|
خريستو المرّ، الثلاثاء ١٤ كانون الثاني / يناير ٢٠٢٥
إلى القطيع الصغير وسط الهجمة الاستعماريّة الحاليّة، وسياسات الظلمة والتدمير والقتل والإفقار التي ترسيها في منطقتنا، أيّ موقف مسيحيّ اليوم؟ من وجهة نظر مسيحيّة مادّة هذا العالم وأجسادنا وحياتنا، هنا والآن، لها أهمّية مطلقة؛ فبالتجسّد ضمّ الله المادة إليه بجسد يسوع المسيح. التصديق بعجائب يصنعها الله من خلال مادة هذا العالم (رفات القدّيسين، مثلا) تعبّر عن الإيمان بأنّ مادة هذا العالم ليست بلا قيمة أو هامشيّة، بل هي جزء من العالم الذي أحبّه الله حتّى بذل ابنه الوحيد من أجله. حياة الناس على هذه الأرض ليست ظلاّ ومناماً، إنّها مكان نتمرّن فيه أن نكون مع الله، أي نتمرّن فيه على ما ندعوه بـ«المحبّة». لكنّ المحبّة ليست تلك المشاعر الورديّة التي نتخيّلها أحياناً، وإنّما هي موقفٌ كيانيٌّ يشمل الشعور، موقف يجمع بين الحسّ والفكر والإرادة ويتجلّى في إقامة وزن للحياة بحيث تصبح حياة الإنسان وكرامته ونموّه وانتعاشه هدفاً، وتصبح الطبيعة مجالا للحياة وليس مجرّد موارد للاستغلال كما ترى العين الرأسماليّة. لهذا فمعيار المحبّة الحقّة هو في إقامة الاعتبار للآخر بأن أتخطّى دوراني حول ذاتي وحول جماعتي الصورة الأكبر لذاتي. ولكنّ موقف إقامة الاعتبار للآخر الإنسان وللآخر الطبيعة لا يمكن أن يُعاش في عالمنا دون صراع. فالموقف الذي يقيم اعتبارا للآخر لا بدّ أن يصطدم بواقع الظلم وهو لا يقبل الظلم، لا يتصالح معه حتّى ولو لم يستطع أن يردّه، لا يتصالح معه باسم أيّ مبدأ آخر، مهما بدا ذلك المبدأ سامياً، كمبدأ «السلام» الذي يروّج له اليوم. ذلك أنّ موقف التصالح مع الظلم متهاونٌ، هو مشجِّع للشرّ وحليفٌ له، هو موقفٌ لا يقيم وزناً لا لإنسانيّة صاحبه لأنه موقف الهارب من المسؤوليّة التي تفترضها المحبّة، ولا هو يقيم وزنا لإنسانيّة الضحيّة لأنّه يتركها لينهشها الظلم، بل هو روحيّا لا يقيم وزنا لإنسانيّة العدوّ لأنّه يتركها ليستفحل شرّها ويتأكّلها فيما يتأكّل غيرها. لا بدّ من تعليم يبدّد وهما منتشرا، ألا وهو أنّ المحبّة تعني نفي الصراع وتجنّب المجابهة، والسعي إلى «السلام» أيّاً كان ثمنه، وإلى «الوفاق» ولو على حساب العدالة والحقّ. فهكذا موقف معاكس للمحبّة إذ هو خليطٌ من التخاذل والميوعة واللامبالاة والهروب من صعوبة المواجهة؛ موقفٌ لا يقيم وزناً لأحد ويشجّع على الشرّ. هكذا فإنّ تجنّب الصراع باسم «المحبّة» أو «السلام» أو غير ذلك، هو في حقيقته العارية خيانة للمحبّة، لأنّه بالضبط لا يقيم وزناً لا للآخر ولا للذات، فهو موقف الذي يعيش خارج العالم على عكس إرادة يسوع، أو هو موقف الذي رضخ للظلم فساهم بالتدمير، بدل أن يكون نقيضه وخصمه، مواجها له بمشروع بناء عالم إنسانيّ وليس مجرّد عالم آخر فالآخر الأكثر ظلما ليس بأفضل من الأوّل. لا بدّ من الصراع إذاً عند مَن آمن فعلا بالمحبّة. طلب العدالة قد يقول قائل أنّ المسيحيّين لا يبتغون سوى العدالة الإلهيّة ولا شأن لهم بالعدالة الأرضيّة، وهذا لا علاقة له بالمسيحيّة. إنّ العدالة والظلم ليسا أمرين تافهين لا معنى لهما إيمانيّا، ولا هما أمرين هامشيّين لا يعنيا شيئاً لمن يطلب السماء، بل هما أساسَين لمن يطلب السماء لأنّ لا سماء دون محبّة بحسب الإيمان المسيحيّ، حياة سماويّة للبشر بدون حياة أرضيّة، لا سماء بدون أرض. المحبّة بدون الدعوة إلى العدالة ليست سوى نفاق لأنّها تشكّل دعوة للمظلومين إلى الخضوع للشرّ، وتستهتر بالحياة. فمثلا، الاكتفاء بالمساعدات وتخيف الأوجاع دون الدعوة والسعي للقضاء على مصدر الأوجاع (الفقر، الاحتلال، التعسّف) هو في الواقع تواطئ مع البُنى الظالمة. من اكتفى بتقديم المساعدات على أهمّيتها، هو في موقع مَن يكتفي بتخدير ضميره بالمساعدات متجنّبا التعرّض للبنية الاقتصاديّة أو السياسيّة الظالمة. وكذلك السعي للـ«سلام» في المنطقة دون انتزاع العدالة الكاملة غير المنقوصة للفلسطينيّين واللبنانيّين والسوريّين لا يمكن أن يستقيم، إذا أنّه لا يمكن أن يكون في ظلّ وجود نظام استعمار احتلاليّ يعلن بأفعاله وأقواله أنّه لا يقيم وزنا للحياة ولا للحقّ. والمؤمن لا يكتفي بالصلاة من أجل الأفضل، بل يعمل له أيضا، فالاكتفاء بالصلاة من أجل السلام دون السعي من أجل تحقيق الحقّ، لا يعدو كونه تخديرا للضمير وتجنّبا للمواجهة. المواجهة ضروريّة مهما كان شكلها عند إنسان، أو آخر، أو مجموعة، أو أخرى. الباب الضيّق والأفق المضيء هذا المسعى طريق شاق، محفوف بالمخاطر، يجتهد فيه الفرد بشكل شخصيّ، ضمن جماعة تكون جسد المحبّة في هذا العالم. بالنسبة للمؤمن المسيحيّ هذا الاجتهاد المتعب هو مساهمة في صليب المسيح، هو صراع مع قوى الظلمة في حلبات «رومان» كلِّ حضارة وزمن، ومع قوى الظلمة التي فيه أيضا. وفي قلب هذا الصراع الذي نحياه خلال عمرنا القصير، نتذكّر أنّنا «عاملون مع الله»، مساهمون في عمله بتحقيق إرادته بأن يكون العالم معالم محبّة أي عالم يجسّد الحقّ والعدالة ويحمي الحياة. لهذا ففي خضمّ العمل لا يأس، فإن كان المسيح بقيامته قد حقّق النصر على الموت وبدأ بذلك ورشة الملكوت، فذاك يعني من جملة ما يعنيه أنّنا لسنا الضمانة لانتصار الحقّ والحياة، وأنّ الضمانة هي في المسيح، في انتصار المسيح على الموت، في فِعل الله المُحيي، في الإيمان بأنّ الكلمة الأخيرة في هذا الكون ستكون لله، للحياة. هذا الإيمان هو ما يسمح لناضل المؤمن بأن يكون دون يأس، هو ما يمنحه أن يعبر العمر في نضالٍ متعب يحمل رجاءً مضيئاً. إنّها الحياة الإنسانيّة المأساويّة والمضيئة بآن، المأساويّة لمخلوقيّتها وقصورها عن الكمال، والمضيئة بسبب من محبّة الله التي للناقصين تكمّل، وللمخلوقين الـمُحِبّين، بالعمل والحقّ، تقدّس. Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
November 2025
Categories |
RSS Feed