|
خريستو المر -الثلاثاء 21 نيسان 2026
أصدرت حركة «مواطنون ومواطنات في دولة» نداء سياسياً طموحاً من حيث اللغة والرؤية: «المواجهة مع الخارج داخليّة بغاياتها وبوسائل خوضها، فلنُقِم دولة اليوم». لكنّ النداء يعاني من خلل. هذا الخلل ينعكس في عدّة تناقضات في النص. أوّلاً، من جهة، يُقِرّ النداء بانهيار الدولة اللبنانية وهشاشتها، ومن جهة أخرى يطالب الدولة (بشخص رئيسَي الوزراء والجمهوريّة) باتخاذ قرارات سياديّة جذريّة، وبإعادة بناء النظام السياسيّ والدفاعيّ، وكأنّها دولة مكتملة السيادة وقادرة على الفعل. هذا التناقض لا يعكس فقط خللاً في التقدير، بل يشير إلى افتراض ضمني بوجود لحظة تأسيسيّة يمكن فيها إعادة بناء الدولة دفعة واحدة، وهو افتراض لا نجده واقعياً في ظلّ التوازنات القائمة، والارتباطات الخارجيّة الفاقعة لدى الأطراف جميعاً. على مستوى الأدوات، يطرح البيان إجراءات تنفيذيّة كبرى، كالتجنيد الإلزامي الشامل، وجمع السلاح بيد الجيش، وتسليحه، وهي إجراءات تتطلّب وجود سلطة مركزية قوية، وتوافقاً داخلياً، ودعماً خارجياً مستقرّاً، وهي شروط غير متوافرة. كما أنّ مقاربته لحزب الله تنطوي ضمناً على دعوة لتفكيك دوره العسكريّ، من دون تقديم بدائل أمنيّة أو ضمانات استراتيجيّة، ما يجعل الطرح غير قابل للتبنّي من الطرف المعنيّ، وبالتالي فاقداً لأي قابليّة تنفيذيّة اليوم. فالتجنيد الإجباريّ، حتّى ولو حصل اليوم والآن، لا يمكن أن يُغني عن المقاومة الشعبيّة فوراً. مشروع «مواطنون ومواطنات في دولة» هو بالفعل المشروع الوحيد الموجود لبناء البلاد من جديد، ولو ليست لديهم القدرة على فرض هذا المشروع بعد. لكنّ الخطاب الأخير، الذي صيغ تحت ضغط الواقع الضاغط للبلاد، والذي نحلّله هنا، غير سليم لأنّ موازين القوى في البلاد لا تسمح حاليّاً بإعادة تأسيس الدولة. وبسبب من ذلك، نرى أنّ البيان يقطع مع فكرة «موازين القوى» الضروريّة لفرض أيّ تغيير، وطالما أنّ حركة «مواطنون مواطنات» ليست لديها القدرة على تغيير موازين القوى اليوم، فإنّ نداءها بدا أقرب إلى الحثّ أو الإشارة إلى طريق الخروج من المأزق الحاليّ. وليت النداء بقي في نطاق الحثّ على فِعل الصواب، لكان ربّما بقي مقبولاً، كنداء من أجل التاريخ. ولكنّ النداء يذهب أبعد، ويقع في الخطأ الفادح، برأينا، حين يقول مخاطباً زعماء الطوائف «فَلْنتعاونْ ولْنطوِ صفحة ونفتح صفحة». وفي هذه الدعوة مشكلتان أساسيتان: الأولى تكمن في تناقض صارخ داخل البيان، فهو من جهة يخاطب الزعماء كما لو كانوا أحراراً في اتخاذ قرارات حاسمة كدعم قيام الدولة، ومن جهة يوصّف الواقع بقوله إنّهم أسرى علاقات خارجيّة، وأسرى قواعدهم الطائفية، غير قادرين على اتخاذ خيارات قد تقسّم جمهورهم. أمّا المشكلة الأفدح، في نظرنا، فتكمن في «التعاون» الممكن المُفترض. بالنسبة إلى الشعب الذي عاش في هذا البلد وقاسى من جرائم هؤلاء ومذابحهم وتدميرهم، ثمّ نَهْبهم للبلاد، فإنّ «التعاون» كلمة كبيرة، فالتعاون معهم يعني دكّ دعامة من دعائم الدولة التي يطمح إليها الإنسان، دعامة من أربع دعائم يضعها «مواطنون ومواطنات» لأسس الدولة: أن تكون مدنيّة، ديمقراطيّة، عادلة وقادرة. فإن كان من تاريخ لجلّ هؤلاء الزعماء فهو تاريخ مُضادّ للعدل. «التعاون» مع معظم هؤلاء، حتّى لا يغلبنا التعميم، هو تأسيس على اللَّاعدل! ولهذا تأتي عبارة «لنطوِ الصفحة» في هذا السياق طعنة للعدل، وتدهوراً في أدبيّات «مواطنون ومواطنات». تأسيس دولة لا يستقيم مع «التعاون» مع هؤلاء الذين قاموا بحرب أهليّة، وشاركوا في هدم الدولة والاقتصاد وتقسيم الناس، ونهبهم، وحماية ناهبيهم. التضارب الأكبر في الدعوة العامة للتعاون قائمة في أنّ بعض هؤلاء يقف موقفاً لا لبس فيه إلى جانب التطبيع، بينما «مواطنون ومواطنات»، في هذا النداء وخارجه، تقف موقفاً مبدئيّاً من إسرائيل كونها عدوّاً وجوديّاً للبنان، وهي عدائيّة مستقلّة عن كون أرض لبنان محتلّة أم لا. لذلك، نرى أنّ هذا النداء يعاني من تناقضات متعدّدة، بعضها غير مقبول. إنّ الإشكالية الأساس تكمن في غياب الربط بين هذا التشخيص والطموحات المطروحة عبر مسار انتقالي واضح ممكن اليوم، والإشكاليّة الأخرى تكمن في طرح «تعاون» مع مَنْ خبزه اليوميّ قائم على هدم العدل. أليس من الأجدى والأسلم العمل على المدى الطويل مع المناهضين لإسرائيل، الخطر الأكبر علينا، عملاً يتعاون فيه المتضرّرون من النظام القائم، من أجل بناء موازين قوى تسمح في تأسيس دولة ننشر فيها صفحات العدل؟ قد يقول قائل إنّ الظرف حسّاس وطارئ، ونردّ بأنّه كذلك كلّ يوم. التأجيل ليس من مصلحتنا، ولكن إنقاذ البلاد عبر من دمّروا الدولة، وبالتعاون مع مَن يريد التطبيع، غير ممكن. المرور نحو الدولة لن يمرّ إلّا بصدام مع هؤلاء ليس لأنّ الناس يريدون الصدام، بل لأنّ هؤلاء سيقاومون قيام الدولة، حتّى ولو هدموا البلاد فوق رؤوسنا، لتبقى زعامتهم حتّى ولو اكتشفوا لاحقاً أنّ زعامتهم انتهت. لا ينبغي لنا أن نستهين بالدور الذي يمكن أن تلعبه اللَّاعقلانيّة في السياسة. Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
June 2026
Categories |
RSS Feed