|
خريستو المرّ، الأربعاء ٢٦ شباط / فبراير ٢٠٢٥
رحلتَ. هل جاءنا الليل؟ أحبّك محبّوك، أولئك الذين تطلّعوا إلى الفجر أن يهلّ وسط الليل. ويُعذَرُ الذين كرهوك فمنهم مَن ظنّك شبهه تكره الآخر، ومنهم مَن ظنّ أنّ رؤيته للعالم أعلى وأكثر حضارة، وكلّهم منح نفسه حقّاً منعه عنك وعنّا: أن نحفر رؤيتنا من واقعنا ومن وراء سواد الغيم وانسداد الأفق. ومَن نحن؟ لسنا شيئاً كبيراً ولا عظيماً، نحن الذين نرى قرون ثور الحضارة في بطون العراة، ونحن العراة ونحن البطون المطعونة إذا طُعِنَ بَطنُ طفلٍ منسيّ في هامش المدينة، والهامش عريضٌ، ويزداد عَرضاً، ونحن نحدّق بالضحايا، ونرفع بندقيّة هنا وقلماً هناك لنكتب طريقاً جديداً للشمس، يُضيء من قلب الهامش في ليل الحضارة. وحقٌّ لنا أن نحبّك، أنتَ الذي جاء بخطوط القمر وصنع بها استقامة الطريق إلى الفجر. أقول أنت، ونعني أنتم، ونعني نحن. لا شكّ أنّكَ أخطأت، أنّ خيالاً ما كان يعوزك لكي تبتكر مع جماعة الذين سكنوا الهامش خارج الجماعات مكاناً للعدالة، فاستفحل الظُلم تحت نقرات ساعتك. ولا مفرّ لك من حمل عبء اللوم لأنّك صَعِدت من الجمع المسلسل بالماضي والخوف وقُدْتَ، ومَن قاد يخطئُ ويصيب، وهذا نصيب المحرِّرين. ونحن، مَن لم نمت بعدُ، نبني بعدك على الصواب وعلى الخطأ وهذا مصير الذين أسْروا في القافلة حتّى يهلّ الفجر. المحرّرون يعرفهم المتحرِّرون وتعرفهم الإمبراطوريّة، هم أولئك الذين يحملهم شعبهم، وكذلك تمتدح كتب الإمبراطوريّة بعضَهم لتخفي البعضَ الآخر، ولا تمدح الإمبراطوريّة إلّا المشاهدَ الأخيرة للتحرير، فتختصر حكاية طويلة من الصواب والخطأ والدم في مشهد سينمائيّ وتمتدحه لتخفيَ معركةَ المحرِّرين الشرسة الطويلة ضد وحشيّتها، ولتخبّئَ تحت قناع المدح السينمائيّ مجازرَها الخفيّة. الوحوش تكرهك، والذين باعوا أنفسهم يكرهونك، فالكارهون يكرهون. لكن يكرهك أيضاً مثقّفو الإمبراطوريّة، أولئك الذين يأخذون عليك أن توسّخ يديك بيد الطغاة بينما أيديهم الحمراء بيد القتلة الذين يمتشقون البنادق خلف ربطات العنق. وهم يحبّون النقاوة ولذلك يأنفون أن تتّسخ أيديهم في وحل التاريخ حتّى باتوا بلا أيدي، وبات الوحل في تصاعد. هم الذين يرون فيك فِكراً مضادّاً للمدينة، والمدينة كما نعرفها في أجسادنا وفي أجساد أمّهاتنا وآبائنا، في أمراضهم وأعمارهم القصيرة، وفي صدورهم الخافقة بالعبءِ الطويل، تتربّعُ فوقَ تلِّ الجماجمِ تحت حدائق غنّاء وكنائس حصيفة. وهم يكرهون أنّك رأيتنا بين الحائط الرماديّ السميك وبين السكّين، فقلتَ «أومن بالعدالة فأعن يا الله قلّة عدالة الطريق»، فقاتلتَ وهم يتفرّجون وينظمون العمارات الفكريّة عن النضال اللاعنفيّ من دون أن يرفعوا حتّى طنجرة في وجه السِكّين. ويرضى كارهوك أن يقبضوا مرتّباتهم من أمير الظلام طالما كان خطابُه كثيابه مضيءٌ كملاك نورانيّ. هم براحة ضمير يقولون مع الشاعر الفرنسيّ إنّ «الله يكتب الاستقامة بخطوطٍ معوجّة»، ويقشعرّون لجمال العبارة الشعريّة، لكنّهم ينكرون الأمر نفسه عليك وعلينا. ينكرون أن نحاول أن نكتب الاستقامة بالخطوط المعوجّة، وأن نشعل خلايا الحرّية في خلايا تاريخنا النائم، لنوقظ فيه الفِعل والحياة والحضور. أتكلّم عن «نحن»، ومَن نحن؟ نحن الذين منذ طفولتنا تغرّبنا، كغرباء تغرّبنا. بين جدران بروباغندا الإمبراطوريّات في بَواطِن كتبِنا تغرّبنا. في برامج محطّاتنا الفضائيّة تغرّبنا. في خطابات سياسيّينا تغرّبنا. في حروبنا العبثيّة تغرّبنا. في رغبة السلام التي باتت استسلاماً تغرّبنا. في حكم ذاتنا بذاتنا تغرّبنا. تغرّبنا لدرجة أنّنا عندما كنّا (وما زلنا) نحبّ تحرُّرَ أوروبا من النازية لم ندرك أنّه، في يوم البهجة الإنسانيّة ذاك، في اليوم نفسه، كانت أوروبا بيدها الفرنسيّة، وبنادقها الفرنسيّة، ترتكب إبادة في شعبنا في الجزائر. تغرّبنا لدرجة أنّنا تغنّينا بـ«اكتشاف» كولومبوس لأميركا، ولم نعلم أنّه استعبد سكّانها الأصليّين، وأنّه كسر عائلاتهم، وأجبر الرجال ونساءهم أن يخضعوا لعمليّة بحثه المهووس عن الذهب حتّى ماتت أرواحهم من القهر والقمع والتعذيب والإرهاق، فلم يعودوا حتّى يتزاوجوا وفنوا. تغرّبنا لدرجة أنّنا لم نتعلم أنّ المكتشف الوحشيّ دفع جزيرة كاملة هي كوبا إلى حافة اليأس فدفنت الأمّهات أولادهنّ أحياء كي لا يلاقوا مصير آبائهم وأمّهاتهم. تغرّبنا لدرجة أنّنا أُعجِبنا بمغامرات اقتحام الإسبان والبرتغال للبحار والمحيطات بينما كان المقتحمون المارّون بين أطفال الأرض في القارة الجديدة يمرّرون نصالهم في رقبة هذا الطفل أو ذاك فقط ليجرّبوا إن باتت قاطعة كفاية أم لا. تغرّبنا لدرجة أنّنا بتنا نرى كلمة الاستعمار، وهو واقعنا اليوميّ، غريبة. تغرّبنا لدرجة أنّ بعضنا بات يكرهك وأنت الذي كنت طريقاً لنا إلى الأفق. تغرّبنا نحن. ومن نحن؟ نحن الذين قرّرنا، كما قرّرتَ، أن نقول «لا» للوحش. نحن الذين، وإن لامتك قلوبنا لخطأ أو آخر، فلأنّنا نحبّك ونحبّنا، ونخشى أنّ الخطوط العوجاء قد تخون الطريق فلا يستقيم، ولأنّنا نكره أن تستمرّ أيّ جريمة في الهامش الكبير كائناً ما كان الاسم الذي يرتكبها. هل جاءنا الليل؟ ليس إن أكملنا الطريق. خريستو المرّ، الثلاثاء ١٨ شباط / فبراير ٢٠٢٥
أوصى تلاميذه أن يقفوا إلى جانب المستضعفين في الأرض الذين سمّاهم «إخوتي الصغار»، وعلى ضوء هذه المحبّة المسؤولة عن حياة الإخوة تصبح دعوة المسيح إلى «محبّة» الأعداء دعوة إلى أفق يرفع الإنسان فيه الظلم عن المستضعفين فتتحقّق العدالة وتغدو المحبّة ممكنة إذ تنتهي العداوة بانتفاء الظلم. وإن كان هذا هو الأفق فالنضال ضدّ الأعداء لا يغدو سوى تعبير عن كراهية للظلم وابتغاء لإحلال العدالة التي تدكّ العداوة تلقائيّا. لذلك نجزم أنّ دعوة المسيح إلى المحبّة لا يمكنها أن تعني أن يضع الإنسان رقبته بين أنياب الذئب، إنّ دعوة يسوع للدفاع عن إخوته الصغار لا تترك مجالا لإنسان لأن يهمل مصير الآخرين. لا شكّ أنّ اتباع المسيح في بلادنا يقومون بخدمات لا يمكن حصرها (مثلهم بذلك مثل أتباع الديانات الأخرى والملحدين)، أمّا في الحقل العام، في السياسة الداخليّة لبلادهم أو في القضيّة المحوريّة لمنطقتنا ألا وهي قضيّة وجود استعمار استيطانيّ يدمّر بلادنا ويحاول سحق الفلسطينيّين وإخضاعنا جميعا، فما خلا قلّة قليلة، يلاحظ الإنسان أنّ المسيحيّين الملتزمين لإيمانهم لفظًا منسحبون من العمل العام، فينتخبون عصبيّا معظم الوقت، ولا يلتزمون مقاومة اسرائيل بشكل يمكن ملاحظته، فلا نعرف عن جهود مسيحيّة جماعيّة لبنانيّة او سوريّة تدعو إلى مقاطعة «إسرائيل»، مع أنّ المقاطعة تنسجم أيّما انسجام ليس فقط مع الدعوة إلى حماية الضعيف وإنّما أيضا مع الدعوة إلى المحبّة، فالمقاطعة أثرها الاقتصاديّ والمعنويّ على العدوّ كبير إن تمّت جماعيّا ولا عنف فيها، وبذلك هي تحترم الحياة إلى أقصى حدّ ممكن بسبب ضربها لاقتصاد العدوّ بقوّة للمقاطعة. لا يكفي أن يهتمّ الناس بالصلاة والصوم والأعمال الخيريّة للتخفيف من أثر الفقر بينما جذور أسباب الفقر قائمة في البنية السياسية والاقتصاديّة للبلاد، كما لا يكفي أن يهتمّوا بتأمين طعامهم وشرابهم فلا يشعرون بمسؤوليّة للانخراط الفاعل بالعمل ضدّ المستعمِر القاتل والمدمّر بحملة مقاطعة وطنيّة موجودة في لبنان، ويمكن تأسيسها في سوريا، ويمكن الدعوة إليها في المدى المسيحيّ في لبنان أقلّه خلال اجتماعات مدارس الأحد وفي جلسات الأصدقاء وبعد القداديس وخلال ندوات في الرعايا. المقاطعة الفرديّة ضروريّة ولكنّ المقاطعة الجماعية أمضى وأكثر فاعليّة وتجذّر الحياة المشتركة. ربّ قائل أنّ هذا خلط للسياسة في الدين، ونردّ على ذلك ونقول هذا إيمان بالسماء متجسّد في الأرض. إن كان الدفاع عن حياة أخ يسوع المستضعف بطريقة تحترم الحياة إلى أقص حدّ ممكن سياسة فمرحى بالسياسة. كلّ عمل سياسة وكلّ امتناع عن العمل سياسة. ليس الإيمان أمرا مستقلّا عن الحياة، بل هو الحياة بعينها مُعاشة بروح الإيمان. لا يمكن من منطلق تعاليم المسيح الذي لا يمكن أن يتسمّى الإنسان على اسمه دون أن يطبقّ تعاليمه، ألّا يهتمّ المسيحيّون جماعيّا وبشكل منظّم في لبنان وسوريا بمصير الفلسطينيّين فهم قادرون على أن يدافعوا عنهم على الأقلّ بالمقاطعة وهم لا يفعلون، يجب أن يخشى كلّ مسيحيّ أن يسأله المسيح يوم القيامة «كنتُ مظلوما ولم تُعِنّي.. كنت أُقتلُ ولم تُقاطِع قاتلي». إنّ أغاني حوريّات بحار السلطة والمال الذي تبثّه الشاشات العنصريّة تُغرق سفن الوعي والعقل في العبوديّة للعصبيّات المخدِّرة للضمير. ألم يحن الوقت للإصغاء إلى الصوت القائل «لا تكونوا عبيدًا لأحد». *للتواصل مع حملة المقاطعة في لبنان:https://boycottcampaign.com خريستو المرّ، الثلاثاء ١١ شباط / فبراير ٢٠٢٥
حين ينخرط الإنسان في حرب تحرير من احتلال أو استعمار لا يعود يمكنه أن يدافع عن التنكيل بالناس تحت أيّة حجّة، فلا يمكنه أن يدافع عن التنكيل بأجساد المساجين مثلا، أو عن سياسات اقتصاديّة تنكّل بأجساد الناس ونفوسهم بإفقارهم وتهميشهم. الأحزاب التي أخذت على عاتقها مهمّة التحرير أهملت تماما هذا الجانب في ممارستها وفي خطابها (الفشل الإعلاميّ يتجاوز هذه النقطة) فكانت مثلا شريكة ولم تزل في سياسات اقتصاديّة قاتلة. لكنّ مقالتنا ليست عن هذا الجانب، بل هي عن الذين يتشدّقون اليوم عن التعذيب في سجون الحكم السابق في سوريا، دون أن يتفوّهوا بكلمة واحدة عن التعذيب في السجون الاسرائيليّة، وهذا الأخير ممارسة قديمة تفاقمت في المرحلة الأخيرة بعد ٧ أكتوبر، فقتل الاستعمار الصهيونيّ عشرات الفلسطينيّين تحت التعذيب. وهؤلاء لا يتفوّهون أيضًا بكلمة عن التعذيب أو حرّية الرأي في سجون حكّام مصر أو الخليج. فتراهم مرتاحون للموجة الإعلاميّة الطاغية التي تحتفي بانتصار تتوهّمه للصهيونيّة في حربها علينا. فينطلق لسانهم في النقد لقمعٍ في إيران أو لتعذيبٍ في سوريا دون أن ينبسّوا بكلمة واحدة ضدّ ممارسات الحكم الحالي، ثمّ يتجمّد لسانهم عند العتبة الصهيونيّة تحديدا التي قامت ليس بأقلّ من إبادة للشعب الفلسطينيّ في غزّة، والمعروفة بممارسة أشنع أنواع التنكيل اليوميّ بالأطفال قبل النساء والرجال. هؤلاء لم يسمعوا، وإن سمعوا سكتوا، عن سجن الأطفال، عن إجبار النساء الفلسطينيات على الولادة عند الحواجز، عن تعرضهنّ لمعدلات هائلة من الإجهاض خلال الضربات الجوية، عن النظر إلى صحتهنّ الإنجابيّة وأطفالهنّ على أنها تشكّل «تهديدا»، عن منعهنّ من الدراسة في الخارج بسبب الحصار الإسرائيلي، عن تعرضهنّ للرجم من قبل المستوطنين الإسرائيليّين، عن التحرش بهنّ قبل الجنود أثناء ذهابهن إلى المدرسة... هؤلاء المثقّقون «النقديّون» لا مركز أخلاقيّ داخلهم يحرّكهم، هم مجرّد محُتفين مع الأصوات العالية، مثقّفو التيّار السائد، والتيّار السائد انبطاحيّ مُستعبَد أمام الاستعمار. هؤلاء المثقّفون أفرغهم خوفهم من الاستعمار، خوفهم من أن يخرجوا عن القطيع، خوفهم من فقدان امتيازاتهم، من كلّ إرادة أخلاقيّة داخليّة، فإذا بهم يقفون من جهة الاستعمار ضدّ شعبهم وأنفسهم وكرامتهم وهم يتوهّمون أنّهم طالبي حرّية. لكن كلّ من عرف الاستعمار عبر التاريخ، ويعرفه اليوم ويراه واضحا في فلسطين؛ يعرف أنّ الاستعمار لن يضع الأوسمة ويمنح الامتيازات إلّا على صدر مَن ركع أكثر، واستعبد نفسه أكثر، وأذلّ نفسه أكثر، ودائما هناك أكثر. لن تقوم لنا قائمة دون خلق ظروف ترفعُ عن الناس في بلادنا، عن الأكثريّة منهم على الأقلّ، التنكيلَ الجسديّ والمعنويّ، بإرساء سياسات اجتماعيّة واقتصاديّة عادلة دون أن تتخلّى عن نهج التحرّر من الاستعمار. لكنّ الوعظ الأخلاقيّ بضرورة التمسّك بالعدالة الداخليّة والخارجيّة لن يجعل الناس تتمسّك بالأمرين حقّا، فهكذا تصرّف مبدئيّ هو لقلّة قليلة من الناس، لقدّيسي وأولياء المدينة، أولئك الذين لا يعتزلون المجتمع، بل يعيشون حياة عاديّة يوميّة بيننا، ولكنّهم يعيشون وفق الحرّية الداخليّة، تلك التي تعمل ما تقول، وتقول الحقيقة حين يجب قولها. الجلّ الأكبر من البشريّة بحاجة لمشروع سياسيّ اقتصاديّ ملموس يخلق لهم حياة عادلة لكي يلتزموا المصلحة العامّة. حاليّا ما من طرف سياسيّ تقليديّ يلتزم، فعلا لا قولا، التحرّر الخارجيّ والداخليّ بآن. حقّ الشهداء الذين يبكيهم أهلهم وأحبّاؤهم أمام ما تبقّى من أشلائهم، حقّ أهاليهم، أن نخلق هكذا سياسات. خريستو المرّ، الثلاثاء ٤ شباط / فبراير ٢٠٢٥
الدوافع المادّية للاستعمار تكمن في النهب، نهب ما ندعوه الموارد. ولكنّ فكرة النهب نفسها تنبع من النظر إلى الأرض نظرة افتراسيّة ترى الأرض وما عليها مجرّد وسيلة ربح، مجرّد موارد. بالطبع، يحتاج الاستعمار إلى تكنولوجيا، فهناك جدليّة بين النفس والواقع المادّي حولها، فالنظرة الافتراسيّة نفسها (أو أيّ رغبة أخرى) تبقى غير مهمّة إلّا عندما تتوفّر الظروف المادّية لتنفيذها، فلا وزن لرغبة إنسانٍ عاش في الغابات بأن يستحوذ على الفاكهة والحبوب لنفسه فقط ليأكلها ساعة يشاء، إذ ليس لديه وسيلة ليحفظها دون تلف (إهراءات أو برّاد مثلاً). لكنّ نظرة الاستعمار الافتراسيّة تذهب أبعد من النظر إلى الطبيعة الجامدة كوسيلة، فهي ترى أيضاً الإنسان الآخر ساكن الأرض وسيلة، تراه شيئاً يجب استخدامه لجني الأرباح، أو عقبةً يجب أن تُزاح. في الحالتين، هناك ضرورة لإقناع الذات والفريق الاستعماريّ بأنّ المستعمَر ليس بإنسان، أو أنّه «بدائيّ» ولا يمتلك ولا يستحقّ أن يستخدم أرضه أو يكون سيّداً فيها؛ فهو ليس بإنسان، وإنّما شكل من أشكال الحياة التي يجب النظر إليها من زاوية الرغبة الافتراسيّة وحدها. ولهذا، فإنّ فكرة علاقة المُستعمَر مع أرضه غائبة بالضرورة في ذهن المستعمِر، ويريد إنكارها ونفيها من الوجود، ومن هنا اقتراح الصهيونيّة الدائم، والذي عبّر عنه ترامب، بنقل الفلسطينيّين وتوزيعهم كأشياء على أراضٍ أخرى. ولكن يجب إخفاء الرغبة الافتراسيّة، ولهذا يجب نكران إنسانيّة الآخر المستعمَر لكي يبدو الافتراس إنسانيّاً، أو عقلانيّاً، ليحفظ المستعمِر احترامه لذاته واحترام الآخرين له، بل ليتمرأى بمرآة كذبة «تفوّقه» الأخلاقيّ الذي لا يشابه الأخلاق «البدائيّة» للمستعمَر. كلّ أدوات الدعاية وقدرات اللغة توظَّف من أجل هذا: تجميل الافتراس وإلباسه لبوس الحضارة والأخلاق. لهذا تتضمّن خططُ الاستعمار حُكماً النكران الدائم لإنسانيّة المُستعمَر، ومنع هذا الأخير من التعبير عن أيّ شيء يجعله شبيهاً بالمستعمِر. فالمستعمِر يحتاج إلى بشر يستخدمهم أدوات استعماريّة لإخضاع المستعمَر ونهبه أو قتله، والناس في فريق المستعمِر ككلّ الناس لديهم وازع أخلاقيّ داخليّ يجعله يأبى قتل إنسان آخر، ولذلك فإنّ دخول أيّ حرب معاصرة لا يتمّ إلّا بعد التحضير لها كي يقتنع الناس الذين سيقومون بقتل آخرين، بأنّهم ذاهبون للقيام بعمل أخلاقيّ أمام عدوّ شرس لا يقيم للإنسانيّة اعتباراً، ويهدّد حياتهم، بل يهدّد الإنسانيّة. وإن كان الوازع الأخلاقيّ يدقّ ناقوس الخطر، رغم كلّ الدعاية، فنرى من المحاربين عبر العصور مَن ينتحر لارتكابه الفظائع إن لم يتخدّر ضميره بشكل كامل. حاجة المستعمِر لإنكار إنسانيّة المستعمَر تفسّر الغضب الإسرائيليّ من كلّ تعبير فرحٍ لدى الفلسطينيين، وضغط السلطات الاستعماريّة الصهيونيّة الدائم كي يمتنع أهالي المفرَج عنهم عن التعبير عن فرحهم بخروج أحبّائهم من المعتقلات، إن كان داخل الأراضي المحتلّة عام 1948 أو في الضفّة. لا يستطيع الاستعمار الإسرائيليّ أن يحتمل فكرة الفرح الفلسطينيّ، فكرة أنّ الفلسطينيّين بشرٌ كاملون، فكرة أنّهم لم يخضعوا تماماً؛ فالفرح يعني أنّ الإنسان الفلسطينيّ حيّ ويشتعل فيه الأمل ويتطلّع إلى المستقبل، يعني أنّه لا يزال يشعر بأنّ الحياة لم تنته، وبأنّ المستقبل قد يكون مختلفاً. الفرح تعبير مقاومة حاضرة متوثّبة. الفرح يقول: نحن لم نخضع للمأساة. نحن أحرار من المستعمِر وآلته الوحشيّة التي تريد أن تحرمنا من إنسانيّتنا. والفرح أيضاً يكسر مرآة المستعمِر؛ تلك الدعاية التي يبثّها من خلال نظامه التربويّ ووسائل إعلامه وعظات رجال دينه وفلاسفته، والتي يكذب بها على نفسه ليقول إنّه هو الوحيد الذي يتمتّع بالإنسانيّة على الأرض التي يحتلّها. الفرح يكسر كذب المرآة لأنّه دليلٌ واضح بأنّ المستعمَر يمتلك هو أيضاً تلك القدرة الإنسانيّة. والفرح أيضاً يبيّن منع عمليّة الاستغلال الاقتصاديّ والتهديم المنهجيّ لإمكانيّات الحياة لدى المستعمَر من الوصول إلى هدف تحويل المستعمَرين إلى أشياء، بإبقائهم في ظروف من الفقر المدقع والعمل القسري، بحيث لا يعود لهم مجال للراحة أو الاستمتاع أو تحقيق الذات والتعبير عنها. والفرح ليس عملاً فرديّاً، بل تعبير جماعيّ، يتضمّن الموسيقى والرقص والاحتفالات الجماعية، والأخيرة هي دائماً مصدر للفرح والهويّة، وبذلك تعزّز التضامن والمقاومة. لذلك يكره المستعمِر الفرح الجماعيّ ويريد قمعه لأنّه تعبير قوّة جماعيّة، وقدرة كامنة لا تزال تهدّد مشروعه الافتراسيّ. وأخيراً، فإنّ الفرح يفضح كذب الدعاية الاستعماريّة بأنّ المستعمَر مجرّد كتلة عنف ينبغي إنهاء وجوده، أو أقلّ إنسانيّة يجب «تحضيره»، وبذلك يسحب الفرح البساط من تحت الركيزة الأساس في المشروع الاستعماريّ. إنّ التحرّر السياسيّ - الاقتصاديّ للفلسطينيّين ليس هدفاً إلّا بقدر ما أنّ فرح الفلسطينيّين هدف. إنّ التحرّر في الحقيقة هو عملية لاستعادة التجربة الإنسانية الكاملة ومن ضمنها الفرح؛ والنضال، رغم صعوباته، هو أيضاً وسيلة لإعادة اكتشاف القدرة على الشعور، والاحتفال، والوجود كبشر كاملي الإنسانيّة. إن التحرّر الحقيقي لا يعني فقط كسر القيود السياسية والاقتصادية، بل أيضاً استعادة الحق في الفرح وتأكيد إنسانيّة الإنسان المستعمَر على أرضه. الفرح مقاومة ونحن فرحون لخروج الأسرى، رغم كلّ شيء. |
الكاتبخريستو المر الأرشيف
December 2025
Categories |
RSS Feed