موقع خريستو المرّ
  • كتب
  • محاضرات
  • مقالات في «الأخبار»
  • المقالة الأسبوعيّة
  • الإيمان والحياة اليوميّة
  • فلسطين
  • التزام شؤون الإنسان
  • الإيمان والثقافة
  • كلمات
  • خريستو المرّ
  • مواقع صديقة
  • المقالة الأسبوعيّة

شعانين القلوب وفلسطين

4/30/2024

 
خريستو المرّ - الثلاثاء 30 نيسان 2024 

​في احتفال الشعانين يحيي المسيحيّون ذكرى دخول يسوع المسيح إلى مدينة أورشليم-القدس. لكن ما علاقة هذا بحياتنا هنا والآن؟ لو كان الأمر مجرّد ذكرى لما كان لها من معنى، والمؤمن يجتهد أن ينقّب في الأحداث عن المعاني.
تُخبر النصوص الإنجيليّة أنّ يسوع، «ملك الملوك»، دخل مدينة أورشليم على جحش وأنّ الناس فرشوا له ثيابهم وأغصاناً من الشجر على الطريق. فإذا بالمشهد يحمل سمات ملكيّة ليدلّ على «ملوكيّة» يسوع كما يراها ذهن الذين تبعوه، ولكنّه ملك واضح التواضع. لهذا، فإن تعلّم الذين يحبّون يسوع شيئاً فهو أنّ مجد هذا الملك يسطع في تواضعه ووداعته. لا يكمن التواضع بأن يخفض الإنسان نفسه أو مواهبه أو يحتقر ذاته أو يقبل باحتقار الآخرين له، وإنّما بأن لا يستعلي. وتقول نصوص تلاميذه بأنّه بعد بضعة أيّام وقبل الصلب بقليل طلب يسوع من تلاميذه أن يغسل لهم أرجلهم، فتصرّف بينهم كالخادم، وهذا كان خطوة ثانية في الإيضاح بأنّ ملوكيّة هذا المسيح تكمن في خدمة حياة الناس. وأخيراً كانت الخطوة الأخيرة بموته «من أجل حياة العالم» «لتكون الحياة، وتكون أوفر»، كما قال بنفسه.
الموت من أجل حياة الآخرين، الموت حبّاً بالآخرين (وليس حبّاً بالموت) كان قمّة تعبير يسوع عن ملوكيّته، عن كونه «كلمة الله». إن أراد المسيحيّون أن يسيروا مسار يسوع، أي أن يكونوا، بالفعل لا بالقول، مسيحيّين، كان عنوان حياتهم عدم الاستعلاء وبذل الذات من أجل حياة الناس، كون الكلمة الإلهيّة الأبلغ قيلت بيسوع نفسه حبّاً، متواضعاً خادماً للحياة، لا يتزعزع حتّى أمام الموت. لا يصبح الإنسان مسيحيّاً بتطبيق جملة من الطقوس، بل بالسير مسار يسوع نفسه، بحبّه لهذا الشخص الذي قال عن نفسه إنّه «الطريق والحقّ والحياة» وتقفّي خُطاه، ومن سيرته تعلّمنا أنّ الحبّ هو طريقنا إلى الحياة، حتّى ولو كلّفنا ذاك الموت، لأنّ بالحبّ الخادمِ للحياة يكون كلّ إنسان – علِمَ أم لم يعلم - مع يسوع وبذلك ينتصر على الموت لأنّه يكون مع الذي قال: «أنا هو القيامة».
لا ينبغي لمن أحبّ يسوع أن يحبّ الموت، بل أن يرمي الاستعلاء عنه لينضمّ إلى الذين رموا أمام يسوع ثيابهم ليستقبلوه ملكاً على قلوبهم، وأن يحبّ الحياة ويخدمها مواجهاً خوفه من الموت، معنويّاً كان أو جسديّاً. هكذا يستقبل المحبّون يسوع في قلوبهم، فتصبح القلوب عرشاً لله، ويقوم يسوع بطرد تجّار الدين منها، أولئك الذين يبدّلون كلامَ الله، كلامَ خدمة الحياة والحبّ، بخطاب العنصريّة والاستعلاء والطائفيّة والانعزال والخضوع لقوى الموت من طغيان، واحتلال، واضطهاد، وقتل للأبرياء في غزّة والضفّة وكلّ مكان.
وإذا كانت القلوب عرشاً يَعبُر الحبُّ، المناضلُ من أجل الحياة، عبابَ الموت المفروض عليه، ليهزم قوى الظلام، قوى الاستعمار والاحتلال والاستغلال والبطش في فلسطين والمنطقة، فنرى يسوع داخلاً من جديد المدينة العظيمة لتتألّق هي بالوداعةِ وبلادنا بالسلام.

الموضوعيّة والمقاومة والمعنى

4/23/2024

 
خريستو المر الثلاثاء 23 نيسان 2024
إلى الصديق خالد بركات
​

تطمئنّ على مستقبل فلسطين حين يجلس طالب ثانوي على ضفّة شرق المتوسّط، هو رامي رمضان، وأنت على ضفّة بحيرة أوناتريو، ويخبرك أنّه ملتزم للقضيّة الفلسطينيّة وأنّه اختار موضوع العلاقة بين الإنتاج الفنّي والسياسة في إطار القضيّة الفلسطينيّة كموضوع بحثي للعرض في مدرسته. ثمّ يسألك «كيف يتكامل العمل الأكاديمي مع النشاط الاجتماعي ودعم القضيّة الفلسطينيّة في مجال تسود فيه الموضوعيّة كالأكاديميا؟»
هل من موضوعيّة صافية خارج الكيمياء والفيزياء والرياضيّات؟ لا أعتقد. حتّى في الفيزياء والكيمياء موضوعيّتنا محدودة بحدود معرفتنا الحاضرة ودقّة الآلات التي نقيس بها. فإن لم يكن لدينا معرفة عن طول بلانك (1.6 x 10⁻³⁵) فلن نتكلّم عنه أساساً. ولو كانت لدينا عيون القطط والكلاب، لكان لدينا صعوبة فائقة في رؤية اللون الأخضر والأحمر والبرتقالي، بينما الطيور ترى حتّى الألوان الفائقة للبنفسجي. حتّى في حقل موضوعيّ كالكيمياء أو الفيزياء، يمكن لمقاربتنا للحقل أن تكون غير موضوعيّة، وتاريخ العلوم الموضوعيّة يعجّ بخلافات حامية الوطيس بين الباحثين، لعلّ أشهرها الخلاف الشهير بين ألبرت أينشتاين ونيلز بور (الذي كان محقّاً) حول ميكانيكيا الكمّ؛ والخلافات غير الموضوعيّة موجودة حتّى في حقل رياضيّ كالإحصائيات.
نحن بشر ولسنا آلات، ولا يمكننا مقاربة الحياة إلّا عبر مجمل شخصيّتنا. وكلّ أمر يتجاوز الفيزياء والكيمياء والرياضيّات لهو أمر إنسانيّ نُقاربه بشكل يجمع بين الفكر والشعور والأخلاق (بالمعنى العام الشريف للكلمة)، أي إنّنا نقاربه بشكل غير «موضوعيّ» بالمعنى الضيّق للعبارة. هذه اللاموضوعيّة تنبع من خبرتنا الإنسانيّة التي تجعلنا نرى أنّنا لسنا حواسيب تفكّر فقط. نحن لسنا آلات تسجّل موضوعاً، نحن بشر. إنّ «موت» فلسطينيّ في غزّة ليس مجرّد توقّف لعضلة القلب ونشاط الدماغ الكهربائيّ، وإنّما قتلٌ لإنسان محبوب ويحبّ وله علاقات مع آخرين. وحتّى موت إنسان من مرض يجب أن نبحث في أسبابه وظروفه، لأنّه قد يكون ناتجاً عن قتل اجتماعيّ، أي عن عمليّة استغلال أدّت إلى إفقاره، فمرضه وعدم تمكّنه من العلاج.
يقودنا العقل المستنير بخبرتنا الإنسانيّة إلى أنّ الخروج عن الموضوعيّة الضيّقة الباردة ضروريّ في مقاربة شؤون العالم؛ لأنّ الموضوعيّة الضيّقة تعني انعدام الحسّ والتعامل مع الذات والآخرين بـ«العقل البارد»، أي بشكل يشبه الحاسوب. إنّ أولئك الذين يقومون بحسابات حول العدد «المقبول» من القتلى في غزّة، أو في العالم في حال نشبت حرب نوويّة (الحالة الأوكرانيّة مثلاً)، هم رمز صارخ لتلك «الموضوعيّة» الحاسوبيّة.
الحياة الإنسانيّة لا موضوعيّة، هي حياة شخصيّة لبشر من دم ولحم ومشاعر ونفوس. الحياة تحتاج أساساً إلى مقياس أخلاقيّ يقارِبها به الإنسان. كلّ تصرّف وموقف أمام حدث - مهما كانت تبريراته ومهما قيل عن أسبابه - ينبع أساساً من موقف أخلاقيّ. الجواب عن سؤال مثل «هل قتلُ الفلسطينيّين أمر جيّد أم مُدان؟» لا يتوقّف على موضوعيّة عدد القلوب التي توقّفت عضلاتها عن العمل نهائيّاً، وإنّما على المبدأ الأخلاقيّ الكامن وراء الموقف. وإن قال أحدنا إنّه سيّء لأنّنا كلّنا بشر (وهو أمر موضوعيّ وإن يختلف عليه الناس)، فهو لا يقول ذلك لكونه يعتقد بأمر موضوعيّ (كلّنا بشر) وإنّما بمبدأ أخلاقيّ، ألا وهو أنّنا كلّنا متساوون في القيمة.
ما من موقف لا ينطلق من مقياس أخلاقيّ (مُضمَر أو مُعلَن). لهذا، فالمبادئ الأخلاقيّة التي يمكن أن نستشفّها وأن نعتنقها هي أساس في تحديد توجّه الإنسان ومواقفه في الحياة. لا يمكن السير في الحياة خطوة من دون هذه المبادئ. أصلاً لا أحد يسير من دونها. ولهذا صحيح أنّه «لا يمكن لكلّ الكلام والأيديولوجيا والمبادئ أن تغيّر ما في النّاس إن لم يتغيّر واقعهم المادي»، كما عبّر عامر محسن في مقالة له حول الموقف من قضايا المنطقة واقتصاداتها، ولكنّه صحيح إلى حدّ فقط، وبهدف إحداث تغيير اجتماعيّ واسع، لأنّه عندها الوعظ لا يكفي، تحتاج إلى أرضيّة مادّية تبني عليها.
وفي موضوعنا حول المجاهرة بالتزام القضيّة الفلسطينيّة في جوّ رسميّ عدائيّ لها، فهذا يعني ضرورة حماية الإنسان من التعسّف الوظيفيّ وبناء شبكات تعاون وحماية اجتماعيّة عبر بلد ما. لكن رغم ذلك، فهناك مَن يتمسّك أساساً بالمعنى، أي بمبدأ أخلاقيّ لا معنى خارجه، ولذلك يقبل بالخروج من بلاد «الراحة» أو «الدّعة» إلى الصراع كي يبقى في بلاد المعنى. هؤلاء ينطلقون من واقع مادّي بطبيعة الحال (ومن يستطيع أن ينطلق إلّا من الواقع المادّي طالما نحن في هذا العالم؟) وإنّما لا ينتظرون وجود الواقع المادّي المتغيّر الذي يبتغون الوصول إليه، وإنّما ينطلقون من «المعنى» (أو المبدأ) الذي يجدونه في التزامهم مع غيرهم، من أجل إحداث تغيير للواقع المادّي لكي يتحقّق المعنى واقعيّاً في قلب الحياة. وإلّا فما الذي جعل مجموعات من الفقراء المجانين في القرن الماضي يناضلون في أحزاب لا «تطعمهم خبزاً» في بلادنا؟ وما الذي دفع بضعة مسلّحين فوق مركب «مسنّ» من العودة إلى كوبا لتغيير الواقع المادّي للناس؟ وما الذي دفع مجموعة من الصيّادين في فلسطين لـ«اقتحام» إمبراطوريّة للتبشير بأنّ عالماً من الإخاء ممكن على خطى الناصريّ؟ ما دفعهم ليس واقعاً مادّياً جديداً وإنّما المعنى، إنّه معنى المبدأ المشترك، والحلم بتحقيقه بشكل واسع. هؤلاء سمّيناهم أبطالاً وقدّيسين وأولياء وربّما أنبياء.
طبعاً هؤلاء نشدوا تغيير الواقع المادّي، فهناك ضرورة لتغيير الواقع المادّي للوصول إلى واقع إنسانيّ جديد تصبح به المبادئ طريقة حياة على نطاق واسع. إن لم نُنشئ بُنى اجتماعيّة واقتصاديّة تسهّل على الناس المشاركة وحتّى المحبّة ستبقى هاتان مصير بضعة أبطال وقدّيسين وأنبياء.

جمالات من مدينة قديمة

4/10/2024

 
Picture
خريستو المرّ - الأربعاء ١٠ نيسان ٢٠٢٤ 
​
كانت الكلمات تلك تغمر الطفل بالجمال عندما كان طفلاً صغيراً. كلمات غريبة، كلمات جميلة في لحن جميل. لا تستطيع الكلمات أن تنقل لا الموسيقى ولا موج الجمال الذي كان ينبع من الصوت ليتأرجح فوقه قارب الكلمات. كان الموج يغمر الطفل النائم على كتف البحر في المدينة الصغيرة النائمة بدورها شرق المتوسط. والكلمات، الكلمات الغريبة تلك، لم تكن مهمّة في أذن الطفل الذي لم يكن يفقه شيئا من العالم حوله سوى رفاق المدرسة واللعب والجمال والألم؛ فالمهم بالنسبة إليه كان جمال تلك الموجة التي كانت تنقله في تلك اللحظات إلى مساحة يلاحظها في هدوء الصباح والمساء، وهو نائم أو صاحٍ، 5 مرّات في اليوم.
من المؤكد أنّه لم يلاحظ الجمال خمس مرّات، على الأقل كان يلاحظه مرّتين أو ثلاث، ونادرا ما لاحظه عند الفجر مع أنّ أحلامه – كما يقول مسحورًا - كانت تشرب من دفق الجمال ذاك وهو نائم. في الفجر، عندما كَبُر، كان يخرج أمام عينيه معنى يقول: «الصلاة خير من النوم». لسبب ما كان يشعر بتلك الكلمات تقول "الصلاة أحلى من النوم". لكنّ الحلاوة، كلّ الحلاوة، كانت أكثف في العيد. كان ينتظر عيد الفطر بشغف عاشق ليرى فراشات تهاليل العيد حوله حين يستيقظ على الفرح. الولد يصحو. الأناشيد تتراكض من المسجد الوحيد الذي كان يعرفه، والذي كان مثله نائماً على كتف البحر. لم يعرف اسم المسجد، لم يكن يهمّه أنّه كان اسم أبي بكر الصدّيق، الذي عرف الولد فيما بعد أنه من الذين ساروا مع «النبي»، مع ذاك الوحيد الذي ينادونه الناس في حيّه وفي كلّ حيّ بـ«النبيّ». والأحياء كانت ملوّنة بالأديان في ذهن الكبار، لكن الولد لم يرَ تلك الألوان، فالحي لا يغيّر شكله ولا الجدران لونها، وهو لم يلاحظ سوى ألوان الفقر التي كانت قد لاحظته أولًا والتي تأكل الجدران في أحياء المدينة الصغيرة. والولد رأى الوجوه، والناس لا يغيرون وجوههم، لا تنهّداتهم، ولا فرحهم، ولا آمالهم، إذا انتموا إلى دين أو آخر، بالصدفة. ولذلك رأى الوجوه وجوهًا، ثمّ لاحقا رأى وجها واحدا خلف الوجوه.
لم تكن تهاليل العيد الجمال الوحيد الذي كان يتدفّق من مئذنة أبي بكر ليسيل في مجاري الأحياء القديمة. فقد كان هناك أيضًا الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، صوت عملاق صافٍ، قارئ للقرآن كان يشعر الولد الذي صار شابًا في ولد أو ولدًا في شاب، بأنه من سكّان مدينة طرابلس، المدينة الكبيرة المجاورة لمدينة الميناء، مركز العالم بالنسبة للطفل الذي سكنه. اكتشف لاحقًا عندما كان طفلاً يكتب كتابًا بأنّ عبد الباسط من مصر. أمّا صوت عبد الباسط فبقي فوق المدن والأزمنة.
الزمن الذي اكتشف فيه عبد الباسط عبد الصمد كان زمن سيارات الأجرة. كان وقتها طالبًا جامعيّا يافعًا يستكشف الحياة بعيني طفلٍ، أو بقلب طفل يتقفّى آثار صوت داخليّ يتردّد داخل كلّ جمال. خلال الرحلة في «السرفيس» إلى الجامعة، أعتاد وأصدقائه أن يستمعوا إلى ذلك الصوت الهائل الذي يتقاسمه الناس في السيّارة كما يتقاسمون الكعكة بالسمّاق، ويتشاركونه مثلما يتشاركون كلّ شيء آخر في حيّه، من البصل إلى القهوة إلى السّكر إلى الملح والخبز. عندما كانت أمينَة تكتشف أنّه كان ينقصها إحدى المواد لإكمال طبختها، كانت تخرج من الباب المفتوح لمنزله الوالديّ لتدلف إلى الباب المفتوح لمنزل الجيران المواجه لتنادي «زينة» جارتها فتطلب بصلة أو ملح أو أي شيء آخر، وأحيانا تمشي إلى «لويزا» في المنزل اللطيف المجاور. كان صوت «زينة» يسبق خروجها من الداخل مرحّبا، قبل أن تخرج هي وبيدها ما نقص عند أمينة. «زينة»، «لويزا»، و«ماري»، وأيّة جارة أخرى كانت تفعل الشيء نفسه في وقت آخر عندما تنسى بدورها أحد مكوّنات طبختها، وقد ينساها هو أيضًا لأنّ أحياء المدينة لم ترَ يومًا ذَهَبَ ذاك العصر الذي تلهج به الطبقة الوسطى إلى اليوم. لست متأكدًا ممّا إذا كانت الجارات تشكرن بعضهنّ البعض، ولا يذكر الولد أنّه سمعهنّ يشكرن بعضهنّ على الإطلاق، وبالتأكيد لم يكنّ يُعِدنَ ما استعرنه للطبخ، الفكرة لم تكن واردة. لقد استعرن فقط، وانتهى. في الواقع، لم يشعرن أبدًا بوجود «مِنَّة» بينهنّ، أو «معروف» كما يقولون في تلك الأحياء الغامضة. عاش أهالي تلك الأحياء، وتبادلوا، وساعدوا بعضهم البعض، كما يفعل أي شخص آخر في منطقة شرق المتوسّط. وانتهى.
بالعودة إلى عبد الباسط عبد الصمد، كان يسمع الشاب وأصدقاءه في سيّارة الأجرة عبد الباسط يفتح جناحي صوته ويطير، يطير عالياً إلى جبال لم يرها الشاب من قبل سوى مع ديمتري كوتيا في كنيسة حيّه، كما قال لي مرّة. أثناء التلاوة، عندما يصل النسر في صوت عبد الصمد إلى ارتفاع شاهق، كان يرتاح عند صخرة الصمت لبضع ثوان، ليبدأ مرة أخرى صعودا جديدا إلى أعالٍ جديدة، قبل أن ينزل فجأة إلى واد لا قعر له. حلّقْنا مع عبد الصمد، وما زلنا نحلّق. أعطانا أجنحة لا تذبل، تفتح باب الجمال على أفق النشوة. كان المستمع يكاد يدمع أمام الأمواج المضيئة المتسلّلة من خلف صوت إنساني، من الشغف الإنسانيّ إلى لانهاية كامنةٍ خلف صوتِ عبد الباسط، إلى جمال يتسرّب من الوجه البشريّ، من الصوت، من الصمت، من الكلام، من الأحياء، من الجدّة والعتاقة، من كلّ شيء توقّد فيه الحبّ فعرف العطش إلى الأعمق والأعلى.
كلّ فطر وأنتم بخير.

    الكاتب

    خريستو المر
    المقالات المنشورة في «الأخبار»

    الأرشيف

    December 2025
    November 2025
    October 2025
    September 2025
    August 2025
    July 2025
    June 2025
    May 2025
    April 2025
    March 2025
    February 2025
    January 2025
    December 2024
    November 2024
    October 2024
    September 2024
    August 2024
    July 2024
    June 2024
    May 2024
    April 2024
    March 2024
    February 2024
    January 2024
    December 2023
    November 2023
    October 2023
    September 2023
    August 2023
    July 2023
    June 2023
    May 2023
    April 2023
    March 2023
    February 2023
    January 2023
    December 2022
    November 2022
    October 2022
    September 2022
    August 2022
    July 2022
    June 2022
    May 2022
    April 2022
    March 2022
    February 2022
    January 2022
    December 2021
    November 2021
    October 2021
    September 2021
    August 2021
    July 2021
    June 2021
    May 2021
    April 2021
    March 2021
    February 2021
    January 2021
    December 2020
    November 2020
    October 2020
    September 2020
    August 2020
    July 2020
    June 2020
    May 2020
    April 2020
    March 2020
    February 2020
    January 2020
    December 2019
    November 2019
    October 2019
    September 2019
    August 2019
    July 2019
    June 2019

    Categories

    All

    RSS Feed

 ليس من حبّ أعظم من هذا : أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبّائه: يسوع المسيح
  • كتب
  • محاضرات
  • مقالات في «الأخبار»
  • المقالة الأسبوعيّة
  • الإيمان والحياة اليوميّة
  • فلسطين
  • التزام شؤون الإنسان
  • الإيمان والثقافة
  • كلمات
  • خريستو المرّ
  • مواقع صديقة
  • المقالة الأسبوعيّة