|
خريستو المر - الثلاثاء 30 كانون الأول 2025
العام الجديد على الأبواب، وما نزال في أنوار الميلاد. في ميلاد المسيح، لا نحتفل بحدثٍ سماويٍّ منفصل عن الأرض، بل بإعلانٍ جذريّ عن أهميّة الأرض والكون الذي ضمّه الله إليه بالتجسّد. الإيمان بالمسيح، إذاً، ليس خروجاً من العالم، بل دخول أعمق فيه. مَن يؤمن بالمسيح ويمشي على خطاه، ينبغي أن يؤكّد بوجوده وحياته أنّ العمل في الأرض لا يقلّ شأناً عن التأمّل والصلاة، بل إنّ كليهما وجهان لحياة واحدة تُعاش في كنف الروح القدس. هذا المعنى يتكثّف في مشهد «صعود يسوع إلى السماء» بحسب التعبير الإنجيليّ، فحين وقف التلاميذ وقتها شاخصين أبصارهم إلى السماء، أتى رجلان بلباس أبيض ليقولا لهم «ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء؟ إنّ يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقاً إلى السماء»، وكأنّهما كانا يقولان «ما بالكم؟ التفتوا إلى الأرض». تعليق الرجلين يضع حدّاً للحنين إلى الماضي ولانتظارٍ غير فاعل، ويعيد توجيه البوصلة: يسوع لم يعد مرئياً، نعم، لكنّ ذلك لا يعني الانتظار، سيعود المسيح ولكن عودة المسيح تتطلّب منكم اليوم أن تعملوا للتحضير لمجيئه بإعداد الأرض لتصبح لها ملامح السماء، المسؤوليّة الآن هي في الالتفات إلى الأرض، إلى الحاضر، إنّها تتطلّب العمل في هذا «الآن وهنا» للشهادة «للحقّ الحاضر»، كما قيل في موضع آخر. طريق السماء تمرّ حُكماً بالأرض. المسيحيّة ليست هروباً إلى سماء مؤجّلة، بل عمل لتحويل الأرض كي تكون تهجئة للسماء، على شبه الخبز والقربان اللذان يتحوّلان ليصيرا «سماء» في القدّاس. من هذه الزاوية، الحياة كلّها قدّاس جماعيّ، عمل لبناء شركة محبّة بشريّة تصير واحداً مع يسوع الواحد المتجلّي، وتغدو جسده السرّي، أي حضوره، في هذا العالم. في الإيمان بالمسيح لا مكان لانتظارٍ سلبيّ، بل لمشاركة فاعلة في عمله، ولمواصلة ورشة تجديد العلاقات البشريّة كي تصير علاقات مشاركة. والمشاركة ليست مفهومًا مجرّدًا، بل هي التعبير الملموس عن المحبّة حين تخرج من حيّز النيّات إلى حيّز التاريخ. ومن يريد تجديد العلاقات البشريّة يدرك سريعًا أنّ هذه العلاقات لا تُختصر بعلاقات فرديّة فقط، كما هو شائع اليوم في كثير من الخطاب المسيحيّ الذي يحصر المحبّة في بعدها الشخصيّ. العلاقات البشريّة لها بعد جماعيّ لا يقلّ أهميّة، بُعدُ مسؤوليّتنا كبشر عن مصير بعضنا البعض. المحبّة تقتضي المسؤوليّة: من يحبّ إنسانًا يشعر بمسؤوليّة حياله، ومن يحبّ يسوع ويريد تجديد العلاقات البشريّة حقاً، لا بدّ أن يسعى إلى تجديد علاقاته الفرديّة كما إلى تجديد العلاقات الجماعيّة. لكن إن كانت الخطيئة الشخصيّة (مخالفة المحبّة) تقتضي توبة حرّة، فإنّ الخطيئة الجماعيّة الرابضة عند أبواب الحياة الاقتصاديّة والسياسيّة، تتجسّد في بُنى الظلم، في بُنى الاستغلال والطغيان. هذه ليست مجرّد أخطاء عرضيّة، بل انعكاسات بنيويّة للخطيئة حين تتجسّد في أنظمة وعلاقات غير عادلة. الخطيئة تنعكس في البُنى، في قوانين جائرة، وفي أنماط إنتاج وتوزيع تُفقِر كثيرين وتُغني قلّة. وإذا كانت العودة عن الخطيئة الشخصيّة تتمّ بحرّيّة الضمير، فإنّ العودة عن الخطايا الجماعيّة لا يمكن أن تحصل إلّا بالقوّة، قوّة القانون الذي يفرضه الصراع من أجل بناء بُنى مشاركة داخل المجتمع الواحد، وهذا يتطلّب التزاماً. عبر الصراع ضدّ الخطيئة الفرديّة والخطيئة الجماعيّة، يصبح الإنسان إنساناً جديداً بالفعل، يصبح التجديد تجديداً فعلياً لا لفظياً. مَن يشاركون المسيح ورشة التجديد التي أطلقها هؤلاء هم أتباعه. من وجهة نظر مسيحيّة، يكون العالم جديداً بالفعل حين يُجدَّد بروح المسيح: بروح المشاركة على المستوى الشخصيّ، وبروح المشاركة الجماعيّة عبر الالتزام في الصراع من أجل حياة العالم، هنا والآن، في مواجهة بُنى الظلم والاستغلال. هكذا يتجسّد الإيمان فعليّاً خارج الألفاظ والأفكار، ويصير الميلاد حدثاً مستمراً في التاريخ، لا ذكرى عاطفيّة عابرة، وتتجسّد ملامح تلك الجملة من الصلاة الوحيدة التي أوصى بها يسوع بحسب الأناجيل «كما في السماء كذلك على الأرض»، فتتخطّى كونها أمنية لتصبح رجاء، أي التزاماً حيّاً رغم كلّ الأمواج المعاكسة لمسار التجديد، فيكون الإيمان حيّاً بالفعل ويحمل فرحاً من أجل حياة العالم. Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
December 2025
Categories |
RSS Feed