقس وكمفكر، ما هي رسالتك لأهل المنطقة في ذكرى مرور عام على حرب الإبادة في غزة وفي فلسطين؟ وهل من كلمة أخيرة تحب أن توجهها؟ في الواقع، حرب الإبادة في غزة هي مثل عدسة مكبّرة بتنا نرى عبرها الأمور بوضوح. اليوم، لا يمكن اللاهوت بعد غزة أن يكون كاللاهوت قبل غزة. اليوم، يجب أن نفكر في كثير من قضايا لم نكن نفكر فيها قبلاً. اليوم أصبح واضحاً أنّ الفلسطينيين لا يواجهون إسرائيل وحدها، وإنّما هم يواجهون الإمبراطورية، أي الرأسمالية العالمية التي نسميها الإمبريالية، ودول الغرب التي باعتنا كلاماً عن حقوق الإنسان حتّى شبعنا، وصرفت المليارات لتعليم حقوق الإنسان، وعندما احتجنا نحن إلى حقوق الإنسان لم نرَهم حولنا اليوم. لا بد من التفكير في ثقافة الموت التي تجلبها الآلة العسكرية الغربية. فلسطين هي نموذج لما يحدث في الكثير من دول العالم، في فلسطين ترى الأمور أوضح من أي مكان آخر في العالم، ترى ثقافة الموت هذه، آلة الموت هذه (necro politics). نرى آلة الموت التي تريد تدمير الناس والتي رأيناها تتوحّش في لبنان. ونرى اليوم فكرة تفوّق العرق الأبيض والعرق الإسرائيليّ على غيره، وأنّه قادر على السيطرة على كلّ شيء وكمّ الأفواه. كلّ هذا يحتاج إلى وقفة جديدة. وهذا أمر سعت جامعة دار الكلمة أن تقوم به عبر عقد مؤتمر جمعت فيه ثلاثين لاهوتيّاً من أشهر اللاهوتيين في العالم، للتفكير في التحدّيات اللاهوتيّة التي تفرضها علينا حرب الإبادة في غزّة، وما هو الدور الأكاديميّ بعد غزة. اليوم في أميركا، الأساتذة، وحتى اليهود منهم، الذين يتعاضدون مع غزّة، يلاحقون، فأين الحرّية؟ أين حرية الفكر وحرية المعتقد، وحرية الرأي، وحرية البحث العلمي؟ دعوتي للمفكرين في دول الجنوب، ولكن أيضاً للمفكرين الأحرار في دول الشمال، هي لإقامة شبكة جديدة للتفكير في معنى العالم، ومعنى المستقبل، أمام ثقافة الموت وجحافل العسكر والذكاء الاصطناعي التي نراها اليوم تتحكم في كثير من قضايا العالم. هذه دعوتي وأملي، وهو ما نعمل له، هو ليس بأمل بقدر ما هو خطّة ومشروع في جامعة دار الكلمة. خريستو المرّ – الثلاثاء ١ تشرين أوّل / أكتوبر ٢٠٢٤
حكايتنا حكاية الذين يواجهون بطش القوّة بقوّة الحقّ. منذ كان البطش، كان أولئك الذين يتّجهون لله ليسألوا ويتأمّلوا في المعنى: لماذا يتعذّب الأبرياء؟ هل يُعقَلُ أن تكون الكلمة الأخيرة للبطش؟ كانت قصّة أيّوب قصّة الذين سألوا السؤال الأوّل فقيل لهم إنّهم أبرياء متألمون، ثمّ جاء يسوع البريء المتألّم ليكون واحداً معهم في المظلوميّة ويجيبهم بالعري المعلّق خارج المدينة الظالمة: الله واحد مع المظلومين، وطريق الناس إلى الله تمرّ في المظلومين. وكانت قصّة القيامة قصّة الذين سألوا السؤال الثاني، قصّة الذين جاءت الإمبراطوريّات لتدوس أجسادهم، وتسحق أرواحهم، وتأسر بنيهم وبناتهم. هي قصّة الذين بقوا كثيراً في العبوديّة خوفاً من الموت إلى أن جاء من يقول لهم إنّ الموت ليس نهاية الحكاية، ذاك الذي قال بجسده المسجّى والمدفون والقائم من الموت إنّ الموت إذا تناول الأبرياء يموت، إنّه يسقط ليقوم الأبرياء في الحقّ والفرح والحرّية. تعدّدت الإمبراطوريّات والبطش واحد. والأبرياء واحد، ولكنّهم عرفوا هذه المرّة أنّ الموت ليس نهاية الحكاية، فنشأ الذين يقولون «لا» للإمبراطوريّة. أولئك الذين سدّوا أفواه الأسود ليقولوا «لا» للإمبراطورية، أطفأوا حدّة النار بأجسادهم ليقولوا «لا» للإمبراطورية، واجهوا الموت في حلبات الرومان ليقولوا «لا» للإمبراطورية، عُذِّبوا ولم يقبلوا النجاة ليقولوا «لا» للإمبراطورية. رُجموا، نُشروا، جُرّبوا، ماتوا قتلاً بحدّ السيف ليقولوا «لا» للإمبراطورية، طافوا كالفقراء مكروبين، تائهين في برارٍ وجبال ومغاور وأنفاق الأرض ليقولوا «لا» للإمبراطورية، غابوا في الدهاليز والأنفاق يصلّون ويأكلون ويعتصمون بالشجاعة ليحبّوا كثيراً ويقولوا «لا» للإمبراطوريّة. الإمبراطورية بالبطش ترى، لذلك ترى أنّ كلّ شيء لها، أنّ كلّ آخر انتهى. وحين تجبّرت الإمبراطوريّة ورأت أنّ الآخر انتهى، هوت. هذه حكاية الذين تبعوا البريء الذي مات خارج المدينة فوطئ الموت بالموت. وهذه حكاية أولئك الذين تبعوا في كلّ عصرٍ صورة ذاك البريء في كلّ بريء تتوحّش الإمبراطوريّة على جسده وروحه عابدة نفسها. أولئك الذين انضمّوا إلى قافلة الأولياء والأنبياء والأصفياء الذين أحبّوا الله في خلقه، فقبلوا أن يتبعوه ويعبدوه هو لا الإمبراطوريّة حتّى لو سُفكت دماؤهم. هم أولئك الذين قالت الإمبراطوريّة الرومانيّة عنهم إنّهم ملاحدة لأنّهم لم يحنوا ركبة لقيصر، وقالت عنهم الإمبراطوريّة الأميركيّة إنّهم إرهابيّون وبرابرة لأنّهم لم يحنوها للإمبراطورية. في جماعة أولئك الأحرار، أولئك القلّة القليلة الباقية التي لم تحنِ ركبة لبعل، يغسل السيّد فيهم أقدام التلاميذ، ويكون كالخادم بينهم وهو السيّد ليخدم فيهم الحياة والحرّية، ويعلم أنّه ساعة يبحلق فيه الموت لن يجد موطئ قدم، لأنّ الحكاية تكون قد باتت حيّة في التلاميذ وضمائرهم، ويكون الذين تتلمذوا على يديه باتوا أسياداً لتلاميذ آخرين في موكب قافلة الذين يقولون «لا» للإمبراطوريّة. وحينها يبتسم للموت ساخراً لأنّ الحكاية باتت كرمة وارفة تُنبِتُ كروماً حول الأرض ويشرب منها المستضعفون عصير الكرامة والحرّية. أولئك الأحرار هم الذين يؤسّسون مع البريء الذي مات وقام إمبراطوريّة المحبّة، تلك التي تبذل نفسها من أجل حياة العالم وحرّيته، تلك التي لا تأنف مُعاركَة الإمبراطوريّة بالكلمة وبكلّ وسيلة لكيلا تتوزّع الأجساد نُتَفاً في الشوارع وأوجاعاً في السجون، ولا يتوه المستضعفون في الشوارع، ولا تسقط الضمائر في الموت والأخوّة البشريّة في العبوديّة. أولئك يمكنهم أن ينشدوا مع القدّيسين إذا ما مات فيهم سيّد: نحن قوم يواجهون بطش القوّة بقوّة الحقّ، لا نخاف الموت لأنّ الحياة أقوى من الموت، والدم أقوى من السيف، والحرّية أجمل من العبوديّة، وشجاعة السيّد نجمتنا. قد ضممنا أنفسنا إلى قافلة الذين يقولون «لا» لكلّ إمبراطورية لكي تكون الحياة لكلّ الناس وتكون أوفر، فصار لأوجاعنا معنى. |
الكاتبخريستو المر الأرشيف
December 2025
Categories |
RSS Feed