|
خريستو المرّ – الثلاثاء ٤ حزيران / يونيو ٢٠٢٤
طًرحت أخيرا مسألة مشاركة المرأة في الخدمة الطقسيّة في الكنيسة الأرثوذكسيّة بعد تعيين امرأة «شمّاسة» (مساعدة للكاهن) في الكنيسة الأرثوذكسيّة في زيمبابوي بعد قرون طوال من انطفاء لدور النساء الرسميّ في الكنيسة بعد حوالي الأربعة قرون من تأسيس المسيحيّة. إنّ قبول المرأة في رتبة الكهنوت أو الشموسيّة في الكنيسة الأرثوذكسيّة أمر يناوئه فكر لاهوتيّ محنّط، لا أساس إيمانيّ له، مطبوع برؤية ذكوريّة للكنيسة وللتاريخ، ومتأثّر بحواجز نفسيّة تركها تاريخ طويل من تهميش للنساء والخوف منهنّ. فالحجج التي تُساق حول ضرورة عدم قبول كهنوت النساء تتمحور حول فكرتين الدورة الشهريّة وكون المسيح نفسه ذكر وتلاميذه من الذكور، وهما حجّتان لا تستقيمان؛ فالأولى تشكّل استعلاء للرجال الذين ينصّبون أنفسهم حاكما في ما يمكن للنساء أن تفعلنه خلال الدورة الشهريّة ، وما يقوله البعض عن «دنس» المرأة خلال تلك الفترة لا علاقة له بالإنجيل فالانجيل واضح بأنّ هيكل الله الحيّ المقدّس والذي يسكنه الروح القدس هو الإنسان نفسه، رجلا كان أم امرأة، لذا ليس من مكان أو شيء أكثر قداسة من الإنسان نفسه، الذي يتّحد مع المسيح ويسكنه الروح القدس في كلّ حالاته. أمّا الحجّة الثانية فساقطة لأنّه من البديهيّ أن يخاطب الله البشر من خلال ذكر في مجتمع كان ينتظر المسيح أن يكون ذكرًا، كما كان من المستحيل اجتماعيّا أن تتبوّأ امرأة في ذلك الزمن مركزًا قياديًّا كـ«تلميذة» ليسوع، فالأمرٌ مستحيل في زمننا في ذهن ملايين الأرثوذكس فكيف بمجتمع ذلك الزمن؟ إن مسألة الذكورة هنا مسألة «تدبير»، هي مجرّد حاجة عمليّة لكي تصل الرسالة. لا تستقيم حجّة الذكورة مع أنجيل يقول بأنّه في الإيمان «لا ذكر ولا أنثى، الجميع واحد في المسيح». لكنّ العقد النفسيّة تطوّع فكر الإنسان لإيجاد التبريرات اللاهوتيّة الفارغة من أيّ لاهوت، الفارغة من أيّ معنى على ضوء الإيمان والقلب. لكن هناك حجج أخرى. ففي الكلمة الافتتاحيّة للمؤتمر الاستشاري، بشأن «مكانة المرأة في الكنيسة الأرثوذكسية ومسألة رسامة النساء»، الذي انعقد في جزيرة رودوس، في اليونان، ما بين ٣٠ تشرين الأول و٧ تشرين الثاني ١٩٨٨، ذكّر البطريرك القسطنطيني ديمتريوس (الأول) بدور النساء في الكنيسة، وبـ«التحول الثوري والإصلاح المؤسسي الذي روجت له المسيحية في العالم القديم»، ولكنّه أردف أنّ «الجهد نحو المساواة عندما يتم دفعه إلى ما وراء حدوده يخلق عقبات لا يمكن التغلب عليها من أجل اتحاد المسيحيين، المطلوب والمنشود بشدة، وبالتالي ليس له مكان في كنيسة المسيح. في الواقع، يسعى مثل هذا الجهد ليس فقط إلى تساوي الفروقات البيولوجية بين الجنسين، ولكن أيضًا إلى توسيع المطالب النسوية لتطال مجال سر الخلاص والكنيسة»؛ وأن رسامة النساء ككاهنات «هي أمر مستحيل. إنها ليست مسألة خطابة فحسب، بل موقف مؤسس بحزم على التقليد المقدس والواقع التاريخي. هل يمكن للكنيسة أن تكون مخطئة طوال هذه القرون حرمان النساء من الكهنوت؟ ليس فقط لم تكن الكنيسة مخطئة، بل أدانت بوعي كامل الذين نادوا بهذه الادعاءات. جامعية الكنيسة ليست جغرافية فحسب، بل هي تعبر الزمن أيضًا. وهذا يعني أن الكنيسة تحرس ما تم ائتمانها عليه على مدار القرون. وتحرس ما يؤمن به الجميع في كل مكان، وفي كل زمان». إنّ ذِكر البطريرك للفروقات البيولوجيّة يعود للعقد التي ذكرناها فوق، وهو موقف غير واعٍ يتّهم الذين يدعون لكهنوت المرأة بأنّهم يساوون بيولوجيّا بين الجنسين! وهذا بالطبع أمر لا يفكّر فيه أحد غير الذين، كالبطريرك، يعتمدون على الفروقات البيولوجيّة ليستنتجوا منها فروقات وظيفيّة، والأمرين لا علاقة لهما ببعض. لكن الأسوأ أنّ البطريرك يوحي بأنّ ما لم يكن في الماضي لا يمكن أن يكون اليوم، وهذا أمر غير صحيح تاريخيًّا. فعبر تاريخ الكنيسة، طالما جادل الأشخاص (الأفراد) بعضهم بعضًا قبل أن تصدر الكنيسة موقفا مناسبًا بحسب رؤية المسؤولين (الرجال) في ذلك الوقت. فمثلًا، في موضوع الرهبنة اختلفت الآراء إن كان التوحّد أم الرهبنة الجماعيّة هي الأفضل، تمّ ابتكار النمطين، ثمّ قبولهما معًا. الأمثلة أكثر من أن تُحصى. إنّ الكنيسة احتاطت لضرورة التنوّع والإصغاء للجديد، لذلك تقول بـ«الرأي اللاهوتيّ» الذي لا يُلزم الناس، ولكنّه يفتح المجال للتفكير والابتكار في الحياة الكنسيّة. الرأي اللاهوتيّ موجود كي لا يموت الفكر الكنسيّ ويطفئ الجمودُ الروح. وجود الرأي اللاهوتيّ في الكنيسة يعني ضرورة قبول الجديد والجدل، والرأي فرديّ بالضرورة ومخالف للسائد بالضرورة. الفرديّة (لا التفرّد-التسلّط) ليست أمرا سلبيّا، هي قبول التنوّع بين بنات وأبناء الله، أي هو قبول الإيمان بأنّ الروح القدس حاضر في الفرد أيضًا، وليس فقط في الجماعة. وهذه نقطة يغفلها المسؤولون في الكنيسة الذين يشدّدون على الوحدة وينسون ضرورة احترام الشخص وبالتالي الخروج عن الوحدة، وذلك من أجل الحقيقة، أي من اجل الإخلاص للحقيقة وللروح. وتوحي كلمات البطريرك بأنّ الكنيسة لا تخطئ، فإن أقرّت أمرا لمئات من السنين فهو لا بدّ صائب. ولكن الواقع أنّ الكنيسة يمكنها أن تكون مخطئة، ليس في العقيدة الأساس، ولكن في كلّ شيء آخر. فلمئات من السنين كانت الكنيسة تقبل بالعبوديّة، بينما هي اليوم ترفض العبوديّة رفضا قاطعا، بعدما تماشت مع التغيّر الاجتماعي والفكري. صحيح أنّ الكهنوت والعبودية مختلفين، ولكن المهمّ في الموضوع أنّ المواقف الكنسيّة يمكنها أن تكون مخطئة لمئات السنين. إنّ موقف الكنيسة من كهنوت النساء هو موروث ثقافي ونفسيّ لا علاقة له بالعقيدة، وبالتالي يمكن التراجع عنه ولو كان مخطئا لآلاف السنين (وهي المدّة التي يبدو أنّ على الأرثوذكس أن يمرّوا بها كي يروا النساء أهلا لخدمة الكهنوت). يقول البطريرك وغيره اليوم أنّ «الجهد نحو المساواة عندما يتم دفعه إلى ما وراء حدوده». ولكن ما هي الحدود؟ ومن يقرّرها أو بالأحرى يخلقها؟ أليس مَن يخلقها اليوم في موضوع كهنوت المرأة (وشموسيّتها) هم المسؤولون الرجال؟ إنّ القوانين واللاهوت الكنسيّ مثلها مثل كلمات الانجيل: «كنزٌ في آنية خزفيّة». وكما أنّ الكنيسة تغربل كلام الانجيل لنستشفّ منه الإلهيّ من الإسقاطات الإنسانيّة (الدعوة للإبادة ليست وصيّة إلهيّة وإنّما إسقاط إنسانيّ على الله)، علينا أن نفعل الأمر نفسه في لاهوت الكنيسة. لا يعقل أن تقبل الكنيسة أن تُعمل التمييز (أي العقل والفكر في النهاية) في كلمات الانجيل والكتاب المقدّس بأسره لتقول لأنّ بعض التعابير هي إسقاطات الكاتب أو مرتبط بفهم الإنسان للكون في زمانه، فتميّز في الإنجيل بين القمح والزؤان، بين الخزف والكنز؛ ثمّ ترفض أن تقوم بعمليّة التمييز هذه في القوانين واللاهوت الذي وضعته هي. ألا يشكّل ذلك استعلاء! ما تقوله الكنيسة وتعلّمه ليس أعلى شأنا من الكلمات التي نقلتها الكنيسة عن يسوع والرسل. صحيح أنّ كلّ هذا معًا يشكّل «التقليد الكنسيّ» ولكن لا أحد يمكنه أن يضع كلماته في موقع أعلى ممّا يضع فيه كلمات يسوع أو الرسل. إنّ رفض غربلة التراث والمواقف الكنسيّة، لإعادة اكتشاف ما هو الغثّ فيها والعائد إلى المجتمع وعاداته وعقد البشر وعبء التاريخ، من أجل نبذه وتجديد مواقفها بناء على الكنز لا الخزف. إنّ كلام البطريرك عن أنّ «جامعيّة الكنسية ليست جغرافية فحسب، بل هي تعبر الزمن أيضًا» لا يُمكن أن يعني الجمود وعدم التعديل كما يريد أن يوحي، بل يعني أنّ القرارات يجب أن تحدث في مجمعيّة حتّى لا يتمزّق الجسم الكنسيّ من الرعونة، ولكن الرعونة ليست حكرا على تسرّع مفترض من المغيّرين (كما يريد للمتحجّرين أن يوحوا) بل هي اليوم، وفي هذا الموضوع بالذات، رعونة الذين يصرّون على عدم المراجعة وعدم التمييز، أي على الاستعلاء. الجامعيّة يُسعى إليها، ولكن ليس بواسطة قمع أصوات التجديد ونعتها «بالنشاز»، فالنوتة الخارجة عن السياق قد تُعطي بُعدًا في السيمفونيّة الكنسيّة مفقودًا من دونه، والسيمفونيّة في التوافق الكنسيّ تصبح نشازا كنسيّا عندما تصبح تكبيلا للروح برفض حرّية الأشخاص بالبحث، وإعطاء الرأي المختلف المخالف للإجماع. إنّ المعنى الأخير في تصرّف أولئك الذين يصرّون على ضرورة احترام مخالفي الإجماع الكنسيّ في هذا الموضوع وغيره، يمكن في حساسيّتهم الكنسيّة لضرورة احترام للشخص البشريّ، لعمل الروح القدس في الشخص وليس فقط في الجماعة. دون احترام الشخص، أي روح التنوّع، تغدو كلّ جماعة كتلة صمّاء، تُنتج موتًا روحيّا، وقمعًا وفاشيّة في الجماعة والمجتمع. Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
November 2025
Categories |
RSS Feed