|
خريستو المرّ – الثلاثاء ١ تشرين أوّل / أكتوبر ٢٠٢٤
حكايتنا حكاية الذين يواجهون بطش القوّة بقوّة الحقّ. منذ كان البطش، كان أولئك الذين يتّجهون لله ليسألوا ويتأمّلوا في المعنى: لماذا يتعذّب الأبرياء؟ هل يُعقَلُ أن تكون الكلمة الأخيرة للبطش؟ كانت قصّة أيّوب قصّة الذين سألوا السؤال الأوّل فقيل لهم إنّهم أبرياء متألمون، ثمّ جاء يسوع البريء المتألّم ليكون واحداً معهم في المظلوميّة ويجيبهم بالعري المعلّق خارج المدينة الظالمة: الله واحد مع المظلومين، وطريق الناس إلى الله تمرّ في المظلومين. وكانت قصّة القيامة قصّة الذين سألوا السؤال الثاني، قصّة الذين جاءت الإمبراطوريّات لتدوس أجسادهم، وتسحق أرواحهم، وتأسر بنيهم وبناتهم. هي قصّة الذين بقوا كثيراً في العبوديّة خوفاً من الموت إلى أن جاء من يقول لهم إنّ الموت ليس نهاية الحكاية، ذاك الذي قال بجسده المسجّى والمدفون والقائم من الموت إنّ الموت إذا تناول الأبرياء يموت، إنّه يسقط ليقوم الأبرياء في الحقّ والفرح والحرّية. تعدّدت الإمبراطوريّات والبطش واحد. والأبرياء واحد، ولكنّهم عرفوا هذه المرّة أنّ الموت ليس نهاية الحكاية، فنشأ الذين يقولون «لا» للإمبراطوريّة. أولئك الذين سدّوا أفواه الأسود ليقولوا «لا» للإمبراطورية، أطفأوا حدّة النار بأجسادهم ليقولوا «لا» للإمبراطورية، واجهوا الموت في حلبات الرومان ليقولوا «لا» للإمبراطورية، عُذِّبوا ولم يقبلوا النجاة ليقولوا «لا» للإمبراطورية. رُجموا، نُشروا، جُرّبوا، ماتوا قتلاً بحدّ السيف ليقولوا «لا» للإمبراطورية، طافوا كالفقراء مكروبين، تائهين في برارٍ وجبال ومغاور وأنفاق الأرض ليقولوا «لا» للإمبراطورية، غابوا في الدهاليز والأنفاق يصلّون ويأكلون ويعتصمون بالشجاعة ليحبّوا كثيراً ويقولوا «لا» للإمبراطوريّة. الإمبراطورية بالبطش ترى، لذلك ترى أنّ كلّ شيء لها، أنّ كلّ آخر انتهى. وحين تجبّرت الإمبراطوريّة ورأت أنّ الآخر انتهى، هوت. هذه حكاية الذين تبعوا البريء الذي مات خارج المدينة فوطئ الموت بالموت. وهذه حكاية أولئك الذين تبعوا في كلّ عصرٍ صورة ذاك البريء في كلّ بريء تتوحّش الإمبراطوريّة على جسده وروحه عابدة نفسها. أولئك الذين انضمّوا إلى قافلة الأولياء والأنبياء والأصفياء الذين أحبّوا الله في خلقه، فقبلوا أن يتبعوه ويعبدوه هو لا الإمبراطوريّة حتّى لو سُفكت دماؤهم. هم أولئك الذين قالت الإمبراطوريّة الرومانيّة عنهم إنّهم ملاحدة لأنّهم لم يحنوا ركبة لقيصر، وقالت عنهم الإمبراطوريّة الأميركيّة إنّهم إرهابيّون وبرابرة لأنّهم لم يحنوها للإمبراطورية. في جماعة أولئك الأحرار، أولئك القلّة القليلة الباقية التي لم تحنِ ركبة لبعل، يغسل السيّد فيهم أقدام التلاميذ، ويكون كالخادم بينهم وهو السيّد ليخدم فيهم الحياة والحرّية، ويعلم أنّه ساعة يبحلق فيه الموت لن يجد موطئ قدم، لأنّ الحكاية تكون قد باتت حيّة في التلاميذ وضمائرهم، ويكون الذين تتلمذوا على يديه باتوا أسياداً لتلاميذ آخرين في موكب قافلة الذين يقولون «لا» للإمبراطوريّة. وحينها يبتسم للموت ساخراً لأنّ الحكاية باتت كرمة وارفة تُنبِتُ كروماً حول الأرض ويشرب منها المستضعفون عصير الكرامة والحرّية. أولئك الأحرار هم الذين يؤسّسون مع البريء الذي مات وقام إمبراطوريّة المحبّة، تلك التي تبذل نفسها من أجل حياة العالم وحرّيته، تلك التي لا تأنف مُعاركَة الإمبراطوريّة بالكلمة وبكلّ وسيلة لكيلا تتوزّع الأجساد نُتَفاً في الشوارع وأوجاعاً في السجون، ولا يتوه المستضعفون في الشوارع، ولا تسقط الضمائر في الموت والأخوّة البشريّة في العبوديّة. أولئك يمكنهم أن ينشدوا مع القدّيسين إذا ما مات فيهم سيّد: نحن قوم يواجهون بطش القوّة بقوّة الحقّ، لا نخاف الموت لأنّ الحياة أقوى من الموت، والدم أقوى من السيف، والحرّية أجمل من العبوديّة، وشجاعة السيّد نجمتنا. قد ضممنا أنفسنا إلى قافلة الذين يقولون «لا» لكلّ إمبراطورية لكي تكون الحياة لكلّ الناس وتكون أوفر، فصار لأوجاعنا معنى. Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
November 2025
Categories |
RSS Feed