موقع خريستو المرّ
  • كتب
  • محاضرات
  • مقالات في «الأخبار»
  • المقالة الأسبوعيّة
  • الإيمان والحياة اليوميّة
  • فلسطين
  • التزام شؤون الإنسان
  • الإيمان والثقافة
  • كلمات
  • خريستو المرّ
  • مواقع صديقة
  • المقالة الأسبوعيّة

حين يُستدعى الصحافي ويُترك العدو

1/26/2026

 
خريستو المرّ، الاثنين ٢٦ كانون ثاني / يناير ٢٠٢٦


في الآونة الأخيرة، أقدمت رئاسة الجمهورية على ملاحقة الصحافي حسن عليق على خلفية فيديو انتقد فيه رئيس الجمهورية اللبنانية، سواء من زاوية تقصيره في أداء مهامّه الدستورية أو بسبب كلام اعتبره الأستاذ علّيق غير وطني وصادراً عن موقع يُفترض به أن يكون حامياً لوحدة البلاد وسيادتها. هذه الملاحقة لا تطرح فقط إشكالية حرية التعبير، بل تكشف أيضاً خرقاً قانونياً واضحاً، إذ إن القوانين المرعية الإجراء تنصّ صراحة على أن الصحافيين لا يُلاحقون بسبب عملهم المهني إلا أمام محكمة مختصة هي محكمة المطبوعات. تجاوز هذا المسار القانوني ليس تفصيلاً إدارياً، بل اعتداء مباشر على ما تبقّى من ضمانات قانونية في بلد تتآكل فيه دولة القانون يوماً بعد يوم.
صحيح أن لبنان لم يعد نموذجاً لاحترام القوانين، لا في القضايا الكبرى ولا في المصالح المصيرية. من نهب الودائع إلى انفجار مرفأ بيروت، مروراً بالعدوان الإسرائيلي الدائم والمتكرر عبر تاريخ الجمهوريّة، وصولاً إلى تاريخ طويل من التبعية والارتهان، تبدو القوانين مُعطّلة أو مُفصّلة على قياس الذين يمتلكون مفاصل المال والسلطة والدين. والمفارقة أنّ مَن يرفعون في العادة شعار «حرية الصحافة» يفعلون ذلك بانتقائية فاضحة، إذ يدافعون فقط عن «حرّية» أن يُترك في لبنان المجال مفتوحاً لأصوات تبرّر العدوان وتبثّ سمومها عبر وسائل إعلامية معروفة، متجاهلين أن دولاً كثيرة تجرّم الترويج للعدو أو التهليل له.
مع ذلك، لا يمكن الاستسلام لمنطق الفوضى القانونيّة. الدفاع عن الصحافي حسن عليق هو دفاع عن مبدأ، وعن حقّ أساس، وعن بعض من آخر ما تبقّى من شكل الدولة. فالتنازل عن هذه القواعد، بحجّة أن كل شيء منهار ولا قانون في البلاد، يعني التسليم الكامل بتحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة للقمع والتنكيل وكتم الأصوات الحرة. هذا البلد، الذي أتعسته أحزابه وقياداته، سواء في الحكم أو خارجه، لا يحتمل خسارة ما تبقّى من مساحات النقد والمُساءلة.
الأخطر من ذلك أن ما يجري يوحي بمسار أوسع، مسار تطبيعي تتقدّم فيه القيادات الحالية خطوة تلو الأخرى، فيما يُترك الشعب يواجه القتل والتدمير والفقر. يتم تفكيك كل عناصر القوّة التي كان يمكن أن تشكّل ورقة ضغط في مواجهة الخارج، من وحدة وطنية وقدرة على المقاومة، مقابل وعود وهمية بالاستقرار والازدهار. نردّد ما قلناه في مقالة سابقة بأن التطبيع لن يجلب البحبوحة، بل أنظمة قمعيّة (كالخليج) وفقراً مستداماً، لأنّ لبنان، بخلاف معظم دول الخليج، لا يمتلك ثروات هائلة، وإن هذه وُجدت في البحر فإنّ حكّامه، من مصرفيّين وأصحاب كبار رؤوس الأموال ووكلائهم السياسيّين، كفيلون بنهبها وتغطية ذاك النهب، والتغطية يتكفّل فيها السياسيّون ورجال الدين بالتكافل والتضامن.
المنطق السليم يفرض مواجهة أي محاولة لقمع الصحافيين أو تقييد الحريات، لأن البديل هو الانزلاق نحو دولة بوليسية. الإحصاءات اليوم تشير إلى أن نحو 40% من اللبنانيين يعيشون تحت خط الفقر، بعدما كانت النسبة 27% في التسعينيات، في زمن «البحبوحة» التي يحنّ إليها البعض المتعلّم في هذه البلاد. في واقعنا، الصوت الصحافي الحر ضرورة وليس ترفاً.
مَن يختلف مع حسن عليق يمكنه الردّ بالمقالة والحجة، لا بالاستدعاء والتحقيق؛ وما يثير الغضب في هذا الاستدعاء الأخرق هو الصمت الذي تمارسه القيادات السياسيّة وأتباعها حيال من يروّج للعدو ويضرب وحدة المجتمع، وهو ما يكشف ازدواجية فاضحة في التصرّف والمعايير التي ينطلق منها هؤلاء وأتباعهم. سنتابع العمل كي لا يكون لبنان مرتعاً للقمع، أو ساحة لتكميم الأفواه، أو مسرحاً للتطبيع القمعيّ والمُفقِّر لا محالة. الدفاع عن حرية الصحافة اليوم هو دفاع عن مستقبل هذا البلد، وعن حق شعبه في أن يقول «لا»، قبل فوات الأوان.
طبعاً الحلّ هو القطيعة مع نظام الطوائف الذي تركه الاستعمار بيننا لنكون كما نحن اليوم، الحلّ يكون في خلق بديل لهذا النظام المهترئ المولّد للفقر والتفسّخ، لا الاستمرار بما كنّا عليه قبل القيادات الحالية، البديل هو في الخروج من النظام الطائفيّ، وخلق شبكة أمان اجتماعيّة بيد الدولة لا الزعماء (تغطية صحيّة شاملة، تعليم مجاني ذو مستوى...)، وبناء القدرة. لا حلّ دون ذلك، ولكن لنصل إلى ذاك علينا أن نبدأ بمساحة الحرّية والنقد، واليوم، جسدها هو حسن علّيق.

الذات المزوّرة

1/20/2026

 
خريستو المرّ، الثلاثاء ٢٠ كانون ثاني / يناير ٢٠٢٦


يمكن أن يُضيء دونالد وينيكوت جانباً عميقاً من سلوك المزيّفين في الأديان، عبر مفهومه عن «الذات المُزوّرة». فحين لا يجد الإنسان بيئة تحضنه وتسمح له بأن يكون على سجيّته، وحين لا تُستقبل عفويّة الذات الحيّة وتُحترم، يضطرّ إلى بناء واجهةٍ متكيّفة تُرضي توقّعات الخارج. الذات المُزوّرة عند وينيكوت ليست كذباً واعياً بقدر ما هي تنظيمٌ دفاعيّ يقوم على الامتثال: صورةٌ تُتقِن أداء «ما يجب أن يُعمل»، وتعرف كيف تُرضي وتنجو وتُحافظ على مكانها، لكنّها تدفع الثمن من الداخل: فراغ، برودة، شعور بعدم الحقيقة، واغتراب عن الذات الحقيقيّة التي تعيش الصدق والحرّية والإبداع. ومَن يعشْ طويلاً داخل الامتثال فإنه قد يبدو ناجحاً ومتماسكاً، لكنه يفتقد الحياة التي تنبع من الداخل، لأنّ الداخل تمّت مصادرته لصالح الخارج.
وحين نُسقط هذا على الدين كما يُعاش اجتماعياً، نفهم كيف يمكن لجماعةٍ أو فردٍ أن يرفع اسم المسيح بينما يُمارس الاستعلاء أو الانبطاح أو يبرّر الاستغلال الاقتصادي. فالأرجح أنّ المسيحيّة عنده جزء من «الذات المُزوّرة»: أداء هويّاتي يضمن القبول، ويمنح الإحساس بالانتماء، ويؤمّن القرب من مراكز النفوذ، ويُخفي الهشاشة والخوف. عند هكذا إنسان، الإيمان هو مجرّد واجهة امتثال: امتثال للقوّة القاهرة، لمراكز القهر من زعامة دينيّة أو سياسيّة، امتثال لصورة الجماعة-الطائفة المتفوّقة، امتثال لمنطق السوق بالتماثل مع المرغوب اجتماعيّاً.
ولكنّ إيماناً مثل هذا هو إيمان مُزوّر، فعوض أن يكون انعتاقاً من الامتثال واتّجاهاً ذاتيّاً حرّاً وصادقاً نحو الحقيقة، يصبح ميدان امتثال لخارج قهريّ. بهذا المعنى، الاستعلاء على الآخرين ليس مجرّد انحدار أخلاقيّ، بل تعبير عن ذاتٍ ينقصها الأمان بسبب خيانتها لذاتها (أو اضطرارها إلى ذلك)، وتبحث عن أمانها في تفوّقٍ مُتخيّل؛ والانبطاح للمستعمِر الذي طالما نلاحظه في كلّ مكان، فليس مجرّد خيار سياسيّ، بل حركةُ ذاتٍ مُزوّرة تظنّ أنها تصبح «حقيقية» حين تقترب من القوّة. وأمّا الدفاع عن الرأسمالية الاستغلالية، فليس مجرّد موقف اقتصاديّ، بل محاولة لتعويض فراغٍ داخليّ بوهج الربح ومجد «النجاح».
لكنّ الإنجيل، إذا أُخذ بجدّيته، هو دعوة للخروج من الذات المُزوّرة إلى الذات الحيّة. الذات الحيّة في منطق المسيح لا تقوم على الامتثال للقاهر، بل على الحرّية الداخلية التي تجعل الإنسان قادراً على قول «لا» حيث يجب، وعلى الخدمة حيث يجب، وعلى المشاركة حيث يجب. وهي تحتاج إلى «حضانة» روحيّة واجتماعيّة تسمح بالصدق: كنيسة ومجتمع يفسحان مكاناً للاعتراف بالخوف وبالطمع وبالحسد وغير ذلك، ليس لتبريرها بل لتفكيكها؛ تربية تُعلّم المؤمن أن قيمته ليست في قربه من السلطة ولا في حجم حسابه المصرفيّ ولا في استعلائه على غيره، بل كونه حقيقيّاً، في إنسانيّته التي تتجلّى في الصدق والشجاعة والعدالة والرحمة.
ليس الإيمان هروباً إلى السماء ولا تجميلاً للواقع، بل مشاركةٌ في ورشة الأرض لتصير أكثر إنسانيّة. لذلك لا يمكن للمؤمن أن يحبس الروح القدس في المذبح ويترك «الخارج» فريسة للقهر: أرض الناس، عملهم، خبزهم، حقوقهم، وخيراتهم العامة. ولا يمكنه أن يرفع الصليب رمزاً ثم يرفض أن يحمل مع الآخرين أثقالهم اليومية من خلال تأسيس مشترك لنظامٍ عادل. من هنا يكون معيار الصدق الإيمانيّ بسيطاً ودينونة في آن: هل يقود الإيمانُ صاحبه إلى خدمة الآخر فعلاً؟ هل يحرّره من الاستعلاء؟ هل يحرّره من فتنة القهر وفتنة المال؟ هل يدفعه إلى الدفاع عن توزيعٍ عادل للخيرات، وعن سياساتٍ تحمي الضعيف وتحدّ من الاحتكار وتمنع تحويل البشر إلى أدوات ربح؟ أم أنّه يظلّ مجرّد واجهة تُحسِن الكلام وتُتقِن الطقوس بينما الواقع يزداد ظلماً؟ هل هو في جماعة المؤمنين أم المزيّفين.
على حسب ما نشاهد في وسائل الإعلام وأدوات التواصل الاجتماعيّ حول الشأن العام، لا شكّ أنّ الكثير من «المسيحيّين» مزيّفون، ليس لأنّهم يخطئون (فالخطأ جزء من خبرتنا كبشر)، بل لأنّهم يجعلون المسيحيّة قناعاً لتثبيت الامتياز وتبرير الغلبة وتزكية الاستغلال، يجعلونها تأكيداً مرضيّاً لذات تغرّبت عن نفسها. هؤلاء هم مسيحيّو الكلام، يغتربون عن المسيح بمواقفهم وأفعالهم وإن بقيت شفاههم تهتف له، فالمسيح لا يُعرف بالهتاف، بل بالاتّباع والفعل (ليس كلّ مَن يقول لي يا ربّ يا ربّ يدخل ملكوت السماوات، بل مَن يفعل إرادة أبي الذي في السماوات...)، أي بالوقوف مع الإنسان لا مع آلة سحقه، وبالمحبّة التي تتحوّل إلى عدل لا تلك التي تكتفي بزينة الأناشيد الدينيّة.
وإذا كان من توبةٍ مطلوبة اليوم (والتوبة تعني حرفيّاً تغيير الذهن)، فهي توبة من عبادة القوّة ومراكز البطش، وتوبة من الذات المُزوّرة إلى الذات الحيّة، ذاتٍ لا تبحث عن مكانها فوق الناس، بل تبحث عن وجه الله في الناس، وتعرف أنّ مجد الله لا يسطع في مواكب المتفوّقين، بل في الإنسان الحيّ، وأنّه حاضر في الناس الذين يعملون ليقهروا معه قوى الظلام والموت المعشّشة في بُنى التسلّط والاستغلال، وفي صدارتها الاستعمار، من المحيط إلى الخليج، وفي أنحاء الأرض.

المزيّفون في المسيحيّة

1/13/2026

 
خريستو المرّ، الثلاثاء ١٣ كانون ثاني / يناير ٢٠٢٦


ليس معيارُ المسيحيّة ما تقوله الشفاه، بل الاتّجاه الذي يسلكه الإنسان في التاريخ. فالمسيح لم يقدّم نفسه امتيازاً يعلو بالمنتمي إليه على غيره، بل قدّم طريقاً ينزل به إلى خدمة غيره. لذلك حين يرفع البعض المسيحيّة كشعار تفوّقٍ (وهميّ)، أو كهوية للتعالي على الآخرين، يكون ذلك إنكاراً عمليّاً للتجسّد، ولكأنّ المسيح لم يحبّ العالم أجمع، وكأنّه لم يبذل نفسه من أجل كرامة البشر جميعاً، وكأنّه جاء ليؤسّس جماعة مغلقة لا ليعيد الإنسان إلى إنسانيّته. حين انحنى المسيح وغسل أقدام تلاميذه، لم يقدّم درساً في التواضع الفرديّ، بل ليقلب منطق الهرم: الأعلى هو الذي يخدم، والأقرب إليه هو الذي يحمل أثقال الآخرين. ليس فقط أنّ الإنسان يجب ألّا يتعالى فقط، في نوع من الأخلاق السلبيّة، بل أن يخدم الحياة في الآخرين كما كان المسيح خادماً.
المفارقة أنّ الاستعلاء كثيراً ما يتزيّن بمفردات محبّة وكلامٍ جميل عن طقوس وأناشيد، فيما السلوك اليوميّ يسير عكس المحبّة. لكنّ المحبّة في المسيح ليست عاطفةً تريح الضمير ولا ديكوراً يلمّع الصورة؛ إنّها قوّة تُزعِج الظلم وتفضح التناقض وتتحمّل كلفة الموقف. محبّةٌ لا تقترب من وجع الناس، ولا تدخل في صراع العدالة والكرامة، تتحوّل بسهولة إلى قشرةٍ ناعمة تخفي الانغلاق، أو الاستعلاء، أو القسوة، أو العنف المعنويّ. حين ينفصل الإيمان عن الممارسة، عن ممارسة العدالة، يصبح المنتمي إلى المسيحيّة قادراً على الجمع بين خطابٍ روحيّ جميل وبين مواقف تُهين الآخر، أو تُقصيه، أو تُحمّله وزر أوضاعه من فقر أو اضطهاد، أو تُبرّر سحقه؛ كلّ ذلك وهو يظنّ ذاته أميناً للمسيح لأنّ لسانه لم يتوقّف عن ترداد اسمه.
يظهر الانفصام أيضاً حين يقف بعضهم منبطحين أمام المستعمِر، أو أمام أيّ قوةٍ غالبة، ظانّين أنّ القرب من «حضرة» القوّة يرفعهم، وأنّ التشبّه بالغالب يهبهم حصانةً أو وجاهةً أو معنىً. لكنّ الافتتان بالقوّة ليس تفصيلاً سياسيّاً محايداً، بل انحيازٌ روحيّ يُبدّل الإله في القلب. القوّة مغرية لأنها تعد بالأمان وبالمكانة وبالنجاة الفرديّة. بيد أنّ المسيح لم يأتِ ليُغري الناس بالأمان الناتج عن التحالف مع المهيمنين، بل ليحرّرهم من عبودية الخوف. مَن يطلب خلاصه من قرب المستعمِر أو القاهر، يستبدل المسيح بإلهٍ آخر اسمه القهر، حتى لو ظلّ يعلّق الصليب على صدره، أو يُتقن لغة التقوى. إنّ التشبّه بالمسيح لا يكون بالتشبّه بالغالب، بل بالخادم؛ ولا يكون بالانضمام إلى منطق القهر، بل بالانحياز إلى منطق «غسل الأقدام»، أي إلى منطق العلاقة التي تضع كرامة الآخر فوق نشوة الامتياز.
أحياناً يلتقي هذا الافتتان بالقوّة مع افتتانٍ آخر لا يقلّ وثنيّة، هو افتتان المال. فبعض المسيحيّين، أفراداً أو مؤسسات أو أحزاباً، يقفون عمليّاً إلى جانب مشاريع رأسماليّة استغلاليّة تُكدّس الثروات في أيدي القلّة وتُفقِر الشعب، ثم يُلبسون هذا الانحياز لباس «الحكمة» أو «الكفاءة» أو «القانون» (أيّ أخلاق هي تلك التي يستبطنها قانون يقول إنّ الإنسان الذي يُنتج الثروة لا حقّ له سوى براتب شهريّ، غير أخلاق الاستغلال؟).
المسألة هنا ليست تقنيةً اقتصادية فقط، بل خيارٌ أخلاقي وروحي، كلّ خيار اقتصاديّ هو خيار أخلاقي أساساً: إنّ نظاماً يحوّل الإنسان إلى سلعة، ويجعل الخبز امتيازاً لا حقّاً، ويقايض كرامة العامل بهامش الربح، ويعتبر الفقر نتيجة «فشل شخصيّ» لا نتيجة بنى ظالمة، هو نظامٌ يعيد إنتاج الاستعلاء بلغةٍ جديدة: استعلاء الثري على الفقير، و«الناجح» على «الفاشل»، أي المستفيد من البُنى الظالمة على المحروم والمهمّش. لهذا، فإنّ الوقوف إلى جانب الاستغلال الاقتصادي جزءٌ من الخيانة الروحيّة نفسها التي يمثّلها الاستعلاء على الآخرين والانبطاح للمستعمِر: عبادةٌ عمليّة ومموّهة لإلهِ الذات، مرةً باسم القوّة ومرةً باسم الربح.
في منطق الإنجيل، لا يمكن فصل المحبّة عن العدالة، ولا يمكن فصل الصلاة عن الخبز. «لا تقدرون أن تعبدوا ربّين: الله والمال» ليست جملةً أخلاقيّة عامّة، بل كشفٌ لحقيقة داخليّة، ولعبادة عمليّة: إمّا أن يكون المال وسيلة في خدمة الإنسان، وإمّا أن يصير الإنسان وسيلة في خدمة المال، إمّا أن يكون الله المعبود وإمّا الذات.
حين تُصاغ السياسات والخيارات العامّة لتأمين تراكم الثروة عند قِلّةٍ، وحرمان الأكثرية من ثمار الأرض، والعمل، والخيرات العامّة، فإنّ الدفاع عن هذا الواقع باسم شعار أكان الحرّية أو الواقعيّة، ليس حياداً، بل مشاركة في العنف. لذلك، فإنّ الحديث عن توزيع الثروات العامة على المجتمع ليس ترفاً إيديولوجيّاً، ولا تسييساً للدين، بل ترجمةٌ ضروريّة لمعنى المحبّة حين تُؤخذ على محمل الجدّ: أن يكون الخير العام حقّاً مشتركاً، وأن تُحمى كرامة الإنسان، وأن تُكسر دائرة الامتياز الوراثيّ والاحتكار، وأن تُدار الموارد بما يخدم الجماعة لا بما يقدّس أرباح القلّة.
الإيمان الذي يبارك احتكار الخيرات ثم يطلب من الفقراء الصبر، إيمانٌ يستعمل الله لتبرير العالم كما هو، لا لتغييره نحو عدالةٍ أرحب. ذاك هو إيمان الذين يقولون الشيء ويفعلون عكسه، الذين يعدون بالربيع ولا يُزهرون، الذين يمتنعون عن المحبّة الفاعِلة لأجل الحياة. أولئك هم المزيّفون، جماعة لم تعرف المسيح بعد.
 

ملامح الله في التاريخ البشريّ

1/6/2026

 
خريستو المرّ، الثلاثاء ٦ كانون ثاني / يناير ٢٠٢٦
إلى المطران جورج خضر
 
ميلاد المسيح كلمةُ تواضعٍ إلهيّ: كلمة الله يتجاوز تجاوزه للخليقة، ليصير منها ويشاركها كلّ شيء حتّى الموت. لذا يرى القلبُ في حدث الميلاد ملامح يوم الجمعة العظيمة، يومَ غطسَ المسيح في مياه الموت وعمّ هدوء الحزن، ذاك الذي رأيناه بهيّا بعد القيامة. في موضع الولادة الكون اجتمع: الجماد نجمًا مضيئًا دليلاً إليه، والمجوس والرعاة والحيوان مستقبلينه، ووجه الإنسان-مريم يرعاه. تقول الحكاية أنّ المجوس اعترفوا بالطفل ملكا (هدية الذهب) تفوح منه رائحة البخور كأنّه مطرح قداسة (هديّة اللبان). تقول حكايتهم أنّهم أشاروا إلى موت المسيح منذ تلك اللحظة بهديّة المرّ التي ترجّع صدى مستقبله يوم يستوي يسوع على الصليب، ويتناول اسفنجة مغمّسة بالمرّ، قبل أن يُسلم الروح. فقيرًا عاش، وفقيرًا صعد عرش الصليب، ليقول فقراء العالم «هو واحد منّا»، وينكره كبار هذا الدهر.
 
معظم الكنائس الشرقيّة تحتفل بالميلاد في ٧ كانون الثاني، وهو «عيد الظهور الإلهيّ» لدى جميع الكنائس. يستعيد العيد حدث معموديّة يسوع في نهر الأردن على يد يوحنّا المعمدان. تقول حكاية تلك المعمودية أنّ صوتا سُمع يقول «هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت»، وأنّ واحدًا شاهد شكل حمامة فوق المكان. العبارة تتكرّر حرفيّا تقريبا على جبل ثابور أو جبل الشيخ؛ يقول الشهود، أنّ «مجد الله» ظهر في يسوع على شكل ضوء شديد اللمعان، وأنّ صوتا سًمع يقول «هذا هو ابني الحبيب»، وأنّ الحدث وقع في الفترة التي كان يسوع يحدّث فيه تلاميذه عن موته القريب وقيامته. هذا التكرار للعبارة يربط بوضوح بين الميلاد البسيط والجمعة العظيمة، بين قماط الطفل والكفن، ولكنّه أيضا يربط بين إعلان المسيح ابنًا يضيء بمجد الله، وبين الجسد الجريح، بين مجد الله والإنسان المتألّم. مَن يؤمن بيسوع حقّا لا يمكنه أن يفكّ الارتباط الوثيق بين الصليب والمجد الإلهيّ، بحيث أنّه يرى دائما موضع المجد الإلهي في جسد المسيح المصلوب. لقد تجلّى «مجد الله»، بامتياز، في جراح جسد المسيح، ومن بعده في كلّ جسد جريح. مَن لم يفهم هذا ويعِه في فكره ولحمه ودمه وكلامه وعمله وحتّى غضبه كان في غربة عن السيّد. مَن يريد أن يرى الله في هذه الحياة، يقف إلى جانب البشرية الموسومة بالجراح، والتهميش، والطرد من دائرة الأخوّة البشريّة. لا يمكنني ألّا أن تتراءى لي غزّة.
 
يوحنا الإنجيلي يشهد أنّ الروح نزل على المسيح «مثل حمامة» واستقرّ عليه؛ ويوحنا نفسه يفتتح إنجيله بعبارة «في البدء كان الكلمة»، مُستعيدًا بذلك مطلع سفر التكوين: «في البدء خلق الله السموات والأرض» و«كان روح الله يرفّ فوق المياه». نحن إذا أمام خلقٍ جديد، إنسانيّة جديدة تبدأ بالمسيح مولودا من امرأة في العراء، ثمّ في النهاية-البداية معلّقا في العراء خارج المدينة، قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة فيلحق بجميع مَن سبقوه إلى الهاوية ليدّك سلاسل العتمة ويمنحهم القدرة على القيامة منها. «روح الله يرفّ على وجه المياه» في بدء الخليقة، وفي معمودية المسيح يبلغ هذا الرفيف كماله بأن يصير المسيح موضع استقرار الروح، ويصير الكون، به، لا بالخلق الأول، حاملا الروح. ثمّ لاحقا، عند الصليب، يوم أسلم المسيح الروح للعالم، خرج من جنب المسيح المطعون دم وماء، كما تقول حكايته مشيرة إلى أنّ كلّ مَن أراد أن يحمل اسم المسيح يعتمد في ذاك الماء ليصبح واحد معه، واحدا مع «جسده» (المسيح قد لبستم)، وإذ يصبح واحدا في جسد المسيح يصبح رفيقه في صراعه إلى جانب البشريّة المرسومة بالجراح. ويكون ذلك شهادة لحقّ وألم لا بدّ منه، وفرح وحياة يعيشهما كلّ مَن أحبّ وكان نفسه وأكل مع المسيح أضواءً من المجد الإلهيّ، عاى ما تشير إليه المعاني التي نطق بها الدم المسكوب من الجنب المطعون بحربة.
 
الإنسان ليس مسيحيّا إلّا بقدر ما هو شبه المسيح، إلاّ بقدر ما هو حاملٌ «مجد الله»، واقف إلى جانب المقهورين. أخذ المسيح صورة فقراء هذا العالم، وفي أرض الواقع لا يُبشَّر المساكين – إخوة المسيح بامتياز- بالتراتيل، وإنّما إن التقيناهم بالحبّ المشارِك، بالعمل لأجل إرساء بُنى العدالة والحرّية والمشاركة؛ إن لم نلاقهم هكذا فلن نلتقيه هو. إن لم نُزعج الظالمين والمستكينين، ونحتجّ ونقاوم، نكون بلا يسوع، في غربة عن مجد الله، ويصبح الكلام في المسيحيّة فراغًا. الطريق إلى المسيح هي طريق في الحب المشارك المقاوم للشرّ، لسنا نعرفه إلا بالحبّ الملتزم، وعندها مملكة الله الأبدية تتجدّد بالفعل أزليّتها، في لحم هذا العالم.
 
المظلومون هم وجه المسيح النازف، معهم نعرف ملامح الله في التاريخ البشريّ.

... ملح الأرض- نحو مجتمع لا طائفيّ

1/1/2026

 
خريستو المرّ، الثلاثاء ١ شباط / فبراير ٢٠٢٦


إن كان الإيمان المسيحي الأصيل يقتضي أن يترافق مع تجسيده في الالتزام بالعمل في العالم ومن أجل العالم، فإنّه يفرض أيضاً لفظ أشكال مختلفة من هذا الالتزام وتبنّي أشكال أخرى. لا تستوي كلّ أشكال الالتزام، كلّ الناس تعمل وبعضها يلتزم، ولكن قيمة العمل يحدّده مدى ارتباط العمل بالهدف، والهدف في المسيحيّة هي العيش في شركة وأخوّة إنسانيّة في عائلة الله. كلّ شيء معرقل لتجسيد هذه القاعدة الإيمانيّة في المجتمع، ينبغي نقده والعمل لأجل تهميشه، بل ومنعه، مثل منع الجريمة مثلا؛ لكن، في هذا السياق، من المخالف للإيمان ألّا يغضب الإنسان ويحاول منع الاستغلال، ويكتفي بالغضب من السرقة والجريمة، مع انّه من المعروف أنّ الاستغلال جريمة تؤدّي إلى إفقار، فموت مبكّر. لكنّ الناس تخدع نفسها وترى الاستغلال مجرّد غنى، وتعبيرًا عن رضى إلهيّ، أي تعكس الحقيقة ليتابع المستفيدون من الأنظمة القائمة استغلالهم.
السياسة تشير إلى تفاصيل مشاريع، وهي تتغيّر بكون معرفتنا تتغيّر والثقافات تتنوّع، والظروف تتغيّر، بينما الإيمان يشير إلى أهداف وتوجّهات ملموسة تشير إلى مسيرة الإنسان نحو تلك الأهداف. هذا يجعل ميداني السياسة والإيمان مختلفين دون أن يتغرّبا عن بعضهما البعض، ولذلك ينبغي حفظ توازن دقيق في هذا الشأن. فمن جهة أخرى، الانفصال الاصطناعي بين الإيمان والشأن العام، من سياسة واقتصاد واجتماع، هو غير واقعي وخيانة لفحوى الإيمان نفسه. ومن جهة أخرى، لا يحقّ لأيّ مشروع سياسيّ، مهما علا شأنه ومهما كانت ممارساته منسجمة مع أهدافه المعلنة، أن يعتبر نفسه ممثّلا لإرادة الله، ذلك أنّ لدينا تاريخ بشريّ طويل من استغلال الدين للمنفعة الخاصة، لشخص أو لجماعة دون غيرهم، أيّ لأهداف لا تتعلّق من قريب أو بعيد بكون الخلق كلّهم -قطعا ودون أيّ تمييز في أيّ ناحية - هم عيال الله. من نافل القول بأنّ ما من شخص يمكنه ادّعاء تمثيل إرادة الله، ولكن عندما تدّعي مجموعة من مطلق أيّ دين أنّ إرادة الله تتطابق مع مشروعها السياسيّ أو أيّ مشروع إنسانيّ آخر، فإنّ ذلك ينبغي أن يجعلنا نشكّ بأنّ الحقيقة هي عكس ذلك، بأنّ الحقيقة هي أنّ هذا المشروع بالذات هو مشروع مجموعة من الناس للاستئثار بالسلطة (والسلطة أهمّ من المال، فما المال إلّا وسيلة سلطة).
هذا لا يعني أنّه لا ينبغي للمؤمنين بإله بأن يقرأوا الشأن العام من زاوية إيمانهم ويمارسوه بناء على ذاك الإيمان، بالعكس الواقع أنّ كلّ إنسان يعمل بناء على إيمانه مهما كان ذاك الإيمان، إذ لا ينطلق الإنسان من لا شيء، بل من جملة مبادئ يؤمن بها. الفرق الوحيد في هذا المجال هو أنّ قليلنا يعمل في خطّ إيمانه، وأكثرنا يجاهر بإيمان ويعمل عكسه، هؤلاء هم المزوّرون في كلّ فلسفة ودين.
إن انطلقنا من المبادئ الإيمانيّة كون كلّ الناس دون أيّ تمييز بأيّ ناحية هم أولاد الله، نستطيع أن نقول بثقة أنّه في الشأن العام، يفرض الإيمان المسيحيّ على المؤمن الامتناع عن العمل بشكل فئويّ منفصل عن مواطنيهم في كلّ بلد، أيّ لا يمكنهم أن يُنشِئوا أحزابا خاصّة بالمسيحيّين ويسمّونها عنوة «مسيحيّة». أوّلا لأنّ المسيح أوصى أن يكون المسيحيّون كالملح في الطعام، أي أن يضيفوا نكهة إيمانهم إلى مجموع المجتمع البشريّ بالانغماس فيه دون انفصال (والانفصال فئويّ بالضرورة). ومن البديهي أنّ ينغمسوا فيه دون تحوّل، أي دون أن يتنازلوا عن مبادئ إيمانهم. لذلك فإنّ ما ينسجم مع الإيمان المسيحيّ ليس فقط أن يلتزم المسيحّيون أحزابا غير طائفيّة مع مواطنيهم، ولكن أيضا أن تحمل تلك الأحزاب مشاريع منسجمة مع إيمانهم، أي مشارع من اجل تمتين المشاركة البشريّة على أساس الأخوةّ في عائلة الله الواحد، وهو ما يعني العدالة الاجتماعيّة، والمساواة بين الناس في بلادهم، دون أن ينسوا الاهتمام بالمساواة والعدالة عبر كوكبنا (فالحدود في النهاية كلّها مصطنعة). هذا يعني مباشرة رفض الانتماء لأحزاب غير طائفيّة إن كانت تحمل مشاريعها تسعى عمليّا لاستحواذ قلّة من الناس على ثروات البلاد ناشرة الفقر والقتل بالاستغلال، وهو ما تفعله القلّة بالتحالف مع خارجٍ تنظّم من أجله الاقتصاد أو تشرّع له الاحتلال والاستعمار. طبعا ما من حزب يقول ذلك صراحة ولذا ينبغي إعمال العقل في جوّ من يسمح بالنقاش الحرّ، المنضبط بالقانون. واختصارا، نحن نرى أنّ في لبنان، ومن منطلق مسيحيّ، لا ينبغي لأحزاب مسيحيّة أن تكون، وامتدادا لا نعتقد بأنّ وجود أحزاب طائفيّة ينسجم مع المبادئ الإيمانيّة ودليلنا ما أدّى إليه وجود الأحزاب الطائفيّة في لبنان.
صحيح أنّ الطائفيّة تزول بالفعل حين يرجع القلب إلى أيمان صاف. لكنّ الأنظمة تشكّل القلب: طائفيّةٌ تمشي في الشارع وتجلس المدرسة والجامعة، وتتمظهر على التلفاز، تُربّي النفس على الانقسام وتفسخ المجتمع، ثم تُسمّي الانقسام «انتماءً»، فيذبل الوعي الإيمانيّ الأصيل الذي يجمع بين انتماء متمايز في الإيمان، وانتماء مماثل للوحدة البشريّة الجامعة. لكن لا نقل «نُصلح القلوب ثم نُصلح النُظُم»، أو نصلح النفوس قبل النصوص، ولكأنّ القلب يعيش في فراغ. النفس والنظامُ يتبادلان الأثر مثل مرآتين: النفس تُجسِّد ذاتها في القوانين والعادات، والقوانين والعادات تُعيد صوغ النفس، تُعلّمها الرحمة أو تُدرّبها على القسوة. لن تزول الطائفيّة بالوعظ، تتغيّر بتغيير الأنظمة لتكون أنظمة يضعها المواطنون والمواطنات لتخدمهم وتعاملهم سواسية كأسنان المشط، لأنّهم عيال الله جميعا ولو تمايزوا في طرقاتهم إلى الله. إن أردنا أن نعرّف الناس في الشأن العام، فهم قسمين: المؤمنون الذين يُسلّمون قلوبهم لله وهذا شأنهم هم والله، والطائفيّون الذين يريدون الله سلّماً إلى السلطة لجماعتهم (الصغيرة أو الكبيرة)، وخاتماً في إصبع الجماعة، ورايةً أمامها. هذا ما نراه بالأحزاب التي تدّعي المسيحيّة.
إنّ تاريخ لبنان الحديث يقول إنّ التربية المسيحيّة فشلت فشلاً ذريعا ودليلنا ما أنتجته من ممارسات، لكنّ إعادة النظر بتلك التربية هو أبعد ما يكون، وغير المسيحيّين في هذا المجال ليسوا بأفضل حالا. الإيمان ليس امتيازاً يُمنح لمن أحسَنَ اتّباع الطقوس الجماعيّة واطاع رجل دين، وإنّما طريق إلى مسؤوليّة أخلاقيّة عن هذا العالم الواحد في عائلة الله الواحدة، هي نداءٌ متواصل إلى إسلام القلب لله، وفي الآن نفسه دعوة مفتوحة للعمل الجماعيّ المتواصل في الأرض لاستباق الخيرات الآتية، وهو ثورةُ مساءَلةٍ للنُظُم لا تهدأ حتّى يضمحلّ الاستغلال وتسقط أوهام الهويّات المغلقة، ويحتفل البشر بالحياة معا أخوات وإخوة، وتكون الحياة طيّبة بوحدتها في التنوّع، كالملح في الطعام.

    الكاتب

    خريستو المر
    المقالات المنشورة في «الأخبار»

    الأرشيف

    March 2026
    February 2026
    January 2026
    December 2025
    November 2025
    October 2025
    September 2025
    August 2025
    July 2025
    June 2025
    May 2025
    April 2025
    March 2025
    February 2025
    January 2025
    December 2024
    November 2024
    October 2024
    September 2024
    August 2024
    July 2024
    June 2024
    May 2024
    April 2024
    March 2024
    February 2024
    January 2024
    December 2023
    November 2023
    October 2023
    September 2023
    August 2023
    July 2023
    June 2023
    May 2023
    April 2023
    March 2023
    February 2023
    January 2023
    December 2022
    November 2022
    October 2022
    September 2022
    August 2022
    July 2022
    June 2022
    May 2022
    April 2022
    March 2022
    February 2022
    January 2022
    December 2021
    November 2021
    October 2021
    September 2021
    August 2021
    July 2021
    June 2021
    May 2021
    April 2021
    March 2021
    February 2021
    January 2021
    December 2020
    November 2020
    October 2020
    September 2020
    August 2020
    July 2020
    June 2020
    May 2020
    April 2020
    March 2020
    February 2020
    January 2020
    December 2019
    November 2019
    October 2019
    September 2019
    August 2019
    July 2019
    June 2019

    Categories

    All

    RSS Feed

 ليس من حبّ أعظم من هذا : أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبّائه: يسوع المسيح
  • كتب
  • محاضرات
  • مقالات في «الأخبار»
  • المقالة الأسبوعيّة
  • الإيمان والحياة اليوميّة
  • فلسطين
  • التزام شؤون الإنسان
  • الإيمان والثقافة
  • كلمات
  • خريستو المرّ
  • مواقع صديقة
  • المقالة الأسبوعيّة