خريستو المرّ - السبت ٤ أيّار / مايو ٢٠٢٤ وجهُك الفصح. نقبّل وجهك حتّى لا يبقى على شفاه القلوب إلّا شفتيك الشافيتين. ننهي أسبوعًا عظيمًا أوغَلْنا بترانيمه في السُكرِ بخمرة الحبّ العتيق، المشعِّ حياةً فوق الصليب. عَبَرنا صحراءَ الصوم وكان صحوُ السكر يدفع بسكرِ الصحو إلى دوار الرؤى وفَرحٍ سطع بالموت حبًّا. أحببتَ حتّى الموت فقمتَ حتّى لا يبقى أحدٌ وحيدًا، ويكون صديقٌ يأوي إليه مَن تَعِبَ. أولمتَ جسدَك للذين جاعوا فُرادى كي يكون عرسٌ في القلبِ العابرِ للدنيا، والدنيا الـمُستَلّة من العدم، مغمّسةٌ بجرح العطب، لا بدّ. لخمسين يومٍ كنتَ زادَ الرحيل إليكَ كي يصبحَ كلُّ يوم موسمَ حبّ، وجسرًا إلى الحرّية فوق هدير الموت. إن سكنتَ القلبَ أو أسكنّاه فيك يفنى اليأس. بوجهك نحيا ولو متنا لأنّك لا تموت. أنت الفصح، العبور الدائم، أنت ملامسة نبض الأبد. بك لا نبقى عبيدَ الخوف الذي يستعبدنا لكلّ مخلوق وكلِّ هروب. كان الخوفُ من الألم قيدنا الأكبر، وأنت لم تَعِدْنا بنهاية الألم وإنّما بملءٍ لفراغٍ في القلب، يكسر القيود. لا يحاصر من أحبّك نفسه. أنت الرجاء. أنت المغامرة الشجيّة الجميلة للغز حبٍّ لا يعرفه إلّا مَن صعد سلالم العشق، صليبًا إثر صليب. أمّك العاشقة الأولى التي قالت «نعم» لتولدَ. هي التي قَبِلَت سيفًا في أحشائها عند موتك كي لا تبكي الأمّهات دون رجاء بعدها. لذلك تكون أمّك أمّ وإمامَ المحبّين في الحضرة، فقد قيل أنّ حبّها أصعدها السلالم دفعةً واحدة فأضاء جسمها بالبهاء الإلهيّ. جعَلْتَنا في قلب النهار الذي لا يرتجف الضوء فيه. رميت خميرة النور في الكون الكثيف ليتخفّف باللقاء، ويكونَ العيدُ استباقًا لضياء اليوم الأخير. أصبحتَ من اليوم وليمتَنا، ووعدًا بعشاء سرّي نهائيّ للذين أحبّوا فتقاسموا أجسادهم وأرواحهم مع صعاليك المدينة المجرمة. هل نحبُّ بعضنا بعضًا كما أنت أحببتنا؟ أي هل نحبّ بعضنا حتّى الموت؟ هل نحبّ عابرينَ الأديان، واللغات، والألوان، والأوطان؟ هل نحبّ الفلسطينيّ لأنّه مطروح مثلك، ومشرّد مثلك، ومُضطهد مثلك؟ هل نحبّ كلّ مضطهد علّقه التُجّار على شجرة الموت خارج نظافة المدن وكياستها؟ هل نثقب سقف السجن إذا بسطنا القلب على صليب الحبّ فصرنا أحرارًا منّا، عابرين إليك وإلينا؟ في فصحك لم تبقَ إلّا الحياةُ للذين يمتطون حصان الحبّ، فينضمّون إلى جماعة الفصحيّين، أولئك الذين اقتبلوا معموديّتك والذين لم يقتبلوها، أولئك الذين أحبّوا إلى المنتهى، أولئك الذين بهم يشعّ سرُّ بهائك كلّ حين. نحبّكَ ولا ننسى المأسورين في فلسطين. لا ننسى المقهورين لأنّنا نحبّك. صار ميراثهم للغرباء وبيوتهم للأجانب. احترقت أجسادهم من الحقد وجِلدهم من الجوع. فمضى فرحُنا وصارت أغانينا نَوحًا. نراك البهاء في الفلسطينيّين الأحرار المكسورين على جلجلة الأرض. غزّةُ صليب المحبّين، وأنينَ الذين لم تمت إنسانيّتُهم. هي صورة مطعونيّتكَ على الصليب، ولذلك نرنو إليها ونرجو. شعبها المكرّس للحرّية أنقى من الثلج. هم المتمرّدون الشهود أنّنا ولدنا للحرّية والحياة وأنّ الحقد يريد للحرّية أن تُقتَلَ وللفصح أن يتراجع. ولا يتمرّد على القتل إلّا الذين اغتسلوا ببهاء عينيكَ ففضّلوا على ركوع العبيد ركعتين في عشق الحرّية لا يصحّ وضوؤهما إلّا بالدم. اليوم فصحٌ، والفصح رحيلٌ طويلٌ معكَ في جسد الأرض وفي لحم القلب لننتقل من مساءلتك «جئتَ، فماذا صنعتَ وماذا غيّرتَ؟»، لنسأل أنفسنا ماذا صنعنا بك، وماذا غيّرنا في العالم؟ أَلَمُ العالم مأزِقُنا، نحن المخلوقون على صورة مجدك. المأزق انفكّ اليوم بالحبِّ الذي أنتَ، والقيامةِ التي هي وجهُك. قمتَ، يا سيّدُ، قمتَ يا حبيبُ، وليس من ميّتٍ في القبور. Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
November 2025
Categories |

RSS Feed