|
خريستو المرّ – الأحد ٢ حزيران / يونيو ٢٠٢٤
عزيزي طوني، صرت في ديار الحقّ، ونحن لم نزل هنا، في ديار الصراع بين النفاق والحقّ. حين وقف إنسان عارٍ من النفاق ومن أبناء جلدته منذ ألفي عام، سُئِلَ «ما هو الحقّ»؟ بقي صامتا وقتها. وكأنّه ترك لأتباعه أن يجيبوا عن السؤال بأن يدلّوا عليه هو القائلُ «أنا هو الطريق والحقّ والحياة». وحين أرسلهم شهودا «إلى أقاصي الأرض» كان يريد لهم أن يشهدوا مثله للحقّ، فهو القائل لبيلاطس «لهذا قد ولدت أنا، ولهذا قد أتيت إلى العالم، لأشهد للحق». وأنت يا عزيزي طوني، يا أبونا، قد جهدتَ أن تكون شاهدًا لما رأيته من حقّ. لأربع سنوات تشاركنا هموم العلم وهموم الكنيسة، وكنتَ حذرا من كلّ شيء «غريب» عن جسمها، ولعلّك بالغت في الحذر كما بالغ غيرك في الاستهانة. لم نرَ شؤون الكنيسة وشجونها دائما بنفس العين، ولكنّ لك طهارة الإرادة، فأنت أردت أن تكون الكنيسة بلا غضض ولا عيب. وإن تشدّدتَ في أشياء وتهاونتَ في أشياء، فلأنّك مثلنا جميعا، طين مشدودٌ بالروح إلى آفاق الروح، وتحمل الكنز في خزف الأواني. أيّها الأخ الذي سبقنا إلى الضياء، نحيا على هذه الأرض ونقاتل ما نراه خيانةً، وما نراه استهانةً، وما نراه يمرّغ الوجوه بالوحل. قد تزوغ رؤيتنا وقد تكون صافية، لذا سيسألنا السيّد في كلّ ما فعلنا «لم قاتلتَ؟ هل لتُلامِسَ طراوة الوجوه الشمس؟ أم لسبب آخر؟». ولا يملك الجواب إلّا الواقف على باب القلوب يقرع؟ هو وحده يعرف إن كنّا قد فتحنا الباب ليدخل هو فيطرحَ عنّا الخوف خارجا، وتستقرَّ فينا المحبّةُ الطريّة كالضوء. وإن كنت أنا لا أعرف جوابك، إلّا أنّي رأيتُ الوجوه الكثيرة زارتك لوداعك في هدوء المحبّة، فكان وداعهم لك شهادتهم من أجلك أمام عرش الربّ، شهادتهم بأنّ المحبّة الإلهيّة لامستهم بك فلم يعودوا وحيدين، شهادتهم بأنّهم رأوا في عملك بينهم أضواءَ يسوع؛ شهادتهم هذه هي جوابٌ لله على سؤاله لك، أو شيئًا من هذا جواب. نحن نحيا هنا، يا زميل ساعات النقاش، ونتروّض على النموّ نحو طفولة القلب، تلك التي تتفتّح فينا طراوة لا تريد للقصبة المرضوضة أن تنكسر، أو للفتيل المدخّن أن ينطفئ. علّك كنت على طفولة قلبٍ عندما اهتممت بهؤلاء أو بأكثرهم، وهدوء محبّتهم شهادة. لا شيء إلّا الحبّ، عزيزي، لا وجود إلّا الحبّ. الحبّ هو الكلمة الأولى والأخيرة. نبذل كلّ شيء حتّى نصيره فيتحوّل القلب منارة حياة. بدأتَ هنا رحلة مع الحبيب. تابع يا عزيزي ولا تخف، فأنت لست وحيدًا اليوم، فمن حظّنا أنّ الإلهَ صار إنسانًا لأنّه أحبّ أن يختبر مثلنا العبور الأخير، من حظّنا أنّ الله أرادَ أن يموتَ كي لا نتجرّع الموت وحيدين، فإنّي أراه يمسك بيدنا خلف باب الموت متفهّما، متعاطفًا ومبتسمًا، فهو قد عَبَر الموت من قبل، وأختبر الخوف الأخير أمام الباب، قبل أن يستودع الآب خوفه. أستودعك المسيح الحبيب وحنان مريم. وأعلم أنّه إن كنّا نحن نشفق على أنفسنا ونغفر ضعفات بعضنا البعض، فكيف لا يكون غفران الله أوسع من غفراننا بما لا يُقاس، هو الذي أفضل منّا بما لا يُقاس. أستودعك سعة محبّته التي لا تُقاس، يا طوني. صلِّ أنت الذي في دنيا الحقّ، لنا نحن الذين لم نزل في دنيا الصراع، وأذكر أمامه أوجاع إخوته الأبرياء في فلسطين، وفي كلّ مكان. نلتقي معك مجدّدا وجها لوجه حين نجتاز جسر الزفير الأخير فوق هوّة الموت، وحتّى ذلك الحين نرجو أن يجمعنا وجه المسيح في الطريق والحقّ والحياة. Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
December 2025
Categories |
RSS Feed