|
خريستو المرّ، الثلاثاء ٩ كانون الثاني/يناير ٢٠٢٤
تحت ثقل آلام الفلسطينيّين في الضفّة، وآلامهم التي لا تُحتَمَل في غزّة، تُكتب هذه السطور إجلالا لآلام أخواتنا وإخوتنا، وللآلام الطوعية والقسرية التي يحتملها كلّ البشر الذين تتوق وجوههم للحرّية والعدالة، والتي احتملها الذي تكفّنوا برائحة الشجر والأرض. لا أستسيغ القفز فوق الآلام كأنّها لا تكون إن تجاهلناها، أو كأنّ الإيمان يعطّل إنسانيّة الإنسان. في عمق شعوري وإيماني أنّ البكاء أمام آلام الفقد والوجع حلالٌ لمن استطاع إليه سبيلا، ويعينني في ذلك أنّ الذي قام من الموت بعدما احتمل الآلام، بكى لفقدان صديق. أمّا نحن الذين لسنا تحت الضربات فقد تجفّ مآقينا لأنّ المسؤولية تدفع العقل كي يستدلّ خلف ضباب الأوجاع على المتوجّعين إلى السبل، وتبكي القلوب خلسة خلف جفاف مآقينا. ويحتجّ العقل عند مَن آمن أن كيف يترك الله أولاده يتشتّتون ويتمزّقون وكيف لا يوقف المذبحة؟ نحن المحدودون حاولنا وحتّى الآن فشلنا. لربّما يا إلهي لم نحاول المستحيل فدلّنا على المستحيل، دلّنا على الطريق الذي به نصير واحدا مع الضحايا فلا ننام. دلّنا على السبيل الذي به تصبح أجسادهم أجسادنا فنحملهم خارج الموت المحيط إلى الأمان الذي نحن فيه. دلّنا أن كيف نصبحُ كلمتك في الأرض فلا تنام قلوبنا نومة الموت الحقيقيّ إن تغافلت عن الضحايا. دلّنا كيف نضمّ إليك الموجوعين فنكون بأخوّتهم جميعًا أولادك. دلّنا على خطوات نهر حبّك الهادر كي نعمّد فيه أوجاعنا لتتحوّل أوجعاُنا بابا للحرّية فوق صلباننا الكثيرة. دلّنا، يا إله الحبّ، كيف نصبح مشيئتَك على الأرض، كيف نصبح عدلَك، كيف نصبح مشاركَتك لنا، كيف نصبح مشاركتك أنت لآلام الذين يتألّمون وموت الذين يموتون. وآه، دلّنا كيف نصبح موت الموت كما كان كلمتك. دلّنا كي لا نكون بلا رجاء. وكيف نكون بلا رجاء وأنت الرجاء؟ الوحش يمدّ رؤوسه بيننا، يمدّ رأسًا في التلفاز، ورأسًا في الكتب، ورأسًا في الكراهية التي لا تراك في المصلوبين، وآخر في التعب، ورؤوسا في السياسة وأُخرى في الاقتصاد. علّمنا أن نكون جاورجيوس لنغالب الوحش ونغلبه، أو درّبنا على درب آلام كلمتك كي نقهر الوحش الكبير فوق جبل الآلام. خذ التعب والموت والألم عن إخوتنا الذين هناك، كن أنتَ رفيق ضعفهم وقوّتَهَم أمام الشدائد. فيهم نلمحك، نحن الذين هنا. نلمحك في تسليمهم أمرهم لك، نلمحك في تعاطفهم الأخويّ مع الأضعف، نلمحك في تمسّكهم بالتراب ليس لأجل التراب، ولكن لأجل بصماتك التي تركتها في كرامتهم البشريّة حين جبلتهم من ذاك التراب. نحن الذين نضيّعك حين نرى أوجاعهم وأشلائهم نراك في وجوههم الحلوة المرفوعة أمام الشمس، المحاصرة بين البحر والنهر والمتحرّرة بإصبع مرفوعٍ أمام الجلاّد كلمةَ رفضٍ للذلّ والاستسلام. نحن الذين نحبّ أن نتّكئ على صدرك نعرف أنّه لن يكون لنا هذا إلّا إذا كانت صدورنا لهم متّكئا. بهذا نصير جميعا لك كنيسة، أي عروسًا من أجل احتفال حبّك الأبديّ، يوم تهتزّ العروش، وتقع الأوهام، ولا يكون سوى عرشُ حبّك الواحد. يا محيط البلّور، يا الأحد، يا محيط الحبّ الصمد، درّب قلوبنا على السباحة في بحر الآلام التي تجرّعتها كلمتك يومًا، لنصير واحدا مع كلمتك، ونصبح عون يديك على هذه الأرض، لنصنع معًا من البحر إلى النهر معموديّةً للحبّ والحرّية، علّ ذلك يغفر لنا خطيئة النوم عن العدالة، ويظهر في الفرح محيّاك ولو قليلا فيرتاح القلب. Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
November 2025
Categories |
RSS Feed