|
خريستو المر، الثلاثاء 28 تشرين اول 2025
ينبغي النظر إلى الأزمة الصحية والاجتماعية في لبنان لا بوصفها نتيجة «فساد» أو «سوء إدارة» فحسب، بل كنتاج لنظام رأسمالي وطائفي تابع، يقوم على الاستغلال الطبقي والتبعيّة، وإعادة إنتاج الهياكل الاستعمارية والذكورية والعنصرية في سياق محليّ معولم. فكما يبيّن التحليل العالمي للتفاوتات الصحية في المجتمعات الرأسمالية (اقرأوا مثلاً، التفاوتات الصحية والرأسمالية في كندا، أرنيل م. بوراس)، يتجلّى في لبنان نموذجٌ فاضح لتحوّل الحاجات الإنسانية إلى سلع، ولتسليع الصحة تحديداً، كواحدة من أكثر مظاهر اللامساواة المادّية فداحة. الرأسمالية التابعة وتسليع الحياةإنّ دخول رأس المال في أيّ مجال يسلّع ذاك المجال بسبب سعي رأس المال الدائم إلى التراكم، وهو ما يؤدّي بالنظام القائم في لبنان أن يضع الربح في مواجهة مع الحياة. منذ التسعينيات، اعتمد لبنان نموذجاً نيوليبرالياً يقوم على الخصخصة والمضاربات العقارية والاعتماد على المصارف والدين الخارجي، فتحوّل الاقتصاد إلى اقتصاد ريعٍ ماليّ يخدم قلةً من كبار المستثمرين والسياسيّين، المتحالفين مع رأس المال الإقليميّ والعالمي. في ظلّ هذا النظام، لم تعد الصحة (وغيرها من الخدمات الأساسية) حقاً اجتماعياً بل سلعة تباع وتُشترى. فالمستشفيات الخاصة تهيمن على القطاع الصحي وتحدد الأسعار بما يتوافق مع منطق الربح لا مع حاجات الناس. أما المستشفيات الحكومية والمراكز الصحية العامة، فتعاني الإهمال المزمن ونقص التمويل، لتصبح ملاذاً أخيراً للفقراء. ومع انهيار العملة، تراجعت قدرة الغالبية الساحقة من اللبنانيين على الحصول على الدواء والرعاية، ما أدى إلى ارتفاع معدلات الأمراض المزمنة، والهجرة الصحية، والموت المبكر. النيوليبرالية الطائفية كأداة للهيمنةالطائفية في لبنان ليست بديلاً من الرأسمالية، بل شكلها المحلي؛ فهي تنظّم توزيع المنافع والوظائف والخدمات عبر الزعامات السياسيّة والمرجعيات الدينية، بدلاً من أن تكون تلك الخدمات حقوقاً للمواطنين جميعاً. فالرعاية الصحية (والتعليم، والعمل جزئيّاً) تُدار في جزء منها من خلال مؤسسات طائفية وحزبيّة، أو من خلال وزارة الصحّة التي توزّع المساعدات الصحّية عبر ممثّلي الطوائف على شكل خدمات لشراء الولاءات، مساعدات تصبّ مباشرة أرباحاً للقطاع الصحّي الخاص. هذا النمط يجعل الصحة (كما التعلّم والعمل) وسيلة للضبط الاجتماعي وشراء الولاءات. النتيجة هي انقسام صحي-اجتماعي: المحسوبون على قوى سياسيّة يحظون بخدمات صحّية ولو قليلة، بينما يعيش الباقون على هامش الرعاية، وتُترك الفئات المهمشة -كاللاجئين والعمال المهاجرين في الأطراف- خارج أي نظام حماية حقيقيّ. التبعية والاستعمار المالييرتبط الاقتصاد اللبناني بالمراكز الإمبرياليّة (أي المهيمنة اقتصادياً وسياسياً وثقافياً لضمان استمرار تراكم رأس المال العالميّ) عبر الديون والمساعدات المشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليّ والدول الغربيّة. هذه التبعيّة تفرض سياسات تقشفيّة تُضعف الخدمات العامة وتكرّس الفقر والمرض. فخفض الدعم عن الأدوية، والخصخصة الصحيّة، ورفع الضرائب غير المباشرة، كلها سياسات تُعيد إنتاج اللامساواة الصحّية وتربط مصير الشعب اللبناني بمصالح رأس المال العالميّ. إنّ هذا الوضع يعبّر عن شكل معاصر من الاستعمار المالي الذي يمارس عنفه من خلال الأسواق لا عبر الجيوش، ويحوّل الدولة إلى وسيط بين الدائنين والطبقة العاملة المفَقّرة. تداخل الطبقة والجندر والعرقإضافة إلى ذلك، لا يمكن فهم الصحة في لبنان من دون النظر إلى التداخل بين الطبقة والجندر والعرق. النساء يتحمّلن عبء الأزمة الاقتصاديّة والصحيّة على نحو مضاعف: انخفاض الأجور، واستغلال العمل غير الرسمي (دون عقد وضمان وحماية قانونية)، وتكثيف أعباء الرعاية غير المدفوعة (الطبخ، التنظيف، الغسيل، رعاية الأطفال، رعاية المرضى، رعاية كبار السن، متابعة التعليم المنزلي)، وتفاقم العنف المنزلي، خاصة بعد جائحة كوفيد. في الوقت نفسه، تعمل مئات آلاف النساء المهاجرات في نظام الكفالة، في ظروف أقرب إلى العبودية الحديثة، بلا حماية قانونيّة أو صحّية (هذا عدا عن اللاجئات). إنّ استغلال النساء هو تجسيد للعلاقة بين الرأسمالية والتمييز الجنسيّ والعنصريّة، حيث يُستخدم جسد المرأة، وخاصة المهاجرة أو اللاجئة، كأداة لإدامة دورة الربح والاستغلال الطبقي. نحو مشروع تحرري للصحة في لبنانإنّ العدالة الصحية في لبنان تتطلّب تفكيك الارتباط البنيوي بين الرأسمالية والطائفية والتبعية الإمبريالية. لا يمكن إصلاح النظام من داخله؛ بل لا بدّ من مشروع تحرري شامل يقوم على: إعادة بناء قطاع عام صحي مجاني وشامل؛ تحالفات نقابية عابرة للطوائف؛ مقاومة شروط الدائنين والمساعدات المشروطة؛ ودمج النضال النسويّ والبيئيّ والعمالي في حركة سياسيّة تعيد توجيه الاقتصاد نحو خدمة الحياة لا تراكم الربح. بهذا المعنى، يصبح تحليل التفاوتات الصحّية مرآة لما يحدث، ولما منعته السياسات من أن يكون. فالأمراض، والفقر، والبطالة، وضعف الأجور، وعدم متابعة التعلّم، وحتّى الذكاء نفسه، ليست نتائج فشل الأفراد أو الطبيعة، بل انعكاس لبنية اجتماعية-اقتصادية تسلّع الحياة نفسها. إنّ تحرير الصحة في لبنان يعني تحرير المجتمع من بنية الاستغلال بأكملها، أي من الرأسمالية في صورتها النيوليبرالية والطائفية التابعة، لإرساء اقتصاد تضامنيّ يضع الإنسان لا الربح في مركز الحياة. Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
November 2025
Categories |
RSS Feed