|
خريستو المر الثلاثاء 31 آذار 2026 عيد الشعانين في الكنائس المسيحيّة هو عيد بهجة باستقبال المسيح، فيه حضور خاص للأطفال وأغصان الزيتون والزهر والشموع، يستعيد فيه المسيحيون ذكرى لاستقبال الناس للمسيح يوم دخل القدس فاستقبلوه كمن يستقبلون ملكاً، ولكنّه كان راكباً على جحش ليشير إلى أنّ ملوكيّته بالخدمة والتواضع لا بالقهر والفخامة. فماذا تقول للضمير المسيحيّ اليوم طراوة أجساد عشرات آلاف الأطفال قتلتهم عصابات بصفة جيش، مدجّجة بأحدث الأسلحة وأكثرها فتكاً في غزّة؟ وماذا تقول أجساد مئات الأطفال الذين قتلتهم في لبنان أو في إيران نفس العصابات الهمجيّة لضمير المسيحيّين في ذكرى الشعانين؟ إنّ الأجساد الطريّة التي مزّقتها وحشيّة العنصريّة الصهيونيّة حتّى اليوم، تقول إنّ القاتل قد دفن الضمير، وكيف لا يدفنه وهو قد أقنع نفسه في نظامه التربويّ العنصريّ وفي أصوليّته الدينيّة الاستعلائيّة وفي إعلامه الوحشيّ أنّ مَن يقتلهم ليسوا ببشر. أمام مَن يرتع بالقتل في محيطنا، ويعلن صراحة رغبته بضم الأرض وطرد الناس من أرضها، لا عمل يمكن أن نقوم به معه إلّا أن نحاول أن نضع له حدّاً بالقوّة، فمن حاول غير القوّة قبلنا وجد الفشل تلو الفشل (قرار الأمم المتّحدة 425 الذي دعا إلى انسحاب العدوّ من الجنوب لم ينفّذه إلّا بالقوّة، ومسيرة العودة الكبرى في غزّة قوبلت بالقنص قتلاً وتعويقاً). الإيمان يكون بالحرّية أمّا العدالة فبالقوّة تكون، أو لا تكون. الكنيسة نفسها لم تنبذ العنف بشكل مطلق كما تحاول أن تصوّر كلمات البطريرك الراعي زوراً الذي وعظ في الشعانين بأنّ «الشعب الذي خرج لاستقبال يسوع لم يحمل سلاحاً، بل حمل أغصان النخل والزيتون علامة الفرح والسلام». فالكنيسة منذ تنصّر الإمبراطور قسطنطين، قبلت أن يستخدمَ المسيحيّون العنف للدفاع عن الحياة، ولو أنّ ذلك لا يعني أنّ العنف مقدّس. نعم، خرج الناس لاستقبال يسوع بأغصان الزيتون وشجر النخل لأنّ الداخل عليهم كان رئيس سلام، ولم يكن جنكيز خان. مئات آلاف الأجساد الطريّة في فلسطين المحتلّة ولبنان تفرض على الضمير المسيحيّ، خصوصاً في مدة الشعانين، أن يلتزم رفع الظلم عن المصلوبين من الشعبَين ممّن بقوا على قيد الحياة. ضمير المسؤولين الكنسيّين لو كان مسيحيّاً كان ينبغي أن يعمل دون استكانة لإيواء العائلات وأجساد الأطفال المشلوحة في البرد، كان يجب أن يأمر بفتح الكنائس والأديرة وأراضٍ شاسعة واسعة لا تدفع عنها الكنائس ضرائب، لتأوي إليها الطراوةُ حتّى لا تبرد، والنفوسُ حتّى لا تحزن، والكراماتُ حتّى لا تنجرح. أملاك الكنيسة ليست لها، فـ«لله الأرض وما عليها» وما الإنسان عليها إلّا بوكيل، أملاك الكنيسة هي للمحتاجين إليها من الناس كلّ الناس. الضمير المسيحيّ كان يقتضي أن تُفعّل الكنائس كلّ إمكانياتها الواسعة الشاسعة، واتّصالاتها، وماليّتها الضخمة التي لم تتبخّر في أموال الناس في المصارف، لكي تعيل المسيح المرميّ على الطريق، المسيح الذي تقول الكنائس إنّها تعبده ولكنّ قلبها بعيدٌ عنه تماماً كما قال يسوع: «هذا الشعب يكرّمني بشفتيه وأمّا قلبه فبعيد عنّي»، عنّي أنا النازح، عنّي أنا الأب الذي بتّ بلا عمل، عنّي أنا الأم التي فقدت ولدها، عنّي أنا الأب والأمّ المهجّران، عنّي أنا الطفل الذي يقف عارياً من القدرة على الدفاع عن نفسه من الجريمة الصهيونيّة. لكنّ كنيسة يسوع الحقّ ليست في أولئك الذين أغلقوا قلوبهم، بل في الأشخاص الذين يحملون يسوع، أولئك الكثيرون من كلّ دين وفلسفة الذين لا نسمع أصواتهم العالية في الإعلام المجرم يصرخ بأنّهم لا علاقة لهم بغيرهم، أولئك الكثيرون الذين لا يلومون يسوع على صليبه، أولئك الذين يجتمعون مع كلّ إنسان شريف ليسعفوا يسوع، وبذلك يكونون يسعفون أنفسهم ليبقوا بشراً، ليبقوا مخلصين لذاك المسيح الحقّ الذي علّقه الحقد على صليب. ألا جعلنا الله من أولئك ونجّانا شرّ الغربة عن أنفسنا، عن لحم إخوتنا الذي تنهشه العنصريّة والاستعلاء والاستعمار الصهيونيّ والإمبراطوريّة الأميركيّة التي تدّعي المسيحيّة، ومن شرّ الإذعان المخزي أمام الحقّ المصلوب، في بلادنا. خريستو المر، الثلاثاء 24 آذار 2026 (الأخبار)
------------------------- في بلدٍ يهاجمه عدّوه كلّ يوم، ليس هناك أخطر من تعريفٍ مشوّهٍ للعقلانيّة يجعل من الصمت حكمة، ومن التراجع واقعيّة، ومن التفاوض بأي ثمن فضيلة سياسيّة. في لبنان اليوم، لا نواجه فقط عدواناً خارجيّاً، بل نواجه خللاً داخليّاً في معنى السياسة نفسها. هناك من يصرّ على أن «العقلانية» تعني ضبط الخطاب، تجنّب الإدانة، وفتح قنوات التفاوض، فيما يتعرّض البلد إلى انتهاك يوميّ وتنكفئ الدولة عن واجب حماية مواطنيها (وهي تنكفئ قصداً عندما لا تخصّص للجيش موازنة تسمح له بالدفاع الفعليّ عن البلاد). وفي المقابل، تُقدَّم المقاومة، أو حتى الغضب الشعبيّ، كحالات محرِجة للحكومة مع الخارج، حالات غير منضبطة، أو «غير عقلانية». وصلت الأمور بالحكومة إلى محاولة تشريع أمر غير مشروع ألا وهو وضع مقاومة أبناء الأرض موضع الخروج عن القانون، بل ووصلت التفاهة إلى منع الإعلاميّين من ذكر كلمة «مقاومة». إنّ وجود قانون، مطلق أيّ قانون، لا يعني أنّه أخلاقيّ؛ فكم من قانون في أكثر من بلد (فلسطين المحتلّة مثلاً) هو عنصريّ وتمييزيّ. القانون هو شرعيّ كونه وُضع وفقاً للأصول، لكنّ ذلك لا يجعله مشروعاً، أي لا تجعله مرتبطاً بالضرورة بالعدالة، والحقّ. من حقّ الإنسان الدفاع عن نفسه وأرضه بأقلّ تقدير، شاء مَن شاء، وأبى مَن أبى، حتّى ولو خالف ذلك كلّ قوانين الدنيا. أمام عدوّ يقتل ويهدّد بالاحتلال، لا يحتاج إنسان أو جماعة إذناً من أحد ليدافعوا عن أنفسهم. لحسن الحظّ طبعاً، أنّ الدول والحكومات ليست جميعها مثل هذه الحكومة، وأقرّت في شرعة حقوق الإنسان وشرعة الأمم المتّحدة (التي مزّقها ممثّل العدوّ في الأمم المتّحدة أمام الملأ) حقّ الإنسان «في الحياة والحرية وسلامة شخصه» و«الحقّ الطبيعي بالدفاع عن النفس». العديد يتّهمون الناس الذين تدعم مقاومة الاحتلال باللاعقلانيّة، ومنهاج الحكومة يصبّ في نفس الاتّجاه. لكنّ السؤال الذي نودّ أن نطرحه هنا بوضوح: مَن يملك حق تعريف العقلانية؟ وبأيّ معيار؟ لن نحلّ موقف الحاقدين وقصيري النظر ونكتفي بالحكومة. حين تسعى السلطة إلى تعريف «العقلانيّ»، وشرح الحلول «العقلانيّة»، فهي لا تصف الواقع، بل تعيد تشكيله على أساس مصالحها. إذ تصبح العقلانيّة مرادفة لما تريد الحكومة فعله، لا لما يمكنها فعله؛ وفي لبنان تريد الحكومة إرضاء الخارج بأيّ ثمن، دون اكتراث بحماية الداخل. هكذا «عقلانيّة» لا تسعى أن تكون الدولة حاملة لآلام شعبها وطموحاته ومعبّرة عنها، بل تسعى إلى تسويق نفسها إلى الخارج؛ لذلك عوض أن تسعى لردّ العدوان بالوسائل المتاحة داخل البلاد، تسعى كي «تُوازن» بين إدانة الاعتداء وتجنّب المواجهة؛ وعوض أن تتكلّم عن حماية البلاد، تتكلّم عن تجنّب «التصعيد». هذه «العقلانيّة» تنسف أسس شرعيّة وجود الدولة، إذ إنّ سياساتها تعني واقعيّاً التنصّل من واجبها حماية الشعب. الدولة، في أبسط تعريفاتها، تحتكر العنف الشرعيّ لتؤمّن الحماية. لكن حين تنسحب من هذه الوظيفة، ويُترك الناس لمصيرهم، يصبح السؤال عن الشرعيّة سؤالاً وجودياًّ، لا تأمّلاً نظريّاً. الحكومة اليوم في لبنان، ليست الجهة التي تحمي، وإنّما الجهة التي تبرّر عدم الحماية. هذا يتجاوز كونه فشلاً سياسيّاً، هذا فراغ سياديّ، فراغ تملؤه قوى أخرى، ولحسن الحظّ تملؤه بفاعليّة ميدانيّة نتمنّى لها أن تستمرّ، لأنها ببساطة تقوم بما عجزت عنه الدولة: الدفاع. غير أن هذا الفراغ للدولة ليس حادثاً عرضيّاً، هو نتيجة بُنية سياسيّة قائمة على الطائفيّة، نتيجة بنية لا تُنتج دولة وإنّما توازن قوى داخل الدولة، وهي بُنية تحظى بحماية جميع القوى السياسيّة (حتّى تلك الغاضبة من غياب الدولة اليوم). في النظام الطائفي، لا يوجد وحدة في القرار السياديّ فالقرار موزّع على مجموعة زعماء متنافسين على السلطة لا يثقون ببعضهم البعض، وثقة الناس أيضاً موزّعة على زعماء لا موضوعة في الدولة، والجيش ليس أداة حسم وإنّما مؤسّسة تُعامل على أنّه يجب تحييدها كيلا تختلّ التوازنات. هكذا يصبح من المستحيل تقريباً الجمع بين قدرة دفاع فاعلة، وقرار سياديّ موحّد، وثقة شعبيّة حقيقيّة. ليس لأن هذه الثلاثية غير ممكنة، بل لأن النظام نفسه يمنع تحققها. مشكلة هذه الحكومة بالذات لا تكمن في كون فعل المقاومة «غير عقلانيّ»، بل في كونه اليوم خارج التوازنات، أي خارج سيطرة الدولة الطائفيّة. المقاومة مقبولة حين يتّفق عليها نظام الزعماء الهشّ والمرتبط بالخارج. لكنّها اليوم ليس من تراضٍ على وجودها، والحكومة تسعى إلى التطبيع بشكل فاقع، والمقاومة تذكّر الحكومة بأن هناك إمكانيّة لفعل سياسيّ لا يمرّ عبر قنوات التوازنات الهشّة لذلك توصف باللاعقلانيّة: مرّة كخطر، مرة كإحراج، ومرة كعبء يجب احتواؤه. في المقابل، يُرفع التفاوض إلى مرتبة العقلانيّة المطلقة، حتى حين يكون بلا شروط واضحة، وبلا قدرة تفاوضية حقيقيّة (ما قدرة الحكومة في مفاوضة العدوّ دون قوّة دفاعيّة، قوّة الحجّة مثلاً، العدوّ لا يعرف القوانين الدوليّة والحكومة تريد أن توضح له ذلك على طاولة مفاوضات؟). لا يمكن إقناع شعبٍ بأن الصمت حكمة وهو يرى أرضه تُنتهك وأولاده يُقتلون، ولا يمكن بناء شرعيّة على خطاب يتجاهل ما يعيشه الناس يوميّاً. ما تقوم به الحكومة غير عقلانيّ، إنّه من غير العقلانيّ أن تسعى حكومة أيّ بلد إلى التفاوض مع أعداء بلادها، وهي تعمل جاهدة لتحييد كلّ مواطن قوّة في البلاد. لكنّ المشكلة الأساس ليست في الزعيم الفلاني، أو الرئيس الفلاني، المشكلة الأساس تبقى الدولة الطائفيّة. فالمشكلة لا تكمن في اختيار الإنسان بين «مقاومة» أو «تفاوض» بل في جمع القدرتين، من الضروري أن تمتلك الأوطان وسائل الدفاع، ويمكنها أن تستخدم وسائل التفاوض غير المباشر، وهي وسيلة رضي بها الجميع في لبنان من قبل، والتفاوض وسيلة حتّى المنتصر لتحديد شروط هزيمة الآخر أقلّه. المسألة الأساس هي أن نبني دولة قادرة على أن تفاوض من موقع قوّة، لا من موقع إنكار للواقع، وهذا لا يمكن أن يتحقق دون تغيير للمعادلة القائمة في لبنان من جذورها: (1) دولة غير طائفية تنظر إلى مواطنيها كمواطنين ومواطنات لا كمكوّنات وطوائف وبذلك يمكنها أن تمثّلهم وتوحّد القرار، (2) وعقيدة دفاعيّة تؤمّن الشروط الضروريّة ليكون الجيش الوطنيّ قادراً على الحماية، (3) وثقة شعبيّة نابعة من تمثيل حقيقيّ للمواطنين والمواطنات. بغير ذلك، سنبقى ندور في حلقة مفرغة: دولة تضعف باسم «العقلانيّة»، وشعب مقسّم يبحث عمّن يحميه خارجها. خريستو المرّ، الثلاثاء ١٧ أذار / مارس ٢٠٢٦
-------------------------------- الإنسان والجماعات الذين يتعرّضون لهجوم استعماريّ مخيَّرون بين أمرين: إمّا ألّا يفعلوا شيئاً ويقبلوا أن يُستعبدوا أو يموتوا، وإمّا أن يناضلوا في سبيل التحرّر. لكنّ التحرّر ليس كلمات في كتاب تاريخ، أو نزهة جميلة لا تعفّرها دماء أو أخطاء أو خطايا. فما من حركة تحرّر في التاريخ لم ترتكب أخطاءً، وأحيانا جرائم، خلال الصراع. النضال في سبيل التحرّر يمكنه أن يتمّ عن طريقين: نضال لاعنفي، أو نضال عنفي. وقد جُرِّب النضال اللاعنفي ونجح في بعض الحالات، كما فعل غاندي في الهند. لكنّه جُرِّب أيضاً دون نجاح في حالات أخرى؛ فقد جرّبه الفلسطينيّون في غزّة خلال أشهر من «مسيرة العودة الكبرى» حين كانوا يسيرون عُزّلاً نحو حدود غزّة، فيقابلهم جيش الاحتلال بالقنص قتلًا وإعاقة. أمّا الجبن وما يستتبعه من امتناع عن النضال فأمر قبيح، لا كرامة فيه ويرفضه كلّ شعور إنسانيّ، وهو عديم المسؤوليّة. لذلك فإنّ مخترع النضال اللاعنفي، غاندي، لم يتردّد أن يقول «إنني أؤمن حقًّا بأنّه إذا لم يكن هناك خيار سوى بين الجبن والعنف، فإنني أنصح بالعنف. ولأُفَضِّل أن تلجأ الهند إلى السلاح دفاعًا عن شرفها على أن تقف جبانةً شاهدًا عاجزًا على إهانة نفسها». وفي بلادنا، دافع اللاهوتي كوستي بندلي، وكاتب هذه السطور، عن الموقف التالي: حينما تنتفي إمكانيّة الفعاليّة في النضال اللاعنفيّ (أو لا تكون وحدها كافية) فلا بدّ من اختيار النضال العنفيّ وسيلة للتحرّر. والسبب، بالنسبة لي، بديهيّ: المسؤوليّة عن الحياة: حياة الآخرين وحريّتهم. إذ يمكن للإنسان أن يختار أن يموت دون أن يحاول قتل أحد، لكنّه لا يستطيع أن يتنصّل من مسؤوليّته عن حياة غيره: عائلته، ومواطنيه، وكلّ إنسان مظلوم واقع تحت اعتداء قد يُبيده أو يستعبده. لكن عندما يقوم الناس بعمل عنفي، فلا بدّ أن يخطئوا: إمّا بسبب سوء تقدير، أو بسبب انفلات العنف من الضوابط خلال المعركة، أو بسبب انحراف قيادي هنا أو هناك. لكن هذا لا يعني أن يرمي الإنسان كلّ محاولة للنضال العنفي، أو أن يتوقّف عن النضال لأنّ جماعة من المناضلين ارتكبوا جرائم. بل يعني أنّه يجب نقد الأخطاء، وإدانة أيّ تجاوز، من أجل ضبط العنف المنحرف. والنقد ضروريّ أيضا، للإعداد للنضال إعداداً أفضل، وسدّ نواقص النضال أكانت ظرفيّة (نقص في الاستعداد) أم بنيويّة (فئويّة طائفيّة وهي ضعف بنيويّ للمقاومة في لبنان). ولهذا فإنّ نقد القائمين على عمليّة التحرّر جزء من مسار التحرّر. غير أنّ النضال لدى الكثيرين يتّسم بالرومنسيّة. فهناك رومنسيّة العنف المعروفة، التي تقوم على اعتبار كلّ حمل للسلاح شجاعة و«رجولة»، وكلّ قتل مشروع لأنّه في سبيل قضيّة كبرى. وهذه الرومنسيّة قصيرة النظر، كما أنّها قد تنحرف لتصبح وحشيّة، وتنقلب في النهاية ضدّ التحرّر نفسه. لكنّ هناك رومنسيّة أخرى لم تُحلَّل كثيراً، هي رومنسيّة الليبراليّين المحبّين للديموقراطيّة بعد أن تكون هذه بُنيَت فوق ملايين الجثث التي لم يروها، وقامت على استعباد عشرات الملايين الذين لم يعرفونهم، وتستمرّ اليوم فوق جبال من الضحايا التي لا يشعرون بموتها لأنّها خفيّة عن وعيهم. هؤلاء يريدون الحرّيّة دون أن يدفعوا هم، أو يدفع غيرهم، ثمنها؛ أو يريدون ثورة عنفيّة بلا أخطاء ولا خطايا. طبعا هناك الذين يتوهّمون أنّ الحرّية تأتي على أجنحة الاستعمار. وما يجمع هؤلاء الرومنسيّين أنّهم لا يقيمون وزنا لفداحة النتائج في غياب النضال العنفيّ على أخطائه. فما إن تُرتكب الأخطاء حتى يحجموا عن تأييد المقاومة من أجل التحرّر، ويرتدّوا عليها بحجّة «سقوطها» الأخلاقي. وهذا، فضلاً عن كونه موقف لا مسؤول لأنه لا يفكّر في مصير الناس إن لم يقاوموا، فهو أيضاً موقف خارج التاريخ. لو أنّ هؤلاء يشاركون أو يدعمون حركة نضال لاعنفي تسعى فعلاً إلى التحرّر، فلا بأس؛ إذ يمكن للإنسان أن يمتنع الإنسان عن المشاركة في عمل عنفيّ، لكنّه من ناحية أخرى يشارك في النضال اللاعنفي من موقعه، ولا يحارب النضال العنفي بل يكتفي بنتقد تجاوزاته، كما ينتقد قصور النضال اللاعنفيّ وأخطائه وخطاياه (الموجودة حتما). أمّا أن يحارب الإنسان النضال العنفي دون أن يكون هناك للناس بديل، أو يتمسّك بالنضال اللاعنفي حلاً وحيداً بعد أن ثبت عدم فعاليّته في تحقيق التحرّر أو الدفاع، فذلك عدا عن كونه موقف لا مسؤول، فهو موقف لا تاريخيّ. إذ تكشف الدراسات التاريخيّة أنّ حركات التحرّر، رغم دورها في مقاومة الاحتلال والاستعمار والهيمنة، ترتكب أيضًا انتهاكات ضد المدنيين. ونحن إذ نشرح هذه الأمور للتفكير، فهذا لا يعني أنّنا نوافق على ارتكابها. في فرنسا خلال التحرير عام 1944، شاركت بعض عناصر المقاومة الفرنسيّة في إعدامات ميدانية لأسرى ألمان ولمدنيين فرنسيّين متّهمين بالتعاون مع النازيّة، ضمن موجة معروفة بـ«التطهير الوحشي» التي أودت بحياة آلاف الأشخاص خارج أي مسار قضائيّ. كما استهدُفت النساء المتّهمات بـ«التعاون» من خلال مئات حالات الاغتصاب، وطقوس علنيّة لحلق الشعر والإهانة، وبينما تعرّضت آلاف النساء لعقوبات علنية قاسية عاد كثير من الرجال الذين تعاونوا فعلياً مع الاحتلال الألماني سياسياً أو اقتصادياً إلى مواقعهم بعد الحرب (إقرأوا فابريس فيرجِلي). وفي حرب فيتنام، قادت القوات الشيوعيّة نضالًا تحرّريًا ضد الولايات المتحدة وحلفائها، لكنّها نفّذت أيضًا عمليات قتل وتطهير سياسيّ ضد مدنيّين اعتُبروا أعداء الثورة، كما في أحداث هوي عام 1968. ويجب وضع هذه الانتهاكات ضمن سياق حرب أوسع شنّتها الولايات المتّحدة واتسمت بعنف أميركيّ واسع النطاق ضد المدنيّين، حيث ارتكبت القوات الأميركيّة فظائع كبيرة، مثل مجزرة «ماي لاي»، والقصف الواسع للقرى، والقتل خارج نطاق القضاء، والتعذيب، والاحتجاز التعسّفي. أما في حرب الجزائر، فقد مارست جبهة التحرير الوطنيّ هجمات وتفجيرات ضد مستوطنين أوروبيّين وضد جزائريّين اعتُبروا خونة (مجزرة ملوزة). هنا أيضا، مارس المناضلون العنف بحقّ حتّى مدنيّين جزائريّين، في سياق عنف الدولة الفرنسيّة الاستعماريّة الأوسع، حيث مارست القوات الفرنسية حملة قمع واسعة شملت التعذيب المنهجي والاختفاء القسريّ، والتدمير الجماعي للقرى، ذلك بعد أن قتلت حوالي ثلث السكّان خلال السنوات الأولى من احتلالها للجزائر. يذكّرنا تاريخ حركات التحرّر بأنّ الطريق إلى الحرّيّة ليس بسيطا وسهلا، وليس خاليًا من الأخطاء والجرائم أحيانًا. لتجنّب انحرافات العنف (أو لأسباب إيمانيّة) يمكن للإنسان أن يفضّل النضال اللاعنفيّ، المهمّ أن يمارسه بالفعل لا أن يختار الانكفاء عن المواجهة والجبن، أو ممارسة العنف على المستضعف! كما أنّه من الضروريّ نقد النضال اللاعنفيّ حين يكون غير فعّال وعقيمًا، أو ينجرف إلى الجبن والتطبيع مع العدوان. لكنّ النضال العنفيّ طريق ضروريّ، ووحيدٌ أحيانا، لأجل التحرّر، يختاره البشر رفضًا للعبوديّة والاستغلال والإذلال. التحدّي لا يمكن في رفض النضال العنفيّ لمجرّد حدوث الأخطاء والخطايا، أو في إنكار تلك، بل في نقدها وضبطها حتى يبقى النضال في خدمة التحرّر، مع توسيع حركة التحرّر بهويّة جامعة ورفدها بنضال لاعنفيّ، مثل المقاطعة التي يستطيع كلّ إنسان المشاركة فيها. هناك عبارة قيلت يوما بشأن المسيحيّين الذين يتجنّبون الالتزام في قضايا التحرّر خوفا من الأخطاء، يجب أن يتأمّلها طويلا المؤمنون صدقا بضرورة التحرّر: إنّهم من كثرة ما خشوا أن يوسّخوا أيديهم صاروا بلا أيدي! ننحني أمام مقاومينا الذين يضحّون لكي نتحرّر جميعا يومًا، ونرفدهم بما استطعنا من قوّة، ومنها المقاطعة، وربّما، هذه المقالة البسيطة. خريستو المرّ، الثلاثاء ١٠ أذار / مارس ٢٠٢٦
---------------------------------- سرّ الصوم ليس في الامتناع عن الطعام، وإنّما في الامتناع عن القسوة، وبالأحرى بالانطلاق في التعاطف والمحبّة. وضبط الجسد في الصوم ليس هو الهدف، وإنّما الهدف هو تهذيب القلب. الموضوع يتجاوز موضوع الامتناع عن الطعام، فكثير من الملحدين يصومون عن اللحم طوال حياتهم، أي أكثر بكثير من فترات الصوم لدى المسيحيّين والمسلمين. والموضوع الأساس ليس معرفة الله أيضا معرفة ذهنيّة، فالشيطان (الذي يعترف المؤمنون بالله بوجوده) يعرف الله أكثر منّا جميعا، وهو لا يأكل ولا يشرب، ورغم ذلك فهو ليس بأقلّ من... شيطان. الصوم، في أعمق معانيه، تمرينٌ على أن يفسح الإنسان مجالا أوسع في قلبه لله، والإثبات الوحيد على هذا الإفساح هو بأن يفسح مجالا أوسع لغيره في قلبه وعمله، أن يكون رحيما، واسع القلب كالله، وكلمة الرحيم تأتي من الرحم الذي يتّسع ليحمل الجنين. الصوم تمرين على أن يكون الإنسان على «صورة» الله بالمعنى المجازيّ للكلمة، بمعنى أن يكون رحيما كالله، مُحِبّا مثله. هذا يعطي الصوم معنى إيجابيّا وليس سلبيّا، معنى لا يقوم بالامتناع عن، بل بالسير نحو، بتغيير طريقة الحياة لتكون شبيهة بطريقة الحياة الإلهيّة: حياة رحمة ومحبّة. إنّ جوع الإنسان الحقيقي ليس جوع المعدة، بل جوع قلبه إلى حنان الآخرين، وجوع قلبه إلى أن يكون أكثر إنسانيّة، إلى أن يسكنه الله كي يكون رحيما. يقول الكتاب: «لا تغلق أحشاءك عن أخيك» (1 يوحنا 3: 17). وفي موضع آخر يأتي تحذير يعكس قسوة الواقع: «لا يعضّ بعضكم بعضًا ولا يأكل بعضكم بعضًا» (غلاطية 5: 15). هذا يعني أنّ الصوم، في معناه العميق، ليس مجرد امتناع عن لحم الحيوان، أو امتناع عن الطعام لفترة، وإنّما امتناع عن لحم الأخ والأخت: الامتناع عن ظلمه، عن استغلاله، عن تعنيفه، عن إقصائه، عن تركه لمصيره دون أحد، أي هو يكمن في العمل الفاعل لكي يكون القلب قلبا لحميّا لا قلبا حجرّيا، متعاطف مع الآخرين ولذلك فاعل من أجلهم. ما جدوى أن يترك الإنسان اللحم على مائدته إن كان يأكل كرامة أخيه في الحياة، أو يمتنع عن أن يستردّ إخوته في الإنسانيّة كرامتهم؟ كرامتي من كرامة كلّ مَن امتهنت كرامته، أو تعرّض لقسوةٍ تريد انتزاع كرامته منه. لا معنى للتقشّف والصوم إن كان القلب لا يزال مغلقًا. لكن هل أتعاطف وأعمل من أجل من يشبهني؟ لقد أعطى التقليد المسيحي «للغريب» مكانة خاصة. فالغريب في الكتاب ليس مجرد عابر سبيل؛ إنه كلّ آخر، خارج قبيلتي، عائلتي، طائفتي، ديني، وضعته الظروف في طريقي ليخاطب ضميري، كلّ غريب هو كلمة الله إليّ لكي أبقى بشرا ولا أصبح حجرا، لكي أصنع معه المحبّة فيصبح قريبي بالمحبّة التي وحدها تُنشئ عائلة حقّا. في الآخر «الغريب» يختبر الإنسان صدق إيمانه، لأن الله نفسه يظهر في صورة الغريب، ولذلك يقول الإنجيل: «كنت غريبًا فآويتموني» (متى 25: 35). وفي زمننا هذا، حيث حروب الاستعمار والاستكبار تحاصرنا، يصبح الصوم سؤالًا أخلاقيًا حادًّا: هل يفتح الإنسان بيته، أم يغلق قلبه؟ هل تفتح المدن والقرى مدارسها أم تغلقها؟ هل يكون الناس للناس أم يفقدون إنسانيّتهم؟ في هذه الهجمة الإسرائيلية، وفي هذا التهجير القسري الذي هو بمثابة عقاب جماعيّ لأكثر من ربع الشعب اللبناني، لا يكفي أن يتكلم الإنسان عن الإيمان. الإيمان يُمتحن هنا، في هذه اللحظة. أن يكون الإنسان مؤمنا في مثل هذه اللحظات يعني أن يعمل المستحيل ليجد للغريب مكانًا، فكيف إذا كان «الغريب» ليس غريبًا حقًا، وإنّما قريب، أوّلا في الإنسانيّة، ثمّ في الوطن والقرى والمدن التي تقاسمنا معه فيها الخبز واللغة والذاكرة؟ الصوم لا يستقيم بدون تبنٍّ لآلام الأخرين بحيث تكون آلامي أنا، دون ذلك لا معنى للصوم. الأمر نفسه ينطبق على المسلمين أيضا الذين يقيمون اليوم صوم رمضان. فالصوم في الإسلام أيضًا ليس مجرّد انقطاع عن الطعام بلا معنى. يرد في القرآن: «أرأيت الذي يكذب بالدين، فذلك الذي يدع اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين، فويل للمصلين، الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراءون، ويمنعون الماعون.» (الماعون 1–3). ويرد أيضًا: «ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر من آمن بالله واليوم الاخر والملائكة والكتاب والنبيين، وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين» (البقرة 177). فالصوم في رمضان، كما في الصوم المسيحي، ليس مجرّد طقس وإنّما طريق نحو القلب المنفتح على الآخر في أوضاعه هو، أي طريق نحو العدالة. لا معنى للجوع إن لم يفتح باب القلب للآخر، ولا معنى للعبادة إن لم تمتد اليد إلى الموجوعين. الصوم يتمّ عندما ينتهي الطعام ويبدأ القلب. عندما يتعلّم الإنسان أن يرى وجه الله في وجه الجائع، وفي وجه اللاجئ، وفي وجه المهدَّد بيته، وفي وجه الطفل الذي فقد بيته وفي وجه الذي شرّدته يد الاستعمار والاستكبار والإهمال الداخليّ. عندها يصبح الصوم صلاةً حيّة. ليس السؤال الأخير إن كنّا صمنا عن الطعام، ولا إن صمنا عن القسوة (وبقينا سلبيّين فلم نفعل شيئا)، السؤال هو ماذا فعلنا؟ ماذا فعلنا اليوم بالآخر الذي تغرّب في وطنه كغريب؟ يقول الكتاب أنّ الله سأل قايين «أين أخيك هابيل.»، وأن ذاك أجابه «لا أعلم، ألعلّي حارس لأخي؟». كلّ مَن لم يعتبر نفسه حارسا للمهجّرين اليوم، كلّ من لم يمدّ لهم يد المساعدة يكون قد شريكا لقايين. إن لم يَصُم الإنسان عن أكل لحم أخيه الإنسان فيمتنع عن استغلاله، وإن لم يغيّر طريقة حياته ليرى المظلومين عيالا لله، ووجها مميّزا لأبيهم السماويّ، يبقى صومه مجرد جوعٍ طويل، ولا يتحوّل ليكون طريقا إلى السماء. أمّا الصوم الذي يفتح القلب على الآخر، فذاك صوم ثوريّ، هو صوم على حسب قلب الله، هو صوم يغيّر العالم لأنّه يهتمّ لمصير الناس، فيعمل. خريستو المر، الأربعاء 4 آذار 2026
عندما تتعرّض دولة ما لاعتداء عسكريّ أو اقتصاديّ من قِبل قوى خارجيّة كبرى، تحت شعار «تغيير النظام» أو «نشر الديمقراطيّة» أو «حماية الأمن الإقليمي» أو «تحرير الشعب»، فإنّ أولى الضحايا تكون السيادة. والسيادة ليست تفصيلاً تقنيّاً؛ إنها التعبير السياسيّ عن حقّ الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها. حين تشنّ عدوّتا شعوب هذه الأرض، الولايات المتّحدة الأميركيّة و«إسرائيل»، هجوماً على إيران بزعم السعي إلى «تغيير النظام»، فالسؤال الأساس ليس ما إذا كان النظام القائم بالفعل قمعيّاً أم لا، أو إن كان يعاني من اختلالات شتّى أم لا، وإنّما السؤال الحقيقي هو: مَن يملك الشرعيّة لتقرير هذا التغيير، وبأيّ وسائل؟ إنّ تغيير أيّ نظام هو حقّ الشعوب ذات السيادة. هو حقّ المواطنين والمواطنات، والحركات الاجتماعية، والمجتمعات التي تعيش يوميّاً تبعات الحكم. هذا التغيير ليس من حقّ دول خارجيّة تبني استراتيجيّاتها على السيطرة على الموارد، وترسيخ النفوذ. عندما تبادر قوى خارجيّة (في إيران أم في سوريا) إلى السعي لتغيير نظام، فإنّ حساباتها لا تكون أخلاقيّة وإنّما تكمن في كيفيّة استخدام هذا التغيير لدعم مصالحها، فكيف إن كانت تلك الدول الخارجيّة إمبراطوريّة كالولايات المتّحدة، أو استعماريّة كـ«إسرائيل»؟ هذه الدول لا تفكّر إلّا في طرق الإمداد بالمواد الأوليّة، وطرق التجارة، وأماكن التموضع العسكريّ، وكيفيّة الوصول إلى الطاقة وغيرها من المواد بالأسعار التي تريدها، وكذلك كيفيّة قمع أيّ معارضة لمخطّطاتها. لقد أظهرت حروب الاستعمار الحديثة (العراق مثلاً) والقديمة أنّ التدخّل حين يُقدَّم بوصفه «تحريراً» أو «نقلاً للحضارة» يؤدّي بالفعل إلى تفكيك للبنى الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة للبلد المُهاجَم وإلى نهب ثرواته والمزيد من القمع بأجهزة جديدة. فعادة ما تنهار المؤسسات، وتتفاقم التوتّرات الطائفية أو الإثنية، وتتحوّل وعود «الحرّية» و«الحضارة» إلى مسألة ثانوية أمام الحاجة الملحّة إلى إعادة فرض النظام والأمن. ويُجري المنتصرون تقسيماً فعليّاً للدولة، أو يعملون على إضعافها إلى حدّ تفقد معه قدرتها على انتهاج سياسة مستقلّة، إذ تُستتبع لمركز الإمبراطورية وحاجاته، وحاجات ممثّليه الإقليميّين (إسرائيل في حالتنا، ودول الخليج التي تدور في فلكها). ضعف الدولة المُهاجَمَة بعد الحرب ليس صدفة، بل جزء من التصميم الأساس للذين شنّوا الحرب. وعندما يكون الهدف الأعمق للحرب ضمان سيطرة طويلة الأمد على موارد المنطقة، وكسر أيّ مقاومة لمصالح الإمبراطورية، فإن تفكيك الدولة (أو إضعافها) يكون أداة لخدمة تلك المصالح. فالدولة المُمزّقة وتلك الضعيفة يسهل التحكّم بها، إذ يمكن للدول الاستعماريّة إدارة سلطات محلّية متنافسة (طائفيّة أو إثنيّة لا يهم)، والضغط عليها، وحتّى تمويلها بهدف الضغط عليها بالتهديد بإيقاف التمويل. عندها، يُحافظ على السيادة اسميّاً فقط بعد أن تُفرَّغ من مضمونها، إذ إنّ المتحكّم ليس الشعب وإنّما الطرف الخارجيّ. قد يجادل أنصار التدخل في إيران بأن الأنظمة القمعية تشكّل خطراً على الشعب الإيرانيّ وأنّ هذا يبرّر مهاجمتها. غير أن هذا المنطق ينهار عند تعميمه. فلو أصبح مبدأ عاماً، لأصبحت الدول القوية مُخوّلة دائماً بغزو الأضعف استناداً إلى تقييمات ذاتية للحُكم في الأوضاع، ولساد منطق الهيمنة، وهو ما بقي سياسة مبطّنة للولايات المتّحدة حتّى مجيء الرئيس الحالي الذي تابع منطق الهيمنة لمن سبقوه بطريقة علنيّة وأكثر استباحة للقوانين الدوليّة. القوى الخارجية لا تفعل سوى استبدال مجموعة مستفيدين بأخرى أكثر تمثيلاً لمصالح الخارج لا الداخل. إنّ الاستبدال عندها لا يتعدّى تغيير الوجوه المستفيدة، ليصبح هؤلاء أكثر خدمة للرعاة الخارجيّين، ويترسّخ بالتالي منطق إخضاع الشعب. التغيير الحقيقيّ في بلد لا يمكنه أن يكون مُرَشّحاً لأن يصبّ في مصلحة الشعب إلّا حين ينبع من الداخل. قد يكون التغيير الداخليّ أبطأ وأكثر تعقيداً، من التحوّل المفروض من الخارج، لكنه أكثر أماناً ويحمل الشرعيّة الحقيقيّة الوحيدة: الشعب نفسه هو مَن يعمل للتغيير، ويتحمّل المخاطر، ويجني الفوائد المحتملة، للتغيير الذي ينشده هو (أو تنشده الأكثريّة مهما كانت على خطأ). التغيير الداخليّ السياديّ يعكس حراكاً اجتماعيّاً، وتفاوضاً لمراكز القوى في المجتمع، على عكس الحرب الخارجيّة التي تعكس إملاءً أجنبيّاً لجني فوائد للخارج. التغيير الداخليّ يُنتِج مساءلة أمام المواطنين، لا ارتهاناً لرعاة خارجيّين. إنّ التضامن الحقيقي مع شعب أيّ دولة لا يكون بالقنابل أو بالعقوبات الإجراميّة التي هي تقتل الناس بشكل بطيء، بل باحترام إرادة ذاك الشعب. التغيير المفروض من الخارج لا يحرّر المجتمعات، بل يعيد ترتيب النخب لمصلحة الخارج في الدرجة الأولى لتكون له الحصّة الأكبر من ثروات البلاد. مبدأ السيادة بسيط: الأنظمة تسقط وتنهض بإرادة شعوبها. عندما تدّعي دول أجنبيّة حقّ تغيير الأنظمة لنفسها، فإنها لا تدافع عن الحرية، بل تهدم السيادة وتشوّه معنى الحرّية لتصبح أداة في مشروع للسيطرة والإخضاع. خلال هذه الحرب الهمجيّة الجديدة، ليس السؤال إن كنت مع أو ضدّ الحكم الإيرانيّ، وإنّما إن كنت مع أو حقّ تقرير الشعوب لمصيرها بنفسها أم لا، وبكلمات أخرى: إن كنت ضدّ الهجمات الإرهابيّة للمشروع الإمبراطوريّ الأميركيّ وتعمل ضدّ هذا المشروع أم لا؟ * كاتب وأستاذ جامعي |
الكاتبخريستو المر الأرشيف
April 2026
Categories |
RSS Feed