|
خريستو المرّ – الثلاثاء ٢٨ أيّار / مايو ٢٠٢٤
إنّ الفرح باعتراف ثلاث دول أوروبيّة بدولة فلسطين قد يكون مبرّرا أمام الإبادة الجماعيّة التي يمارسها كيان الاحتلال الصهيونيّ. ولكنّ المتابع لأوضاعنا عليه أن يميّز دائما بين كلام الحكومات في أوروبا وشمال أميركا وبين أفعالها، تمام كما هو يفعل بالنسبة لحكومات بلدانه، فلا يصدّق الكلام، بل الأفعال. فإن كان شعوب العالم مناهضة للإبادة اليوم في غزّة، وباتت أكثر وعيا للطبيعة الاستعماريّة الإجراميّة لكيان الاحتلال الصهيونيّ، فإنّ حكوماتها مشاركة في المجازر بالدفاع عن الكيان الاستعماريّ ورفده بالحماية. ما من ضرر بأن يرى الإنسان في منطقتنا في موقف الدول الأوروبيّة التي اعترفت بفلسطين هذه شيئا إيجابيّا، على أن يضع الأمور في نصابها. فهذه الحكومات حتّى اليوم لم تقم بخطوات حكوميّة لمعاقبة كيان الاحتلال على جرائمه، أو للعمل على عزله سياسيّا، أو لملاحقة وزرائه الحاليّين المسؤولين عن الإبادة في غزّة والتنكيل والقتل في الضفّة، أو لمقاطعته اقتصاديّا. إنّ الاعتراف بدولة غفلسطين ليس بالأمر الجديد، فما نزال نذكر اعتراف معظم دول العالم بدولة فلسطين عام ١٩٨٨، والاعتراف بقي حبرا على ورق لعشرات السنوات. المهمّ قيام دولة فلسطين على أرض الواقع، وهذا لا يمكن أن يحدث إلّا بهزيمة المشروع الصهيونيّ كمشروع استعماري يمزّق فلسطين، ويهدّد محيطها إمّا بالاحتلال والتدمير، أو بالإخضاع. كعرب وكفلسطينيّين لسنا نستجدي وجودنا من أحد، وبالأخصّ دول الاستعمار الناعم. الدولة الاستعماريّة لن تعترف بدولة حقيقيّة لفلسطين إلّا إذا نحن هزمنا المشروع الصهيونيّ، أي أنّ الاعتراف بالدولة الفلسطينيّة لا يجلب الدولة وإنّما هزيمة المشروع الصهيونيّ هو الذي يجلبها، وعندها يقدّمون الاعتراف وهم صاغرون. فلنذكر أنّه للأمس القريب كانت حكومات الاستعمار الناعم ووسائل إعلامه نائمة بينما غزّة تختنق في حصار قاتل، وكانت تغضّ الطرف والفلسطينيّون يُقنصون يوميّا خلال مسيرات العودة السلميّة (٢٠١٨-٢٠١٩)، وكانت تحتفل باضمحلال القضيّة الفلسطينيّة في ثنايا اتّفاقات أبراهام، وما زالت اليوم صامتة عمليّا (وليس كلاميّا) عن وجود ثلاثة أرباع مليون مستوطن صهيونيّ في الضفّة الغربيّة، وعن التنكيل والقتل اليوميّين في الضفّة، وعن الإبادة الجماعيّة القائمة في غزّة، وما زالت هذه الدول تحتال على قوانينها لقمع أبسط أشكال حرّية التعبير لإخراس أيّ صوت ناقد لكيان الاستعمار الإباديّ الصهيونيّ. لولا المقاومة في لبنان وقدراتها لكنّا رأينا جيش الاحتلال على الأرض اللبنانيّة، ولما كان خرج أصلًا، هذا أمر بديهيّ لا يتغافل عنه وينكره إلّا غبيّ، أو مُستعمَر داخليّا في نفسه وعقله، أو عميل للاستعمار. دون مقاومة لوحشيّة العدوّ، سيتوحّش أكثر، ويُستَلَبُ الشعب، ويضمحلّ حقّه. هناك من شعبنا، ومن شعوب العالم، مَن يقاومون بالوسائل السلميّة كالتظاهرات والعرائض والمقاطعة (الاقتصاديّة والثقافيّة والأكاديميّة)، وهناك من شعبنا في أرضنا مَن يقاوم بالسلاح، وخاصّة حين يتّضح لكلّ ذي عقل عدم جدوى الطرق السلميّة؛ فلا قرارات الأمم المتّحدة نفعت في تحرير جنوب لبنان، ولا اتّفاق أوسلو نفع في الدفاع عن حياة الشعب الفلسطينيّ وفي تحقيق قيام دولته. إنّ عدم الجدوى هذا كان حتميّا لأنّ الأطراف الواقعة تحت الاحتلال لم تكن تمتلك قوّة للدفاع عن نفسها (حالة لبنان) أو تنازلت عن مكامن القوّة لديها (حالة قيادات أوسلو)، لا يرتدع ظالم بالوعظ بل بالقوّة، والقوّة يمكنها أن تكون سلميّة ويمكنها أن تكون مسلّحة، والأخيرة مشروعة وضروريّة لشعب يقع تحت الاحتلال. اعترفت دول أوروبيّة بفلسطين؟ أهلا وسهلا. ولكن علينا أن نعي بأنّها أُجبرت على الاعتراف بسبب قوّة المقاومة، بسبب عدم هزيمة المقاومة. العدوّ لا يريد حل الدولتين ويعلنها صراحة بالأقوال وبالأفعال، أكانت الأفعال استعمارًا متواصلًا، أو تنكيلًا يوميًّا، أو مجازرَ إباديّة. المطلب الوحيد الممكن والمنطقيّ والعادل، المطلب الوحيد الذي ينبغي أن يترسّخ كقناعة وبداهة في وسطنا، هو فلسطين حرّة من البحر إلى النهر، يسكنها مَنْ يتمسّك بالحريّة والمساواة بين البشر، ويحكمها المتمسّكون بالعدالة والحقّ. نحن لا نستجدي اعترافا بوجودنا، لا نستجدي اعترافا بحقّنا على أرضنا، ولا نستجدي اعترافا بدولة فلسطين. الحرّية لا تُعطى وإنّما تُنتَزَعُ انتزاعًا، تُنتَزَعُ من فم الوحش. خريستو المر، الثلاثاء ٢١ أيار ٢٠٢٤
«إنّ القضايا المهمّة في النضال الفلسطيني من أجل الحرّية وتقرير المصير، يتم التقليل منها وجعلها غير مرئيّة من قبل أولئك الذين يحاولون مساواة المقاومة الفلسطينية للفصل العنصري الإسرائيلي بالإرهاب» (أنجيلا دايفيس، 2016) واجهت الحركات النسويّة في دول الجنوب لفترة طويلة عنصريّة وفوقية من قِبَل الحركات النسويّة في دول الشمال، بحيث كان التركيز على قضايا المرأة من زاوية خبرة النساء في دول الشمال، وبالأحرى خبرة النساء ذوات البشرة البيضاء في دول الشمال. هذا ما سمح، مثلاً، كما تذكر الباحثة الفلسطينيّة ندى إيليا، لنسويّة شهيرة مثل بيتي فريدان أن تقوم بمحاولة لإسكات الناشطة النسوية المصرية البارزة نوال السعداوي في مؤتمر للأمم المتّحدة عام 1985، لمنعها -بلا طائل- من الكلام حول القضيّة الفلسطينيّة بحجّة ضرورة عدم الكلام في السياسة في مؤتمر نسويّ، هذا بينما سمحت فريدان لنفسها في المؤتمر ذاته بمهاجمة الفصل العنصريّ الجنوب أفريقي! هكذا لم ترَ الحركات النسويّة في أوضاع النساء في بلادنا سوى نوعين من العنف: العنف الذكوري في النظام الأبوي، وعنف التزمّت الديني، وهما عُنفان مشتركان في جميع البلدان والأديان؛ وأغفلت عنف الاستعمار الواقع على نساء دول الجنوب، وعنف الاحتلال الإخلائي الصهيوني المُمارَس ضدّ نساء فلسطين. لعقود طويلة أغفلت الحركات النسويّة أنّ الاحتلال ونظام الفصل العنصري الإسرائيلييْن يشكّلان واقعيْن قمعيّيْن هائليْن بالنسبة إلى المرأة في فلسطين، وفشل التيّار النسوي المهيمن في دول الشمال في الاعتراف بالأسباب الجذريّة للظلم الواقع على المرأة في فلسطين: المشروع الاستعماري الصهيوني، فمن جهة تأثّرت الحركات النسويّة الغربيّة بالدعاية الصهيونيّة القائلة زوراً بأنّ المقاومة الفلسطينية هي معادية للساميّة، ومن جهة أخرى بقيت الحركات النسويّة أوروبيّة المركز، بحيث ركّزت على ضحايا الجرائم النازية من أوروبيّين وتغاضت عن قتل الاستعمار الأوروبّي للملايين من الأفارقة والسكّان الأصليّين في قارة أميركا. تغيّر الوضع مع النضال المستمرّ للنسويّات الفلسطينيّات والملوّنات. فرغم ما واجهته وتواجهه الباحثات والناشطات الفلسطينيّات والعربيّات من مضايقات ومحاولات إسكات من أنصار الصهيونية، واصلت وتواصل المرأة الفلسطينية رفع صوتها وتنظيم الصفوف لإظهار واقع الحياة في ظل الاحتلال وتفخيخ الدعاية الصهيونية الكاذبة حول النضال الفلسطيني. كما خاضت النساء الملوّنات والنساء من دول الجنوب صراعات داخل الحركة النسويّة لفرض رؤية جديدة للتحليل تأخذ في الاعتبار العنصر، والطبقة، والاستعمار، والبُنى التسلّطية القائمة، في التحليل النسوي لواقع المرأة. هذه المقاربة المتعدّدة الجوانب للتحليل النسوي، والمسمّاة بالتحليل التقاطعي (intersectional)، سمحت بتطوّر العمل النسوي ليصبح أكثر شمولاً بحيث بات يأخذ في الاعتبار أوضاع السكّان الأصليّين في دول الشمال، وسكّان الجنوب الخاضعين حتّى اليوم لهجمات الاستعمار. هكذا، بتنا اليوم، أمام جمعيّات نسويّة تؤكّد على تشابك أنظمة الظلم من استعمار وبطش وقمع ونظام أبويّ وغير ذلك، وتؤكّد تباعاً على ضرورة ترابط الصراع ضدّ هذه الأنظمة كلّها، من أجل إنشاء مجتمعات متحرّرة وعادلة للجميع. وبرز تيّار نسوي يتحدّى الهيكليّات المعاصرة السلطويّة ويدعو إلى عدالة مبنية على مبادئ المساواة وحقوق الإنسان. وفي ظلّ هذه الرؤية الواسعة، بات هذا التيّار النسوي يرى التزام القضيّة الفلسطينيّة جزءاً لا يتجزّأ من التزام الصراع النسوي. والواقع يدلّ، لمن يريد أن يرى، أنّ أثر الاحتلال الصهيوني على النساء مُضاعف وخاص. فطالما منع الاحتلال العنصري النساء الفلسطينيات من الدراسة، أو تحرّش بهنّ في الطريق إلى المدرسة، وطالما تهجّم المستوطنون عليهنّ، وأجبرهنّ جنود الاحتلال على وضع أطفالهنّ عند الحواجز، وتعرّضن للإجهاض بشكل كبير بسبب الاعتداءات الإسرائيليّة. كما فقدن مع عائلاتهنّ الأمان جرّاء تدمير منازلهنّ. وطالما اعتبر الاحتلال أنّ صحّتهنّ الإنجابيّة أمر سلبي ومصدر لـ«تهديد» سكاني. واليوم تحديداً، يقتل جنود حرب الإبادة الإسرائيليّة اثنتين من الأمّهات كلّ ساعة وسبع نساء كلّ ساعتين، وارتفعت نسبة إجهاض النساء الفلسطينيّات إلى 300%. هذا بالإضافة إلى أنّ وقع حرب الإبادة عليهنّ مُضاعف، إذ يعانين من انعدام الفوط الصحّية، ومن صعوبة ومخاطر الوضع وسط الدمار وانعدام النظافة (حوالي 180 ولادة يومياً)، ومن سوء التغذية الذي ينتقل إلى أطفالهن. وقد أظهرت تقارير عدّة حرمان الأسيرات من الضروريات الأساسية مثل الطعام والأدوية والفوط الصحّية، بالإضافة إلى تعرّضهنّ للضرب الجسدي المبرح، وللحبس في قفص معرّض للمطر والطقس البارد دون الحصول على طعام. وأفادت المفوّضيّة السامية لحقوق الإنسان أن النساء والفتيات الفلسطينيات قد تعرّضن للإعدام التعسّفي في غزة (مع أفراد الأسرة، بمن في ذلك أطفالهن). وعلى الرغم من كلّ التحدّيات، تُبدي النساء في غزة صموداً ومقاومة رائعيْن في مواجهة الظلم؛ فهنّ يتعاونّ بصلابة لاستمرار الحياة وكان لهنّ حتّى الماضي القريب أدوار بارزة في الجمعيّات المدافعة عن حقوق الفلسطينيّين والداعية إلى العدالة والمقاومة والتحرّر من الاحتلال. لقد دعت جمعيّات نسويّة عديدة في كندا (تشرين الثاني الماضي) والولايات المتّحدة (كانون الثاني الماضي) إلى وقف دائم لإطلاق النار، بينما الحركات النسويّة الرسميّة في أوروبا ضعيفة، إلّا أنّنا بتنا في موقع نسوي يمكنه المجاهرة والمُحاجَّة بأنّ النسويّة لا يمكن أن تكون صهيونيّة، لأنّه لا يُعقل أن يُرى وضع النساء الفلسطينيّات دون عدسة تحليليّة متعدّدة الجوانب لا تواجه فقط القمع الأبويّ وإنّما تفضح وتدين وتواجه القمع الصهيونيّ العنصريّ أيضاً. وكما تقول الناشطة جامي عمر ياسين، إنّ «النسويّة التي لا تمتلك فهماً لكيفية تقاطعها مع القمع العرقي هي ببساطة لون من ألوان هيمنة العرق الأبيض». إنّ النسوية التي لا تشمل تحرير غالبية نساء العالم اللواتي يواجهن عنف الحرب والاستعمار بالإضافة إلى عنف القمع الأبوي، هي نسويّة عنصريّة، والنسويّة التي لا تتقاطع مع مشروع التحرير الفلسطيني هي نسويّة استعماريّة. أن يكون الإنسان نسويّاً اليوم يعني أن يقف مع النساء الفلسطينيات وهنّ يقاومن من أجل الحرّية والعدالة والمساواة، ومع الشعب الفلسطيني في مسيرة تحرّره. خريستو المرّ – الثلاثاء ١٤ أيّار / مايو ٢٠٢٤
خَطَت أنجيليكا مولين خطوة بسيطة لامرأة هي بمثابة قفزة عملاقة في الكنيسة الأرثوذكسيّة لن تُحدث أقلّ من زلزال نفسيّ ونفض غبار كثيف من غبار التاريخ عن الممارسة والفكر في الكنيسة الأرثوذكسيّة. فقد قامت الكنيسة الأرثوذكسيّة في زيمبابوي في ٢ أيّار الماضي برسامة (تعيين طقسي) أنجليكا في وظيفة شمّاس (مساعد للكاهن) وهي وظيفة اضطلعت بها النساء منذ بداية نشوء الكنيسة، قبل أن يتلاشى حضورهنّ في هذه الوظيفة منذ حوالي 18 قرناً. وسيسيل حبر كثير لردّات فعل نتوقّعها تتأرجح بين الرفض الهستيري لرجال الدين، وبين التعالي الفوقي المتمسّك بقوالب فكريّة متحجّرة، للهجوم على هذه الخطوة المنسجمة مع اللاهوت الأرثوذكسي الذي لا يستطيع رجاله - لحسن الحظّ – أن يلغوا تاريخ ولاهوت الكنيسة الأولى. هذه الخطوة المباركة تتضارب مع التشنّج (والشحّ) اللاهوتي الذي يكاد يعرفه العالم الأرثوذكسي في كلّ موضوع مُعاصر تطرحه المجتمعات على ضمير البشر (شموسيّة المرأة، كهنوت المرأة، التحرّش والاعتداء، المثليّة، أخلاقيّات علوم الحياة...). موقف الكنيسة من المرأة موقف أقلّ ما يُقال فيه إنّه موقف ملتبس، وبرأيي إنّه موقف معادٍ متّشح بإعلاء شأن المرأة من زوايا عدّة؛ أهمّها زاوية تمجيد دور مريم بولادة يسوع أي تجسّد كلمة الله بحسب العقيدة المسيحيّة. هذا التمجيد يحاول رفع شأن المرأة اسميّاً، لكنّ الموقف العمليّ يحطّ من كرامتها ومساواتها للرجل بعرقلة عودة دور المرأة في القيادة الكنسيّة من خلال، على الأقلّ، إحياء في وظيفة الشمّاسات. ويتّضح التضارب بين الرفع اللفظي من شأن المرأة في الكنيسة الأرثوذكسيّة وبين دفعها إلى المواقع الخلفيّة عمليّاً، من خلال ضعف عدد اللاهوتيّات في الجسم الكنسي؛ وفي الكنيسة الأنطاكيّة يبدو فاقعاً غياب اللاهوتيّات، وتهميش أيّ دور لصوت لاهوتي نقدي وخاصّة إن أتى من امرأة. وللتدليل على ما نقول نذكّر بأنّ عدد الأستاذات المتفرّغات في كلّية اللاهوت في جامعة البلمند هو صفر، وأنّ البطريركيّة الأنطاكيّة قامت منذ سنوات قليلة (٢٠١٩) بعقد لقاء خاص للبحث بشؤون العائلة، حضره ما يناهز الستّين من الرجال وامرأتان! الإنجيل واللاهوت لا ينقلان رسالة يسوع مباشرة، وإنّما عبر مصافٍ عدّة تعود لحضارة الكاتب ونفسيّته وعُقده وواقع علوم عصره وعادات مجتمعه، إلى ما هنالك. لذلك يعتمد المسيحيّون على حضور الروح القدس في قلب كلّ مؤمن وفي الجماعة الكنسيّة لنشوء علاقة خاصّة لكلّ شخص مع يسوع، وللاجتماع باسمه وتحرّي مدى قرب الشخص أو الجماعة من رسالة يسوع المسيح وبعدها عنه، علّ ذلك يؤدّي على توبة، أي حرفيّاً تغيّر في الذهن. إنّ حضور يسوع في التاريخ يتمّ من خلال الجماعة الكنسيّة في نتاجها الفكري والعمليّ، الناتج من فِعل العودة إلى أصالة رسالة يسوع. لا شكّ أنّ تاريخ الناس الذين تسمّوا باسم يسوع أرخى بغبار كثيف فوق اللآلئ الأولى التي وضعها يسوع بيننا بكلامه وتصرّفاته، ومهمّة الذين تسمّوا باسمه في كلّ عصر هي إعادة نفض هذا الغبار الذي لا بدّ من تراكمه كي لا تختنق أنوار اللآلئ تحت غبار السنين، وكي يزيد التماعها. الفكر والممارسة المسيحيَّان محكومان بديناميكيّة التعبير عن الإيمان من خلال الواقع في التاريخ، ونفض الغبار التاريخيّ الذي لا بدّ من تراكمه. فالتعبير يعني بالضرورة استخدام قوالب زمانيّة ومكانيّة لهذا التعبير، وأن يمرّ هذا التعبير من خلال النفس البشريّة بتعقيداتها وعقدها، وكلّ هذا يتغيّر بتغيّر الأزمنة والناس. هذا ما عبّر عنه بولس في إحدى رسائله للمسيحيّين الذين بشّرهم بقوله «لنا هذا الكنز بآنية من خزف». الأرثوذكس أدمنوا الخزف حتّى كادوا أن يحنّطوا كنز رسالة التحرير خوفاً عليها من «التغيير»؛ لربّما كان من الأفضل أن يتمسّكوا بالمحبّة وهي «تطرح الخوف خارجاً» كما قال بولس نفسه. ليس فقط الأشخاص، ولكن أيضاً الكنيسة كجسد ليسوع، كحضور ليسوع متجسّداً في التاريخ، بحاجة إلى عمليّة توبة، لتغيير في الذهن لا يمكنه أن يتمّ إلّا بخلق مؤسّسات وآليّات تشاركيّة غير محصورة بالرجال، ولا تهمَّش فيها النساء، لإعادة النظر في فكرها وممارساتها اليوم، وكلّ يوم. «إن سمعتم صوته اليوم فلا تقسّوا قلوبكم» تقول الكنيسة عن الروح القدس، الروح اليوم يهبّ من زيمبابوي جنوب أفريقيا، من خطوة امرأة تُدعى أنجليكا، أي ملاك مرسل من الله. فهل تبقى الكنائس الأرثوذكسيّة الأخرى مشيحة بقلبها عن هبوب الروح، عن رسائل الله لنا في النساء؟ خريستو المرّ - السبت ٤ أيّار / مايو ٢٠٢٤ وجهُك الفصح. نقبّل وجهك حتّى لا يبقى على شفاه القلوب إلّا شفتيك الشافيتين. ننهي أسبوعًا عظيمًا أوغَلْنا بترانيمه في السُكرِ بخمرة الحبّ العتيق، المشعِّ حياةً فوق الصليب. عَبَرنا صحراءَ الصوم وكان صحوُ السكر يدفع بسكرِ الصحو إلى دوار الرؤى وفَرحٍ سطع بالموت حبًّا. أحببتَ حتّى الموت فقمتَ حتّى لا يبقى أحدٌ وحيدًا، ويكون صديقٌ يأوي إليه مَن تَعِبَ. أولمتَ جسدَك للذين جاعوا فُرادى كي يكون عرسٌ في القلبِ العابرِ للدنيا، والدنيا الـمُستَلّة من العدم، مغمّسةٌ بجرح العطب، لا بدّ. لخمسين يومٍ كنتَ زادَ الرحيل إليكَ كي يصبحَ كلُّ يوم موسمَ حبّ، وجسرًا إلى الحرّية فوق هدير الموت. إن سكنتَ القلبَ أو أسكنّاه فيك يفنى اليأس. بوجهك نحيا ولو متنا لأنّك لا تموت. أنت الفصح، العبور الدائم، أنت ملامسة نبض الأبد. بك لا نبقى عبيدَ الخوف الذي يستعبدنا لكلّ مخلوق وكلِّ هروب. كان الخوفُ من الألم قيدنا الأكبر، وأنت لم تَعِدْنا بنهاية الألم وإنّما بملءٍ لفراغٍ في القلب، يكسر القيود. لا يحاصر من أحبّك نفسه. أنت الرجاء. أنت المغامرة الشجيّة الجميلة للغز حبٍّ لا يعرفه إلّا مَن صعد سلالم العشق، صليبًا إثر صليب. أمّك العاشقة الأولى التي قالت «نعم» لتولدَ. هي التي قَبِلَت سيفًا في أحشائها عند موتك كي لا تبكي الأمّهات دون رجاء بعدها. لذلك تكون أمّك أمّ وإمامَ المحبّين في الحضرة، فقد قيل أنّ حبّها أصعدها السلالم دفعةً واحدة فأضاء جسمها بالبهاء الإلهيّ. جعَلْتَنا في قلب النهار الذي لا يرتجف الضوء فيه. رميت خميرة النور في الكون الكثيف ليتخفّف باللقاء، ويكونَ العيدُ استباقًا لضياء اليوم الأخير. أصبحتَ من اليوم وليمتَنا، ووعدًا بعشاء سرّي نهائيّ للذين أحبّوا فتقاسموا أجسادهم وأرواحهم مع صعاليك المدينة المجرمة. هل نحبُّ بعضنا بعضًا كما أنت أحببتنا؟ أي هل نحبّ بعضنا حتّى الموت؟ هل نحبّ عابرينَ الأديان، واللغات، والألوان، والأوطان؟ هل نحبّ الفلسطينيّ لأنّه مطروح مثلك، ومشرّد مثلك، ومُضطهد مثلك؟ هل نحبّ كلّ مضطهد علّقه التُجّار على شجرة الموت خارج نظافة المدن وكياستها؟ هل نثقب سقف السجن إذا بسطنا القلب على صليب الحبّ فصرنا أحرارًا منّا، عابرين إليك وإلينا؟ في فصحك لم تبقَ إلّا الحياةُ للذين يمتطون حصان الحبّ، فينضمّون إلى جماعة الفصحيّين، أولئك الذين اقتبلوا معموديّتك والذين لم يقتبلوها، أولئك الذين أحبّوا إلى المنتهى، أولئك الذين بهم يشعّ سرُّ بهائك كلّ حين. نحبّكَ ولا ننسى المأسورين في فلسطين. لا ننسى المقهورين لأنّنا نحبّك. صار ميراثهم للغرباء وبيوتهم للأجانب. احترقت أجسادهم من الحقد وجِلدهم من الجوع. فمضى فرحُنا وصارت أغانينا نَوحًا. نراك البهاء في الفلسطينيّين الأحرار المكسورين على جلجلة الأرض. غزّةُ صليب المحبّين، وأنينَ الذين لم تمت إنسانيّتُهم. هي صورة مطعونيّتكَ على الصليب، ولذلك نرنو إليها ونرجو. شعبها المكرّس للحرّية أنقى من الثلج. هم المتمرّدون الشهود أنّنا ولدنا للحرّية والحياة وأنّ الحقد يريد للحرّية أن تُقتَلَ وللفصح أن يتراجع. ولا يتمرّد على القتل إلّا الذين اغتسلوا ببهاء عينيكَ ففضّلوا على ركوع العبيد ركعتين في عشق الحرّية لا يصحّ وضوؤهما إلّا بالدم. اليوم فصحٌ، والفصح رحيلٌ طويلٌ معكَ في جسد الأرض وفي لحم القلب لننتقل من مساءلتك «جئتَ، فماذا صنعتَ وماذا غيّرتَ؟»، لنسأل أنفسنا ماذا صنعنا بك، وماذا غيّرنا في العالم؟ أَلَمُ العالم مأزِقُنا، نحن المخلوقون على صورة مجدك. المأزق انفكّ اليوم بالحبِّ الذي أنتَ، والقيامةِ التي هي وجهُك. قمتَ، يا سيّدُ، قمتَ يا حبيبُ، وليس من ميّتٍ في القبور. |
الكاتبخريستو المر الأرشيف
December 2025
Categories |

RSS Feed