موقع خريستو المرّ
  • كتب
  • محاضرات
  • مقالات في «الأخبار»
  • المقالة الأسبوعيّة
  • الإيمان والحياة اليوميّة
  • فلسطين
  • التزام شؤون الإنسان
  • الإيمان والثقافة
  • كلمات
  • خريستو المرّ
  • مواقع صديقة
  • المقالة الأسبوعيّة

الإعاقة والتحرّر: أي تقاطع؟

11/18/2025

 

خريستو المرّ، الثلاثاء ١٨ تشرين ثاني / أكتوبر ٢٠٢٥

كَبُر معظمنا وهو يفكّر في الإعاقة بطرق ضيّقة جداً. تعلّمنا، بشكل مباشر أو غير مباشر، أن الإعاقة مشكلة طبّية فرديّة، أمراً مؤسفاً يحدث لبعض الناس ويجب «إصلاحه» أو التعاطف معه. لكن المقاربات النقدية في دراسات الإعاقة تقلب هذه الفكرة رأساً على عقب. فهي تطلب منا أن ننظر ليس إلى ما هو «خطأ» في أجساد أشخاص، بل إلى ما هو خطأ في البيئات والأنظمة والمواقف التي تجعل الحياة اليومية أصعب مما يجب ويمكنها أن تكون عليه.
يمكننا أن نتخيّل عالماً تكون فيه كل المباني مهيّأة للجميع، والمواصلات العامة تمكّن الكرسي المتحرّك من الصعود إليها وتعلن المحطات الواحدة تلو الأخرى لكي يسمع العميان، وأماكن العمل مرنة بالطريقة عينها، وحواسيب لديها ما يكفي من تقنيات لقراءة المعلومات عن الشاشة ويمكن التواصل معها بالصوت واللمس، والرعاية الصحية تعامل الناس بكرامة بغضّ النظر عن قدراتهم. في مثل هذا العالم، ستختفي الكثير من الصعوبات التي يواجهها الأشخاص ذوو الإعاقة اليوم، ليس لأن أجسادهم تغيّرت، بل لأن المجتمع تغيّر.
هذا التحوّل في التفكير ينقل النقاش من منطق «التعاطف» و«الصَدقة» إلى منطق العدالة، ومن منطق «مساعدة الضعفاء» إلى إعادة تصميم العالم بحيث يشعر الجميع بالانتماء. هذا التحوّل في طريقة التفكير يمكّننا بأن ننتبه إلى الحواجز التي اعتدنا عليها دون أن نلاحظها: الدرج عند مدخل البناية، الاستمارات الطبيّة المعقّدة، أرباب العمل الذين يرون الترتيبات التيسيريّة عبئاً، أو التكنولوجيا التي تفترض أن كل المستخدمين يتعاملون مع العالم حولهم بالطريقة نفسها. هكذا مقاربة تسمح لنا بأن نفهم بأن الإعاقة ليست أمرا نادرا، وإنّما هي جزء طبيعي ومتوقّع من التجربة الإنسانية؛ كلّ من يلبس نظّارات هو عمليّا وبالفعل إنسان معوّق ولولا النظّارات (التي اعتدنا عليها) لما تمكّن مئات الملايين من الناس من القيام بأعمالهم بشكل ميسّر. كما أنّ الكثير من أصحاب الأمراض المختلفة هم معوّقون عن القيام بشيء أو آخر، بالإضافة إلى أنّ أيٌّ منا يمكن أن يصبح من ذوي الإعاقة في أي لحظة—بسبب مرض، أو حادث، أو التقدّم في العمر. عندما نتعامل مع تيسير التعامل مع العالم للمعوّقين وكأنها خيار إضافي مكلف للمجتمع، فنحن نفترض ضمنيًا أن توسيع قدرة الناس على الانخراط في الحياة أمرا له علاقة بـ«الآخرين»، أي أنّّ ذلك لا يشملنا. لكن إن أهملنا عمليّة تحويل المجتمع ليصبح أكثر قدرة على التعامل مع التباينات لطريقة عيش أعضائه فإنّنا نكون تبني عالماً قد لا نتمكن نحن أنفسنا من الاندماج فيه يوما (فلنفكّر بعالم لا نظّارات فيه).
من هنا تأتي ضرورة الإنصات للأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم، إذ كثيراً ما تُوضع السياسات التي تتوجّه نحوهم دون مشاركتهم في وضعها فتأتي تلك السياسات فوقيّة وقاصرة. بينما عندما تقود الجماعات -مطلق أيّ جماعات- المعنيّة بالسياسات النقاش حول تلك السياسات، تتبدّل الأولويات: يصبح النقل، والرعاية الصحية، والتعليم، والعمل، والسكن، وإتاحة الفضاءات الرقمية في صدارة الاهتمامات. وتتحوّل الخبرة المعيشية إلى مصدر معرفة.
لكنّ الإعاقة لا تُعاش بمعزل عن العوامل الأخرى. فالعرق، والجندر، والوضع الاقتصادي، والهجرة، والفقر، كلّها تؤثر في كيفية اختبار الأفراد لإعاقتهم. قد يتشابه التشخيص الطبّي، لكن الخبرة الحياتيّة تختلف كثيراً للجندر، فالنساء يتعرضن لعنف أوسع من الرجال بين المعوّقين، وخبرة الإعاقة تختلف حسب نوعيّة السكن، ونوعيّة الرعاية الصحية المتوفّرة، وطبيعة العمل؛ وهذه أمور معروفة ومثبتة أكان الإنسام معوّقا اليوم أم لم يكن. من هنا ضرورة التكفير في هذه العوامل ومواجهتها عوضًا من إخفائها خلف كلمة «إعاقة»؛ وهي كلّها عوامل مرتبطة مباشرة بالوضع الاقتصاديّ للفرد وعائلته. من هنا من الضروري إضافة إلى تحليل الأوضاع الاقتصاديّة والمادّية. إنّ الإعاقة لا تُعاش بمعزل عن الطبقة الاجتماعية. فالفقر، والبطالة، والعمل غير المستقرّ، وغياب الرعاية الصحية، كلّها أوضاع تساهم في الإعاقة. شخص غنيّ قد يعيش الحالة نفسها بشكل مريح وآمن، بينما شخص فقير يعيشها كعبء يومي يهدّد سلامته وعيشه. هذا التفاوت ليس بيولوجياً؛ إنه نتاج توزيع غير عادل للثروة والفرص.
ثمّ إنّ إقصاء المعوّقين في المجتمع ليس صدفة، بل نتيجة رؤية اقتصاديّة ضيّقة للحياة. فلنفكّر قليلا في النظام الاقتصاديّ الذي نعيش فيه: كلّما زاد الضغط على الأفراد لإثبات قدرتهم على العمل المستمرّ بزيادة دائمة في الإنتاجيّة، كلّما زادت أرباح من يملكون وسائل الإنتاج. في ظلّ هذا النظام، إقصاء المعوّقين ليس مجرّد جهل أو تجاهل، بل هو جزء من منطق اقتصاديّ يفضّل جسدًا واحدًا «مناسباً للعمل» على حساب التنوع البشريّ، يفضّل جسدًا مناسبا لإنتاجيّة ترتفع بشكل مستمرّ على حساب الإنسان نفسه. من هنا تصبح المطالبة بإدماج المعوّقين جزءًا من نضال أوسع ضدّ اللامساواة. بناء منحدرات في الشوارع، أو توفير ساعات عمل مرنة، أو جعل التكنولوجيا قابلة للاستخدام للجميع، ليست مجرّد خدمات إضافية «متعاطفة» من فوق مع المعوّقين، بل خطوات في اتجاه مجتمع يتجاوز منطق «القيمة الإنتاجية» للإنسان إلى منطق الكرامة الإنسانية: أوليّة الإنسان على الربح. عندما نرى الأمور بهذا الشكل، تزول حالة غياب وعينا عن جزء أساس من حقيقة نظامنا الاقتصاديّ، ولا نعود نرى العالم بنفس الطريقة.
لا شكّ أنّنا عندما نجعل العالم أكثر إدماجا للمعوّقين فالكلّ يستفيد، فعندما نبني منحدرات للكراسي المتحرّكة فإننا نساعد الآباء الذين يستخدمون عربات الأطفال؛ وعندما تكون الإشارات واضحة، فإنها تساعد المتعلمين الجدد للغة؛ وعندما تكون ساعات العمل مرنة، يستفيد منها المرضى والمتعافون. لكنّ الأهمّ هو أنّنا عندما نصمّم مدناً شاملة للجميع، فإننا نحرّر أنفسنا من عالم يربط كرامتنا بقدرتنا على الإنتاجيّة وحدها. وعندما ندرك أن قيمة الإنسان لا تُقاس بإنتاجيته، نفتح الباب لمجتمع يتسع لضعفنا البشري الطبيعي، ويحتضن تنوّعنا، ويعاملنا كأفراد لا كعجلات في آلة.
هكذا رؤية تدعونا إلى بناء مجتمع يأخذ الأجساد البشرية كما هي، لا كما «يجب أن تكون». أجساد طبيعية، متنوعة، مختلفة، لكنّها جميعها تستحق الاحترام والكرامة. عندما نحتضن هذا الفهم، نقترب من عالم لا يعتمد فيه قَدَر الإنسان على مدى سرعة مشيته، أو وضوح كلامه أو نظره أو سمعه، أو كيفية عمل عقله. عالمٌ يمكن للجميع أن يزدهروا فيه معًا.

Comments are closed.

    الكاتب

    خريستو المر
    المقالات المنشورة في «الأخبار»

    الأرشيف

    December 2025
    November 2025
    October 2025
    September 2025
    August 2025
    July 2025
    June 2025
    May 2025
    April 2025
    March 2025
    February 2025
    January 2025
    December 2024
    November 2024
    October 2024
    September 2024
    August 2024
    July 2024
    June 2024
    May 2024
    April 2024
    March 2024
    February 2024
    January 2024
    December 2023
    November 2023
    October 2023
    September 2023
    August 2023
    July 2023
    June 2023
    May 2023
    April 2023
    March 2023
    February 2023
    January 2023
    December 2022
    November 2022
    October 2022
    September 2022
    August 2022
    July 2022
    June 2022
    May 2022
    April 2022
    March 2022
    February 2022
    January 2022
    December 2021
    November 2021
    October 2021
    September 2021
    August 2021
    July 2021
    June 2021
    May 2021
    April 2021
    March 2021
    February 2021
    January 2021
    December 2020
    November 2020
    October 2020
    September 2020
    August 2020
    July 2020
    June 2020
    May 2020
    April 2020
    March 2020
    February 2020
    January 2020
    December 2019
    November 2019
    October 2019
    September 2019
    August 2019
    July 2019
    June 2019

    Categories

    All

    RSS Feed

 ليس من حبّ أعظم من هذا : أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبّائه: يسوع المسيح
  • كتب
  • محاضرات
  • مقالات في «الأخبار»
  • المقالة الأسبوعيّة
  • الإيمان والحياة اليوميّة
  • فلسطين
  • التزام شؤون الإنسان
  • الإيمان والثقافة
  • كلمات
  • خريستو المرّ
  • مواقع صديقة
  • المقالة الأسبوعيّة