|
خريستو المرّ، الثلاثاء ٦ كانون ثاني / يناير ٢٠٢٦
إلى المطران جورج خضر ميلاد المسيح كلمةُ تواضعٍ إلهيّ: كلمة الله يتجاوز تجاوزه للخليقة، ليصير منها ويشاركها كلّ شيء حتّى الموت. لذا يرى القلبُ في حدث الميلاد ملامح يوم الجمعة العظيمة، يومَ غطسَ المسيح في مياه الموت وعمّ هدوء الحزن، ذاك الذي رأيناه بهيّا بعد القيامة. في موضع الولادة الكون اجتمع: الجماد نجمًا مضيئًا دليلاً إليه، والمجوس والرعاة والحيوان مستقبلينه، ووجه الإنسان-مريم يرعاه. تقول الحكاية أنّ المجوس اعترفوا بالطفل ملكا (هدية الذهب) تفوح منه رائحة البخور كأنّه مطرح قداسة (هديّة اللبان). تقول حكايتهم أنّهم أشاروا إلى موت المسيح منذ تلك اللحظة بهديّة المرّ التي ترجّع صدى مستقبله يوم يستوي يسوع على الصليب، ويتناول اسفنجة مغمّسة بالمرّ، قبل أن يُسلم الروح. فقيرًا عاش، وفقيرًا صعد عرش الصليب، ليقول فقراء العالم «هو واحد منّا»، وينكره كبار هذا الدهر. معظم الكنائس الشرقيّة تحتفل بالميلاد في ٧ كانون الثاني، وهو «عيد الظهور الإلهيّ» لدى جميع الكنائس. يستعيد العيد حدث معموديّة يسوع في نهر الأردن على يد يوحنّا المعمدان. تقول حكاية تلك المعمودية أنّ صوتا سُمع يقول «هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت»، وأنّ واحدًا شاهد شكل حمامة فوق المكان. العبارة تتكرّر حرفيّا تقريبا على جبل ثابور أو جبل الشيخ؛ يقول الشهود، أنّ «مجد الله» ظهر في يسوع على شكل ضوء شديد اللمعان، وأنّ صوتا سًمع يقول «هذا هو ابني الحبيب»، وأنّ الحدث وقع في الفترة التي كان يسوع يحدّث فيه تلاميذه عن موته القريب وقيامته. هذا التكرار للعبارة يربط بوضوح بين الميلاد البسيط والجمعة العظيمة، بين قماط الطفل والكفن، ولكنّه أيضا يربط بين إعلان المسيح ابنًا يضيء بمجد الله، وبين الجسد الجريح، بين مجد الله والإنسان المتألّم. مَن يؤمن بيسوع حقّا لا يمكنه أن يفكّ الارتباط الوثيق بين الصليب والمجد الإلهيّ، بحيث أنّه يرى دائما موضع المجد الإلهي في جسد المسيح المصلوب. لقد تجلّى «مجد الله»، بامتياز، في جراح جسد المسيح، ومن بعده في كلّ جسد جريح. مَن لم يفهم هذا ويعِه في فكره ولحمه ودمه وكلامه وعمله وحتّى غضبه كان في غربة عن السيّد. مَن يريد أن يرى الله في هذه الحياة، يقف إلى جانب البشرية الموسومة بالجراح، والتهميش، والطرد من دائرة الأخوّة البشريّة. لا يمكنني ألّا أن تتراءى لي غزّة. يوحنا الإنجيلي يشهد أنّ الروح نزل على المسيح «مثل حمامة» واستقرّ عليه؛ ويوحنا نفسه يفتتح إنجيله بعبارة «في البدء كان الكلمة»، مُستعيدًا بذلك مطلع سفر التكوين: «في البدء خلق الله السموات والأرض» و«كان روح الله يرفّ فوق المياه». نحن إذا أمام خلقٍ جديد، إنسانيّة جديدة تبدأ بالمسيح مولودا من امرأة في العراء، ثمّ في النهاية-البداية معلّقا في العراء خارج المدينة، قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة فيلحق بجميع مَن سبقوه إلى الهاوية ليدّك سلاسل العتمة ويمنحهم القدرة على القيامة منها. «روح الله يرفّ على وجه المياه» في بدء الخليقة، وفي معمودية المسيح يبلغ هذا الرفيف كماله بأن يصير المسيح موضع استقرار الروح، ويصير الكون، به، لا بالخلق الأول، حاملا الروح. ثمّ لاحقا، عند الصليب، يوم أسلم المسيح الروح للعالم، خرج من جنب المسيح المطعون دم وماء، كما تقول حكايته مشيرة إلى أنّ كلّ مَن أراد أن يحمل اسم المسيح يعتمد في ذاك الماء ليصبح واحد معه، واحدا مع «جسده» (المسيح قد لبستم)، وإذ يصبح واحدا في جسد المسيح يصبح رفيقه في صراعه إلى جانب البشريّة المرسومة بالجراح. ويكون ذلك شهادة لحقّ وألم لا بدّ منه، وفرح وحياة يعيشهما كلّ مَن أحبّ وكان نفسه وأكل مع المسيح أضواءً من المجد الإلهيّ، عاى ما تشير إليه المعاني التي نطق بها الدم المسكوب من الجنب المطعون بحربة. الإنسان ليس مسيحيّا إلّا بقدر ما هو شبه المسيح، إلاّ بقدر ما هو حاملٌ «مجد الله»، واقف إلى جانب المقهورين. أخذ المسيح صورة فقراء هذا العالم، وفي أرض الواقع لا يُبشَّر المساكين – إخوة المسيح بامتياز- بالتراتيل، وإنّما إن التقيناهم بالحبّ المشارِك، بالعمل لأجل إرساء بُنى العدالة والحرّية والمشاركة؛ إن لم نلاقهم هكذا فلن نلتقيه هو. إن لم نُزعج الظالمين والمستكينين، ونحتجّ ونقاوم، نكون بلا يسوع، في غربة عن مجد الله، ويصبح الكلام في المسيحيّة فراغًا. الطريق إلى المسيح هي طريق في الحب المشارك المقاوم للشرّ، لسنا نعرفه إلا بالحبّ الملتزم، وعندها مملكة الله الأبدية تتجدّد بالفعل أزليّتها، في لحم هذا العالم. المظلومون هم وجه المسيح النازف، معهم نعرف ملامح الله في التاريخ البشريّ. Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
March 2026
Categories |
RSS Feed