|
خريستو المر، الثلاثاء 20 آب 2024
منذ شباط 2023، سعى «المنتدى الأكاديمي الكندي اللبناني» لمجموعة من الأساتذة الجامعيّين بين لبنان وكندا إلى بناء شبكة للجمعيّات العاملة من أجل فلسطين في كندا. وقاد المنتدى هذا الجهد بعقد اجتماعات عدّة بين مجلس إدارة المنتدى، برئاسة د. علي برو، وممثّلي جمعيّات عدّة، للنقاش حول صعوبات العمل والخبرات السابقة كيفيّة إطلاق عمليّة تنسيق من أجل فلسطين في كندا، أي الجزء الشمالي من «جزيرة السلحفاة» وهو الاسم الأصليّ الذي يطلقه السكان الأصليّون على شمال القارة الأميركيّة. وجاءت أحداث «طوفان الأقصى» في 7 تشرين أوّل والاصطفاف الإجراميّ للأحزاب ووسائل الإعلام الرئيسية في البلاد إلى جانب الاحتلال ومجازره بحجّة «الدفاع عن النفس» لتشحذ الهمم، ويوسّع المنتدى دائرة الاستشارات والاجتماعات، فنشأت مجموعة من العاملين في الشأن الفلسطيني في كندا وتشاورت حول حشد الطاقات المختلفة الجماعيّة والفرديّة لإنشاء «المجلس التنسيقيّ من أجل فلسطين». وقد رعى المنتدى الأكاديميّ الحوار حتّى برزت هويّة مشتركة للمجموعة. عملت بعدها المجموعة المؤلّفة من جمعيات عدّة وأفراد يمثّلون طلّاباً، وأساتذة، ومحامين، وفنّانين، وعاملين في الحقل العام، ومتقاعدين، وأقرّت دعوة لائحة من الجمعيّات العاملة من أجل فلسطين إلى مؤتمر تأسيسي أوّل في 1 و2 تشرين الثاني 2024 في مونتريال. اعتنق مؤسّسو المجلس التنسيقيّ مبادئ عدّة لعمله، فقد أقرّوا أنّ المجلس متجذّر في مبادئ العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية للجميع، وأنّه يقاوم الصهيونيّة وجميع أشكال القمع والعنصرية والاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري وإرهاب الدولة. كما يلتزم الإضاءة على قضايا وتجارب للشعوب الأصليّة ودعم تلك الشعوب، سواء في فلسطين أو كندا، كما ودعم حقّها في تقرير المصير والتحرّر من الاستعمار العنصري والإقصائيّ. وإذ يكرس المجلس نفسه لتعزيز حقوق الشعب الفلسطينيّ، فإنّ مهمته تتمثل في تنسيق الجهود وتمكين الأفراد والمجموعات الذين يشاركونه رؤيته في جميع أنحاء كندا، لتعزيز التعاون من أجل تحقيق هذه الرؤية. وتتمثّل هذه الرؤية العمليّة بالتزام الدفاع عن الحقوق الوطنيّة والإنسانيّة والسياسيّة والاقتصاديّة للفلسطينيين، وبالمساهمة بشكل فعال في الحياة السياسية في البلاد عبر بناء شراكات مع منظمات أخرى للدفاع عن سياسات وإجراءات تعزّز حقوق الفلسطينيين. وإذ يرفض المجلس الاضطهاد على أساس العرق، أو الدين، أو الجنس، أو اللون، ويلتزم دعم حقوق الإنسان للجميع؛ فهو سيسعى إلى إنهاء حالة إفلات «إسرائيل» من العقاب على سياساتها تجاه الشعب الفلسطيني، بما في ذلك الإبادة الجماعية والفصل العنصري. ويدعم المجلس عمليّة تحرّر الشعب الفلسطينيّ من الاستعمار والفصل العنصري، وتحقيق حقوقه الإنسانيّة والوطنيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، وحقّه المشروع في الدفاع عن نفسه ومقاومة الاستعمار الاستيطاني. وقد أعلن المجلس عن برنامج المؤتمر التأسيسيّ الذي سيتضمّن الحوار حول الانتفاضة الطالبيّة العالميّة ومطالبها بسحب الاستثمارات من المؤسسات الإسرائيلية، كما وحركة المقاطعة المتزايدة ضد إسرائيل والكيانات المتواطئة. كما سيعرض المؤتمر لبطولات المقاومة الفلسطينيّة والإقليميّة ضد الاستعمار العنصري والإقصائي، ويناقش أزمة حقوق الإنسان والقانون الدولي. كما سيعرض للنضال الجاري من أجل تحرير الأسرى الفلسطينيين الذين يواجهون العزلة والتعذيب، وسيعرّج على العمل القائم لمواجهة الإسلاموفوبيا والعنصريّة وجميع أشكال القمع. وأخيراً، فسيقيّم المؤتمر ماهيّة الاحتياجات الصحيّة والتعليميّة وكيفيّة المساهمة في سدّها. وقد خطّط المنظّمون كي يبتعد المؤتمر عن الخطابيّة والنَفَس الأكاديميّ ليكون ورشةً حول العمل القائم والضروريّ الآن وفي المستقبل. ولا يتوقّع المنظّمون سوى كلّ العداء من المنظّمات الصهيونيّة الكنديّة والمؤسّسات الرسميّة والمرتبطة بها، ويعتبرون ذلك حين حدوثه شهادة على الخطّ السليم للمجلس. «المجلس التنسيقيّ من أجل فلسطين» بارقة أمل في شمال أميركا، فهو يواجه ليس فقط المناوَءة الصهيونيّة المتجذّرة في بلاد شمال أميركا، ولكنّه واجه بنجاح، خلال عمله حتّى الآن، روحَ التفتّت القائم على انتفاخات الأنا المريضة، والإحباط العربيّ من العمل الجماعيّ في بلاد الهجرة. لربّما أهمّ عوامل نجاح المجلس التنسيقيّ أنّه يبني على تجارب متعدّدة، وإرادة صلبة، وفكر مستنير، ونضال أسطوريّ في فلسطين والمنطقة، وصخرة الحقّ الفلسطينيّ وهي الأساس؛ وأنّه يعمل ويتقدّم وفي خلفيّة عمله الدماء المسفوكة في غزّة والضفّة، وفي أفقه فلسطين حرّة من البحر إلى النهر. خريستو المرّ ، الأربعاء ١٤ آب / أغسطس ٢٠٢٤
كاتي، إمّ إسكندر كما كنّا نناديها جميعا. صاحبة الضحكة الصادقة الجميلة. كاتي المُحِبَّة حقّا. الوحيدة التي قالت لي بوضوح، والعين في العين، أنّها فرِحَت لي. تلاقينا على طريق الكنيسة يوم الأحد التالي لدعوتنا هي وزوجها كوستي البديع، أنا وفالنتينا للغذاء كزوجين. كنّا ننزل الدرج نحو الكنيسة، التفتت ونظرت إليّ وقالت بضع كلمات بسيطة وواضحة، وأنا فهمت أنّها فرِحَةٌ لإنسان وجد قلبه، هي التي نزِلَت إلى بيروت للمشاركة في حفل زواجنا، رغم أوجاع الظهر التي كانت تعاني منها. ولكن كاتي أيضا بكت. جلستُ للمرّة الأخيرة قبل السفر، يوم غدا السفر ضروريّا طلبا للعلم. كنت في منتصف العشرينات من عمري، وأمّ إسكندر تعرفني شابًا يزور زوجها منذ ما يقارب العشر سنوات يسأل، ثمّ يسأل، ثمّ يناقش، ثمّ يسأل، ولم يزل يسأل. وكنت شابًا يزور زوجها منذ بدا لي أنّ بدء الحياة سؤال، وأنّ زوجها حمل قنديلا ليرى كلّ إنسان طريقه الخاص ويجد اجوبته. جلستُ للمرّة الأخيرة قبل سفري الأوّل، كان أبو إسكندر متعبا من أزمة صحّية ألمّت به، وكانت كاتي تطعمه بيدها، الجوّ كان موجعًا وكان أيضًا خفيفا كروح. تبادلنا الحديث، سألت كوستي كيف حاله، لم يكن قد تعافى بعد فكان متعثّر النطق. تكلّمنا عن الصحّة، عن الدراسة، عن الأولاد المسافرين. تكلّمنا وتكلّمنا والوقت يحاصرنا كلّ ثانية، الثواني تمرّ وفسحة التنفّس تضيق. إنّه الوقت الذي حان. الوقوف. تبادل القُبل. السلام الأخير. أبو إسكندر لا يقوى على النهوض. الباب. وحدها هناك. الخطوات الأولى نزولًا على الدرج. أمّ إسكندر بكت. لأوّل مرّة أرى نجمة تبكي. ربّما رأت فيّ أولادها الذين سافروا، ربّما رأت أنّ الأصدقاء تساقطوا واحدا عن الرؤية، ربّما رأت أنّها تخسر أمام الجغرافيا من جديد، ربّما لم أنتبه أنّي صرتُ ابنها أنا أيضا بالصداقة. الصداقة تلك العائلة التي نختارها وتختارنا. دمعتها كانت تقول أنت ابني وأنا اليوم أفتقدك. والسفر اللعين كان يطلب من قدميّ متابعة نزول الدرج. عدت كثيرا وسافرت كثيرا. رحل كوستي. زرتها مرارا بعدها. أنا الذي لا أشرب القهوة التركية كنت أجدها طيّبة في منزلهما. نتبادل الحديث عن الأحوال، عن الأولاد الذين كانوا بدورهم يسافرون ويعودون. أنا لا أعرف كاتي، بالطبع، لا أعرف أيّ ألوان تحبّ، أيّ طعام تفضّل، أو تفاصيل أخرى، ولكنّي أعرف أنّها كان تحبّ. وفي الجماعة الصغيرة التي ننتمي إليها المحبّة هي كلّ شيء. لم تكن تتكلّم بألسنة الناس والملائكة، ولكنّها كانت تحبّ. لم تكن لها النبوءة ولا المعرفة الكبرى. ولكنّها كانت تحبّ. لم تنقل الجبال يوما بإيمانها، ولكنّها كانت تحبّ. لم تسلّم جسدها ليُحرَق في اضطهاد، ولكنّها كانت تحبّ. كانت تتأنّى، وترفق. وتَفرُد بحر هدوئها فيهدأ الاحتداد نفسه، وتفرح بالحقّ. تحتمل ما يأتي لأنّه يأتي. ترجو كلّ ما يُحيي. وتصبر لأنّ السماء جميلة والأولاد جميلون وأولادهم أجمل. وإن بَطُلَت النبؤات، وانتهت الألسنة، وانتفى العلم، ثمّ رأى أحدكم كاتي، يعرف أنّها أحبّت وأنّ هذا هو الكمال الذي ينمو من طفولة النقصان، والذي يبقى أبعد من كلّ ما يَبطُلُ. وإن كنّا جميعا ننظر اليوم كمن ينظر في غموض مرآة لنفهم لغز هذه الحياة، ولغز الإنسان، ولغز الله، فإنّ مَن اختبر المحبّة في كلمةٍ، أو ضحكةٍ، أو دمعةٍ، يكاد يرى الحقيقة وجها لوجه، وأنا اختبرها في كاتي. رحلتِ كاتي، أم إسكندر. ها الآن أنتِ وأبو اسكندر معًا «وجها لوجه». إلى اللقاء. خريستو المرّ – الثلاثاء ٦ آب / أغسطس ٢٠٢٤
جسدكَ الأرضُ. كانت أمّك تعرف رائحة الأرض من رائحة الطفولة في جسمك. تشمّها وتذكر الأرض التي منها نُزِعَت. وأمّ جارِكَ/أخيكَ كانت تشمّ في طفلها الأرضَ نضرةً حرّةً، قبل أن يدوسها ليلُ الغرباء. كنتَ تجوع وتعطَش فتسقيك أمّك حليب الضوء، ذاك الذي وحدهنّ الأمّهات يعرفن سرّه. كانت تسقيك وتقول في قلبها: سيكبرُ. وحين كبرتَ قليلاً كان الخبز والماء إليك. كنتَ تشرب الماء فترى أمُّك جداولَ الأمل في وجهك. فتُطعِمُكَ كرامة الأشجار الباسقة أمام الريح، وتُسِرُّ إليك: إيمانُ الشجر بالضوء أبقى من العاصفة. كانت تخادعُ الحقدَ المتربّص بك عند الباب لكي تكبرَ. وكانت ترى فيك ابنها الذي تحبّ، ابنها الذي ولدته للحرّية. وفي بئر ذكائها وحبّها كانت تسمع أغنياتٍ قديمة لأمّهات الأنبياء فتردّد: الحرُّ القلب غريبٌ عن الذلّ. لم تعرف والدتُك مصيرَك الآتي، ولكنّها عرفت أنّ المُلْكَ لله فلم تحاول أن تتملّكك. لذا كان حبّها الكبير منصّتك لكي تقفز إلى الحياة بثقة السروة. وفي عاصفة الجريمة اليوميّة آمنتَ أنتَ بالضوء الذي كان، والذي سيأتي. لذلك لم يَنَمْ قلبُك، ولم يَتوانَ عقلك عن طلب المستحيل، والمستحيل يخرّ أمام الذين يريدون ضفّة الحياة، فيمتطوه ويعبروا هدير الموت. وإذا عبروا صار الضوء خبزاً كثيراً للذين أخلصوا لنداء الحياة، ماتوا أم عاشوا، أولئك المحبّين الذين يبقون على حبّهم، حتّى لو عاشوا، ثمّ قُتِلوا، ثمّ أُحرقوا، فصاروا كالهباء، ثمّ أُحيوا، ثمّ قُتِلوا، ألف مرّة ليشهدوا للحبّ. فهم الذين يريدون أن تكون الحياةُ وتكونَ أوفر للناس، ولذلك لا يبدّلون تبديلاً. أحببتَ فكبُرتَ. وإذا بالأرض لباساً لك، وإذا بك لباساً لها، إذ عشقت الرؤية التي تقول: إني أحببتُ، وحسبي الحبّ. أعابوا عليك أنّك أحببت حتّى الموت لأنّ الحاقد ينسى أنبياءه، وما من نبيّ إلّا وتشرّد، ومات ضحيّة الرؤية التي أكلته كما أكلها. كنتَ لطيفاً إن دست الأرض، تدوسها كأنّك لا تدوسها، لكأنّك كنتَ تسكن إليها كما هي تسكن إليك، ولكأنّها تحملك بهدوء كما أنت تحملها في خلوة قلبك. كم تمنّيتَ ألّا يكون موتٌ، أن يحبّ الناس ويحيون، أن يلعب الأطفال كما يلعب الأطفال؛ ولكنّك علمت باكراً أنّ العدوَّ ليلُ الأطفال، فكان عليك أن تحمل النجوم المضيئة وتحميها إلى أن يتناهى الليل ويشرق النهار. وحماية النجوم مُكلفةٌ، فالنجوم تشتعلُ من دفء اللحم، وأنت لم تستعفِ البردَ بعد أن بتّ عاشق الرؤية التي تُحرّر من الموت. يقولون إنّك صرت اليوم تحت الأرض وهم لا يعلمون. والذين يعلمون، وأمّك، يعرفون أنّ اليوم الأرض هي جسدك، فإن رأيناها وشممناها نشمّك مع عبق الصعتر، وإن رأينا السرو نراك واقفاً، وإن سمعنا الجداول كان فيها صوتك مَقاماً علويّاً. ونعلم أنّك حيّ في الجزيرة البعيدة خلف العالم، وفي قصص الأمّهات عن الإيمان الأبقى من العاصفة. لقد رأينا المستحيلَ يخرّ أمامك لتمتطيه وتعبر، لقد رأينا جسدك جسراً تمدّه لنعبر. لك شكر الأمّهات، لك شكر النجوم، لك شكر النهار، لك شكر الجداول، لك شكر الأرض، لك شكر الرؤية، ولأمّك وأحبّتك الشكر.. |
الكاتبخريستو المر الأرشيف
December 2025
Categories |
RSS Feed