|
خريستو المرّ، الثلاثاء ٢٤ حزيران ٢٠٢٥
«اليوم، قُتل مئة فلسطيني. ليس في معركة. ولا في احتجاج. بل أثناء محاولتهم جلب كيس من الطحين إلى منازلهم. كيس من الطحين. مسحوق. غبار. الحدّ الأدنى من مقوّمات الحياة. اقتربوا منه بأيدٍ مرتجفة، فقوبلوا بالرصاص» (د. عز الدين، غزة، منصّة «إكس»). هذه الجريمة الفظيعة ليست حادثة معزولة. إنها مرآة تعكس وجه نظامٍ قائم على العنف المنهجي. إنها نتيجة مباشرة لإرهاب إسرائيل البنيوي المتجذّر— آلة قمع تُجرّد البشر من إنسانيتهم وتقتلهم بـفعاليّة بيروقراطيّة بلا عقاب، تذكّر بالآلة البيروقراطيّة الإباديّة النازيّة. هذه الجرائم ليست تجاوزات عارضة من حزبٍ سياسيّ أو حكومةٍ ما؛ بل هي منسوجة في هيكل الاحتلال ذاته—نظام بُني على السيطرة، والتفوّق العرقي، وتجريد السكّان الأصليّين من الأرض والحقوق. تغيير حكومات احتلال لن يُنهي هذا النظام الوحشي. فالعنف ليس طارئاً، بل هو أصلٌ في البنيان الصهيونيّ. وحده إنهاء الاحتلال يمكن أن يفتح أفقاً لسلامٍ حقيقيّ. لا سلام الخضوع، بل السلام القائم على العدالة: سلام يعيش فيه الفلسطينيون أحراراً على أرضهم، حيث لا يُعامل أحد كآخر، ولا يُجرّد أحد من إنسانيته، ولا يُجبر أحد على الصمت أمام الدبابات والجدران والطائرات المُسيّرة. فلسطين الحرة ليست حلماً، بل ضرورة أخلاقية وسياسية. لكنّ عنف الإمبراطوريّة لا يقتصر على فلسطين. في هذه اللحظة، يهدّد طغاة مجانين—أحدهم مطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية—من دولتين نوويتين دولةً ذات سيادة هي إيران، ويسعون لإيقاف حتى أنشطتها النووية المدنيّة. التفكير في استخدام السلاح النووي، أو قصف منشآت نووية، ينذر بكارثة لا تطاول دولةً واحدة، بل تمتد إلى مناطق بأسرها، وتُزهق أرواحاً لا تُحصى. وكما هو متوقّع، تصطف الدول الديمقراطية في أوروبا وأميركا الشمالية إلى جانب هذا التوجّه المدمّر. كلماتهم تتحدّث عن الدبلوماسية، لكنّ أفعالهم تقول غير ذلك تماماً. المشكلة بالنسبة إلى تلك القوى ليست في استبداد النظام الإيراني. فلو كانت الاستبداديّة تهمّهم فعلاً، لفرضوا العقوبات على دول الخليج القمعيّة بدلاً من عقد صفقات السلاح معها. المسألة الحقيقية تكمن في رفضهم لأيّ دولة نامية أن تحقق تنمية وسيادة واستقلالاً حقيقيّاً. عداوتهم لإيران، وتصاعد عدائهم للصين، ينبعان من الجذر ذاته: رفضهم المطلق لصعود أي قوة مستقلة غير خاضعة. وهنا تكمن الصلة بين هذه القضايا: فلسطين، إيران، الصين، فنزويلا، وبقية دول أميركا اللاتينيّة. إنّ ما يخيف الغرب ليس العنف، بل السيادة. ليس القمع، بل الاستقلال. ولكي نزيل الغشاوة عن فكر البعض، إنّ واقع الخليج ليس ناطحات السحاب والتقدّم، بل فقدان الثروة والسيادة، ونهب المستعمِر لها باسم الشراكة (الاسم الحركيّ للاستعمار اليوم) هو مجرّد شاهد فظّ على ذلك، الشواهد الأخرى أكثر توارياً؛ شراء سلاح لا يُستخدم (سوى ضدّ الدول التي لا تخضع) شاهد آخر. إنّ ما يخيف الغرب هو السيادة واستعمال الثروات الوطنيّة للتقدّم والتمكّن. دعوني أشرح الرسالة الأساسية الكامنة وراء تصريحات مجموعة الدول السبع حول الهجوم (الذي سمّوه دفاعاً) الصهيونيّ على إيران: لا يُسمح لأي أمة أن تكون مستقلة أو قويّة لكي تخدم مشاريعنا وتستغلّ شركاتنا ثرواتها كما تشاء. بمجرد أن تبدأ دولة ما في النهوض، نختلق الاتّهامات، ننتهك القانون الدوليّ دون تردّد، ونُغلّف كل ذلك بشعارات «الأمن» و«الدفاع عن الديمقراطية». ونحن نراهن على أن شعوبنا منشغلة جدّاً، أو مبرمجة بما فيه الكفاية كي لا تطرح الأسئلة المحرجة. نكذب—بشكل سافر، متواصل، وبدون خجل—لأنّنا نحن وحلفاءنا، مستفيدون من الحروب، وأصدقاءنا يملكون وسائل الإعلام وسيكرّرون روايتنا بلا تردّد، ليضمنوا أن صوتنا وحده هو الذي يُسمع، ورؤيتنا وحدها هي التي تُرى. وهكذا، يوشك التاريخ أن يعيد نفسه، إذ لا تُخطط الحروب العالمية مسبقاً؛ بل تنفجر حين يصطدم جنون العظمة عند بعض القادة برغبتهم في المجد والسيطرة. وفي تلك اللحظات، تُجبر الدول الأخرى على الردّ، وإلا أصبحت الهدف التالي. والنتيجة؟ سلسلة من الكوارث تقود العالم إلى فوضى شاملة، وتخلّف ملايين القتلى. اليوم، ما نشهده من عدوان أميركي-صهيونيّ هو قاس جدّاً على الشعوب الواقعة تحت الحصار والاحتلال. لكنّ الخطر أكبر من ذلك: نحن على حافة انهيار شامل قد يطاول الكوكب بأسره. ثلّة من الأفراد في حكومتَين يقامرون الآن بحياة مئات الملايين من البشر، بمن فيهم نحن. ولا يُطلِق أنصار الحكّام صفات «الطغاة المجانين» عليهم إلا بعد فشلهم. حتّى ذلك الحين، يظلّون مسحورين بعروض القوة العسكريّة، عاجزين عن رؤية أن الكارثة، في النهاية، ستطاول الجميع—بمن فيهم هم. من غزة إلى طهران، ومن بكين إلى كاراكاس، القصة واحدة: المقاومة تُوصم بالإرهاب، والاستقلال يُعتبر استفزازاً، والعدالة تؤجَّل، حتى نقرّر نحن أن الوقت حان، وهذا القرار ليس ملكهم، بل ملكنا. خريستو المرّ، الثلاثاء ١٧ حزيران 2025
من المضحك المبكي مضغ الإعلام والحكّام في الخليج لكلمة «الشراكة» التي يغدقها عليهم ممثّلو الامبراطوريّة الأميركيّة، فالشراكة هي الاسم الجديد للاستعمار، وما من شيء يدعو للفخر عندما يأتي المستعمِر ويجبرك على أن تدفع له جزية (تُسمّى حياء استثمارا) وأنت تولم له وتحتفي. ومهما يكن وصفنا لمسارات التطبيع الذليلة التي لا علاقة بابراهيم بشيء، فإن «السلام» (عداك عن التطبيع) في الحالة اللبنانية ليس قرارًا سياسيًا عاديًّا، بل فعل خيانة للذاكرة الجماعية، وتواطؤ مع من يحتلّ أرضنا، ويقتل بنات وأبناء هذا البلد، ويدمّر القرى والمدن، ويرتكب نظامه الإبادة في حقّ الشعب الفلسطينيّ، ويسعى لطرده من الضفّة الغربيّة، وتعلن نخبه السياسية أنّها تريد احتلال لبنان! أيّ سلام ممكن بين السكّين والضحية، وأيّ سلام بين القاتل والقتيل، وبين المبيد والذي يُنوى إبادته؟ ثمّة لحظات في تاريخ الشعوب تكون فيها الكلمات أسوأ من رصاصة، والصمت أخطر من هزيمة. يهرول المطبّعون، والذين يريدون أن يبنوا دولة دون أيّ مشروع ولا عناصر قوّة، ليطلبوا منّا أن نمحو أنفسنا وليس فقط ذاكرتنا. يقولون السلام ويريدون التطبيع. يريدون أن نُعيد تشكيل وعينا على مقاسات نتائج آنيّة، أن نرفع أيدينا فورًا ونحن لم نُهزم بعد، أن نغسل دماء شهدائنا في نهر «السلام» الذي يجرف دماء وأشلاء، وثروات، ومستقبل، سكّان المنطقة. وعوض أن يجتمع الذين يشعرون فعلا أنّ إسرائيل خطر علينا لينظّموا صفوفهم لمواجهة الوحش الكامن لنا في فلسطين، يسرعون بإعلان «الهزيمة» وبضرورة طيّ المرحلة والدخول في مرحلة بناء «الدولة». وكيف تُبنى الدولة دون مشروع ودون عناصر قوّة عسكريّة؟ ما من مجيب. يعرف كلّ ذي حكمة، ونعرف، نحن أبناء هذا التراب، أن السلام لا يُصنع مع صنّاع المذبحة، وأنّ اليد التي هدمت ومزّقت بيوتنا أجسادًا لا تريد السلام، بل الإبادة والإخضاع ونهب الخيرات، ولذلك لا تُصافَح، بل تُقاوَم. في لبنان، العدوّ الصهيوني ليس فكرة مجرّدة، ولا عدوّا على طاولة مفاوضات، هو الطائرة التي تقصفنا، والعصابات في ثياب جنود التي تدمّر قرانا وتسرق أشجارنا وتطردنا من أرضنا، وقنابل الفوسفور فوق التراب والأجساد. فهل نُحوّل اليوم هذا الواقع والتاريخ إلى مجال للتنسيق والحوار؟ هل نسمّي التهجير فرصة للتفاهم؟ هل نغفر للمحتلّ لأنه بات سجّانًا لمساجين المشاريع الإقليمية؟ أم نطلب الحرّية؟ الكيان الصهيوني لا يمثّل «دولة جارة» كما تحاول بعض الأصوات تصويره، بل مشروعا استيطانيّا قائما على الإلغاء والاقتلاع واحتلال المزيد من الأرض في كلّ بلد لصيق بفلسطين. لبنان ليس الخليج ولن يكونه. لبنان أرضه ملاصقة لفلسطين. فلسطين ليست وحدها ضحية الكيان، بل لبنان أيضًا، من أهله المهجّرين إلى أسراه الذين قضوا سنوات في المعتقلات تحت التعذيب. لا يُعقَل أن يُبنى «سلام» مع هكذا كيان. لا يُمكن أن تُنشأ علاقات «طبيعية» مع كيان إباديّ، مع كيان إحلاليّ يسعى لطرد السكّان الأصليّين لهذه الأرض ليحلّ مكانهم، مع كيان لا يزال يستبيح الأجواء اللبنانية، مع كيان يقتل ويُهدّد كلّ يوم. من الحكمة أن يتّعظ شعبنا من الإبادة المستمرّة بحقّ الفلسطينيّين وأن يرى في مسار إبادة الشعب الفلسطينيّ، وفي أرض غزّة المحروقة، وفي أشلاء الأولاد المرميّة للكلاب، مستقبل شعبنا إن لم يقاوم. السلام الحقيقي يبدأ من تفكيك نظام الاستعمار الصهيونيّ، وعودة الحقوق إلى أصحابها. ما عدا ذلك، فهو تواطؤ مغلّف، واستسلام بأقنعة أنيقة. ومن يتحدث اليوم عن "الحياد" في لبنان، أو عن "النأي بالنفس" في ما يخصّ غزّة أو سوريا أو إيران أو أيّ اعتداء صهيونيّ على دولة أخرى، ينسى أو يتناسى أن العدو الصهيوني لم يكن يومًا موضوعًا خارجيًا بالنسبة للبنان، بل كان ولا يزال طرفًا معتديًا، مارس أبشع أنواع الاحتلال والاستغلال بحقّ شعبنا. الحياد في هذه المسألة ليس موقفًا نزيهًا، بل اصطفاف مع الظالم تحت قناع الواقعية. مَن يساوي بين الضحية والجلاد هو نذل يُنكر الدماء التي سُفكت، والتضحيات التي قُدّمت. ثمّة من يعتقد أن التطبيع قد يحمل فرصًا اقتصادية للبنان. ولكن، بأيّ ثمن؟ هل نبيع ذاكرتنا مقابل مشاريع واستثمارات؟ هل نُفرّط في دمائنا مقابل تسهيلات مصرفية أو صفقات طاقة؟ الحرّية والكرامة الوطنية لمطلق أيّ شعب ليست بندًا في مفاوضات اقتصادية، هي أساس وجوده السياسي والأخلاقي. ثمّ من الوهم أن يظنّ إنسان أنّ عدوّا استعماريّا سيسمح بأيّ نوع من التنمية فهو يريد أن يضمن تفوّقه. وَهمُ التنمية الذي يُبنى على التطبيع، هو وهمٌ مُلوث بالعار ولن يُثمر سوى المزيد من التبعيّة وانحدار في التنمية. مَن يريد بالفعل مستقبلا للبلاد، ودولة، يختار مسار مقاومة الاحتلال لأنّه يريد لشعب هذه الأرض الحرّيةَ والعدل، لا أن يكونوا خَدماً لمشروع استعماري جديد يُعاد تسويقه بلغة السلام الزائف والمشاريع الاقتصاديّة و«الشراكة» المثيرة للسخرية. لا سلام دون حرية، ولا حرية دون قدرة وعدالة، ولا قدرة ولا عدالة مع التطبيع مع الوحش. من يبرّر التطبيع من بوابة المصالح الاقتصادية لا يعرف شيئًا عن الشعوب التي تعيش على احترام الأمم لها أوّلا بسبب قدرتها. ومن يراه ضرورة جيوسياسية، فليسمّ موقفه باسمه: خضوع. لا مصالحة من ينكّل بنا، ويقصفنا ليقلب أعيادنا مآتم، ويمنع عنا حتّى الحداد. الكرامة ليست سلعة، والحقّ لا يُفاوض عليه. هناك أمور لا تُباع ولا تُشترى، ولكن أنّى لمن فقد كرامته أن يفهم ذلك؟ فلنعدّ ما استطعنا من قوّة. خريستو المرّ، الثلاثاء ١٠ حزيران 2025
في زمن التزوير السياسي والتواطؤ المقنّع، تُطرح مسألة «تطبيع العلاقات» أو «السلام» مع الكيان الصهيوني في لبنان كأنّها خيار سياسي مشروع، بل كأنها مخرج من أزمة مستمرة. يَظهر التطبيع في الخطاب الإعلامي لبعض النخب وكأنه ضرورة «واقعيّة» تقتضيها التغيرات الجيوسياسية أو «فرصة» اقتصاديّة، وأنّ كلّ احتلال أو «خرق» إسرائيلي سوف تحسمه العلاقات الدولية والقانون الدولي ومجلس الأمن. فلنبدأ بالبديهي، لا بدّ أن يكون الإنسان غبيّاً أو منافقاً ليعتقد أنّ العلاقات الدولية للبنان ومجلس الأمن ستحميه من نظام الإبادة الصهيونيّ، فذاكرتنا لا تزال تشهد بأنّ قرار مجلس الأمن 425 القاضي بانسحاب جيش الاحتلال من لبنان والذي صدر في 19 آذار من عام 1978 لم يشهد تنفيذاً رغم 22 عاماً من العلاقات الدولية واستجداء الأمم المتّحدة، وهذا قرار من مجلس الأمن ليس أقلّ. ولم يخرج العدوّ من الجنوب (أو معظمه) إلّا تحت ضغط المقاومة المسلّحة التي كلّفته ما يكفي لطرده. واليوم كلّ القوانين الدوليّة لا تمنع الإبادة ضدّ أهلنا في غزّة. كما إنّ الجلوس على أيّ طاولة «مفاوضات» لبحث أيّ أمر لمطلق أيّ بلد مع بلد آخر، لا يغدو كونه استسلاماً إن لم يمتلك البلد مقوّمات القوّة. هذا بديهي، ولكن نسوق مثلاً للإيضاح: عندما سلّمت منظّمة التحرير كلّ أوراق قوّتها فأوقفت انتفاضة الحجارة، والعمل المسلّح، واعترفت بإسرائيل فاتحة باباً أمام العالم ليقيم علاقات معها، ومهّدت للأمم المتّحدة لتلغي قرارها بأنّ الصهيونيّة شكل من أشكال العنصريّة، كان ذلك إعلان استسلام، ولذلك باءت المفاوضات المفترضة للحلّ الشامل وإعلان الدولة الفلسطينيّة بالفشل، فالفشل محتوم في ظلّ انعدام القوّة. من هنا، فمن الحكمة والعقل في لبنان الامتناع عن الدعوة، والسعي، إلى نزع السلاح الوحيد القادر - حتّى في الحرب الأخيرة (التي لم تنتهِ بعد) - على منع العدوّ من احتلال الأرض، وهذا عمل جبّار وليس بالعمل الهامشيّ! يتسرّع القائلون إنّ المقاومة فشلت في حماية لبنان. هذا غير صحيح، المقاومة فشلت في معادلة الردع، ولكنّها لم تفشل كلّياً في حماية لبنان، فهي منعت تقدّم العدوّ أكثر من بضع مئات من الأمتار. اتّفاق وقف إطلاق النار قد أفشل التضحيات التي قدّمها شعب لبنان لكي يمنعوا تقدّم الاحتلال (أعلم أنّ الغبيّ والحاقد والمنافق لا يعتبر أهل الجنوب شعبنا، ولكنّ الغباء والحقد والنفاق لا تقدّم ولا تؤخّر في الحقيقة). إذاً، المقاومة لم تفشل بشكل كامل، بل برزت بوضوح حدود قدرتها: صدّ العدوان البرّي. وإذا تذكّرنا أنّ كلّ الدول العربيّة -ومنها اليمن الحرّ- لا تمتلك قدرة صاروخيّة قادرة على ردع سلاح الطيران للعدوّ الصهيونيّ، يكون من الواضح أنّ وجود مقاومة أفضل من عدم وجودها، فالمقاومة تسمح بصدّ العدوان البرّي، بينما غيابها يعني انتفاء وجود أيّ قوّة لا في البرّ ولا في الجوّ. لذلك، إنّ كلّ ذي عقل راجح يسعى أن (لا يمثّل أنّه) يدافع واقعيّاً عن الناس في لبنان ويهمّه حياتهم، لا بدّ أن يتمسّك بالقوّة الوحيدة القادرة على الحماية البرّية، وأن يفكّر كيف يمكنه أن يوسّع القدرة هذه بمدّ الجيش الوطني بقدرة مماثلة، وبرفد البلاد بقدرة على الدفاع الجوّي، عوض التفكير في كيفيّة نزع السلاح القادر الوحيد. ومَن يعتقد أنّ ذلك غير ممكن بسبب الضغط الأميركيّ (وأنا لا أعتقد أنّ هذا صحيح) فذلك يجب أن يدفعه أكثر للتمسّك بالقدرة الوحيدة الموجودة في البلاد. أمّا بالنسبة إلى من يحبّون الدول المثاليّة حيث كلّ شيء واضح، والجيش هو الوحيد الذي يحمي البلاد، فيمكنهم أن يبنوا قدرة الجيش ويبرهنوا للناس أن الجيش أصبح قادراً على حماية حياة الناس، عوض الكلام المتهوّر عن ضرورة نظريّة لحصريّة السلاح. لكن فلنفكّر قليلاً في ظلّ أوضاعنا الحقيقيّة المعقّدة، القول بحصريّة السلاح بالدولة ليس وصيّة إلهيّة، هي فكرة إنسانيّة حول الدول لها ما لها وعليها ما عليها، ولكنّها ليست الابتكار الوحيد الممكن في العالم. لمَ لا يمكن التفكّر، في ظلّ ظروفنا، بكيفيّة يمكن التوفيق فيها بين وجود مقاومة عسكريّة شعبيّة، وبين وجود جيش للبلاد؟ نحن كبشر ابتكرنا ما نراه أمامنا كلّ يوم في حضارة اليوم، ويمكننا أن نبتكر إطاراً للتعاضد في الدفاع عن البلاد بين الجيش وبين القوّة المسلّحة الشعبيّة. فتكون المقاومة جزءاً من الدولة أو من إستراتيجيّتها الدفاعيّة. هل هذا مستحيل؟ أجزم بأن لا. لدى البشريّة أفضل العقول لابتكار أفضل الحلول في ألف مسألة ومسألة، لن تعصى مسألة كهذه علينا إن صفت النيّات وتثبّتت الثقة بين المقاومة وبين المخلصين لفكرة بناء الدولة القادرة. المهمّ أن تكون الرؤية هي حماية حياة الناس. الآن نردّ على السؤال الذي يقفز في خلفيّة ذهن كثير من القرّاء: لمَ نعفي المقاومة من النقد؟ هل المقاومة الموجودة بعيدة من النقد وخالية من العيوب؟ لا، أبداً. يمكن نقدها لتبيان مواضع ضعفها وقوّتها، وأخطائها، وخطاياها السياسيّة الفاقعة: التحالف الموضوعي مع المصارف والفاسدين، والدفاع المستميت عن الأوضاع الظالمة القائمة وأن تمنع قيام وحدة وطنيّة. فهذه المسائل مرتبطة بالقدرة على الدفاع عن حياة الناس. لا يمكن بعد اليوم أن يقبل حتّى مؤيّدو المقاومة بأن تدافع عن الظلم وتحميه، وأن تحمي نظاماً لا ينتج سوى التفكّك ويظلم معظم الناس (أليس النظام الذي يسمح للمصارف بنهب الناس نظاماً ظالماً؟)، وأن تتعاون حتّى مع أعدائها السياسيّين في كلّ أنواع انتخابات فتمنع عمليّاً أيّ تغيير في السلطة القائمة، وأن تمتنع عن التقدّم بمشروع، أو عن دعم مشروع، يوحّد شعبها. أليس الرفض الفعلي للتغطية الصحّية الشاملة، والرفض الفعليّ لتكون الانتخابات بحسب مكان السكن لا الولادة، جزءاً من التفخيخ لأيّ مشروع لدولة عصريّة، وهو تفخيخ يشارك فيه الممثّلون السياسيّون للمقاومة مع غيرهم؟ إنّ مستقبلنا يتوقّف على مدى قدرتنا الجماعيّة على السير معاً من أجل حياة الناس كلّهم. نحن الذين نحبّ الحياة لجميع الناس ونحبّها أوفر، نحن في المركب نفسه، إمّا نغرق معاً أو ننجو معاً. في مطلق أيّ وطن لا توجد فرقة ناجية وحدها. خريستو المرّ، الثلاثاء ٣ حزيران / يونيو ٢٠٢٥
في قلب الرؤية المسيحيّة، لا يُفهم الإيمان على أنّه حالة شعوريّة فرديّة أو مجموعة من الطقوس والعقائد النظريّة، بل هو قبل كلّ شيء حياة متجسّدة في المسيح، مسيرة تحرّر تتجسّد في التاريخ، وليس خارجه، مسيرة تحرّر من الخطيئة ومن آثارها في الفرد وفي المجتمع، تلك الآثار نراها في الأنانية، والانغلاق، والاستعلاء، واللامبالاة بالآخر ومصيره، والانكفاء عن مواجهة الظلم، والاستغلال، والقمع، والبطش، وغير ذلك. الإيمان، إذاً، ليس مجرّد علاقة شخصيّة بالله، بل هو يتجذّر بالتزام بواقع البشر، وخاصّة المظلومين منهم، كما تعلّمنا من تجسّد المسيح الذي حمل الألم الإنساني وسكن بين الفقراء والمنبوذين. والإيمان يمنح هذا الالتزام طول النفَس والرجاء اللذين ينقذان المناضلين من اليأس أثناء الفترات المظلمة من مسيرة التحرّر. لهذا كان الإيمان، بحسب القدّيس يعقوب، من دون أعمال، مائتاً. وإذا كانت الأعمال التي يُقصد بها في جوهرها هي أعمال المحبّة والعدل، فإنّ الصمت عن الظلم أو اللامبالاة تجاه القهر والاستعمار هما إعلان صريح عن غياب الإيمان الحقيقي، حتى لو وُجدت مظاهر دينيّة خارجيّة. الصمت أمام الآثار المدمّرة للخطيئة على حياة الآخرين خيانةٌ للمسيحيّة التي هي، في أصلها، مقاومةُ حبٍّ للشرّ، ومواجهة للظلم، وسعي دائم نحو الحقيقة والعدالة والكرامة. لهذا يُسائلنا بقوّة ويهزّ ضمائرنا غيابُ الالتزام المسيحي الجماعيّ في لبنان وسوريا، بل في عموم المشرق العربي، عن دعم نضال الشعب الفلسطينيّ في وجه الاستعمار الصهيونيّ، ولو عبر أشكاله الأكثر توافقاً مع التعليم المسيحيّ: المقاومة اللاعنفيّة عبر المقاطعة الاقتصاديّة والثقافيّة والأكاديميّة التي تدعو إليها حملة المقاطعة (BDS). إذا كان المسيحي مدعواً إلى الدفاع عن المظلوم، فإنّ التملّص من هذا الواجب الأخلاقيّ والروحيّ – وبالأخصّ في سياق واضح وفجّ كالاستعمار الصهيونيّ لفلسطين والمطامع الاستعماريّة له في لبنان وسوريا – لا يمكن إلا أن يُعدّ خيانة للإيمان نفسه. المسيحي لا يُطلب منه أن يحمل السلاح بالضرورة (مع أنّ المسيحيّة برّرت حمل السلاح للدفاع عن الأوطان)، لكن يُطلب منه أن لا يصمت عن الظلم، وأن يواجهه في ظلّ الواقع الذي يعيش فيه، على الأقلّ عن الطريق الذي يتوافق بشكل واضح مع الإنجيل: طريق النضال اللاعنفيّ، الطريق الذي يمتزج فيه الضمير بالإرادة، والمحبّة بالعدالة. وإن كان نظاماً قمعيّاً كالذي كان أو الذي سيأتي في سوريا يمنع كلّ تعبير شعبيّ سياسيّ خارج إرادة السلطة، فإنّ لا أحد يمكنه أن يمنع سيّدة أو رجلاً من مقاطعة بضاعة محدّدة ومنتجين بعينهم، فمن قوّة المقاطعة أنّها تتمّ عن طريق سرّي هو طريق الامتناع عن دعم الشرّ بالامتناع عن الشراء من داعميه. طبعاً، المسيحيّون في لبنان مطالبون بأكثر لأنّ بلدهم يسمح لهم بحرّية سياسيّة وازنة. الغريب، والموجع في آن، هو أنّ الكنائس، والمؤسّسات المسيحيّة، والجماعات المنظّمة التي ترفع اسم المسيح في بلادنا، تنكفئ عن هذا الواجب. لا يُسمع صوتها لا في دعم الحق الفلسطينيّ، ولا في فضح الإجرام الصهيونيّ، ولا في تشجيع المقاطعة، ولا حتّى في تربية المؤمنين على وعي التحرّر والعدالة. هذا الصمت ليس حياداً، بل تواطؤ مع الشرّ، بالامتناع عن تسميته والدعوة إلى مواجهته. وهو انعدام مسؤوليّة إذ يترك الناس (الرعيّة) ضحايا عدم معرفتهم، والجهل ذئب الوعي. البعض يختبئ وراء شعارات «السلام» المفرغ من المضمون بانفصاله عن العدالة، أو يدّعي أنّ «الكنيسة لا تتدخّل في السياسة»، وكأنّ عدم التدخّل في السياسة ليس هو بسياسية. حين يُقال «لا نتدخّل في السياسة»، فإنّنا في الحقيقة نُعلن انحيازاً، وإن جاء متخفّياً بثوب الحياد. فالحياد في وجه الظلم هو انحياز للظالم، والصمت أمام القهر هو تأييد ضمنيّ له. إنّ عدم التدخّل في السياسة حين يُستشهد الأبرياء، ويُهجّر الضعفاء، وتُداس الكرامات، وتُباد الحياة، هو سياسةٌ بحدّ ذاتها — سياسة الخوف، أو اللامبالاة، أو الحفاظ على الامتيازات، أو مسايرة الأقوياء. إنّ اختيار عدم التدخّل في «السياسة»، هو قرار سياسيّ يتنكّر لوجع الناس، ويصنع من الكنيسة متحفاً للطقوس بدل أن تكون خيمة لقاء وشفاء ومواجهة. هو هروب من الصليب، لا حملاً له. هو وقوف في صفّ بيلاطس وهيرودس، لا في صفّ المصلوب والحقّ. السياسة في جوهرها هي تدبير شؤون البشر. وإن لم نكن فيها صوتاً للحقّ، صرنا صدى للباطل. وإن لم نكن فيها حضوراً للرحمة، صرنا غياباً لله. الصمت ليس براءة، بل مشاركة غير معلنة في صناعة الخراب. والمسيحي، حين يختار ألّا ينحاز، يكون قد انحاز — ولكن ضدّ الإنجيل. إنّ الكنيسة التي لا تتدخّل في وجه الظلم، هي كنيسة استقالت من رسالتها. أمّا الكنيسة التي تنأى بنفسها عن النضال اللاعنفيّ، فهي كنيسة فقدت بوصلتها الروحيّة. في يسوع المسيح، كلمة الله الذي صار إنساناً، لم يبقَ الله في علياء السماء يتأمّل الشرّ من بعيد. بيسوع دخل الله التاريخ، وتكلّم، ولامس، وغضب، وبكى، وواجه، حتى الموت. فكيف يتبع المسيحيّ ربّه المصلوب، ثمّ ينسحب من معركة الحقّ والحياة باسم الحياد؟ أليس الصليب نفسه تدخّلاً إلهياً في تاريخ البشر؟ أليست القيامة فعلاً سياسياً بامتياز، لأنّها تنقض منطق سياسات الموت والظلم وتفتح العالم على الأمل والعدالة؟ لقد بات من الضروريّ أن تعي الكنائس في لبنان وسوريا وفلسطين والأردن، أنّ فلسطين ليست فقط قضيّة «إسلاميّة» أو «سياسيّة»، بل هي معيار إنسانيّ وأخلاقيّ وروحيّ لاختبار صدق الإيمان المسيحيّ في واقعنا. وأنّ السكوت عن القهر، والتهرّب من الالتزام، هما شكل من أشكال التواطؤ، ولو بالصمت. إنّنا نعيش في أرض الخراب، لا لأنّ الخراب قد أحاط بنا من الخارج فقط، بل لأنّ الالتزام الإيمانيّ غاب من الداخل. وما من سبيل لاستعادة الإيمان الحيّ إلّا بالعودة إلى الجذور الإنجيليّة التي تنحاز للمظلوم، وترى في الدفاع عنه وجه المسيح المتألّم. المقاطعة اليوم ليست فقط أداة نضال فعّالة، بل هي أيضاً فعل إيمان. فمن لا يقاطع الظالم، يباركه، ولو بصمته. فهل ننتظر أن تنطق الحجارة حين يصمت المؤمنون؟ |
الكاتبخريستو المر الأرشيف
November 2025
Categories |
RSS Feed