|
خريستو المرّ، الثلاثاء ٣٠ كانون الثاني/يناير ٢٠٢٤
إنّ الإنجيل واضح بشكل لا لبس فيه بأنّ هويّة الإنسان المسيحيّ تكمن في محبّة يسوع، وبالتالي في اتّباع تعاليمه، وأن تلك تفترض حكماً أن يقف الإنسان إلى جانب المظلومين بحيث إنّه يساهم في رفع الظلم عنهم بشكل فاعل. فيسوع لم يطلب من الذين يتبعونه أخلاقيات سلبيّة، إنما أخلاقيّات إيجابيّة فاعلة قائمة على التزام جانب المظلوم والعمل الفاعل لرفع الظلم عنهم. لن يجد المسيحيّون وجه الحبيب في وجوه الظالمين وإنما في وجوه المظلومين. ولهذا، فإنّ موقف الحياد لا يتوافق مطلقاً مع وصايا يسوع المسيح، ولا يوجد في الإنجيل مثال عن موقف محايد تجاه الظلم إلا ذاك الذي كان لبيلاطس، الحاكم الروماني الذي وافق على صلب يسوع، مع علمه بأنه مظلوم، وغسل يديه من عمليّة القتل كأنّه غير مسؤول. موقف الحياد موقف بيلاطسيّ، هو موقف المتفرج الذي يغسل يديه من عمليّة صلبِ يسوع المسيح الذي يتجسّد اليوم في مصلوبيّة الفلسطينيين في فلسطين المحتلة، كما في كلّ مصلوبيّة. إنّ القضيّة الفلسطينيّة قضية ظلم لا لُبسَ فيه، ويمكن لمن أحبّ يسوع وحفظ كلامه أن يرى في الأبرياء وجوعهم وعطشهم وسجنهم وتعذيبهم وتغريبهم، يسوعَ يجوع ويعطش ويُسجن ويُعَذّب. لذلك يحزّ في النفس أنّه في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، لا نجد لدى العاملين في الجمعيّات وحركات الشباب التي تتّخذ من المسيحيّة هويّة لها اهتماماً فاعلاً من أجل نصرة الفلسطينيّين يتجاوز الخطاب الرسميّ الخجول، إن وُجِدَ. من المفهوم أن يشعر الإنسان المسيحيّ خارج فلسطين، وداخلها ربّما، بأنّه لا يستطيع المساهمة في المقاومة العنفيّة لأسباب تتعلّق بإيمانه أو بخياراته الشخصيّة. ولكنّ هذا لا يمكنه أن يعني التنصّل من المقاومة للظلم الصهيونيّ بشكل كامل، والاكتفاء بأن يعيش الإنسان المسيحيّ على قارعة التاريخ، وأن يستعطي الوجود، أو أن يتلقّفه كما هو دون فِعل، لأنّ ذلك خيانة للإيمان كونه اكتفاءً بعدم الأذى، وتهرّباً من ممارسة الأخلاق الإيجابيّة الفاعلة والمسؤولة عن الحياة التي وهبها لنا الله. الله ينتظر من المسيحيّين المساهمة في العمل معه، إذ «نحن عاملون مع الله»، وأن يتابعوا معه عمليّة الخلق، بحسب الإيمان المسيحيّ بأنّ الله بعد الخلق من العدم ما يزال يتابع عجن هذه الدنيا وخبزها («أبي إلى الآن يعمل») لتصير مكان محبّة وحرّية، أي مكان حياة وليس مجرّد مكان عيش. هناك طريق مفتوح أمام كلّ مسيحيّ، وكلّ إنسان، للمساهمة في مقاومة إرهاب الدولة الصهيونيّة بطريقة لاعنفيّة وبسيطة، ألا وهي المقاطعة. وظنّي أنّ المسيح ينتظر من الذين يلتزمون وصاياه فعلاً، لا شكلاً، أن يكونوا رياديّين في مجال المقاطعة لأنّه مجال يجمع بين العمل لرفع الظلم والامتناع عن ممارسة العنف، وهذا منسجم تمام الانسجام مع الإنجيل. لذلك، ينتظر الإنسان أن ينشط العاملون في المنظّمات الشبابيّة الكنسيّة في إيضاح حقيقة الصهيونيّة وخطرها على جميع أهل المنطقة وليس الفلسطينيّين فقط، وعلى الشرّ الذي ترتكبه منذ إنشاء الكيان الصهيونيّ كدولة استعمار إخلائيّ تسعى إلى أن تخلي الأرض من سكّانها لتستولي عليها، ودولة اضطهاد وفصل عنصريّ تمعن في التدمير والتنكيل بشعوب المنطقة. ينتظر الإنسان أن ينشط المسيحيّون في التشديد على المسؤوليّة الإيمانيّة لمواجهة كلّ هذا الظلم، وعلى أنّ هناك وسيلة لمواجهته مع كلّ المواطنات والمواطنين بطريقة متناسبة مع الإنجيل، ألا وهي المقاطعة. إن المسؤوليّة الإيمانيّة للمسيحيّين تقتضي على الأقلّ أن يساهموا بشكل فاعل مع غيرهم من المواطنين، من كلّ المشارب والعقائد، بإنشاء لجان مقاطعة شعبيّة فاعلة في كلّ مدينة وقرية تنسّق مع حملة مقاطعة إسرائيل في بلدهم. هذا إن حدث يكون شهادةً مسيحيّة حقيقيّة ملموسة منسجمة مع الأخلاق الإيجابيّة الفاعلة التي دعا إليها يسوع، ومسؤوليّة إكمال عمل الله في الخليقة، شهادة تعمّد هذه الأرض بالمحبّة الفاعلة من أجل دحر تهديد وجوديّ للحياة يعيشه جميع أهل هذه المنطقة وتحقيق عدالة وسلام. هذا إن حدث يكون بشارة في هذا العالم، في هذا الزمن، وفي هذه المنطقة. خريستو المرّ ، الثلاثاء ٢٣ كانون الثاني/يناير ٢٠٢٤
عادة ما يروّج الغرب لفكرة الديموقراطيّة وكأنّها مثال أعلى لا يملك أمامه الإنسان سوى الإعجاب. وإن كانت الديموقراطيّة بالفعل جيّدة من حيث إنّها تسمح بتجنّب العنف الفجّ في المجتمع عند تداول السلطة، وإنّها طريقة بالحكم تسمح للناس بشكل أوسع بكثير من الديكتاتوريّات بالتعبير عن أنفسهم وتنظيم شؤونهم الخاصّة والعامّة بحيث إنّهم يشعرون بأنّهم يتحكّمون بمصيرهم إلى حدّ كبير، فالتحكّم بالمصير يبقى محدوداً، إذ إنّ الدول الديموقراطيّة تقوم بممارسة عنف معنويّ وحتّى جسديّ (إلى حدّ صغير أو كبير) بهدف التحكّم بقرارات الشعب، والوصول إلى حماية مصالح المتنفّذين الماليّة، لا مصالح الشعب المشتركة (انظرْ مقالتنا الأسبوع الماضي). بالإضافة إلى هذه العلاقات الداخليّة بين الناس في الدول الديموقراطيّة، هناك العلاقات الخارجيّة مع شعوب ودول أخرى. فالحروب التي شنّتها وتشنّها الدول الديموقراطيّة على دول وشعوب أخرى أكثر من أن تُحصى في مقالة قصيرة، ويكفينا أن نذكّر بالحروب التي شنّتها تلك الدول الديموقراطيّة على المنطقة العربيّة، ومنها حرب الإبادة الاسرائيليّة المدعومة بشكل كامل من دول «الغرب» الديموقراطيّة والاستعماريّة في آن، والتي قتلت ديموقراطيّاً ملايين من الناس وهجّرت عشرات الملايين منهم حول العالم في العقود الأخيرة. وإن اعتبرنا الدولة الصهيونيّة «ديموقراطيّة» إلى حدّ ما - مع أنّ المؤرّخ إيلان بابي يفنّد هذا الادّعاء ويبيّن لاديموقراطيّة دولة الاحتلال - فإنّ حكومة تلك الدولة تشنّ حرب إبادة جماعيّة على الفلسطينيّين في أرضهم المحتلّة بالذات، والشعب الصهيونيّ، كما تشير الإحصائيّات، موافق بأكثريّته المطلقة على المذبحة هذه. أمّا الدول الديموقراطيّة الغربيّة، فهي تشنّ علينا الحرب تلو الحرب، ومشروعها واحد هو استغلالنا. ليس بالديموقراطيّة وحدها يحيا الإنسان. فإن كانت كفكرة مناسبة كطريقة حُكم فإنّ تبنّيها لا يعني الوصول إلى نظام جيّد للبشر. هناك مبدأ أعلى من الديموقراطيّة يجب أن يقيّمها ألا وهو مبدأ احترام الحياة: حياة الإنسان والطبيعة. فالديموقراطيّة يمكنها أن تكون مدمّرة لشعبها (إفقار، سجن، ظلم وتمييز عنصريّ) كما لغيرها من الشعوب (حروب عليهم، استغلال لخيراتهم وحيواتهم، إخضاعهم بالقوّة، قمعهم وقتلهم). لكي تكون الديموقراطيّة جيّدة ينبغي أن ترتبط بخدمة البشر، شعب الدولة وكذلك شعوب العالم، أي ينبغي للديموقراطيّة أن تخدم حياة الإنسان لا أن تدمّرها. في الحدّ الأدنى الديموقراطيّة الجيّدة لا تدمّر حياة شعوب العالم بالاستغلال أو بالقتل، وبالحدّ الأقصى يمكن التفكير بمشاركة خيرات الأرض بحيث يتضاءل المستوى المعيشيّ في الدول التي استغلّتنا حتّى الآن مقابل صعود في المستوى المعيشيّ في الدول المسحوقة اليوم. مقياس جودة نظام حكم، ديموقراطيّاً كان أو لا، هو مدى خدمته للإنسان، أي لحرّيته ولحاجاته المادّية والنفسيّة من طبابة وتعليم وعمل وتعاون جماعيّ، أي بعبارة أخرى بمدى قدرتها على خلق بيئة حاضنة للمحبّة والمحبّة دائماً تشاركيّة وتحترم التنوّع. ليس فقط الدِّين، وإنّما الديموقراطيّة أيضاً قد تكون أفيوناً للشعوب، بحيث يقبل الناس وهم القبض على المصير بينما هم يرزحون تحت نظام قمعيّ ناعم يُنتِجُ إفقارهم وقتلهم البطيء بالأمراض الناتجة عن الفقر، أو قتلهم السريع بالحروب، من أجل مراكمة الأرباح. نعم، الديموقراطيّة أفضل إلى حدّ كبير من الديكتاتوريّة، إذ تسمح بمجال واسع من التعبير الطبيعي عن الذات الفرديّة والجماعيّة. ولكن حين يتكلّم أحدهم عن الديموقراطيّة لا ينبغي أن ننخدع ونظنّ أنّها المبدأ الأعلى الذي لا يُناقَش، أو أنّ المتكلّم -وهو السياسيّ «الغربيّ» عادة- أعلى أخلاقيّاً، بل ينبغي دائماً القيام بنقد صارم لمحتوى أيّ حكم لمطلق أيّ ديموقراطيّة في عنفَيْها الداخليّ والخارجيّ على الإنسان والطبيعة، فالديموقراطيّة جُعِلَت من أجل خدمة الحياة لا الحياة من أجل خدمة الديموقراطيّة، أو أيّ مبدأ آخر. بالنسبة إلى دولة الاحتلال الصهيونيّة، لا يهمّنا إن كانت ديموقراطيّة أو لا، ما يهمّنا أنّها مدمّرة لحياة شعوبنا. خريستو المرّ – الثلاثاء ١٦ كانون الثاني/يناير ٢٠٢٤
الفرق بين الأنظمة الديموقراطيّة والأنظمة الديكتاتوريّة هو في درجة العنف التي تمارسها الدولة ضدّ الشعب، وهو فرق وازن بلا شكّ. في الأنظمة الديكتاتوريّة، العنف سافر ويقتل الأجساد ويخنق النفوس، وتسمح تلك الأنظمة للناس بحرّية ضيّقة جدّاً ضمن حياتها الشخصيّة كالطقوس الدينيّة، والحياة الخاصّة العائليّة الضيّقة وغير ذلك، وتمنع معها سلسلة طويلة من الحقوق، كحقّ الكرامة والحرمة الشخصيّة (منع التعذيب مثلاً)، والحقّ في العدالة، وحقوقه السياسيّة، إذ تمنع عن الناس كلّ تدخّل في الشأن العام لا يتوافق مع مصالح الحكّام وأصحاب المصالح الاقتصاديّة المهيمنة والداعمة للحكم. أمّا الأنظمة الديموقراطيّة فأذكى، إذ هي تسمح للناس بحرّيات أوسع وبطرق شتّى في التعبير عنها، إن كان ذلك في الحياة الشخصيّة، أو الحياة العامّة (التظاهر، الانتخاب على مستوى الدولة أو المقاطعات أو المدن والأحياء)، وتسمح للناس بأن يتشكّلوا في جمعيّات حول اهتمامات مشتركة تنتخب ممثّليها، وتكوين نقابات فاعلة، ولكنّها تسعى أيضاً للسيطرة على العقول، وحتّى على الأجساد، لكي يختار الناس خيارات محدّدة حمايةً لنظام الحكم وأصحاب المصالح الاقتصاديّة المهيمنة والداعمة للنظام. كلّما كانت المسؤوليّة في الدول الديموقراطيّة على مستوى أعلى داخل الدولة، قامت المجموعات المُنتخبة بالعمل على تنفيذ مصالح أولئك الماسكين بمفاصل المال والاقتصاد في دولهم، لا أولئك الذين يشكّلون الأكثريّة الشعبيّة. لا تُناقش ولا تصدر القوانين داخل تلك الدول بناءً على تفكير منطقيّ علميّ بارد يبتغي المصالح المشتركة للجماعة الوطنيّة أو الإنسان، وإنّما لحماية مصالح الفئة المتنفّذة أساساً، ونتيجة لضغط مجموعات مختلفة ومنظّمات لها وزن انتخابيّ يُحسب له حساب. ويقبل الممثّلون بسنّ قوانين تخدم مطالب تلك المجموعات من السكّان في مواضيع شتّى (الصحّة، السكن، حرّيات) إن لم تكن تلك تتعارض مع مصالح المتنفّذين، ولكن في حال التعارض فالخيار هو في خطّ المتنفّذين ومخالفة أكثريّة الناس (إلّا، ربّما، إذا كان خطر مخالفة الناس هو تهديد النظام العام). الذهاب إلى الحرب ضدّ العراق كان يخالف رغبة ملايين المتظاهرين في عدّة دول، وتتابع الحكومة الأميركيّة اليوم دعم المذبحة في غزّة، رغم أنّ أكثريّة المنتخبين يريدون وقفاً دائماً لإطلاق النار. ولا يتوانى الحكّام في الدولة الديموقراطيّة عن سنّ القوانين الأكثر رجعيّة والأكثر ضرباً لحقّ التظاهر والتعبير إن كان ذلك يتعارض مع مصالح البنى الاقتصادية الكبرى في تلك الدول (دول متعدّدة تسعى لسنّ قوانين تمنع نقد دولة إسرائيل بحجّة معاداة الساميّة). ولا يتوانى النافذون عن الإيعاز للشرطة بمحاولة منع تظاهرة أو بالقسوة على المتظاهرين أو بدهم منزل تحت حجّة واهية (زميلتي تعرّضت لمداهمة منزلها فقط لأنّها دهنت باللون الأحمر زجاج متجر، مديرته التنفيذيّة تقدّم أموالاً لكلّ كنديّ يريد أن يذهب ويخدم مع جيش الاحتلال!). إنّ الإرادة الشعبيّة، مصدر السلطات في الفكر الديموقراطيّ، كانت دائماً مصدرَ قلقٍ للحكّام، حتّى إنّ ألكسندر هاملتون أحد المؤسّسين للديموقراطيّة الأميركيّة وصفها بـ«الوحش الكبير» الذي يجب السيطرة عليه وإخضاعه، كما يُخبر نوام تشومسكي. ولإخضاع «الوحش الكبير» الذي تمارسه الدولة الديموقراطيّة، هناك العنف المعنويّ والمادّي: مادّياً، هناك عنف الدولة ضدّ الأقلّيات المُستَغَلَّة؛ أحكام قضائيّة تسجنهم بشكل غير متناسب (الأحكام ضدّ السود، والمواطنين الأصليين في شمال أميركا)، قمع تظاهر (قمع تظاهرات «احتلوا وول ستريت» مثلاً)، العنف الجسديّ والثقافيّ من خلال محاولات سحق الهويّات الخاصّة (انتزاع أطفال السكّان الأصليّين من أهاليهم ووضعهم في مدارس داخليّة لتغيير ثقافتهم ولغتهم، وتعرّضهم للتعذيب والقتل). على صعيد القمع المعنويّ، هناك سنّ لقوانين تمنع الناس من حرّية التعبير السياسيّ مثل سنّ قوانين تمنع الدعوة إلى مقاطعة إسرائيل أو نقدها، وهناك برامج تلويث الدماغ والسيطرة على العقول الذي تمارسه وسائل الإعلام العامة والخاصة؛ فهدف وسائل الإعلام في الدول الديموقراطيّة هو بالطبع كسب المال، ولكنّ مشروعها الاجتماعيّ هو أن تقنع الناس بأنّ المصالح الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة للمتموّلين المتحكّمين بالمجتمع والدولة هي مصالح الشعب (من اللافت للنظر أن يقتنع أكثريّة الأميركيّين، ٥٣٪ منهم، بأنّ من «مصلحته» ألّا تقدّم الدولة طبابة مجانيّة للجميع والإبقاء على نظام تغطية صحّي قائم أساساً على التأمين الصحّي). الحياة صراع فعليّ، ليس لأنّ الإنسان ذئب الإنسان، وإنّما لأنّ الجشع لا بدّ من أن يأكل روح البعض ويدفعهم إلى استغلال البعض الآخر. ومهما كان شكل النظام القائم، إن كان دينيّاً أو علمانيّاً، قمعيّاً أو ديموقراطيّاً، فإنّ مصالح الأقلّية النافذة ماليّاً (والمحميّة بالقوّة الناعمة والفجّة للسلطة السياسيّة) ستسعى إلى استغلال الأكثريّة. المطلوب فعلاً ليس فقط نظاماً ديموقراطيّاً، وإنّما نظام ديموقراطيّ يمنع الاستغلال ووسائله. هذا بعض من الأمور التي تعيد غزّة إيضاحها من خلال ردّات فعل الغزاة الديموقراطيّين أمام مقاومة السكّان الأصليّين لبلادنا. خريستو المرّ، الثلاثاء ٩ كانون الثاني/يناير ٢٠٢٤
تحت ثقل آلام الفلسطينيّين في الضفّة، وآلامهم التي لا تُحتَمَل في غزّة، تُكتب هذه السطور إجلالا لآلام أخواتنا وإخوتنا، وللآلام الطوعية والقسرية التي يحتملها كلّ البشر الذين تتوق وجوههم للحرّية والعدالة، والتي احتملها الذي تكفّنوا برائحة الشجر والأرض. لا أستسيغ القفز فوق الآلام كأنّها لا تكون إن تجاهلناها، أو كأنّ الإيمان يعطّل إنسانيّة الإنسان. في عمق شعوري وإيماني أنّ البكاء أمام آلام الفقد والوجع حلالٌ لمن استطاع إليه سبيلا، ويعينني في ذلك أنّ الذي قام من الموت بعدما احتمل الآلام، بكى لفقدان صديق. أمّا نحن الذين لسنا تحت الضربات فقد تجفّ مآقينا لأنّ المسؤولية تدفع العقل كي يستدلّ خلف ضباب الأوجاع على المتوجّعين إلى السبل، وتبكي القلوب خلسة خلف جفاف مآقينا. ويحتجّ العقل عند مَن آمن أن كيف يترك الله أولاده يتشتّتون ويتمزّقون وكيف لا يوقف المذبحة؟ نحن المحدودون حاولنا وحتّى الآن فشلنا. لربّما يا إلهي لم نحاول المستحيل فدلّنا على المستحيل، دلّنا على الطريق الذي به نصير واحدا مع الضحايا فلا ننام. دلّنا على السبيل الذي به تصبح أجسادهم أجسادنا فنحملهم خارج الموت المحيط إلى الأمان الذي نحن فيه. دلّنا أن كيف نصبحُ كلمتك في الأرض فلا تنام قلوبنا نومة الموت الحقيقيّ إن تغافلت عن الضحايا. دلّنا كيف نضمّ إليك الموجوعين فنكون بأخوّتهم جميعًا أولادك. دلّنا على خطوات نهر حبّك الهادر كي نعمّد فيه أوجاعنا لتتحوّل أوجعاُنا بابا للحرّية فوق صلباننا الكثيرة. دلّنا، يا إله الحبّ، كيف نصبح مشيئتَك على الأرض، كيف نصبح عدلَك، كيف نصبح مشاركَتك لنا، كيف نصبح مشاركتك أنت لآلام الذين يتألّمون وموت الذين يموتون. وآه، دلّنا كيف نصبح موت الموت كما كان كلمتك. دلّنا كي لا نكون بلا رجاء. وكيف نكون بلا رجاء وأنت الرجاء؟ الوحش يمدّ رؤوسه بيننا، يمدّ رأسًا في التلفاز، ورأسًا في الكتب، ورأسًا في الكراهية التي لا تراك في المصلوبين، وآخر في التعب، ورؤوسا في السياسة وأُخرى في الاقتصاد. علّمنا أن نكون جاورجيوس لنغالب الوحش ونغلبه، أو درّبنا على درب آلام كلمتك كي نقهر الوحش الكبير فوق جبل الآلام. خذ التعب والموت والألم عن إخوتنا الذين هناك، كن أنتَ رفيق ضعفهم وقوّتَهَم أمام الشدائد. فيهم نلمحك، نحن الذين هنا. نلمحك في تسليمهم أمرهم لك، نلمحك في تعاطفهم الأخويّ مع الأضعف، نلمحك في تمسّكهم بالتراب ليس لأجل التراب، ولكن لأجل بصماتك التي تركتها في كرامتهم البشريّة حين جبلتهم من ذاك التراب. نحن الذين نضيّعك حين نرى أوجاعهم وأشلائهم نراك في وجوههم الحلوة المرفوعة أمام الشمس، المحاصرة بين البحر والنهر والمتحرّرة بإصبع مرفوعٍ أمام الجلاّد كلمةَ رفضٍ للذلّ والاستسلام. نحن الذين نحبّ أن نتّكئ على صدرك نعرف أنّه لن يكون لنا هذا إلّا إذا كانت صدورنا لهم متّكئا. بهذا نصير جميعا لك كنيسة، أي عروسًا من أجل احتفال حبّك الأبديّ، يوم تهتزّ العروش، وتقع الأوهام، ولا يكون سوى عرشُ حبّك الواحد. يا محيط البلّور، يا الأحد، يا محيط الحبّ الصمد، درّب قلوبنا على السباحة في بحر الآلام التي تجرّعتها كلمتك يومًا، لنصير واحدا مع كلمتك، ونصبح عون يديك على هذه الأرض، لنصنع معًا من البحر إلى النهر معموديّةً للحبّ والحرّية، علّ ذلك يغفر لنا خطيئة النوم عن العدالة، ويظهر في الفرح محيّاك ولو قليلا فيرتاح القلب. |
الكاتبخريستو المر الأرشيف
December 2025
Categories |
RSS Feed