موقع خريستو المرّ
  • كتب
  • محاضرات
  • مقالات في «الأخبار»
  • المقالة الأسبوعيّة
  • الإيمان والحياة اليوميّة
  • فلسطين
  • التزام شؤون الإنسان
  • الإيمان والثقافة
  • كلمات
  • خريستو المرّ
  • مواقع صديقة

انتصار الدم على السيف

9/30/2025

 
خريستو المرّ، الثلاثاء ٣٠ أيلول / سبتمبر ٢٠٢٥
​في قلب التاريخ لحظة فارقة: لحظة الدم المسفوك في مواجهة السيف. يسوع الناصري، معلّم المحبّة، نجّارٌ ثائر، صعد إلى الصليب لا لأنه أحبّ الموت، بل لأنّه طلب الحرّية: الحرّية من قمع رجال الدين والحرّية من قمع الإمبراطوريّة. ذاك الإنسان واجه تنّين التسلّط، فنبّه أنّ الحقّ، لا وصفات التسلّط الدينيّ، هو الذي يحرّر من الداخل: «تعرفون الحقّ والحقّ يحرّركم». وقال إنّه أتى ضدّ الإمبراطوريّة: «لأبشّر المساكين، وأشفي المنكسري القلوب، وأنادي للمأسورين بالإطلاق، وأرسل المنسحقين في الحرّية» فأعلن زمن الله، زمن انكسار نير الإمبراطورية وتحرّر الإنسان. كان سيف الإمبراطوريّة مشرعاً، يطلب الولاء المطلق، وكان سيف السلطة الدينيّة يخشى أن يُفتضح فساد قلبه حين يلتقي الحقّ، لذلك تآمر السيف لقتل الحقّ.شُبّه للقتلة أنّ الموت كانت له الكلمة الأخيرة، وأنّ انتصارهم تحقّق، فإذا بقيامة يسوع تقول إنّ القهر، مهما بدا جبّاراً، لا يملك الكلمة الأخيرة، وإنّ الكلمة الأخيرة هي للتحرّر من الموت ومن القهر. يوم الجمعة العظيمة، على ذاك الصليب المرفوع خارج المدينة، ذاك الرمز للتقدّم والحضارة، انتصر دم يسوع المسفوك، دم الحرّية، على سيف الإمبراطوريّة، وفجّر معنى خفياً لم يظهر حتّى يوم الأحد: أنّ الإنسان لا يُختزل في جسده المصلوب، أن الحقيقة أقدر من الرعب واليأس، أنّ النهاية يكتبها الحقّ، وأنّ جذريّة الحبّ في نهاية المطاف هي الصخرة التي تنكسر عليها السيوف.
هذا المعنى ليس حكراً على زمن مضى. ففي بلادنا، حيث تتناوب الإمبراطورية ووكلاؤها - من احتلال صهيونيّ إلى حكّام استبداد واستغلال - بالسيوف على أجساد الناس وتاريخهم، وتعمل في النفوس جراحاً وأحزاناً، وحيث تُستعار حتّى لغة السماء لتبرير القهر، لا يزال الدم يكتب شهادته. دم الأبرياء في فلسطين، دم الصحافيين والمدافعين عن الحقّ، دم الذين ينشؤون من تراب الأرض وروح السماء ويُقتلون لأنّهم حلموا بحرية، دم الأبرياء في السجون والمنافي، كلّه يفضح جريمة السيف مهما تلألأ بذهب الإمبراطوريات أو بشعارات الدين المُفرّغ من الحبّ والرحمة.
 
في منطقتنا ينتصر الدم في كلّ شهيد يرسم طريقاً للفجر، وفي كلّ مقاومة مزروعة في التوق إلى الحرّية، يداها في وحل الأرض ورأسها فوق. الدم يعرف أنّ السيف قد يكسب معركة، والقلب المشدود إلى الحقّ والحرّية والكرامة يعرف أنّ السيف يعجز عن قتل الرغبة والإيمان والحلم، وأنّ هذه هي التي تُبقي الشعوب حيّة بعد هزيمة أو أخرى.
إنّ الإمبراطوريات تُشيّد على الخوف وتنهار أمام دماء من تجرّؤوا أن يقولوا «لا» لظلمها، فانتظموا في وحدة صارت جسداً للحرّية وجسراً للقدرة. أمّا استغلال الدين لخدمة الإمبراطوريّة ووكلائها فيفضحه جوهر الدين نفسه: الرحمة والعدل والإخاء. إنّ الفجر، مهما بدا بعيداً هو في متناول اليد اليوم، لأنّ الفجر يبدأ حين يرفض الناس أن يرضخوا، أن يصبحوا عبيداً، أن يكونوا صورةً في بروباغندا المستبدّين، ويصرّوا أن يكونوا وجوهاً تقول «لا»، فيصحّحون مسار التحرّر ويتابعون الطريق.
لا يكفي أن نتأمل الدم الذي غلب السيف، ينبغي أن نحمله معنا اليوم التزاماً حياً: أن نقف مع الأبرياء فنقاوم الإمبراطوريّة ووكلاءَها. حينها، نصير امتداداً للدم الأوّل المتلألئ نوراً في أحد الفصح، فنُساهم نحن أيضاً في حكاية انتصار الدم على السيف، ويكون موتنا قد شُبّه لهم.

الرؤى الضروريّة: التحرّر من الهيمنة

9/23/2025

 
خريستو المرّ، الثلاثاء ٢٣ أيلول / سبتمبر ٢٠٢٥
قد يختلف تقييم الناس داخل فلسطين وخارجها بشأن طبيعة وأثر عملية «طوفان الأقصى» أو أيّ عملية مسلحة كبيرة، فالتباين في القراءات طبيعي: البعض يراها ردّ فعلٍ مُبرَّر على سنوات من القمع، والبعض ينتقد انعكاساتها. كلّ الأسئلة مشروعة إن كان الهدف منها تقييم وسائل التحرّر الحاضرة من أجل تطويرها أو تغييرها لوسائل أجدى، أي إن كان الهدف منها تطوير العمليّة التحرّريّة.ما هو غير منطقي ولا عادل هو تحميل الشعب الفلسطيني، أو أي فصيل فلسطيني، مسؤولية الجرائم ضدّ الإنسانية والإبادة المرتكبة من طرف الدولة الاستيطانية الاستعمارية بحقّ الشعب الفلسطينيّ. تلك الدولة مسؤولة عن سنوات طويلة من العنف المؤسسيّ، عن عقود من السياسات الممنهجة للتطهير العرقي والاستيطان والتهجير، منذ النكبة عام 1948، مروراً بتشريعات وممارسات تكرّست على مستوى كلّ بُعد من أبعاد هذه الدولة العنصريّة، ومؤسساتها المدنيّة والعسكريّة.
مسؤولية الإبادة تقع على من يمارس العنف المنظّم بدعم دولي واقتصادي وسياسي، ومن يدعمه. من المهمّ أن لا يضيع العقل تحت عبء الألم والقهر، الضحية لا تتحمّل مسؤولية القهر والإبادة اللذين تتعرّض لهما! إنّ الشرائع المدنية والدينية والأخلاقيّة تحكم بشكل واضح لمصلحة الضحيّة لا المرتكِب.
كلّ عنف يقوم به الفلسطينيون واللبنانيون بحقّ العصابات المسلّحة الصهيونيّة أكانت تلك العصابات على شكل «جيش» أو «شرطة» أو مسلحين مستوطنين، هو عنف دفاعيّ، تحرّريّ، لاحقٌ لعنف مؤسّسيّ بنيويّ يسبقه، يقوم به يومياً الاستعمار في منطقتنا. إن أي عنف مُمارَس من قِبل الشعوب التي تسعى إلى التحرّر يجب أن يُفهم في سياق كونه ردّ فعل على عنف سابق له، على عنفٍ أضخم بما لا يُقاس، عُنف الاستعمار الذي يُنشئ عنفه على شكل مؤسسات وبنى.
لكن هذا العنف التحرّري عليه أن يتحلّى بأخلاق ثوريّة تحملها جملة من المبادئ المعروفة في الحروب، وأن يتشبّث بهدف التحرير السياسي والإنساني لا بالانتقام العشوائي، وذلك لأسباب كثيرة أهمّها سبب عمليّ: إنّ ضبط العنف بربطه بهدف التحرير مهم كي لا ينفلت العنف، إنّ انفلات العنف خطر على الهدف، فدائماً ما شهدنا كيف توجّه العنف بعد التحرير ضد أبناء الشعب (وتحرير فلسطين سيتحقّق بلا أدنى شكّ، عاجلاً أم آجلاً). إنّ ضبط العنف ليس تنازلاً عن العدالة، بل هو وسيلة للحفاظ على المشروع الوطني حيّاً.
لكن فلنتذكّر أنّ العدوّ يبني قوّة، ونحن علينا أن نبني قوانا. إنّ القوّة الأخلاقيّة والقوانين الدولية لا نفع لهما من دون قوّة. هذا ما ينبغي أن نكون تعلّمناه من تاريخنا على الأقلّ، فقرار مجلس الأمن نفسه الرقم 425، والذي قضى بانسحاب العدوّ من جنوب لبنان بعد احتلال أجزاء منه، لم تطبّقه الدولة الصهيونيّة لأنّ الولايات المتّحدة بقوّتها حمتها. ما طبّق القرار 425 على أرض الواقع هو قوّة المقاومة اللبنانيّة (مهما كان اسمها).
وينبغي أن نتعلّم هذا الدرس اليوم، فاليوم تقول الولايات المتحدة مع العدوّ الصهيونيّ: نحن لا نأبه بأيّ شرع ولا قانون، ولن نتوانى عن إبادتكم لتحقيق مصالحنا الماليّة، نحن نريد استعماركم واستغلالكم واستعباد بناتكم وأبنائكم وطردكم لاحتلال أرضكم وذبحكم حين يلزم. هذه هي الترجمة الفعلية لما تفعلانه الدولتان الإرهابيّتان من جرائم في غزة، ولبنان، وقطر. الكرة في ملعبنا. إمّا أن نرضى بإبادتنا واستعبادنا، أو أن نبني ونُراكم مواطن القوّة في منطقتنا.
الدروس الممكن استخلاصها عدة: ضرورة بناء قوّة عسكريّة دفاعيّة حقيقيّة من دون رمي ما تحقّق، برامج إعادة إعمار للمناطق المتضررة، بناء مؤسسات مدنية وسياسية قادرة على استيعاب الصدمات، تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي، الاستثمار في التعليم والبحث. الاستعداد للمستقبل يشمل قبل كلّ ذلك بناء مجتمع مواطنة لا مجتمع هويّات (متناحرة بالضرورة).
إنّ السؤال عن شكل النضال اللازم والواقعي يبقى مشروعاً دائماً؛ أما الدعوة إلى رفض المقاومة كفكرة فهي رفض للحق في المقاومة وللكرامة الإنسانية. وفي نفس الوقت، إنّ مقاومة لا تُحترم فيها الكرامة لا تصمد أمام المستقبل، ونضال لا يراكم أدواتٍ وطنيّة (مدنية وسياسية وقانونية)، يسهل اختزاله إلى مجرد مواجهة عسكرية بلا رؤية. المهم أن يكون النضال منظَّماً، أخلاقياً، ومتجهّزاً بخططٍ إستراتيجية تضمن أن النصر، متى تحقق، لا يتحوّل إلى تكرار لهيمنة داخلية جديدة تُسفك فيها دماء الشعب نفسه.
حلم، نعم، ولكنّه حلم واقعيّ، وبالتأكيد أفضل من الاستسلام والخيانة. لم يتحرّر شعب بعد معركة واحدة، هكذا يقول تاريخ الجزائر، هكذا يقول تاريخ ليبيا، هكذا يقول تاريخ كوبا، هكذا يقول تاريخ الهند. كاسترو وغاندي لم يكونا أوّل قادة تحرير في بلديهما، كانا آخر أولئك. فلنتشدّد.

«كهنة ضد الإبادة الجماعية»: حين يتكلّم الضمير الكنسيّ

9/16/2025

 
خريستو المرّ، الثلاثاء ١٦ أيلول / سبتمبر ٢٠٢٥
​
في روما، المدينة التي طالما حملت رمزية دينية عابرة للحدود، وُلدت مبادرة غير مسبوقة تحت عنوان شبكة «كهنة ضد الإبادة الجماعية»، مبادرة كنّا نتمنّى لو ولدت في بلادنا التي تحنّطت قياداتها الكنسيّة لدرجة باتت لغتها الكنسيّة لغة صمت مخز أو كلمات ميتة أو لغة خيانة إنجيليّة (ماذا يمكن أن يُقال عن مطالبة دينيّة بالحياد بين ظالم ومظلوم؟).
هذه المبادرة لم تصدر عن فرد أو تيار محدود، بل عن أكثر من مئتي كاهن وأسقف من إيطاليا ومن أماكن أخرى في العالم، الأمر الذي يمنحها طابعًا جماعيًا نادرًا ومصداقية متينة. فحين يتكلّم صوت فرد قد يُختزل في اجتهاد شخصي، ولكن حين تتكلّم مجموعة رجال دين بهذا الحجم فإنها تتحوّل إلى ضمير جماعي يعبّر عن موقف تاريخي. ولعلّ هذا البعد بالذات يفتح الباب أمام أمنية أوسع: أن يحذو رجال دين مسلمون حذوهم في مبادرات جماعية مماثلة، فيجتمع صوت الروح الإسلامية والمسيحية معًا ليؤكّد مركزية فلسطين في الضمير الإنساني والروحي العالمي. من المؤسف أن نرى أنّ موقف معظم القيادات الإسلاميّة في بلادنا يتماهى تمامًا مع السلطة السياسيّة.
أهمية البيان تكمن أولًا في وضوحه التاريخي. فعندما يتحدّث أصحاب المبادرة عن «الفصل العنصري المستمر منذ أكثر من 70 عامًا في كل الأراضي الفلسطينية المحتلة»، فهم لا يحصرون مأساة الشعب الفلسطيني في وقائع راهنة، أو في عام 1967، بل يعيدونها إلى جذورها الممتدة منذ عام 1948، تاريخ قيام الكيان الصهيوني الاستيطاني. بهذا يقطع النص مع محاولات حصر المأساة في غزة، أو فقط في غزّة والضفّة، ويؤكد أن المأساة الفلسطينية هي نتاج بنية استعمارية ممتدة عبر عقود. وتتأكد هذه القراءة أكثر حين يطالب البيان بـ«تحقيقات مستقلة وعادلة في أحداث 7 أكتوبر 2023، وما جرى قبلها وبعدها».
فإدراج عبارة «ما قبلها» يضع حدث 7 أكتوبر في إطارها التاريخي الواقعي: عقود من القمع والاضطهاد والاقتلاع عاشها الفلسطينيون منذ النكبة حتى اليوم. هذه الجرأة في الربط بين الراهن والتاريخ تعكس نضجًا فكريًا وروحيًا قلّ ما نجده في بيانات رسمية دينية أو سياسيّة.
إيجابية أخرى بارزة هي المطالبة لأول مرة بـ«نزع سلاح إسرائيل». قد يبدو هذا المطلب صادمًا في السياق الأوروبي الغربي، ولكنه وُضع في إطار إنساني مباشر: «تجنّب المزيد من قتل الأبرياء». وهو ما يكشف أن الكهنة قد أدركوا الطبيعة الاستعمارية البنيوية لإسرائيل، القائمة على التوسّع والنهب المسلّح.
هنا تتجلّى شجاعة الموقف: الاعتراف بأن الاحتلال ليس حادثًا طارئًا، بل منظومة عنف ممنهجة لا يمكن أن تُقابل سوى بالمطالبة بتفكيك أدواتها. هذا موقف يتجاوز مجرّد إدانة جزئية لسياسات إسرائيل، ليقترب من تشخيص جوهر بنيتها.
ويضاف إلى ذلك إعلان أصحاب المبادرة الاستعداد للتعاون مع مبادرات مسيحية ودينية أخرى تعمل من أجل السلام والعدالة. هنا يتخطّى البيان حدود الكنيسة الكاثوليكية ليشير إلى رغبة في تأسيس حراك جماعي واسع، عابر للطوائف والديانات. إنها دعوة لولادة حركة عالمية للضمير الروحي، تعيد الاعتبار إلى الإنسان وإلى حقوقه، وترفض احتكار الدين لمصلحة سلطات سياسية ظالمة.
ومن أهم النقاط كذلك ربط السلام بالعدالة. فالنص لا يروّج لسلام هشّ أو فارغ من مضمونه، بل يؤكد أن السلام الحقيقي لا يقوم إلا على العدالة. هذه الفكرة متجذرة في الفكر المسيحي المستنير، وقد تبنّتها مرارًا مبادرة «وقفة حقّ» الفلسطينية التي شددت على أن أي حديث عن مصالحة أو «سلام» من دون اعتراف بالحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني يبقى وهمًا أو غطاءً للاستمرار في الظلم
ورفض أصحاب المبادرة بوضوح وثقة أي اتهام بمعاداة السامية، وأكّدوا التمييز الصارم بين نقد سياسات إسرائيل الاستعمارية وبين العداء للشعب اليهودي. فالموقّعون أكدوا أنّ من حق كل إنسان وكل جماعة أن ينتقد أي سلطة سياسية، وأنّ الدفاع عن هذا الحق هو دفاع عن حرّية الضمير الإنساني. في مواجهة سلاح اتهامات يُستخدم لتكميم الأصوات، كان هذا الموقف بمثابة إعلان استقلال المبادرة المسيحيّة هذه عن الضغوط السياسية والإعلامية.
لكن، مع هذه الإيجابيات، يظلّ البيان محاطًا بحدود وسلبيات لا يمكن تجاهلها. فهو يظلّ أسير خطاب روحي وجداني أكثر منه خطابًا سياسيًا عمليًا. الاقتباسات الإنجيلية منحت النص بُعدًا أخلاقيًا، ولكنها لم تحدّد آليات ضغط واقعية، ولم تجب عن سؤال: كيف سيتحوّل النداء الأخلاقي إلى قوّة فعل ملموسة؟ كما إنّ المبادرة ظلّت محصورة في الإطار الكنسي أو الدينيّ، دون أن تمدّ الجسور بشكل صريح نحو المجتمع المدني العالمي أو الحركات المناهضة للاستعمار، وهو ما يضيّق أفقها. نذكر ذلك دون أن نعلّق عليه أهمّية كون المجموعة قيد التشكيل وكونها أيضًا تريد أن تبقى ضمن إطار هويّتها كحركة دينيّة تاركة التفاصيل العمليّة لِمَن يتحرّك ضمن هوية نقابية أو سياسية؛ كما إنّها قد تكتشف أنّه في النهاية من الضروري التشبيك مع المجتمع الأوسع. مواطن القصور الأخرى أهم، وإليها نتّجه.
رغم وضوح الإشارة إلى إسرائيل كدولة استعمارية وعنصرية، إلا أنّ البيان لَم يتطرّق بوضوح إلى مسؤولية الدول الكبرى (الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، وغيرها) في تمويل الاحتلال وحمايته سياسيًا. هذا السكوت قد يُضعف من شمولية الموقف، لأنّ الاستعمار لا يقوم بذاته فقط، بل عبر شبكات دعم عالمية.
أمّا على مستوى الوسائل، فالبيان اكتفى بالتصريحات العامّة والرسائل البرلمانية، دون أن يطرح خططًا ملموسة للتحرّك القانوني أو يشجّع المؤمنات والمؤمنين على الالتزام بالمقاطعة الاقتصادية، رغم أنّ هذه وسائل منسجمة بوضوح مع الإنجيل ودائماً ما دعا إليها الفلسطينيون والصوت الفلسطيني المسيحي في مبادرة «وقفة حقّ».
وهنا يبدو القصور الأكثر فداحة، لقد غاب صوت الفلسطينيين المباشر عن المبادرة، فلم يتضمّن بيانُ المبادرة شهاداتٍ من فلسطين أو بيانات فلسطينية مسيحيّة، فبدا أنّ المبادرة كانت تتحدّث عنهم أكثر ممّا تتحدّث معهم، أي إنّ نفسًا استعماريًّا لامس المبادرة رغم كلّ إيجابيّاتها، وهذا يمكن العودة عنه في الخطوات التالية. وأخيرًا، ورغم الإشارات إلى الفصل العنصري والاضطهاد التاريخي، لم يسمّ البيان إسرائيل صراحة بالدولة الاستعمارية الاستيطانية، بل اكتفى بالتلميح. هذا الحذر يترك أثرًا من النقص في شجاعة الموقف.
رغم ذلك، يبقى البيان خطوة مضيئة ومبشّرة في زمن كثرت فيه الأصوات المكمّمة. قوّته في وضوحه التاريخي، في ربطه بين السلام والعدالة، في مطالبته بنزع سلاح إسرائيل، وفي شجاعته في الدفاع عن حرّية الضمير ضد تهمة معاداة السامية. ورغم ما شابه من قصور، في رأينا، فيبقى صرخة جماعية مسيحيّة تعبّر عن ضمير كنسيّ بدأ يستعيد وعيه، دائمًا خارج منطقتنا التي ما تزال الكنائس فيها، خارج فلسطين، جالسة على عرش الغياب عن شهادتها الإنجيليّة في الحقل العام.
 
 
* نصّ المبادرة موجود على الموقع التالي
https://docs.google.com/forms/d/e/1FAIpQLSf9ls3CBXPjRJNZDE5isfLOjzxR_nkxV17NjmJo65kAbMupbw/viewform
​

في فكرة المقاومة وتجسّداتها التاريخيّة

9/9/2025

 
خريستو المرّ، الثلاثاء ٩ أيلول / سبتمبر ٢٠٢٥
​تاريخ الشعوب المقهورة يثبت أنّ فكرة مقاومة الظلم أعمق وأرسخ من أيّ حركة أو حزب. فالمقاومة، في جوهرها، ليست ملكًا لتنظيم بعينه، بل هي انعكاس لحاجة إنسانيّة وفطريّة إلى العدل والحرّيّة. الإنسان يولد وهو يحمل في داخله نزوعًا طبيعيًا إلى الكرامة، وحين يُسلب حقّه في الأرض والحرّية والعيش الكريم، ينهض ليواجه الظلم. هذه الحقيقة الأخلاقيّة والإنسانيّة هي التي تجعل من المقاومة ضرورة ملازمة لكلّ شعب مُستعمَر أو مُحتلّ. وجود جيش لشعب يحمل في داخلة فكرة مقاومة الظلم، ظلم اعتداء خارجيّ. هذا أمر لا يمكن أن يزول ولكن يمكن أن تفقد النفس ثقتها بإمكانيّها عبر الدعاية، وهذا ما كانت عليه الدعاية الاستعماريّة التي قالت بأنّ العدوّ لا يُهزم، وهو هزم مرارا (ليس ضمنها هذه المرّة).لكنّ المعضلة تبدأ حين تُختزل المقاومة في حزب أو حركة بعينها. فيصبح الدفاع عن العدالة مرادفًا للدفاع عن تنظيم سياسي محدّد، مع أنّ هذا التنظيم قد يضعف أو يضمحلّ مع الوقت. تاريخ لبنان مثال حيّ: الحزب الشيوعي اللبناني، وأحزاب أخرى قاومت إسرائيل في مراحل مفصليّة، تراجعت لاحقًا حتى غابت عن الفعل في المشهد العام. فهل يعني ذلك أنّ المقاومة ماتت؟ قطعًا لا. إنّ اختزال فكرة المقاومة ومبدأ المقاومة في الشكل التنظيمي التاريخي (حزب، حركة) يقود إلى مأزق نفسي وسياسي. على الصعيد النفسي يشعر الناس عند انحسار ذاك الحزب أو الحركة أنّ الفكرة نفسها قد هُزمت؛ والنتيجة: انكفاء الفرد عن مقاومة الظلم. المأزق السياسي يتمثّل في ارتهان فكرة المقاومة لمصير حزب واحد، فإذا انهزم أو تراجع أو اضمحلّ، فكأنّما المقاومة نفسها ضاعت ومعها القدرة. كما أنّ كون الحزب الذي يحتكر العمل المقاوم هو من طائفة محدّدة في الحالة اللبنانيّة، أمر يجعل من المقاومة موضع خلاف، فضلا أنّ انعدام قدرة الجهة المقاوِمة على استلام الدفّة السياسيّة كاملة في حال الانتصار وهو أمر سيّء بالنسبة لحياة شعب لأنّ الانتصار لا يتحوّل إلى تغيير سياسيّ (بينما ، مثلا، انتصار المقاومة ضدّ النازيّة في فرنسا أدّت إلى أن تكون أساسا في الجمهوريّة الجديدة).
لأجل هذا فإنّ فكرة الاستفادة من حركة المقاومة وإمكانيّاتها وخبرتها إضافة إلى الجيش الوطني في شكل يُتّفق عليه أمر حريّ على الجميع تلقّفه بجدّية، فهو -وإن لم يكن وحده- ينقذ حياة الناس، وهذا الهدف المقصود في النهاية. المقاومة ليست هدفا بقدر ما هي وسيلة. هذا الخطّ طرحه أناس وطنيّون يريدون لقدراتنا كشعب أن تبقى ومناهضون لإسرائيل، منهم كتّاب، ومنهم أحزاب مثل «مواطنون وموطنات في دولة» الذي تكلّم عن «انتقالها [المقاومة]، مع الحفاظ على فاعليتها، من مقاومة "طائفة" إلى منظومة وطنية»، (شربل نحاس، ‫اقتصاد ودولة للبنان)، ومنهم كتّاب وصحفيّون وأكاديميّون وقّعوا مؤخّرا وثيقة بعنوان «مرتكزات وثوابت استراتيجيّة الأمن الوطني اللبناني» جاء فيها «تعمل المقاومة والمؤسّسة العسكريّة بتكامل وفق عقيدة عسكريّة محدّدة وضمن معايير سياديّة». بالطبع هذه ليست وصفات وإنّما مسار ضروريّ لمنعة البلاد. هذا ابتكار ممكن، إلّا إذا ظننا أنّ البشر لا يبتكرون إلّا في العلوم! وإن كانت الملحاحيّة اليوم تفرض علينا التركيز على هذا جزئيّة القدرة المسلّحة، فالمسعى الأوسع هو بناء الدولة القادرة عبر تجاوز النظام السياسيّ الاقتصاديّ المحنّط، وهو العلّة الكبرى.
إنّ الخلط بين فكرة المقاومة وتجسّدها التنظيمي يفضي إلى خيبات متتالية. فأيّ حزب أو حركة هي وسيلة ظرفيّة، بينما الفكرة ثابتة. المقاومة كقيمة أخلاقيّة وإنسانيّة لا تُهزم؛ إنّما الذي قد ينهزم أو يتراجع هو الشكل التاريخي الذي حملها لفترة. من هنا وجب على الشعوب أن تفصل بين الاثنين: أن تظلّ متشبّثة بالفكرة الكبرى، وفي الوقت نفسه واعية بأنّ كلّ حركة هي مرحلة من مراحل المسار، يمكن أن تتراجع، أو تحتاج إلى التجديد والتطوير.
هذا التمييز ليس دعوة للتخلّي عن أحزاب التزمت المقاومة أو الانقلاب عليها. على العكس، هو ضرورة لدعم قدرة مقاومة الشعب كشعب، بما يرفدها بالقوّة والاستمراريّة. حين ندرك الناس أنّ الفكرة أوسع من التنظيم، نصبح أقدر على تصويب أخطائه، وتجديده، أو حتى خلق صيغ جديدة تكمل مسيرته. فالمقاومة في النهاية ليست غاية بذاتها، بل وسيلة لخدمة غاية أسمى: حياة الشعب، وحقّه في العدل والحرّيّة.
إنّ التربية على المقاومة في كلّ الظروف تصبح إذن ضرورة استراتيجيّة. التربية التي تعلّم الطفل واليافع أنّ مقاومة الظلم قيمة إنسانيّة وأمر منسجم مع الفطرة والمبادئ الإيمانيّة، وليست حكرًا على راية أو شعار سياسي معيّن. بهذه التربية يظلّ المجتمع يقظًا، لا يستسلم ليأس عابر إذا ما خبا بريق حزب أو أصابته الهزائم. بل على العكس، يجدّد عزيمته، ويبحث عن أشكال أذكى وأكثر حنكة، وصولًا إلى التحرّر.
من مصلحة كلّ شعب أن يحافظ على هذا التمييز الدقيق. فهو ما يضمن استمرار المقاومة كقوّة حيّة، عصيّة على الهزيمة. وحين تُصان الفكرة من الارتهان للتجسّدات التاريخيّة المتقلّبة حُكما، يصبح بالإمكان مواجهة الاستعمار والاحتلال باستراتيجيّات متجدّدة، تحافظ على جوهر القضية: قضيّة العدل على هذه الأرض.
المقاومة ليست فقط فعلًا سياسيًّا أو عسكريًّا، بل هي قبل ذلك روح تسري في وجدان الإنسان المؤمن بالعدل. هي صرخة الأنبياء ضد الطغيان. حين نتشبّث بهذه الروح، تصبح المقاومة قافلة طويلة في تاريخ البشر، تُجدّد ذاتها مع كلّ جيل، ولا تنطفئ أبدًا حتى يتحقّق الوعد: أن يسكن العدل في الأرض كما يسكن النور في الفجر.

من المحبّة إلى التصميم العادل: الآخر والذكاء الاصطناعي

9/2/2025

 
​خريستو المرّ، الثلاثاء ٢ أيلول / سبتمبر ٢٠٢٥
​
عندما نحاول أن نفهم الآخر بشكل صحيح وحقيقيّ، لا يمكننا أن ننطلق من تصوّراتنا نحن عنه، بل من فهمه هو لنفسه. فالمعرفة الحقيقية لا تتحقّق بإسقاط أفكارنا، أوهامنا ومخاوفنا عليه، بل تبدأ عندما نصغي إليه كما هو، ونسعى إلى فهمه من داخله، من رؤيته هو لذاته، لتاريخه، لآماله، ولألمه. هذه ليست مسألة تقنيّة في الفهم، بل موقفٌ روحيّ وأخلاقيّ يتطلّب منّا التواضع والانفتاح.
يمكننا أن نفهم ذلك جيّداً عبر واقعنا الطائفيّ والدينيّ في لبنان. فحين أتحدّث عن طائفة غير طائفتي، لا يجوز أن أشرحها بحسب ما أظنّ عنها، أو بحسب ما تخبرني به معتقداتي أو مخاوفي أو تجاربي معها. إن فعلت ذلك، وقعت في إسقاط الذات على الآخر، وتحوّل «الآخر» إلى مجرّد ظلّ لرغباتي أو مشاريعي. أمّا الفهم الحقيقي، فلا يتحقّق إلا إذا سعيتُ إلى أن أفهم هذه الطائفة كما يفهمها بناتها وأبناؤها: ما الذي تعنيه لهم؟ ما غاياتها؟ ما مبادئها من الداخل؟ عندها فقط أبدأ في رؤية الآخر لا كمرآة لي، بل ككائن حرّ له رؤيته وتجربته وكرامته.
الأمر نفسه يحصل بين المحبّين. فالعاشق قد يرى المحبوب عبر حاجاته هو، عبر ما ينقصه أو ما يحلم به. وقد يطلب من الآخر أن يلبّي هذه النواقص، دون أن يرى من يكون حقّاً. هذا ليس حبّاً، هذه نرجسيّة. لكنّ علاقة الحبّ الحقيقيّة تبدأ حين يحاول المرء أن يرى المحبوب كما هو، لا كما يريده. وهذا طريق يستغرق العمر كله، لأنّه مسار في التخلّي، في الإصغاء، في المحبّة التي تحترم الاختلاف.
هذا الموقف الإنساني الجوهري، يمكن تطبيقه في الذكاء الاصطناعي. فالأنظمة الذكية التي تُصمَّم لخدمة الناس، قد تكون منحازة ضدّهم من حيث لا يدري مصمّموها، وهو أمر مثبت. لماذا؟ لأنّ التصميم يبدأ غالباً من فهم المصمّم نفسه للناس، وليس من فهم الناس لأنفسهم. يجمع «البيانات» عنهم بحسب ما يراه المصمّم مهمّاً، لا بحسب ما يراه الناس أنفسهم مهمّاً. والأسوأ، أنّ الغاية من التصاميم كثيراً ما تُحدّدها الجهات المموّلة، لا المجتمعات التي توجّه إليها؛ وبالتالي فإنّ التصاميم قد لا تخدم بالفعل الناس الذين تتوجّه إليهم، بل قد تستخدمهم لغايات أخرى.
لهذا، إن أردنا تصميم ذكاء اصطناعي عادل، خادم لحياة الذين يتوجّه لهم، على المصمّمين أن يبدأوا من الآخر: أن يصغوا إليها أولاً. أن يدعوه ليكون شريكاً منذ لحظة التفكير بالمشروع، لا بعد إنجازه، أو أثناء التصميم فقط (بعد أن يكون القرار بالأهداف متّخذاً). أن يشارك الآخر في تحديد الأهداف، في وضع الأسئلة، في اختيار نوع المعرفة التي يجب جمعها، في تقييم النتائج. لأنّ الآخر هو المعني، هو الذي سيتأثّر. فكيف نقبل أن نبني للآخر، لمجموعة بشريّة (مرضى مثلاً)، نظاماً أو برنامجاً دون أن نعرف رؤيتهم هم لحياتهم وأهدافهم وكرامتهم واحتياجاتهم؟
يتحقّق الذكاء الاصطناعي العادل حين ينبع من شراكة قائمة على المحبّة، لا على الاستغلال.
حين يكون مشروعاً أخلاقياً قبل أن يكون تكنولوجياً. وحين نرى في «الآخر» كائناً مساوياً في الكرامة، لا «حال» أدنى مرتبة يجب أن نحلّ لها مشاكلها.
هذا الفكر لا ينسجم مع منطق الربح الرأسمالي، لكنه ينسجم مع الأخلاقيّات الدينيّة والفلسفيّة التي نتغنّى بها دون أن نفعّلها أحياناً في أعمالنا: إنّ التقنيات يجب ألّا تؤذي، بل أن تخدم. المحبّة وحدها، حين تتجسّد في طريقة العمل، قادرة على إنقاذ الإنسان من أن يتحوّل إلى مجرّد رقم في معادلة.
وفي مجال الذكاء الاصطناعي الموقف المصغي للمحبّة، الموقف الذي يحترم التنوّع للمحبّة، يجنّب مشاريع الذكاء الاصطناعي من الانحراف إلى الأذى، وهو ما يرديه المصمّمون إن لم يكن من أجل المحبّة فمن أجل تجنّب الملاحقة القانونيّة. إنّ موقف المحبّة ليس من دون فائدة علميّة وعمليّة حتّى في الذكاء الاصطناعي، وهو فوق ذلك يريح صاحبه، ولو خالف الكثرة، فكثيراً ما تكون الكثرة على ضلال.

    الكاتب

    خريستو المر
    المقالات المنشورة في «الأخبار»

    الأرشيف

    November 2025
    October 2025
    September 2025
    August 2025
    July 2025
    June 2025
    May 2025
    April 2025
    March 2025
    February 2025
    January 2025
    December 2024
    November 2024
    October 2024
    September 2024
    August 2024
    July 2024
    June 2024
    May 2024
    April 2024
    March 2024
    February 2024
    January 2024
    December 2023
    November 2023
    October 2023
    September 2023
    August 2023
    July 2023
    June 2023
    May 2023
    April 2023
    March 2023
    February 2023
    January 2023
    December 2022
    November 2022
    October 2022
    September 2022
    August 2022
    July 2022
    June 2022
    May 2022
    April 2022
    March 2022
    February 2022
    January 2022
    December 2021
    November 2021
    October 2021
    September 2021
    August 2021
    July 2021
    June 2021
    May 2021
    April 2021
    March 2021
    February 2021
    January 2021
    December 2020
    November 2020
    October 2020
    September 2020
    August 2020
    July 2020
    June 2020
    May 2020
    April 2020
    March 2020
    February 2020
    January 2020
    December 2019
    November 2019
    October 2019
    September 2019
    August 2019
    July 2019
    June 2019

    Categories

    All

    RSS Feed

 ليس من حبّ أعظم من هذا : أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبّائه: يسوع المسيح
  • كتب
  • محاضرات
  • مقالات في «الأخبار»
  • المقالة الأسبوعيّة
  • الإيمان والحياة اليوميّة
  • فلسطين
  • التزام شؤون الإنسان
  • الإيمان والثقافة
  • كلمات
  • خريستو المرّ
  • مواقع صديقة