موقع خريستو المرّ
  • كتب
  • محاضرات
  • مقالات في «الأخبار»
  • المقالة الأسبوعيّة
  • الإيمان والحياة اليوميّة
  • فلسطين
  • التزام شؤون الإنسان
  • الإيمان والثقافة
  • كلمات
  • خريستو المرّ
  • مواقع صديقة
  • المقالة الأسبوعيّة

محبّة الحياة، أيّ معنى؟

2/27/2024

 
خريستو المرّ - الثلاثاء ٢٧ شباط / فبراير ٢٠٢٤ 

لا تستقيم الدعوة إلى محبّة الحياة من دون الدعوة إلى الحرّية من الظلم ومن الاستغلال. العيش الجسديّ المحض هو شيء والحياة شيء آخر. إن أردنا اختصار دعوات الأنبياء لقلنا إنّه، مع احترام الأنبياء لحياة الإنسان الجسديّة، وللتوالد واستمرار النوع البشريّ، فهم لم يدعوا إلى مجرّد الاستمرار في العيش، بل إلى إعطاء العيش معنى، وبالنسبة إلى الأديان الإبراهيميّة، المعنى يكون بمعرفة الله واتّباع وصاياه. وإن أردنا أن نقول هذا القول نفسه بكلمات لا دينيّة لقلنا إنّ الأنبياء ذكّروا الإنسان بطبيعته البشريّة (التي خلقه عليها الله) والتي تنتعش وتحيا باتّباع ما هي مطبوعة عليه من ميول تكشفها المعاصرة مثل الإيثار والتعاطف والكرم والتعاون (يمكن قراءة جبل من الأدلّة العلميّة الدامغة في كتاب «الطيبة الإنسانيّة» لاختصاصي علم النفس الإيجابيّ جاك لوكومنت). الأنبياء قالوا إنّ الحياة هي عيش له معنى يمكن اختصاره بكلمة «محبّة»، فَهُم ذكّروا البشر بميلهم الطبيعيّ الذي يولدون عليه لمحبّة الناس، وإن اتّباعهم لهذا الميل وإنماءه في ذواتهم يجعلهم في قلب الحياة ويجعل الحياة في قلوبهم. وما الوصايا إلّا تذكير بالمعنى المرسوم أصلاً في الطبيعة البشريّة.
لكن محبّة الآخرين ليست مجرّد عاطفة، بل هي ممارسة. مَن يحبّ الآخرين يسعى مع غيره إلى المساهمة في منح الناس أفضل الظروف كي تنموا قدرتهم جسديّاً ونفسيّاً (وروحيّاً عند مَن آمنوا)، وبالتالي هو في موقع مواجهة لا بدّ منها لأيّ مشروع بطش أو مشروع استغلال، داخليّاً وخارجيّاً، لأنّ مثل هذه المشاريع تسعى إلى تقييد القدرات الجسديّة (مثلاً، بسبب الجوع الناتج من الاستغلال والإفقار) وتلك النفسيّة (مثلاً، بسبب القمع والتجويع)، مثل هذه المشاريع تسعى إلى إخضاع الإنسان نفسيّاً وجسديّاً، وتحويله من هدف بحدّ ذاته إلى وسيلة لسلطة تحاول استعماله من أجل مصالحها. لا يمكن للإنسان الذي يحبّ الحياة أن يكون لا مباليّاً بمصير آخرين، أن يكون محايداً تجاه سلطة بطش أو استغلال.
هذا الموقف المواجِه للظلم، والنابع من محبّة الحياة، ينطبق أكثر ما ينطبق على الموقف من الاستعمار. فالاستعمار هو مشروع ظلم يقوم على استغلال أرض الآخرين وأجسادهم، ويمرّ حكماً بضرب نفوسهم وإخضاعها وتطويعها بصنوف الإرهاب، وهو في أكثر الأحوال إرهاب دولة تجعل من البطش بالمستعمَرين أمراً قانونيّاً له قضاته ومنظّروه من أساتذة ومثقّفين، ومؤسّسات متحالفة كالجامعات.
مَن يحبّ الحياة، مَن يحبّ معنى العيش، يحبّ البشر، ويدافع عنهم تجاه أنظمة البطش والاستغلال التي تسحقهم. مَن يحبّ الحياة، وليس مجرّد الاستمرار في العيش، يريد أن يسير الناس إلى ملء الكرامة البشريّة، أي إلى تحقيق قدرتهم على المحبّة بنموّهم الجسديّ والنفسيّ، إلى تحرّرهم من الظلم. من يحبّ الحياة يحبّ الآخرين ويدافع عنهم. مَن يدافع عن الآخرين كان في الحياة وكانت الحياة فيه، أمّا مَن لا يأبه بحياة الآخرين، فهو لا يحبّ الحياة حقّاً، بل يفضّل العيش المحض، ولذلك يبقى في شعارات عاطفيّة، وكلامٍ أجوف عن رفضٍ للظلم لا يترافق مع خطوات عمليّة ملموسة.
إنّ جواب الإيمان على قول شكسبير «أن تكون أو لا تكون هذا هو السؤال» هو «أن تحبّ أو لا تحبّ هذا هو الجواب»، هذا هو المعنى، هذه هي الحياة. أمّا جواب الهاربين من الحياة (ومن مسؤوليّة الإيمان بالله، رجال دين وعلمانيّين)، فَلِسانُ حالهم «ما مِن معنى سوى أن نأكل ونشرب»؛ ونجده الجواب على مثل هذا الفكر في كلمات رجلٍ مرّ في فلسطين منذ ألفي عام ونيّف: «الحياة أفضل من الطعام... اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرّه»، اطلبوا أوّلاً الحياة، اطلبوا أوّلاً المحبّة - المحبّة كممارسة فاعلة لمنح الناس أفضل الظروف كي ينموا بكرامة - فهي المعنى. وهي كلمات رجلٍ طلب المعنى ولم يتوانَ من أجل ذلك أن يموت شهيداً، وأضاء بشهادته امبراطوريّة.

خبزٌ للجوع

2/20/2024

 
خريستو المرّ، الثلاثاء ٢٠ شباط / مارس ٢٠٢٤
 
أريد للقيامة أن تكون الخبز النازل من السماء، أريد أن نقتات النورَ في هذا المساء العميم. لهذا قلبي ما يزال الولد الراكض خلف أقدام السيّد مذ رآه ماشيا في دروب الفقراء يعلّم ويعمل ويضع قلب الله أمام جوع القلوب إلى الضوء. وحين أضيّع الأفق لا يضيّعني فقد رأيته يوم قال لي «هناك»، ودلّني إلى النجم الذي في القلب. والنجم موعدٌ يلد الفرح وحنانٌ يشتعل إذا انحدرت فراشات العيون فوق الخد.
غزّة! وأتذكّر يوم مدّ السيّد كلماته سُلّمًا لبولس -الصغير، كما يعني اسمه- ليصعد من موتِ الحِقد: "لماذا تضطهدني؟". غزّة! وإذا الأساسات خُلِعَت، وإذا القلوب نُشِرت، وإذا السماء فُتِحَت، وإذا الجحيم عُرِفَت في القلب، وإذا الجنة كُشِفَت في الوجه الآخَر، فعَلِمَت نفسُ القساة ما فعلت. ودار الصغير وضاع. ضاع عن الرؤية، تخلّعت أساسات عالم القساوة. القاسي يضطهد البشر ويسوع يسأل «لماذا تضطهدني».
ربّما قضى بولس أيّامه الثلاث بعدها في دوار، إذ لا بدّ للرؤية أن تُتعب. قيل أنّه أُصيب بالعمى حين أُصيب بالرؤية، وأقول أنّه احتاج ثلاثة أيّام كي يخرج من عتمة الحقد التي كُوِّرَت، ويفتح عينيه على الشمس التي أشرقت.
قيل أنّه رأى حين سكب «حنانيا» حنان كلماتٍ فوق ماءٍ فوق رأسه. كُتِبَ باختصار أنّ بولس عندها أبصر، وأمّا حكايا الذين يلامس حنانُ الأخوّة قلوبهم فتُسكب عليهم الرؤية فلا تعرف ثناياها إلّا السماءُ التي منذ البدء.
لا محبّ بلا حبيب. وحبيبنا باب أو ضوء يشرق من وحل الوجوه.
غزّة! والحبيب وجهٌ دام. والحبيب مشرّد. والحبيب جائع. وعَطِشٌ يشرب ملوّثَ الماء.
مع حبيبنا، على أنهار غزّة الحمراء هناك جلسنا. هناك صرخنا. هناك بكينا حين تذكّرنا أنفسنا. على الصفصاف وسط المدن العتيقة هناك علّقنا أعوادنا. لشهور طويلة علّقنا أعوادنا، وهتفنا للحياة وسط الموت هتافا جريحًا. هناك سألَنا الذين يقتلونا والذين ينسوننا أغنيةَ سلامٍ وحبٍّ، وسألَنا معذّبونا ترنيمة جميلة للإنسان المسالم. «لا نرنّم لسلام فوق جبال ضحايا» قالت أعوادنا المعلّقة على الصفصاف.
أرضنا لنا، وأرض الموت غريبة. فلتنسنا السماء إن نسينا الحبَّ والإخوةَ الذين اضطهدهم الطغاةُ. كيف ننسى وهم وجه الحبيب السائل «لماذا تضطهدني؟». فليلتصق عظمي بلحمي إن لم أفضّل المضطَهَدين على أعظم فرحي. هم فرحي إن فرِحوا، وحزني إن حزنوا، وهم الحبيب الذي به رضيت، ذاك الذي يجذب القلبَ من الرضى وراءه كما يجذب الأيائلَ الماءُ الحيّ.
طوبى لمن يرفع العدلَ في وجه القائلين «اهدموا، اهدموا، سوّوا بالأرض» فهو يهزمهم هزيمة نهائيّة، عندها ينتصر الجسد الضعيف والروح القويّة، وربّما يضيع الطغاة لأيّام ثلاث وإلى أنفسهم يعودون.
في يوم العدل ستنزل أعوادنا عن الصفصاف لترقص في أيدينا، وسنحتفل مع ربّ الحياة بالحياة، ويحتفل كلّ محبّ بحبيبه، ويعود قلبي الولدُ إلى شاعر الكون.
 كلّ وجه باب، وعلى الباب، أو بعده بقليل، القيامة. ولا يشغل المحبُّ سوى أن يولد الضوءُ في هذا العالم لتتلألأ الأبواب بقناديل الحبّ، ولهذا يمّحي الفرق بين الربح والخسارة أمام عينيّ المحبّ.
لقد غدا «جُنونُ» بولس «الصغير» الذي صار رسالةً للّذين في «الخارج» جنوني، مذ رأيت أنّ الوجوه الإنسانيّة هي الهويّة الأصل خلف الهويّات المبتكرة، الجميلة منها والقبيحة.
إنّي رأيتُ، وبعد الرؤية لا يصحّ داخل وخارج بعدما محى وجه القائم من الموت حاجز الغربة والخوف والموت. لا أريد سوى أن تكون القيامةُ الخبزَ النازل من السماء، وأن نتقاسم النورَ في هذا الجوع العميم. فهل يجتاز الجسد جسر النهار؟ لا نعرف، ولكنّا نعرف أنّ النهار يتسلّل على جسر الجسد كلّما فاح الحبّ من ياسمين الأقدار.
غزّة! يا نائمة على كتف الله لا تيأس، والجحيم حولك.

الدفاع عن التطبيع: بهتان الأبالسة

2/13/2024

 
خريستو المرّ – الثلاثاء ١٣ شباط/فبراير ٢٠٢٣ 

هناك مجموعة من الأفكار المترابطة لأبالسة التطبيع، ترد أحياناً في وسائل الإعلام لتتكلّم عن القضيّة الفلسطينيّة بمنطق ينبغي تفكيكه.
«يحقّ للفلسطينيّين بدولة خاصّة بهم كأيّ شعب آخر»
فلنأخذ مثلاً الجملة البريئة القائلة بأنّه «يحقّ للفلسطينيّين بدولة خاصّة بهم كأيّ شعب آخر في المنطقة». هكذا كلام بريء في الظاهر، ولكنّه مخالف للعدالة لأنّه يريد أن يُظهر بشكل مخادع أنّه «محايد»، بينما هو يتبنّى وجهة نظر المستعمِر كاملةً، فهو يتبنّى وجهة النظر القائلة بأنّه يحقّ لمجموعات من الناس الآتين من مشارق الأرض ومغاربها أن يتكتّلوا ليطردوا شعباً سكن تلك الأرض لآلاف السنين ويحتلّوا أرضه بقوّة السلاح ويضطهدوه فيها، ويؤسّسوا عليها دولة، فقط لأنّه يحقّ له أن يتكتّل ويصنع دولة تحت شعار تقرير المصير. هل يحقّ لكلّ كتلة جماهيريّة في كلّ بلد في العالم أن تتكتّل وتقرّر مصيرها بأن تصنع دولة باقتطاع جزء من الأراضي لمصلحتها وأن تطرد بقيّة السكّان منها؟ كلّ عاقل يجيب بأنّ ذلك مرفوض لأنّه سيؤدي إلى حمّام دم. والمرفوض أكثر هو أن يسمح أيّ بلد في العالم يستقبل مهاجرين - ومنها الأوروبيّة والشمال أميركيّة - أن يتكتّل مهاجرون من أيّ خلفيّة ويطردوا مجموعة من السكان عن أرض ويصنعوا دولتهم الخاصّة. هل يسمح الأوروبيون بأن يتكتّل المسلمون ويصنعوا بلداً لهم في فرنسا، أو بريطانيا، أو ألمانيا، أو أيّ بلد آخر من مجموعة داعمي الإبادة الإسرائيليّة، أو حتّى في أيّ قطعة أرض أوروبيّة سكنها شعب لمئات السنين قبل نشوء دول معاصرة؟ قطعاً لا.
الهجرة من أجل التكتّل واحتلال الأرض والطرد لتأسيس دولة ليس «حقّاً» طبيعيّاً تريد الجملة فوق أن تساويه مثله بالحقّ الفلسطينيّ، بحقّ أولئك الذين عاشوا لدهور على تلك الأرض واستقبلوا المهاجرين الأوروبيّين إليها، إلى أن انتبهوا إلى أنّهم يخطّطون للاحتلال.
إنّ حقّ الفلسطينيّين لا يقتصر على حقّ إنشاء الدولة، بل يشتمل على حقّهم بالحرّية والعودة إلى أراضيهم على كامل فلسطين، وهذا الحقّ يمسخه ويصغّره الكلام عن حقّهم كأيّ شعب آخر، والمقصود عادة الشعب الصهيونيّ. الجملة فوق تحاول اختزال الحقّ الفلسطينيّ وتصويره مجرّد حقّ بإنشاء دولة، حقّ مساوٍ لحقّ مُستعمِر مُحتلّ بإقامة دولة احتلال. أصحاب الأرض لديهم حقّ، المحتلّ ليس لديه أيّ حقّ.
«القضيّة الفلسطينيّة العادلة لا تمنع وجود قضايا عربيّة أُخرى عادلة»
هناك منطق يقول بأنّ القضيّة الفلسطينيّة قضيّة عادلة، ولكنّ عدالتها لا تمنع وجود قضايا عادلة أُخرى في المنطقة يحقّ لأصحابها التصرّف وفق مقتضيات مصالحهم؛ ولهذا يمكن للإمارات والسعودية وغيرهما من الدول أن تطبّع مع الكيان الصهيونيّ وفق مصالحها.
إنّ التلوّث الأخلاقيّ والفكريّ والسياسيّ الذي يحمله هذا التفكير متعدّد الأوجه. فهذا الكلام يخلط بين موضوع المصالح وموضوع الحقوق. وفكرة الخلط بين الحقوق والمصالح هي باب هلاميّ يمزج بين عالمَين: عالم القضيّة العادلة وعالم المصالح، ولا يميّز في عالم المصالح بين مصلحة الحاكم ومصلحة الشعب. هذا المزج بين ما لا يُمزَج، يفتح من خلاله المطبّعون الباب على إقناع الناس بأنّ التطبيع قرار عاديّ لا تنبغي مواجهته لأنّه ناتج من حقّ بلد عربيّ في الدفاع عن مصالحه بالتطبيع.
إنّ المساواة بين القضيّة الفلسطينيّة، والتي هي قضيّة شعب طُرد من أرضه ومحتلّة بيوته ويخضع للقتل والتنكيل اليوميّين، وبين «قضايا» أخرى فحواها سياسيّ مرتبط بمصالح حكّام محدّدين لا يستقيم. فقضيّة الشعب الفلسطينيّ بما يقع عليه من إجرام يوميّ، لا تساوي مصلحة حكّام السعوديّة والإمارات بالتحالف مع الاحتلال الصهيونيّ، ولا حاكم المغرب بضمّ الصحراء الغربيّة، أو مصالح حكّام الخليج بالصراع مع إيران، أو رغبة سماسرة الاستعمار في لبنان بإحكام قبضتهم على البلاد.
ثمّ أنّه كلام يريد أن يقول إنّ قضيّة فلسطين هي قضيّة الفلسطينيّين وقضيّتهم فقط. هذا التقزيم للقضيّة الفلسطينيّة هو ترجمة لإيديولوجيّة تريد تغريب سكّان دول المنطقة بشكل نهائيّ عن معاناتهم التي يعيشونها بسبب الاستعمار والمرتبطة بمعاناتهم من أنظمة القمع الداخليّة؛ وتريد تغريبهم عن معاناة بعضهم البعض وهي معاناة من استعمار واحد، وتغريبهم عن كون كلّ هذه البلاد من مشرقها إلى مغربها، لهم. هذا التلويث الأخلاقيّ محاولة لدفن ذاكرتهم الجماعيّة التي تقول إنّ الحدود بين الدول، بين لبنان وفلسطين مثلاً، لم تكن موجودة لوقت قريب تاريخيّاً. إنّها إيديولوجيّة الاستعمار وعملائهم الداخليّين الذي يناسبه أن تتقطّع أوصال شعوب العالم العربيّ داخل دولة منفصلة عن واقعها، عمّا يحيط بها، ليحكمهم سماسرة الخارج فلا يكون لهم سوى القبول بواقع وهميّ متوجّه نحو الداخل فقط، وهذا منسجم مع استمرار الاحتلال الصهيونيّ لأنّ تلك الإيديولوجيّة تقول إنّ القضيّّة الفلسطينيّة شأن خارجيّ لـ«آخرين»، بينما الحقيقة أنّه شأن استعماريّ يضغط على حياة كلّ شعوب المنطقة في كلّ دولة، عدا عن كونها شأن حقّ، وبالتالي ومن وجهة نظر أخلاقيّة ينبغي أن يساهم في رفعه كلّ إنسان شريف أينما كان.
أخيراً، فإنّ هذا المزج بين القضايا العادلة ومساعٍ ومصالح سياسيّة لحكّام أو لجماعات داخل الدول، يريد أيضاً أن يمحو أمرين: الأوّل، هو نتائج الإحصاءات التي تبيّن أنّ مصالح الحكّام هي على عكس رغبة الشعوب في الدولة العربيّة الرافضة للتطبيع بشكل جارف كما تبيّن الإحصاءات. والثاني، هو أنّ الفلسطينيّين أنفسهم كشعب، وضمنهم ممثّلو الجمعيّات الأهليّة والنقابات وممثّلو جميع الكنائس، طالبوا ويطالبون شعوب العالم أجمع، وشعوب دول المنطقة الأصليّين، لا بأن يرفضوا التطبيع فقط ولكن بأن يقاطعوا إسرائيل، وبأن يسعوا إلى دحر الاحتلال بكلّ الوسائل الممكنة.
«التطبيع ليس خيانة للفلسطينيّين، هو مساعدة لهم»!
المنطق في غاياته الأخيرة يريد أن يقول إنّ التطبيع ليس خيانة، وإنّ علينا ألّا نرى أنّ الدول التي طبّعت علاقاتها مع إسرائيل لا تتاجر بمأساة الشعب الفلسطينيّ مثل غيرها.
هذا الكلام المنطقيّ على السطح خاطئ لسببين: أوّلاً، لأنّ الذين يطبّعون مع إسرائيل هم بالفعل خونة، ليس فقط لأنّ هذا رأيي، أو موقف البعض الأخلاقيّ، لكن لأنّهم واقعيّاً يخونون نداء الشعب الفلسطينيّ للجميع لكي يقاطعوا الاحتلال ويدحروه (راجعوا مواقف النقابات والجمعيّات والكنائس إن لم تريدوا مراجعة أدبيّات المقاومة). التطبيع خيانة، ليس في الأمر رأي، هذا هو التوصيف الواقعيّ لفعل التطبيع من وجهة نظر الشعب الفلسطينيّ الذي يطالب على الأقلّ بمقاطعة الاحتلال. التطبيع خيانة من وجهة نظر الشعب الذي يعيش المأساة بلحمه ودمه.
إن كان من دول لم تطبّع مع إسرائيل وتاجرت بمأساة الفلسطينيّين فلا يعني أنّ الدول التي تطبّع معها لا تتاجر بدماء الفلسطينيّين، فهي أيضاً تستبيح دماء الشعب الفلسطينيّ مقابل السلطة والمال. إنّ حكّام الخليج المطبّعين والذين يسعون إليه، أولئك الذين يقدّمون الولاء للاستعمار صاغرين، قالوا جهاراً إنّهم يطبّعون مع إسرائيل لمساعدة الشعب الفلسطينيّ (أيّة مساعدة نراها اليوم!) هل من متاجرة أكثر نفاقاً من ذلك؟

المسيحيّون والمسيح في الحقل العام

2/6/2024

 
خريستو المرّ – الثلاثاء ٦ شباط / فبراير ٢٠٢٤

لا يفهم الإنسان شيئا مسيحيّا في أدبيّات التيّارات السياسيّة والاجتماعيّة التي تريد أن تلعب دورا في الحقل السياسيّ للبلاد.
يطلب يسوع من أتباعه أن يكونوا «ملح الأرض»، والملح لا معنى له إن لم يذب في الطعام بحيث لا يعود منعزلا عنه وإنّما ممتزجا به دون ان يفقد طعمه الخاص، فتكون النتيجة طعامًا واحدًا مُفرِحًا ومُحيِيًا في آن. بينما نجد الخطاب السياسيّ لذاك الشيء الذي يُقال له «مسيحيّ» في الحقل العام، غارق في التزام مسار انعزاليّ فوقيّ يرى ذاته فوق الآخرين، ويطالب بحقوق جماعيّة للجماعة الدينيّة (لا يستفيد منها في الحقيقة سوى أقلّية منتفعين).
يدعو يسوعُ أتباعَه إلى أن يسعوا إليه وليس إلى التسلّط والسيطرة، وإلى التمثّل به هو بخدمة الآخرين وليس التمثّل بالمسلّطين الذين يطلبون المزايا الاجتماعيّة ويتعالون على الآخرين فـ«ملوك الأمم يسودونهم، والمتسلطون عليهم يُدعون محسنين، وأما أنتم فليس هكذا، بل الكبير فيكم ليكن كالأصغر، والمتقدم كالخادم... أنا بينكم كالخادم». هذا بينما يعذر العاملون في الشأن العام باسم المسيحيّين (ومشجّعيهم) أنفسهم من الاتّجاه في منحى انقضاضيّ على السلطة وعلى ثروات البلاد، بالقول أنّ «ملوك» جميع الطوائف والمتسلّطين عليها يفعلون الأمر نفسه، فيقبلون بالتشبّه بالمتسلّطين عوض تشبّههم بيسوع.
يدعو مسيح الناصرة إلى المشاركة والتعاضد بين الناس ويعلّم في مثل السامري الشفوق أنّ التعاضد والمشاركة، لا الدين، هما اللذان يخلقان القُربى والوحدة الإنسانيّة. بينما يسعى العاملون في الشأن العام باسم المسيحيّين ومشجّعيهم إلى الاستئثار بحصّة من الثروات، وتوزيع فتاتها على الأتباع لا على شكل حقوق وإنّما على شكل استتباع للقادة السياسيّين والدينيّين للطائفة؛ ويدعون إلى إدارة الظهر للمظلومين المطروحين على قارعة التاريخ تحت مسمّى الحياد.
يُعلي المسيح من خلال حياته كلّها شأن الحرّية ويشدّد على حرّية الضمير تجاه الدولة بتمييزه بين ملكوت قيصر وملكوت الله. بينما يسعى العاملون في الشأن العام باسم المسيحيّين ومشجّعيهم إلى إخضاع ملكوت الله (الخطاب الدينيّ) إلى ملكوت قيصر (الدولة الطائفيّة التي تسحق حياة الناس)، عوض أن يسعوا لتغيير شكل الحكم ليكون أكثر عادلا واحترامًا للمساواة بين الناس في حقوقها الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة، فيصبح ملكوت قيصر (الحكم) أقرب إلى ملكوت الله (ملكوت الحرّية والمشاركة).
يعلّم يسوع أنّ الحبّ، أي الوحدة في التنوّع، هو المعنى الجامع للحياة البشريّة. بينما يسعى العاملون في الشأن العام باسم المسيحيّين ومشجّعيهم إلى سياسيات تؤجّج الحقد الطائفيّ وتودي بالوحدة وبالتنوّع، ويغضّون الطرف عن القمع إن كان يناسب مصالح قادتهم.
يؤمن المسيحيّون أنّ العالم بحاجة للمسيح؛ لكنّ الاتّجاهات الفوقيّة المنعزلة عن عذابات الناس في محيطنا تضلّل الناس عن وجهه وتمنع عن اتّباع خُطاه وهذا تبعاته وخيمة، فملكوت الله هو ملكوت الذين يتبعون خُطى السيّد – عرفوا ذاك أم لم يعرفوه- أمّا مَن يضلّل الناس عن المسيح فقد حذّره يسوع أنّ ذلك يرقى للخيانة العُظمى حين قال لذاك الإنسان أنّه «خيرًا له أن يعلق في عنقه حجر الرحى ويُغرق في لجة البحر»، وكانت تلك عقوبة رومانيّة للخيانة العُظمى.
العمل، المسيحيّ حقّا، في الحقل العام هو العمل الوطنيّ العابر للهويّات المغلقة، هو العمل العلمانيّ بالمعنى الشريف للكلمة، معنى احترام حرّية إيمان كلّ شخص بينما يعبّ الجميع من نهر عقائده فكرًا وقوّة، ويعملوا معًا لتكون الحياة للناس وتكون أوفر، في احترام للوحدة في التنوّع في بيئة الحرّية.
العالم بحاجة لبشر يعكسون وجه مسيح الأناجيل لا وجهًا يخون رسالته باسمه. لحسن الحظّ أنّ المسيح رحمنا بإطلالته إلينا في كلّ وجهٍ يرعى الحياة في هذا العالم، مهما اعتنق صاحبه مِن كلّ عقيدة. فإن أغلق الذين يحملون اسمه باب قلوبهم في وجهه، أطلّ إلينا من قلوب أُخرى طالما أشرق إلينا منها عبر التاريخ.

    الكاتب

    خريستو المر
    المقالات المنشورة في «الأخبار»

    الأرشيف

    December 2025
    November 2025
    October 2025
    September 2025
    August 2025
    July 2025
    June 2025
    May 2025
    April 2025
    March 2025
    February 2025
    January 2025
    December 2024
    November 2024
    October 2024
    September 2024
    August 2024
    July 2024
    June 2024
    May 2024
    April 2024
    March 2024
    February 2024
    January 2024
    December 2023
    November 2023
    October 2023
    September 2023
    August 2023
    July 2023
    June 2023
    May 2023
    April 2023
    March 2023
    February 2023
    January 2023
    December 2022
    November 2022
    October 2022
    September 2022
    August 2022
    July 2022
    June 2022
    May 2022
    April 2022
    March 2022
    February 2022
    January 2022
    December 2021
    November 2021
    October 2021
    September 2021
    August 2021
    July 2021
    June 2021
    May 2021
    April 2021
    March 2021
    February 2021
    January 2021
    December 2020
    November 2020
    October 2020
    September 2020
    August 2020
    July 2020
    June 2020
    May 2020
    April 2020
    March 2020
    February 2020
    January 2020
    December 2019
    November 2019
    October 2019
    September 2019
    August 2019
    July 2019
    June 2019

    Categories

    All

    RSS Feed

 ليس من حبّ أعظم من هذا : أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبّائه: يسوع المسيح
  • كتب
  • محاضرات
  • مقالات في «الأخبار»
  • المقالة الأسبوعيّة
  • الإيمان والحياة اليوميّة
  • فلسطين
  • التزام شؤون الإنسان
  • الإيمان والثقافة
  • كلمات
  • خريستو المرّ
  • مواقع صديقة
  • المقالة الأسبوعيّة