|
خريستو المرّ – الثلاثاء ٢٤ أيلول / سبتمبر ٢٠٢٤
إن تاريخ الإمبراطوريات والاستعمار والقمع هو شهادة حية على أنّه كلما زادت عمليات القتل التي تقوم بها الإمبراطورية ووكلاؤها، زادت مقاومة السكان المضطهدين. مراراً وتكراراً، وجدت الأنظمة التي سعت إلى الحفاظ على سيطرتها من خلال العنف أن القمع يولد المقاومة، وليس الخضوع. لكنّ الأيديولوجيات العنصرية، التي تكمن في قلب العديد من المشاريع الإمبريالية، لا تستطيع فهم هذا الواقع الأساس، فالعنصريّون الفوقيّون يفشلون في إدراك هذا المعطى الأساس: لا يمكن لأي قدر من العنف أو القهر أن يسحق توق الإنسان إلى الحرية والكرامة والعدالة. على مرّ التاريخ، استخدمت الإمبراطوريات العنف لإخضاع السكان، من الجزائر إلى تونس، وليبيا، ومصر، ولبنان، وفلسطين، وسوريا، والهند، وجنوب أفريقيا. كان هدف هذا العنف زرع الخوف، وكسر إرادة الشعوب، وضمان استمرار الهيمنة. لكن هذه الأنظمة تجاهلت حقيقة إنسانيّة أساس: القمع يؤدي إلى المقاومة. فكلما زاد العنف الذي تمارسه الإمبراطورية، زادت مقاومة السكان المضطهدين، عاجلا أم آجلا. فعندما يتعرض الناس للتجريد المنهجي من إنسانيتهم، يتمّ دفعهم للمقاومة. لكنّ مشاريع التفوق العنصري مبنيّة على الاعتقاد بأن بعض الأجناس أو الثقافات أو الأعراق متفوقة بطبيعتها على غيرها. ولذلك تبرّر هذه الأيديولوجية العنف ضد أولئك الذين يعتبرون أقلّ إنسانيّة، وتُصوّر ذاك العنف في كثير من الأحيان باعتباره إجراء "ضروريا" للحفاظ على "النظام" أو "الحضارة" أو "السلام". لذلك لا يستطيع العنصريّون أن يفهموا أنّ أعمال العنف التي يقومون بها لن تؤدي إلى الإذعان، بل إلى المزيد من المقاومة، لأنّ الإنسان مفطور على الحرّية. إنّ القهر والبطش لا يمكنهما قمع الرغبة الجماعية في العدالة والمساواة والحرية، وكلما زاد القمع والبطش والإجرام الإمبراطوريّ، كلما كشف عن طبيعته الظالمة، مما يزيد من عزيمة المضطهدين على القتال. إن فكرة إمكانية تحقيق «السلام» من خلال العنف هي خطأ أساس في تفكير الأيديولوجيين العنصريين والإمبرياليين. إذ لا يمكن أن يوجد سلام في مجتمع يسوده الظلم. فالسلام لا يتطلب غياب العنف، بل يتطلب وجود العدالة، والعدالة لا يمكنها أن تتوافق مع أي أيديولوجية تسعى إلى رفع فئة على أخرى على أساس التفوق العنصريّ لأنّها تسعى إلى فرض نظام هرمي تهيمن فيه مجموعة واحدة على الآخرين. ولذلك فوجودها لا يخلق سلامًا وإنّما حروبًا دائمة. إسرائيل هي دولة قائمة على فكرة التفوّق العنصريّة، هي مشروع استعماريّ يسعى إلى السيطرة عن طريق البطش؛ ولذلك العدالة مفقودة والسلام الحقّ مفقود بوجود المشروع الصهيونيّ. وإن كانت لا بدّ من تفكيك أنظمة الهيمنة والاضطهاد التي تجرّد المظلومين من إنسانيتهم في كلّ مكان لكي يتجذر السلام على الأرض، ففي منطقتنا لا بدّ من دحر النظام الصهيونيّ وإنشاء أنظمة تحمي حقّ الشعب الفلسطينيّ وتحترم كلّ إنسان بغض النظر عن العرق أو العرق أو الخلفية، لكي يتحقّق لشعوبنا سلام حقّ. لا تشير حرب الإبادة التي تشهدها غزّة ويشهدها لبنان، فقط إلى جرائميّة التفكير العنصريّ، ولكن أيضأ إلى أن رؤيتهم للعالم ملتوية وخاطئة، فهي قائمة على الاعتقاد بأن الناس سيقبلون دونيتهم ويخضعون للاستعباد؛ بينما الواقع أنّ المقاومة ستزداد قوة كلما أصبح الاضطهاد أكثر عنفًا. هذا هو الدرس الذي فشلت الأيديولوجيات الفوقية المدمّرة في فهمه. كلّما زاد اعتماد الإمبراطورية ووكلائها على العنف للحفاظ على سيطرتها، كلما زادت قوة مقاومة السكان المضطَهَدين. يتوحّشون ويستشهد منّا الكثيرون ونتوّجع، ولكنّنا لن نستسلم، ونحن في لبنان لم نستسلم حتّى عندما بدا أننا مهزومين عام ١٩٨٢. بالمقاومة نتماسك ونتحيّن الفرصة التاريخيّة للتحرّر الكامل بفلسطين ومنطقة حرّتين من مشاريع الاستعمار. خريستو المرّ – الثلاثاء ١٧ أيلول / سبتمبر ٢٠٢٤
يغيّر التطور السريع للذكاء الاصطناعي عالمنا بطرق لم نستوعبها بعد. وبينما يقدم الذكاء الاصطناعي مزايا مهمّة، فإنه يضع أمامنا تحدّيًا كبيرًا: التحيّز الخوارزمي. يشير التحيز الخوارزمي إلى التمييز المنهجي في أنظمة الذكاء الاصطناعي تجاه مجموعة من الناس، والذي يمكن أن ينشأ أساسا من البيانات (الداتا) التي تستخدمها خوارزميّات الذكاء الاصطناعي. قد نظنّ أنّ البيانات أمرا غير متحيّز، ولكن الواقع يقول غير ذلك، فقد ننتج نظاما لكشف مبكّر عن مرض باعتمادنا على داتا من مجتمع ما ونكتشف أنّ النظام غير ناجح في مجتمع آخر، لأنّ الداتا فيه مختلفة جذريّا عن الأوّل. كما أنّ نظرة أكثر نقديّة يمكنها أن تكشف أنّ أصل التحيّز الخوارزمي قد يكمن في قرون من التمييز المنهجي ضدّ مجموعة من الناس. فعلى مرّ التاريخ، أثّرت اختلالات القوّة المتأصّلة في الهيكليّات الاجتماعية، على طريقة جمع البيانات وتحليلها. ولو فكّرنا قليلا بالمعوّقين فكم من الداتا موجودة بالفعل في مجتمعاتنا حول المعوّقين أو وأوضاعهم الحياتيّة والوظيفيّة؟ وكم من الداتا موجودة في مجتمعاتنا حول الأمراض النفسيّة؟ وكم من الداتا موجودة حول أوضاع السكّان الأصليّين والسود والملوّنين في كندا؟ في كلّ الحالات هي قليلة وبالتالي لا تمثّل بشكل صحيح هذه المجموعات، وأيّ برنامج ذكاء اصطناعي يعتمد على هكذا داتا يرجّح أن يكون منحازا ضدّ هذه المجموعات لأنّ الداتا لا تمثّلها. الاعتقاد الشائع بأن الداتا غير متحيّزة ومحايدة هو اعتقاد خاطئ، فالبيانات في الحقيقة تعكس ديناميات القوّة في المجتمع. ذلك أن عملية جمع البيانات وتنظيمها وتفسيرها تتأثر بشكل أساس بالعوامل السياسية والأيديولوجيات السائدة. الحاملون لمفاتيح القوّة في المجتمع هم الذين يقرّرون أيّ أسئلة يجب أن تسأل (وأيّ تلك التي يجب أن يُسكت عنها)، وموقعهم الاجتماعي-الاقتصاديّ يؤثّر أيضا في الاهتمام بأسئلة وإغفال عن أخرى، وبالتالي بتقرير أيّ نوع من الداتا يجب أن يُجمع. ومن هنا، فإنّ البيانات الموجودة عادة ما تكون متحيّزة، لأنها تعكس وجهات نظر من هم في السلطة. وبما أنّ الذكاء الاصطناعي يعتمد في عمله على البيانات الموجودة، فإنّ بيانات متحيّزة تؤدّي إلى أنظمة ذكاء اصطناعي متحيّزة تُديم عدم المساواة القائمة في المجتمع، بل وتفاقمه، ممّا يخلق دوّامة خطيرة حيث يستمر التمييز التاريخيّ في التأثير على نتائج العالم الحاضر. الأمثلة كثيرة حول تمييز أنظمة الذكاء الاصطناعي في مجالات التوظيف حيث بعضها يميّز بين الجنسين، أو بين الأعراق، وتمييزها في مجال العدالة الجنائية حيث بعض الأنظمة المستخدَمة لتقييم المخاطر تستهدف بشكل خاص الأشخاص من المجتمعات المهمشة، وفي مجال الرعاية الصحية حيث تؤّدي بعض الأنظمة لعدم المساواة في الوصول إلى الرعاية أو إلى خيارات العلاج المختلفة، أمّا في مجال المال فالأنظمة المتحيّزة قد تزيد عدم المساواة الاقتصادية سوءًا. المقاربة النسوية ما علاقة المقاربة النسويّة بالموضوع؟ تدرس النظريّة النسوية ديناميات القوّة في المجتمع وأنظمة القمع، ولذلك لديها القدرة على تقديم تحاليل حول مصادر التحيّز وآثاره. على وجه التحديد، تستكشف النسوية التقاطعيّة كيف تتقاطع أشكال القمع المختلفة، كالعرق والجنس والطبقة، لإنتاج تفاوتات بين البشر. لذلك يمكن للنظرية النسويّة أن تقدّم وسلائل تحليليّة ونقديّة جدّ مهمّة لفهم ومعالجة التحيّز الخوارزمي. وبشكل أخصّ، تقدم النسوية التقاطعيّة إطارًا لفهم كيفية تقاطع أشكال مختلفة من القمع، بما في ذلك الجنس والعرق والطبقة والجنس، وتفاقمها داخل الأنظمة الخوارزمية. إنّ مقاربة نسوية للذكاء الاصطناعي تفتح أمامنا فرصة لكشف الطرق المعقدة التي يديم بها التحيّز الخوارزمي، ويفاقم، عدم المساواة القائمة في الداتا. كما أنّ نقديّة المقاربة النسويّة لمراكز القوّة ولتقاطع أشكال القمع، إذا ما طُبِقَّت في مجال الذكاء الاصطناعيّ لها أن تتحدى الأساليب التقليدية لجمع البيانات وتحليلها وتفسيرها؛ ويمكنها كذلك الدفع إلى زيادة الشفافية والمساءلة والتنوّع في جمع الداتا، وأن تعزّز بيئة اجتماعيّة وعلميّة أكثر عدلاً. خلاصة إن كان التحيز الخوارزمي يمثل عيبًا رئيسيًا في الذكاء الاصطناعي، فإنّ العدسة النسوية داخل ميدان الذكاء الاصطناعي يمكنها أن تساعد في الكشف عن مصادر التحيز واختلالات القوّة، والخلفيات التاريخية لتلك الاختلالات، وعن أيّ عدم مساواة بنيويّ. ولذلك يمكنها أن تدفع لإعطاء الأولوية للشمولية (inclusivity) والتنوع في الداتا وفي تطوير الذكاء الاصطناعي، مما يؤدّي إلى تضمين وجهات النظر للمجتمعات المهمشة في عمليّة إنتاج أنظمة الذكاء الاصطناعي. هكذا تزاوج بين المقاربة النسويّة والذكاء الاصطناعي يسمح بالدفع إلى مشاركة حقيقيّة للمجموعات المهمشة في المجتمع في عملية تصميم الأنظمة القائمة على الذكاء الاصطناعي، لكي تُنتَج تلك الأنظمة بشكل أكثر عدلا ودون تحيّز. خريستو المرّ – الثلاثاء ١٠ أيلول / سبتمبر ٢٠٢٤
الشمس خبيئة في لون الوردة، والضحكة خبيئة فيك تحت مسامات الدمع. طفلة كنتِ حتّى حين أصبحت جدّة، وضحكتك الأخيرة تشهد. ماذا فعل الورد سوى أنّه حاول أن يقلّد عينيك دون جدوى؟ لا بأس أن تكون السماء خضراء والأرض كحليّة، فأنت هدوء الألوان المأساويّة في جسد. لن تبكي بعد اليوم، وسيشتاق إليك الزيتون. قيل أنّ أشياء سماويّة تضيء دون أن تلمسها نارٌ، وأضاءت ابتسامتك محيط الطفولة الدائخ من قحط النور يوم دخلتِ على أمّي، أمّنا، وكان وجهك لهفة، وكلماتك صفصاف. وأمّنا، تعرفين أمّنا، هي امرأة مثلك، والنساء يأكلن قشرة الهامش بأظافرهنّ كي يفتحن نفقا ليلاقي جسد الهواء أجسادهنّ. فماذا كنت تقولين، أنا لم أسمع شيئا وقتها، فقط رأيتك وكنت طفلا، ورأيت السماء تتفتّح بين فمك وفمها، وكلمات تهطل بسرّ العسل الذي مُنِعتما -يا امرأتي طفولتي- من ذوقه بحرّية. مَن يأخذ الشهد الذي بين الأمّ وأولادها إلّا الصلف الذي يسمّى زورًا رجولة؟ كبرت الغيمتين بعيدتين. وحين رأيتك من جديد عرفت أنّي عرفتك دوما بين حنايا الجذور في الأرض التي اتّقدت بالحنان. جاء عندها الله وسمّانا من جديد. اسمك كان بحيرة، وهناك بكينا قليلا وفرحنا قليلا، وأنت مددتِ يديك عاليا كي تكوني شجرة، وكنتِ. ولكنّي رأيت وجهك نافذة، والنافذة فيها مصباح، والمصباح بلّور، والبلّور كوكب درّي يوقَد من نور السماوات والأرض حين يصير النور أختا. ماذا صنعنا بالوقت؟ جاء ولم يعد. وذهب ولم يعد. لم يعد، هذا هو الوقت الذي بين أيدينا، وأنت ضحكتِ وقلت «مسكين نحن». وأنا الذي لا تعجبني المسكنة أجبتك. ثمّ فهمت أنّك تقولين «مسكين هو الحنان الذي فوق الصليب»، فسكتُّ وقلت لك أراك هناك. الكلمات لا شيء. الكلمات كلّ شيء. هي سلالم الغائبين يكتبونها ليصعد الغائبون ويجتمعوا. وهناك سلالم لا يراها إلّا أولئك الذين ماتوا من أجل الحبّ. وأنت مددت إلينا روحك الدافئة سنوات كثيرة، كي لا تكون برودة جسدك يومًا نهاية الكلام. مَن يعوّض لك، ولهما، وجه الأمّ حين ابتلعه الحائط؟ ربّما الجواب في حياتك أنت التي كسرت الحائط. حياتك تقول أنّ الحبّ هو الجسر فوق المآسي، أنّه الدفء الذي يحضن يرقة المأساة لكي تصير فراشة، وأجنحة الفراشات يا اختي لا تُنسينا اليرقة، ولكن تذهب بنا أبعد. يا السيّدة الوارفة، الساهية من كثرة الفَقد، الحاضرة من كثرة الحبّ، النائمة من كثرة الزهد، قرّرتِ أن تزوري البُعد والوالدة. يا عصفورة الجرح، طيري. خريستو المر، الثلاثاء 3 أيلول 2024
إنّ الحروب في منطقتنا، خاصّة في فلسطين، هي حروب استعماريّة تشنها الولايات المتّحدة، بالواسطة أو مباشرة، لمتابعة نهب موارد المنطقة (أي تجميع الثروة). وجود الكيان الصهيونيّ وحروبه، كمشروع استعماريّ قائم على تهجير السكان الأصليين وطردهم واحتلال الأرض، لا يشذّ عن هذا الهدف، لذلك لا يمكن تحقيق الحرّية والكرامة الإنسانية للجميع في فلسطين إلّا بخلوّها من الاستعمار ونتائجه (القمع، والإبادة، والتهجير، والنهب، والفصل العنصريّ)، وذلك عبر هزيمة المشروع الاستعماريّ الصهيونيّ القائم على أيديولوجيّة عنصريّة تشكّل أرضيّته.يمكن هزيمة المشروع الصهيونيّ عبر طريقين، الأوّل خاصّ بأهل المنطقة -الفلسطينيّون في المقدّمة- ألا وهو انخراط شعب هذه الأرض في النضال المسلح وهو أمر لا مفرّ منه ومشروع في القانون الدولي. والثاني خاصّ بكلّ إنسان شريف خارج أرض المنطقة وداخلها، ألا وهو الانخراط في حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) على الكيان الصهيونيّ. إنّ القوى الاستعمارية لا تهتم بحياة الناس أو بحقوق الإنسان أو بأي قانون دولي، لا الناس في منطقتنا ولا الناس في دولها؛ فتركيزها ينحصر في زيادة أرباح شركاتها. «ربح الشركات أهم من حياة الإنسان» هي البرنامج السياسيّ الحقيقيّ للاستعمار. وإن كان الربح هو لبضع شركات، فالثمن يدفعه الجميع. لا شكّ أنّ الثمن الأفدح والأكبر والأوسع تدفعه شعوب في المنطقة وعلى رأسها الشعب الفلسطينيّ. إذ تؤدّي معظم الحكومات فروض الطاعة صاغرة أمام الاستعمار لكي يستفيد ملوكها وأمراؤها ورؤساؤها وبعض من شركاتها من الفتات الذي سيتركه لهم الاستعمار من عمليّة النهب. هكذا تستفيد القلّة الذليلة بينما يُنحر الشعب الفلسطينيّ في إبادة وحشيّة لا تهدأ، وترتع معظم شعوب العالم العربيّ في فقر وأمّية. ولكن لو نظرنا من زاوية أخلاقيّة شاملة إلى المستعمرين الأوروبيّين الذين يحتلّون فلسطين منذ عام 1948، لرأينا أيضاً أنّ المشروع الاستعماريّ نفسه يحوّل أطفالهم، المولودين ككلّ الأولاد مفطورين على التعاطف والمساواة بين البشر، إلى رجال ونساء بلطجيّة سفّاحين لا يرحمون (وصْفُهم بالجنود هو تمويه لفظيّ)، ويجعل معظم المستعمِرين يهلّلون للإبادة ويدعمونها ويدفعون فواتيرها. كما أنّ النظام الاستعماريّ الأميركيّ، وهو الداعم للاستعمار الأوروبيّ الصهيونيّ، يجبر سكّانه على دفع فواتير الاستعمار في فلسطين وخارجها؛ إذ يتعيّن، مثلاً، على الشعب الأميركيّ (لا الشركات المستفيدة من بيع السلاح وخدمة الجيش) دفع 8 تريليونات دولار لتغطية تكاليف الحروب الأميركية منذ عام 2001 حتى عام 2022 كما يوضح معهد واتسون في جامعة براون. إنّ نظام الاستعمار في فلسطين مدمّر، هو مدمّر أساساً لحياة الشعب المضطَهَد الذي يُباد، وهذا ما يضعه المناضلون نصب أعينهم، ولكنّه أيضاً مدمّر لإنسانيّة الذين يحاربونه ويضطهدونه، إذ هو مصنعُ تشويهٍ للإنسانيّة يزجّ بالأطفال داخل أطر تربويّة وإعلاميّة وعسكريّة تحوّلهم إلى بالغين حاملين لاستعلاء استعماريّ ينزع عن الآخرين إنسانيّتهم، وتجعلهم أدوات إبادة وقتل وتشفٍّ، أدوات للإبادة الجماعيّة التي يحتاجها النظام ليستمرّ. إنّ القتلة الإباديّين ومؤيديهم القساة العديمي الرحمة، الذين لاحظناهم أثناء الإبادة الجماعية المستمرّة، يشهدون على مثل هذا التغيير الذي يُحدثه النظام بالإنسان المولود بالفطرة على الخير. إنّ إجرام هؤلاء وقسوة مؤيّديهم هما نتيجة لنظام المشروع الاستعماريّ الاستعلائيّ الذي يضع الربح فوق الناس، وللأيديولوجيّة الصهيونيّة العنصريّة التي تغذّيه. في التحليل الأخير، إنّ هزيمة النظام الاستعماريّ الصهيوني وتفكيكه في فلسطين المحتلّة ضرورة أخلاقيّة من أجل تحرير الشعب الفلسطيني الذي يُباد ويُطرد من أرضه، وهذا هو السبب الأساسي والوحيد الذي يشعر به ويفكّر فيه كلّ إنسان واقع تحت الاحتلال أو يسانده. هذا لا يمنع أنّه من منظور أخلاقيّ أشمل يمكننا أن نرى أنّ النضال من أجل فلسطين حرّة من البحر إلى النهر بتفكيك ودكّ مصنع الكراهية والتفوق الذي يشكّله نظام الاستعمار الإحلاليّ الإقصائيّ والفصل العنصري الذي يُدعى «إسرائيل»، سيفتح الباب أيضاً ليتحرّر المستعمِرون في فلسطين المحتلّة من نظام يشوّه إنسانيّتهم. إنّ تحرّر الفلسطينيّين على كامل التراب الفلسطينيّ بدكّ النظام الاستعماري الصهيوني المولّد للعداوة هو الترجمة الفعليّة والواضحة والملموسة في فلسطين لكلمة يسوع «أحبّوا أعداءكم». أبعد من ذلك، فإنّ معركة هزيمة الاستعمار في فلسطين هي معركة ضروريّة على طريق هزيمة الاستعمار حول العالم لتحرير هذه الأرض من نظام يسعى إلى تجميع الثروة عبر نهب الناس والبيئة وتدميرهما. |
الكاتبخريستو المر الأرشيف
December 2025
Categories |
RSS Feed