|
خريستو المر-الثلاثاء 9 كانون الأول 2025 (الأخبار )
تمرّ بلادنا في منعطف تاريخيّ خطير تتكشّف فيه ملامح الهجمة الإسرائيليّة–الأميركيّة على لبنان بأوضح صورها. والمشاركة الأخيرة في اجتماعات لجنة «الميكانيزم» بتمثيل سياسيّ ليست تفصيلاً عابراً، بل خطوة خطيرة تُدرج في سياق مشروعٍ يراد له أن يكبّل لبنان، وينزع قدرته على المقاومة، ويدفعه نحو قبول شروط احتلالٍ جديد بأدواتٍ سياسيّة واقتصاديّة. لذا، فما كان ضرورة منذ زمن بعيد، بات ملحّاً بشكل لا يمكن التسامح مع التباطؤ فيه: لقد غدا لزاماً على الأحزاب السياسيّة الوطنيّة أن تتحالف لمواجهة محاولة فرض أمرٍ واقع يكرّس التطبيع ويهدم أسس السيادة، ويُخضع شعبنا للمحتلّ. بالطبع هذا واجب الشعب في الأساس، ولكنّه أيضاً واجب الأحزاب السياسيّة أوّلاً، فهي تنطّحت للعب دور سياسيّ ولذلك تحمل واجباً في هذا المجال لا يمكن التهرّب منه. الناس والتجمّعات يمكنها إصدار البيانات، أمّا الأحزاب، فمطالبة بوضع خطط وبناء تحالفات. الحقيقة الأعمق تتجاوز مجرّد النقاش حول مدى وجود تفويضٍ شعبيّ للاجتماع بالعدوّ والتفاوض معه. فما نواجهه هو محاولة إعادة صياغة موقع لبنان في المنطقة بما يخدم منطق السيطرة الاستعماريّة، بعد أن أثبتت المقاومة -رغم سوء رؤيتها وممارستها السياسيّة- بدماء الشهداء وتضحيات شعبنا، أنّ هذا البلد قادر على الدفاع عن نفسه وحماية أرضه وكرامة أهله لسنوات طويلة، في ظلّ تصميم الدولة على الانسحاب المستمرّ من مسؤوليّاتها. إنّ التنازلات المتكرّرة، وإضعاف عناصر القوّة الوطنيّة، وتسويق مقولات «الواقعيّة السياسيّة»، كلّها أدوات تُستخدم لإعادة لبنان إلى زمن الهيمنة. في العمق، هذه ليست معركة حدودٍ فقط، بل معركة رؤية لبناء وطنٍ حرّ. فالدولة تغدو بلا معنى عندما لا يضع الحكّام سياسات تخدم حياة الناس بحرّية وكرامة، والدولة اللبنانيّة الطائفيّة مقصّرة في خدمة الأمرين معاً. الدولة التي تنسحب من حماية شعبها، وتنكفئ عن مسؤولياتها الأمنيّة والسياديّة، وتستعيض عن مشروع وطنيّ شامل بحساباتٍ طائفيّة ضيّقة، تفقد كلّ شرعيّة أمام مواطنيها. وحين تغيب الدولة القادرة والعادلة، يصبح حقّ الشعب الدائم في المقاومة واجباً وضرورة وجوديّة، ليس فقط لمواجهة العدوّ، وإنّما أيضاً لمواجهة الانهيار الداخليّ. من هنا، الضرورة اليوم ليست إلى مجرّد اعتراضٍ ظرفيّ، بل إلى تأسيس تحالفٍ وطنيّ واسع يضمّ القوى السياسيّة، والنقابيّة، والشعبيّة، التي تؤمن بأنّ لبنان لا يُدار بالاستسلام ولا يبنى بالتطبيع، ولا يخدم شعبه بالطائفيّة. تحالفٌ يُعيد تعريف الأولويّات الوطنيّة على قاعدة أنّ الإنسان هو الأساس، وأنّ السيادة ليست شعاراً، بل قدرة واقعيّة ترتكز إلى وحدة الشعب، واقتصادٍ قادر، وجيشٍ محصّن، ومقاومةٍ شعبيّة ورسميّة تحمي الأرض والإنسان. هذا التحالف يجب أن يعمل على ثلاثة مسارات متلازمة: 1. مناهضة التطبيع بكلّ أشكاله: سياسيّاً، اقتصاديّاً، أمنيّاً، وثقافيّاً، والضغط لمنع أيّ خطوة تقود إلى تكريس علاقة مع العدوّ خارج إطار الصراع الوجوديّ معه. 2. إعادة بناء الدولة على أسس المواطنة: دولة قادرة، عادلة، خارج القيد الطائفيّ، تملك خططاً فعليّة للإنقاذ الاقتصاديّ، ولتعزيز قدرات الجيش، ولتطوير الجهوزيّة المدنيّة والطوارئ. 3. صياغة مشروع وطنيّ جامع: مشروع يرى في الكيان الصهيونيّ خطراً وجوديّاً، ويعتبر حماية القدرة الشعبيّة على المقاومة جزءاً من حماية الدولة، لا نقيضاً لها؛ مشروع لا طائفيّ يعيد الثقة بين المواطن ومؤسساته، ويحصّن الداخل من التفكّك والاستغلال الخارجيّ. إنّ التحالف المنشود ليس إطاراً بديلاً من الدولة، بل خطوة تأسيسيّة لإنقاذ الوطن من الانهيار ومن التطبيع، وللالتزام بمشروعٍ وطنيّ حقيقيّ. أمام الخطر الذي يتهدّدنا اليوم، نحن مدعوّون إلى حمل مسؤوليّتنا التاريخيّة: أن نبني قوة شعبية موحّدة، أن ندعم كلّ قدرة دفاعيّة وطنيّة، ليكون وطناً حرّاً، لا تابعاً، ولا مطبِّعاً، ولا خاضعاً لإملاءات المستعمر. نقول للأحزاب السياسيّة الوطنيّة: أمام هذا الواقع الخطِر، ينبغي وضع الطموحات السياسيّة جانباً، لم يبقَ شيء لتطمحوا إليه؛ ويجب تنحية من يخاف المواجهات لأنّ الأيّام للشجاعة والحكمة معاً. أمّا الفردانيّون بينكم، فهم تخريبيّون، اطردوهم من بينكم. أمّا لسان القلب الغاضب من تفكّكم، فيقول: اخجلوا من تفكّكم وبياناتكم، اتّحدوا وتعاونوا، أنتم مسؤولون. Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
December 2025
Categories |
RSS Feed