موقع خريستو المرّ
  • كتب
  • محاضرات
  • مقالات في «الأخبار»
  • المقالة الأسبوعيّة
  • الإيمان والحياة اليوميّة
  • فلسطين
  • التزام شؤون الإنسان
  • الإيمان والثقافة
  • كلمات
  • خريستو المرّ
  • مواقع صديقة

المحبّة حين تكون جسدا وأفقا

1/28/2025

 
​خريستو المرّ، الثلاثاء ٢٨ كانون الثاني / يناير ٢٠٢٥
 
الرؤية في المسيحيّة هي أنّ كلّ ما يقوم به الإنسان ينبغي أن يصبّ في المحبّة، أي في التعاضد البشريّ، وأنّ النهاية التي يرجوها الإنسان هو أن يحيا بسلام مع عدوّ الأمس، بل أنّ بعض القدّيسين كانوا يصلّون للشياطين كي يتوبوا. هذه الرؤية لا تنجّي من الخطأ، ولا من الصراع. فالخطيئة تعني حرفيّا في اللغة اليونانيّة التي كُتِبَ بها الانجيل «إخطاء الهدف»، ولهذا تأتي التوبة وهي تعني حرفيّا في اللغة نفسها «تغيير الذهن» بهدف العودة إلى الطريق الذي يوصل إلى الهدف من جديد: محبّة الإله والبشر التي لا يمكن تجسيدها والتأكّد من وجودها إلّا عن طريق التعاضد الإنسانيّ، الذي من جهة يؤكّد وجود المحبّة ومن جهة يجذّرها ويعمّقها. ولكن الرؤية لا تنجّي من الصراع، فالعودة عن إخطاء الهدف إلى الهدف، إلى الطريق والحقّ والحياة الذي قال يسوع أنّها هو، إلى التعاضد الإنسانيّ يقتضي صراعا مع الذات لكي يعي الإنسان واقعه ويجهد لكي يغيّر ما في نفسه، وكذلك مع قوى الظلمة التي تخرّب التعاضد الإنسانيّ وتمزّق أجسادنا ونفوسنا. 
أفق التعاضد الإنسانيّ هذا، ينبغي أن يفرض نفسه فرضا على أتباع المسيح، وفي هذه البقعة من الدنيا، هذا يعني التطلّع إلى رفع الظلم، إن كان ظلم طاغٍ داخليّ أم طاغٍ خارجيّ. والواقع يدلّنا، أحببنا اللفة أم لم نحبها، أنّ الطغيان الاستعماريّ هو أكثر ما خرّب بلادنا وطالما نصّب عليها الطغاة. وهو اليوم يدعو إلى المزيد من إفراغ الأرض من أهلها بعدما أفرغ ما أفرغ منها بحروبه الوحشيّة. المسيحيّون معنيّون بهذا الإفراغ كجماعة، ليس لأنّ عددهم أصلا صغير والإفراغ سيمحوهم من البقاع التي مشى فيها المسيح، ولكن لأنّ الإنسان المستضعف في هذه الديار، ديارنا، هو المسيح نفسه، والمسيحيّون مدعوّون للتمسّك به والاهتمام برفع الظلم عنه، عوض نكرانه كبطرس أو بيعه بأربعين من الفضّة كيهوذا؛ وهذا هو المعار الوحيد لكونهم مسيحيّين فعلا لا قولا. صحيح المسيح موجود في كلّ مكان، وكلّ مكان فيه مستضعفون لكنّ الإنسان مسؤول أوّلا عن البقعة التي هو ساكنها.
لكنّ أهمّ ما في الأمر أن يعمل المسيحيّون كمواطنين في بلادهم وليس كجماعة منفصلة، أي يعملون من منطلق إيمانهم ولكن علمانيّا، كما يعمل كلّ إنسان من منطلق إيمانه بالله أو بمبدأ، بوسائل يراها منسجمة مع الأهداف التي يسعى إليها، والعقل والتعاضد الإنسانيّ يدلّان الجميع عن أوجه الوسائل المناسبة في كلّ عمل، والإنسان يخطؤ ويصيب ولكنّه لا يقعد عن العمل بل يبقى مسؤولا عن العالم الوديعة التي وضعها الله بين أيدي الناس ليحرثوها، ليعملوا فيها معه، ويحوّلونها إلى تهجئة للملكوت الآتي بحيث يرسمون في لحم الأرض ملامح السماء، أي العدل والمشاركة الإنسانيّة. بهذا يكون الإنسان – ليس المنفصل، بل المرتبط بغيره في جماعات واحدة الأهداف ومتنوّعة المنطلقات – خليفة لله على الأرض، أو يكون هو حارثها معه.
قد يقول العالم كلّه أنّ على الإنسان أن يتصالح مع الظلم ويحتفل به، فيسمّي رضوخ السجين سلاما، وخضوع المجتمع طاعة، والفقر رضا، والمرض لأسباب الفقر والإهمال قدرا، والتفاف «النخبة» حول المال والسلطة نجاحا، والاحتفاء بالشياطين واقعيّة، والتعاون مع الذئاب على الغنم حنكة. لكنّ هذا لا يكون مع مَن كان صادقا في التزامه باتّباع السيّد الذي مشى مع الفقراء والمساكين وحاول رفع الظلم عنهم، فأطعمهم وأعتنى بمرضهم ولم يتركهم لذئب، بل كان الذي رعى الحياة لتهزم الموت. 
الموت آت من بين أنياب الاستعمار وذئابه في الداخل، هنا المحكّ في أن يكون الإنسان فعلا أو لا يكون. مَن لم يقف مع الفلسطينيّين واللبنانيّين الذين كانوا تحت أنياب الحديد الأميركيّ-الصهيونيّ، لم يقف مع نفسه ولا هو اتّبع ذاك الذي أتى لتكون الحياة للناس وتكون أوفر، ذاك المسيح، لا هذا الذي نبني أصنامه ورسومه حولنا وفي قلوبنا لنهدّئ بها خياناتنا له.

الحياة الخارجة من الموت

1/21/2025

 
​خريستو المرّ، الثلاثاء ٢١ كانون الثاني / يناير ٢٠٢٥
 
٤٦٩ يوما والفلسطينيّون يُبادون في غزّة باليد والعقل الصهيونيّين والإرادة والدعم الإمبراطوريّين، ويُطحنون في الضفّة بين مطرقة الاحتلال وبين سندان السلطة. و٤٦٩ والفلسطينيّون يُقاومون بكلّ ما أوتي لهم من قوّة وإرادة وإيمان وتمسّك بالحقّ وبالطيبة. ٤٦٩ يوما وأشلاء تتناثر في فلسطين ولبنان واليمن والضغط على الاستعمار يتواصل من المقاومة في البلدان الثلاث. ٤٦٩ يوما وإرادة التحرّر والحياة تنطق بها روح المقاومة عن العالم أجمع الذي صرخ خيرة بناته وأبنائه في طرقات المعمورة ليقولوا لا للإبادة الاستعماريّة المنشأ والتمويل والتنفيذ، ويرفضوا كلّ إمبراطوريّة وكلّ إبادة. ٤٦٩ والقلب الإنسانيّة ينتفض ويحتجّ ويدين والرادة الإنسانيّة تصارع الحديد والنار. ٤٦٩ يوما والجسد الفلسطينيّ يقاوم عن العالم أجمع ويكشف للعالم أجمع حقيقة الوحشيّة الاستعماريّة في كلّ زمن وحين، ويفضح الوجه الحقيقيّ للرأسماليّة حين تقف أمامها الإرادة الإنسانيّة لترفض استغلال الجسد الروح الإنسانيّين، لترفض تحويل الإنسان إلى شيء يُراد نفيه من الحياة، إلى شيء يُسجن ويُضطهد ويُهَدَّد ويُرهَّب ويُستباح ويُطوَّع ويُقتل، ويُباع ويُشترى ويُباد لجني الأرباح من كهنة الرأسماليّة، وخدّامها الإقليميّين. ٤٦٩ يوما والجسد الفلسطينيّ يمشي في جلجلته حاملا على كتفيه أوجاع العالم أجمع الذي يقتات جسده الوحش الاستعماريّ. ٤٦٩ يوما والموت يمشي خلف الجسد وينتظر اللحظة الأخيرة ليعلن نفسه سيّدا على الشعب الفلسطينيّ، سيّدا على الجسد المدمّى، سيّدا على الجبين المكلّل بالأشواك والنار، سيّدا أخيرا بلا منازع على الإرادة التي تجرّأت وقالت «لا». وحين ارتفع الجسد الفلسطينيّ على صليب الإبادة وبكته الأرض التي تمزّقت أمّا ثكلى، حين لم يعد بالإمكان التمييز بين الموت والجسد، في نهاية إعلان العالم عن نهاية الحياة الفلسطينيّة التي غرقت في عتمة القتل والوحشيّة، التي نزلت إلى الموت، وطأ الجسدَ الفلسطينيّ بموته الشهاديّ الموتَ الإباديّ، وقفز النصر على الموت خارج الموت وعدا بالحرّية المنتصرة، وشهادة أنّ الحياة أقوى من الموت، فكسرت المقاومة شوكة الموت بالموت، وكانت شهادة أنّ الكلمة الأخيرة التي نعرف أنّها ستكون في نهاية الزمن كلمة الله، كلمة الحياة، تتجلّى في هذا الزمن في شهادة الذين يقولون لا لتحويل الإنسان إلى شيء، في شهادة الذين يقولون لا للاستلاب، لا للاستعباد، لا للخضوع، لا للكراهية، لا للاستعلاء، لا لسلطة المال على الروح، لا سلطة للوحشيّة على الضمير، لا إله إلاّ الله، ولذلك لا سلطة على الإنسان إلاّ سلطة الحبّ والحرّية، وهما الغالبين.
تلك هي الشهادة الفلسطينيّة للقرن الجديد، تلك هي شهادة الذين قالوا معهم «لا» بألف طريقة وطريقة، ذاك هو الدرس الذي احتاج العالم أن يصحو عليه من الخدر الذي انتشر في جسمه مع نهاية الأحلام منذ وضع الاستعمار الأميركيّ يده على رقبة العالم وقال لنا استريحوا وكلوا واشربوا وافرحوا، وكانت الوليمة جسدا، وكان الشراب دما، وكان الفرح مغادرا، وكانت الأرض مغلقة. اليوم فتحت غزّة لنا العالم على المدى، وشرّعت أبواب الأحلام من جديد، وقالت أنّ الذين يحبّون الحياة يحبّونها حتّى الشهادة كي لا تصير الحياة عصفا مأكولا، موت يرتع في القلب، وكابوسا يُغلق التاريخ.
قام النصر ولم يعد العالم في القبر. من كان مُحبّاً للحقّ، فليتمتَّع بهذا الخبر البهيّ. من تحمَّل مشقَّة الإبادة، فليشارك الآن في الفرح. مَن عَمِلَ من الساعة الأولى لوحشيّة آلة القتل، فليتنفّس اليوم الصعداء. مَن شارك النضال متأخّرا، فليعيِّد شاكراً. مَن وافى المناضلين بعد تردّد، فلا يتردّد بالبكاء من الفرح. مَن تخلَّف وخاف ثمّ انضمّ إلى موكب الحالمين بالعدالة، فليتقدَّم إلى مائدة الحياة.
مَن لم يَصِل إلاّ ببطء، فلا يخجل من إبطائه فها هو الآن حرّ. إنَّ الحرّية سخيٌّة تُفرحُ العامل الأخير كالعامل الأوّل، تُعطي نفسها لذاك وهذا، تقبل الأعمال وترتاح إلى النيَّة، تقدِّرُ العمل وتمتدح العزم. فليشارك بالفرح الفلسطينيّ المحبّون المناضلون، الأوَّلون والآخرون، الأغنياء والفقراء، المصمّمون والمتردّدون، المحاصرون والذين لم يُحاصَروا. مائدة الحرّية والحياة حافلة، والفرح كبير، فلا يبقَ أحدٌ وحيدًا أو جائعًا، فقد ظهرت تباشير التحرّر الكامل. ولا يخشَ أحدٌ الموتَ، لأنّ من غزّة ولبنان واليمن حرَّرتنا شهادةُ الحياة والحرّية. أخمدَ الجسدُ الفلسطينيّ أنفاسَ الموت حين قبضَ الموت عليه، ومرمر المحتلّ، تمرمر المحتلّ لأنّه باطل. تمرمر لأنه هزىء به. تمرمر لأنه بات يلفظ أنفاسه الأخيرة، تمرمر لأنه قد رُبط. هاجم جسداً فصادف حياة وإرادة لا تموتان، هاجم أرضاً فوجدها سماء. هاجم ما رأى، فسقط من حيث لم يرَ.
أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا جحيم الاستعمار؟ صار الفلسطينيّون صورة المسيح، صورة الحياة والحرّية؛ أنت صُرعتَ وصارت غزّة باكورة المتحرّرين.

أيّ موقف مسيحيّ في زمن البرابرة؟

1/14/2025

 
​خريستو المرّ، الثلاثاء ١٤ كانون الثاني / يناير ٢٠٢٥
إلى القطيع الصغير
 
وسط الهجمة الاستعماريّة الحاليّة، وسياسات الظلمة والتدمير والقتل والإفقار التي ترسيها في منطقتنا، أيّ موقف مسيحيّ اليوم؟
من وجهة نظر مسيحيّة مادّة هذا العالم وأجسادنا وحياتنا، هنا والآن، لها أهمّية مطلقة؛ فبالتجسّد ضمّ الله المادة إليه بجسد يسوع المسيح. التصديق بعجائب يصنعها الله من خلال مادة هذا العالم (رفات القدّيسين، مثلا) تعبّر عن الإيمان بأنّ مادة هذا العالم ليست بلا قيمة أو هامشيّة، بل هي جزء من العالم الذي أحبّه الله حتّى بذل ابنه الوحيد من أجله. حياة الناس على هذه الأرض ليست ظلاّ ومناماً، إنّها مكان نتمرّن فيه أن نكون مع الله، أي نتمرّن فيه على ما ندعوه بـ«المحبّة». لكنّ المحبّة ليست تلك المشاعر الورديّة التي نتخيّلها أحياناً، وإنّما هي موقفٌ كيانيٌّ يشمل الشعور، موقف يجمع بين الحسّ والفكر والإرادة ويتجلّى في إقامة وزن للحياة بحيث تصبح حياة الإنسان وكرامته ونموّه وانتعاشه هدفاً، وتصبح الطبيعة مجالا للحياة وليس مجرّد موارد للاستغلال كما ترى العين الرأسماليّة. لهذا فمعيار المحبّة الحقّة هو في إقامة الاعتبار للآخر بأن أتخطّى دوراني حول ذاتي وحول جماعتي الصورة الأكبر لذاتي.
ولكنّ موقف إقامة الاعتبار للآخر الإنسان وللآخر الطبيعة لا يمكن أن يُعاش في عالمنا دون صراع. فالموقف الذي يقيم اعتبارا للآخر لا بدّ أن يصطدم بواقع الظلم وهو لا يقبل الظلم، لا يتصالح معه حتّى ولو لم يستطع أن يردّه، لا يتصالح معه باسم أيّ مبدأ آخر، مهما بدا ذلك المبدأ سامياً، كمبدأ «السلام» الذي يروّج له اليوم. ذلك أنّ موقف التصالح مع الظلم متهاونٌ، هو مشجِّع للشرّ وحليفٌ له، هو موقفٌ لا يقيم وزناً لا لإنسانيّة صاحبه لأنه موقف الهارب من المسؤوليّة التي تفترضها المحبّة، ولا هو يقيم وزنا لإنسانيّة الضحيّة لأنّه يتركها لينهشها الظلم، بل هو روحيّا لا يقيم وزنا لإنسانيّة العدوّ لأنّه يتركها ليستفحل شرّها ويتأكّلها فيما يتأكّل غيرها. لا بدّ من تعليم يبدّد وهما منتشرا، ألا وهو أنّ المحبّة تعني نفي الصراع وتجنّب المجابهة، والسعي إلى «السلام» أيّاً كان ثمنه، وإلى «الوفاق» ولو على حساب العدالة والحقّ. فهكذا موقف معاكس للمحبّة إذ هو خليطٌ من التخاذل والميوعة واللامبالاة والهروب من صعوبة المواجهة؛ موقفٌ لا يقيم وزناً لأحد ويشجّع على الشرّ.
هكذا فإنّ تجنّب الصراع باسم «المحبّة» أو «السلام» أو غير ذلك، هو في حقيقته العارية خيانة للمحبّة، لأنّه بالضبط لا يقيم وزناً لا للآخر ولا للذات، فهو موقف الذي يعيش خارج العالم على عكس إرادة يسوع، أو هو موقف الذي رضخ للظلم فساهم بالتدمير، بدل أن يكون نقيضه وخصمه، مواجها له بمشروع بناء عالم إنسانيّ وليس مجرّد عالم آخر فالآخر الأكثر ظلما ليس بأفضل من الأوّل. لا بدّ من الصراع إذاً عند مَن آمن فعلا بالمحبّة.
طلب العدالة
قد يقول قائل أنّ المسيحيّين لا يبتغون سوى العدالة الإلهيّة ولا شأن لهم بالعدالة الأرضيّة، وهذا لا علاقة له بالمسيحيّة. إنّ العدالة والظلم ليسا أمرين تافهين لا معنى لهما إيمانيّا، ولا هما أمرين هامشيّين لا يعنيا شيئاً لمن يطلب السماء، بل هما أساسَين لمن يطلب السماء لأنّ لا سماء دون محبّة بحسب الإيمان المسيحيّ، حياة سماويّة للبشر بدون حياة أرضيّة، لا سماء بدون أرض. المحبّة بدون الدعوة إلى العدالة ليست سوى نفاق لأنّها تشكّل دعوة للمظلومين إلى الخضوع للشرّ، وتستهتر بالحياة. فمثلا، الاكتفاء بالمساعدات وتخيف الأوجاع دون الدعوة والسعي للقضاء على مصدر الأوجاع (الفقر، الاحتلال، التعسّف) هو في الواقع تواطئ مع البُنى الظالمة. من اكتفى بتقديم المساعدات على أهمّيتها، هو في موقع مَن يكتفي بتخدير ضميره بالمساعدات متجنّبا التعرّض للبنية الاقتصاديّة أو السياسيّة الظالمة. وكذلك السعي للـ«سلام» في المنطقة دون انتزاع العدالة الكاملة غير المنقوصة للفلسطينيّين واللبنانيّين والسوريّين لا يمكن أن يستقيم، إذا أنّه لا يمكن أن يكون في ظلّ وجود نظام استعمار احتلاليّ يعلن بأفعاله وأقواله أنّه لا يقيم وزنا للحياة ولا للحقّ. والمؤمن لا يكتفي بالصلاة من أجل الأفضل، بل يعمل له أيضا، فالاكتفاء بالصلاة من أجل السلام دون السعي من أجل تحقيق الحقّ، لا يعدو كونه تخديرا للضمير وتجنّبا للمواجهة. المواجهة ضروريّة مهما كان شكلها عند إنسان، أو آخر، أو مجموعة، أو أخرى.
الباب الضيّق والأفق المضيء
هذا المسعى طريق شاق، محفوف بالمخاطر، يجتهد فيه الفرد بشكل شخصيّ، ضمن جماعة تكون جسد المحبّة في هذا العالم. بالنسبة للمؤمن المسيحيّ هذا الاجتهاد المتعب هو مساهمة في صليب المسيح، هو صراع مع قوى الظلمة في حلبات «رومان» كلِّ حضارة وزمن، ومع قوى الظلمة التي فيه أيضا. وفي قلب هذا الصراع الذي نحياه خلال عمرنا القصير، نتذكّر أنّنا «عاملون مع الله»، مساهمون في عمله بتحقيق إرادته بأن يكون العالم معالم محبّة أي عالم يجسّد الحقّ والعدالة ويحمي الحياة. لهذا ففي خضمّ العمل لا يأس، فإن كان المسيح بقيامته قد حقّق النصر على الموت وبدأ بذلك ورشة الملكوت، فذاك يعني من جملة ما يعنيه أنّنا لسنا الضمانة لانتصار الحقّ والحياة، وأنّ الضمانة هي في المسيح، في انتصار المسيح على الموت، في فِعل الله المُحيي، في الإيمان بأنّ الكلمة الأخيرة في هذا الكون ستكون لله، للحياة. هذا الإيمان هو ما يسمح لناضل المؤمن بأن يكون دون يأس، هو ما يمنحه أن يعبر العمر في نضالٍ متعب يحمل رجاءً مضيئاً.
إنّها الحياة الإنسانيّة المأساويّة والمضيئة بآن، المأساويّة لمخلوقيّتها وقصورها عن الكمال، والمضيئة بسبب من محبّة الله التي للناقصين تكمّل، وللمخلوقين الـمُحِبّين، بالعمل والحقّ، تقدّس.

نحو موقف مسيحي في سوريا

1/7/2025

 
​خريستو المرّ، الثلاثاء ٧ كانون الثاني / يناير ٢٠٢٥

​"وأخيراً أتوجه إلى السيد أحمد الشرع شخصياً داعياً له ولإدارته الجديدة بالصحة والقوة في قيادة سوريا الجديدة التي يحلم بها كل سوري. وبالمناسبة أكرر أننا مددنا يدنا للعمل معكم لبناء سوريا الجديدة، ولكننا ننتظر من السيد الشرع وإدارته مد يدهم إلينا!! لأنه وحتى تاريخه وبالرغم من تناقل وسائل الإعلام لانعقادٍ وشيكٍ لمؤتمر سوري شامل وغير ذلك من القضايا، لم يتم أي تواصل رسمي من قبلهم معنا. هذا، وقد عرف الإرث السوري زيارات رؤساء الجمهورية إلى هذه الدار البطريركية مريمية الشام منذ عهد الاستقلال. فنحن نرحب به في داره وفي بيته." بهذه الكلمات نطق بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للأرثوذكس من دمشق في ١ كانون ثاني ٢٠٢٥ من على منبر الكنيسة المريمية في دمشق.
 
"وأخيراً أتوجه إلى السيد أحمد الشرع شخصياً داعياً له ولإدارته الجديدة بالصحة والقوة في قيادة سوريا الجديدة التي يحلم بها كل سوري. وبالمناسبة أكرر أننا مددنا يدنا للعمل معكم لبناء سوريا الجديدة، ولكننا ننتظر من السيد الشرع وإدارته مد يدهم إلينا!! لأنه وحتى تاريخه وبالرغم من تناقل وسائل الإعلام لانعقادٍ وشيكٍ لمؤتمر سوري شامل وغير ذلك من القضايا، لم يتم أي تواصل رسمي من قبلهم معنا. هذا، وقد عرف الإرث السوري زيارات رؤساء الجمهورية إلى هذه الدار البطريركية مريمية الشام منذ عهد الاستقلال. فنحن نرحب به في داره وفي بيته." بهذه الكلمات نطق بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للأرثوذكس من دمشق في ١ كانون ثاني ٢٠٢٥ من على منبر الكنيسة المريمية في دمشق.
لا شكّ أنّ استلام السلطة في أيّ بلد من قِبل أناس مدعومين أجنبيّا من مطلق أيّ طرف، يثير القلق، خاصّة إن كان مشروعهم السياسيّ يحمل رؤية محدّدة (دينيّة أو لا دينيّة) إن التزمتها الدولة تغدو دولة لا تساوي بين المواطنين في الحقوق والواجبات. فما كان يصلح في العصور السابقة حيث لم يكن من دولة معاصرة، بل إمبراطوريات تمثّل الشخص والعشيرة أكثر ما تمثّل المواطنين، لم يعد يصلح مع تطوّر وعي الإنسان لدوره ولحقوقه كشخص. مهما جمّل حكمٌ سياساتٍ لا تساوي بين المواطنين في الحقوق والواجبات، سيبقى المواطنون الذين تميّز ضدّهم تلك السياسات يكرهون ذاك الحكم لأنّهم سيشعرون تلقائيّا أنّهم مواطنين من الدرجة الثانية، وهو ظلم لا يراه مَن يمتلك سائر الحقوق. إذا لم يتمكّن الإنسان من المقاومة سيُجبَرُ بالطبع بحكم ظالم قمعيّ يفرض اللامساواة، ولكن لن يرضى داخليّا به، وسيحتفل بوقوعه إن لم يستطع أن يوقعه، أحبّ مَن أحبّ وكره مَن كره (والاحتفال بسقوط نظام البعث عبرة لمن اعتبر ومنهم الحكّام القادمين). لهذا ينبغي أن يفهم الإنسان قلق السوريّين من قادم الأيّام مع استلام الجماعات المسلّحة الحاليّة للحكم في سوريا، ولكن النتيجة التي يجب أن يفضي إليها هذا القلق هو السعي لبناء دولة أساسها دستور يساوي بين المواطنين. بالطبع، الدستور خطوة أساس وليست كافية، فالعبرة تبقى في طريقة ممارسة الحكم (لا ننسى أنّ النظام المخلوع كان دستوريّا).
هذا على صعيد نظام الحكم في سوريا، أمّا على صعيد السيادة ووحدة البلاد فالتحدّيات هائلة: من الاحتلال الأميركيّ في شرق البلاد والتركي في شمال والصهيونيّ في جنوبه والذي بات يتمدّد. هذا كلّه يتطلّب أيضا خطابا وعملا وطنيّا لإنهائه، وإن كان يجب النظر لشكل فريد إلى الخطر الصهيونيّ كخطر وجوديّ على سوريا نفسها، وليس فقط على فلسطين، والأحداث تشهد. بهذا الشأن تبدو تصريحات الحكم الفعليّ الحاليّ مثيرة للقلق لكلّ إنسان سوريّ (وغير سوريّ)، فهي تصريحات تطبيعيّة بامتياز، تعتبر أنّ لا عداوة قائمة مع دولة صهيونيّة أعلنت رسميّا ضمّ هضبة الجولان إليها بشكل نهائيّ، وبدأت فورا بالتوسّع وبضرب كلّ المقوّمات العسكريّة للدولة بعد سقوط النظام. كلّ ذلك ينبغي أن يدعو كلّ سوريّ وسوريّة إلى الدعوة والسعي للحفظ على وحدة البلاد وتحريرها. زد على كلّ ما ذكرناه، الأساس الملموس: القلق المعيشيّ الذي يسبّبه النظام الأميركيّ على الناس يوميّا، بالخنق الاقتصاديّ للبلاد ونهبه لثرواتها في شرقها. هذا وحده همّ وتحدّ يوميّ.
في خضمّ هذا الواقع يطلّ خطاب البطريرك. من حيث المبدأ والممارسة، نحن ضدّ أن يتكلّم رجل دين بمشاريع سياسيّة محدّدة، فيوصي بانتخاب شخص، أو بدعم شخص، أو نظام سياسيّ بعينه، أو حاكم بعينه – وكلّ ذلك انغمست فيه قياديات كنيسّة بغير بلد وبأكثر من طائفة. فالكلام السياسيّ بمشروع مباشر أو أشخاص يعني تجيير الإيمان في خدمة السياسة، والاستيلاء على أصوات المؤمنين وتجييرها القسريّ في مشروع محدّد أو لشخص محدّد؛ وهو لعمري يشكّل محاولة سرقة للرأي والحرّيات الشخصيّة للمؤمنين؛ كما أنّه يحمّل المؤمنين عبء الخيارات الذاتيّة للقائد الدينيّ وهم منها براء، فعند أيّ منقلب تاريخيّ (الذي حصل في سوريا) لن تتحمّل القيادات الدينيّة العبء المادّي لهذا الانقلاب، لا اقتصاديّا، فهم لم يقلقوا يوما من قلّة طعام أو شراب، ولا جسديّا، فهم محصّنون بينما الرعية لا حصانة لها.
لكن يمكن، بل يجب، لرجل الدين (والنساء في هذا المجال ما زلن ندرة في عصرنا) أن يتكلّم بقضايا العدل والظلم، فينتقد الظلم ويدعو للعدل. كلّ واحدة من التحدّيات التي ذكرناها فوق يمكن الكلام بها من منبر دينيّ، بردّها إلى جذورها الأخلاقيّة على أنّها قضايا عدل وظلم. فالتمييز بين المواطنين ظلم، الاحتلالات ظلم، والنهب للثروات ظلم، والعقوبات الاقتصاديّة ظلم (فهي تقتل الناس ولا تؤثّر بالحكّام). لكن عوض الكلام عن العدل والظلم في التحدّيات السوريّة الحاليّة، جاءت كلمات البطريرك الأرثوذكسيّ من عصور غابرة، ففي الخطّ العثمانيّ نصّب نفسه ناطقا باسم الطائفة أمام الدولة، وهو أمر يتضمّن حُكما جَعل الدولة ممثّلة لمجموع الطوائف أو حكما بينها، بدلا من أن تكون ممثّلة لمواطنين في دستور يساوي بينهم. هكذا في ضربة واحدة وفي نهاية خطاب شدّد فيه على الوئام التاريخيّ بين المسلمين والمسيحيّين في المنطقة (وهو صحيح)، فخّخ البطريركُ فكرة المواطنة وهي الأساس الضروريّ لكي تصبح أمنيته بأن تكون المرحلة الحاليّة "مكللةً بفجر حرية وعدالةٍ ومساواة" أمنية حقيقة. كان بالأحرى أن يدعو البطريرك إلى بناء سوريّا عادلة داخليّا وخارجيّا، وأن يشجّع المواطنين السوريّين من كلّ الطوائف أن يلتحقوا بالعمل في الحقل العام وبالمشاركة لكي لا يستفرد حاكم دمويّ جديد بالحكم، ويعيد إنتاج شكل الحكم الذي انقلب عليه. القوّة هي التي تتكلّم في النهاية، لهذا فإنّ التحدّي هو في تنظيم المواطنين لصفوفهم سلميّا (وهذا صعب في ظلّ حكم قضى بشكل ممنهج على الحرّيات السياسيّة) بحيث يمكنهم أن يشكّلوا قوّة معنويّة يوازنون بها قوّة السلاح خلال المفاوضات من أجل دستور جديد (إن حصلت)، والمفاوضات التي أبعد من الدستور. المستقبل قريب، وإن كان يحكمنا الأمل ومسؤوليّة الإنسان العمل، فالتصريحات والإطار غير مشجّعين، وقنابل الإبادة الأميركيّة في غزّة لا تبشّر بخير في دمشق، قلب سائر المشرق.
بقوله «أنتم ملح الأرض» دعا المسيح أتباعه أن يكونوا كالملح في الطعام، بحيث أنّهم باندماجهم في مجتمعاتهم، لا باستقلالهم عنها، يُساهمون بإظهار طعمها الفريد. في السياسة، وعكس السائد، الخطاب المسيحيّ حقّا هو بالضبط ذاك الذي يبدو غير «مسيحيّ»، أي ذلك الذي لا يتعاطى مع المسيحيّين ككتلة.

    الكاتب

    خريستو المر
    المقالات المنشورة في «الأخبار»

    الأرشيف

    November 2025
    October 2025
    September 2025
    August 2025
    July 2025
    June 2025
    May 2025
    April 2025
    March 2025
    February 2025
    January 2025
    December 2024
    November 2024
    October 2024
    September 2024
    August 2024
    July 2024
    June 2024
    May 2024
    April 2024
    March 2024
    February 2024
    January 2024
    December 2023
    November 2023
    October 2023
    September 2023
    August 2023
    July 2023
    June 2023
    May 2023
    April 2023
    March 2023
    February 2023
    January 2023
    December 2022
    November 2022
    October 2022
    September 2022
    August 2022
    July 2022
    June 2022
    May 2022
    April 2022
    March 2022
    February 2022
    January 2022
    December 2021
    November 2021
    October 2021
    September 2021
    August 2021
    July 2021
    June 2021
    May 2021
    April 2021
    March 2021
    February 2021
    January 2021
    December 2020
    November 2020
    October 2020
    September 2020
    August 2020
    July 2020
    June 2020
    May 2020
    April 2020
    March 2020
    February 2020
    January 2020
    December 2019
    November 2019
    October 2019
    September 2019
    August 2019
    July 2019
    June 2019

    Categories

    All

    RSS Feed

 ليس من حبّ أعظم من هذا : أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبّائه: يسوع المسيح
  • كتب
  • محاضرات
  • مقالات في «الأخبار»
  • المقالة الأسبوعيّة
  • الإيمان والحياة اليوميّة
  • فلسطين
  • التزام شؤون الإنسان
  • الإيمان والثقافة
  • كلمات
  • خريستو المرّ
  • مواقع صديقة