|
خريستو المرّ – الثلاثاء ١٥ تشرين أوّل / أكتوبر ٢٠٢٤
لا تمرّ بلادنا، لبنان أو المنطقة، بأقلّ من حرب أوروبّية أميركيّة علينا لإخضاعنا ونهبنا بواسطة آلة حرب إسرائيليّة. ليست هذه الحرب مجرّد مصادفة أو ردّة فعل وإنّما نتيجة حتميّة لعقليّة الاستعمار العنصريّ أكان في الإمبراطورية الأميركيّة أو فلكها الأوروبيّ ومشروعها الاسرائيليّ الذي تتبّناه. فهذه البلدان لا ترانا بشرا وإنّما أشياء إمّا تعرقل أو تسمح بالنهب والسلب. فخرنا أنّنا نعرقل عمليّة إخضاعنا بفضل المقاومة وجميع داعميها من دول وتنظيمات. ليس لدينا حلّ آخر سوى الوقوف في وجه العته الذي يشكّله الغرب الاستعماريّ العنصريّ، لأنّ القبول به والخضوع له يعني فقر أوسع من الفقر الحاضر، وخراب اجتماعيّ أكبر، وقتل اجتماعيّ (نتيجة أمراض الفقر الناتج عن النهب) يقضي على بشر أكثر بكثير من الضحايا والشهداء الذين يسقطون اليوم في الحرب القائمة. قد يظنّ إنسان أنّه إن خضعنا فسيكون هناك سلام، ولن يكون هناك حرب وقذائف، وهذا وهم، فشهوة الصناعات العسكريّة تحتاج لأجساد تلتهمها لمراكمة الأرباح وأجسادنا في المنطقة ستبقى مستباحة لحاجاتها متى هي ترغب، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ الموت الناتج عن إفقار شعوبنا هو قتلٌ، وعنفٌ وحشيّ، وحربٌ علينا ستكون مستعرة، فأيّ سلام ذاك الذي يكون عندها؟ من الضروري تظهير هذا الواقع الذي يمكننا توقّعه في النقاش العام ونشره في أدوات الإعلام لتوسيع رقعة الذين يفهمون ضرورة المقاومة ودعمها، وصغر التضحيات التي نقوم بها اليوم إذا ما قارنّاها بما يمكن أن يحدث غدا لو استسلمنا. هذا النقاش لن يهمّ أصحاب المصالح، ويمكننا أن نتوقّع منهم كلامًا إنشائيًّا مضادا لـ«إسرائيل» مع دعوة مبطّنة للاستسلام تحت ذريعة السلام وحبّ الحياة. وهذا ما نشتمّه من بيان صدر عن لقاء عقدته البطريركيّة الأرثوذكسيّة مع نوّاب ووزراء من الطائفة (نداء الأرثوذكس في لبنان: "دعوا شعبنا يعيش"، البلمند، 10 تشرين الأول 2024). فالبيان رغم تسميته الشفهيّة لإسرائيل ب«العدو» وإدانة «الحرب الهمجيّة التي يشنّها على لبنان» حصرا، دعا إلى «تحقيق السلام العادل». كيف تستوي هكذا دعوة مع أيّ فهم لطبيعة الصراع مع دولة استعماريّة يصرّح وزرائها أنّهم يريدون احتلال لبنان، وتتسلّى عصاباتها المدعوّة جيشا بقتل المدنيّين وتعذيبهم وتجويعهم أيّ إبادتهم، في غزّة، وهو ما تعد حكوماتهم المتعاقبة أن تفعله في لبنان (ردّه إلى العصري الحجري). يدعو البيان أيضًا إلى «تطبيق القرارات الدولية من قبل جميع الأطراف»! لا يفهم الإنسان كيف تسمح مجموعة من رجال الدين (والسياسيّين) أن يضعوا أنفسهم في منطقة وسطى بين شعبهم الذي يقاوم آلة البطش والإخضاع والتدمير وبين عدوّه، بحيث يصنّفون الاثنين بـ«طرفين»؟ ويكتب المجتمعون أنّهم يثمّنون دور الجيش «في حفظ الأمن والاستقرار»! ولكن كيف لهم أن يتفوّهوا بكلمتي الاستقرار والأمن في ظلّ حرب وحشيّة مدمّرة ونزوح هائل؟ يبدو أنّه من المناسب للمجتمعين أن ينسوا أنّ الجيش لم يحارب إسرائيل لأنّ السياسيّين لم يسلّحوه بأسلحة مناسبة، وأنّ الحرب القائمة دمّرت الأمن والاستقرار وبالتالي لا يمكن التحدّث عن أمن واستقرار. هذا النسيان مناسب لأنّ المجتمعين تعمّدوا أن يتجاهلوا واقع أنّ مقاومة هذا الشعب حاجة حيويّة للحياة لأنّها وحدها القادرة على ردّ اجتياح العدوّ ببطولة نادرة، ولا يعيبها أنّها غير قادرة على ردّ سلاح الطيران الذي لا تتمكّن من صدّه حاليّا دول مجاورة (سوريا مثلا). يشكر المجتمعون «الهيئات الإغاثية والاستشفائية على الدور الذي تلعبه في التخفيف من حدة الأزمة التي يتعرض لها الشعب اللبناني»! لكنّ استعمال كلمتي «الشعب اللبناني» و«الأزمة» غير مناسبين إطلاقا، فالأوضاع الخطرة الناتجة عن الحرب الهمجيّة يتعرّض لها جميع سكّان لبنان، لبنانيّين وغير لبنانيين، كما أنّ الوضع القائم ليس مجرّد أزمة ناتجة عن عمل من أعمال الطبيعة، بل نتيجة حرب تدميريّة. وكما يستعمل البيان كلمات محدّدة ويظهّر مواضيع محدّدة، فهو يغيّب أخرى، وفي الحالتين يمكن قراءة ذهنيّة مَن وضعوه ومصالحهم. مثلا، ينتهي البيان بالدعوة إلى «تجفيف تدفق السلاح الذي يقتل المواطنين اللبنانيين» دون أيّة إشارة إلى الحكومات الأميركيّة والأوروبّية التي تسلّح من يسمّونه بـ«العدوّ». وفي رأينا يدلّ تجهيل الفاعل هنا على خوف على المصالح، كالخوف من تجفيف تدفّق التمويل على مؤسّسات الكنيسة الأرثوذكسيّة، مثلًا. الأمر الآخر المُغَيَّب عن البيان هو أنّ القيادات الكنسيّة التي طالما كانت «تعزي ذوي الضحايا وتسأل الشفاء للمصابين والرحمة الإلهية للشهداء» في سوريا، غاب عنها تماما كلمة عزاء أو مجرّد دعاء للذّين يضحّون بحياتهم وأمانهم واستقرارهم من أجل أن يدافعوا عن الأرض من الاحتلال وعن المواطنين من تنكيل أوسع. إنّ انعدام الشكر أو الدعاء يتعارض واقعيّا مع وصف «العدوّ الاسرائيليّ» بحيث يصبح وصف «العدوّ» مجرّد وصف لفظيّ بارد لا حرارة فيه، ويحقّ للقارئ عندها أن يشكّ في أنّ الأهداف النهائيّة للبيان هي تطبيعيّة. وإن صحّ تحليلنا (ونرجو ألّا يصحّ) تكون القيادات الكنسيّة الأرثوذكسيّة قد بدأت عمليّة التفاف على تاريخ الكنيسة الأرثوذكسيّة في بلادنا، بينما وقفت القيادات تاريخيّا مواقف مضادة لوجود إسرائيل كونها مبنيّة على الظلم، وكونها لا تستمرّ إلّا بسفك الدم. إن كان هذا البيان بالفعل مقدّمة لعمليّة التفاف كهذه فذاك يشكّل خيانة لروحيّة الانجيل، وعندها سيلفظ ضمير المؤمنات والمؤمنين الأحرار هكذا قيادات كنسيّة ويضعها في مزبلة تاريخ الكنيسة حيث وضع الشعب من قبل المجامعَ اللصوصيّة الشهيرة. لا؛ هذا البيان لا يشكّل «نداء الأرثوذكس في لبنان» كما يعنونه واضعوه زورا وبهتانا. الأرثوذكس، الذين بالفعل تسمّوا على اسم السيّد، لا يعرفون سيّدا لهم غيره، هو الذي توحّد مع المعلّقين على صلبان الظلم أينما وُجدوا، مصير الأرثوذكس وموقعهم هناك، عند أقدام هؤلاء، في خدمة هؤلاء، هؤلاء هم أسيادهم وليست القيادات إن خانت. الأرثوذكس، وكلّ ذي عقل، يعلم أنّ الدول الاستعماريّة لا تستجيب للنداء المائع «دعوا شعبي يعيش». الشعوب المستضعفة إن لم تقاوم لا تعش، وإنّما تُقتَل أو تُستَعبَد. الإخلاص للحياة والحرّية والكرامة البشريّة التي تجلّت في يسوع تقتضي المقاومة الشُجاعة لا الاستجداء الرخيص. Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
November 2025
Categories |
RSS Feed