|
خريستو المر - الإثنين 1 كانون الأول 2025 (الأخبار)
في البدء كان الكلمة، ولم يكن الكلمة رماديّاً، ولا كانت كلماته. اليوم، وبينما تشتعل النار في جسد المشرق، من غزة إلى جنوب لبنان إلى سوريا، يُطلُّ علينا جرح السؤال الأبديّ: أين هو المسيح؟ الإجابة الوحيدة التي نُعطاها في الإنجيل، في حياة وكلمات يسوع المسيح، هي الضحيّة البريئة القائمة من الموت. هنا لدينا الأرض والسماء، والسماء في المسيحيّة ليست شيئاً آخر إلّا الأرض والكون متجلّيين بالحبّ والحرّية منسوجين بالجسد الممجّد في اليوم الأخير، حين يكون الحبّ وجهاً لوجه فيبدأ اليوم الأجمل. بين الركام، وفي ساحات معارك القلوب، مع المُحتَلّين والمقهورين والمسحوقين، اختار الله أن يقيم مذ بشَّرَنا ملاك بكلمة من عنده جاء لتكون الحياة وتكون أوفر، جاء ليصبح الجسد ضدّ الموت ويطرد العتمةَ بالحبّ. الحبّ؟ وما الحبّ؟ هو طريقة الحياة التي لا تتراجع أمام خوض عباب الموت لتبقى نفسها وحرّة، ويكون الحبيب نفسه وحرّاً، ويُكَلّل المحبّون بالمجد والكرامة أوسع من أنفسهم. لذلك، نفهم أنّ من لم يحبّ الأرض لم يحبّ السماء، أنّ المسيحيّة التي لا تدافع عن الجسد والنفس، عن اللحم والدم والشعور، مسيحيّة لا يمكنها أن تنطق بكلمة عن الحياة الروحيّة. وأنّ «مسيحيّةً» لا تشبه ذاك الذي رفعه الحقد عارياً من كلّ شيء خارج الأسوار، ليست بمسيحيّة. الصمتُ أمام الذبح ليس حكمةً، وإنّما إكليل شوك آخر؛ إنّه السوط الذي يجلد الضحية مرتين: مرةً بيدِ الإمبراطورية التي تقتل الجسد، ومرةً بخوف الرعاة الذين يحاصرون الرجاء. لذلك كان إكليل الشوك في قلب المؤمنين يهتف «أين تقف الكنيسة؟ أمع المسيح أم ضدّه؟» والقلب يعرف أنّ السلطة لا تكون كنسيّة إن كانت ضدّه. وفي تعرّجات التاريخ والخوف تبرز الحياديّة، والحياديّة ضدّ المسيح، إذ لم يكن الإنجيل يوماً حياديّا بين السوط والظهر العاري، لم يكن يوماً ميزاناً ديبلوماسياً يوازي بين الجلّاد والضحّية. لم يُرفع الناصريُّ على الخشبة لأنه أتقن فنّ التوازن بين الظالم والمظلوم، ولا لأنه وقف محايداً بين سلطة سياسيّة ودينيّة تسحق الأجساد والنفوس من جهة، وبين المسحوقين من جهة أخرى. رُفعَ الناصريّ على خشبة لأنه كان سيّد المنحازين، قتله الطغاة لأنّه انحاز إلى المنبوذين، بملء جسده المكسور ودمه المهرق. جسد المسيح المرفوع، ويداه الممدودتان ليستا عمود توازنٍ بين القاتل والضحية، بل عشق يحضن العالم بيدين مفتوحتين على الحرّية، وقامة واقفة بكرامة إنسانيّة تجمع صلابة الأرض بسماء الحلم. جسد المسيح المرفوع سلّم روحيّة مغروسة في معارك قلوب المناضلين ضدّ العتمة، لكي يصعد الجميع إلى الضوء والحرّية؛ ويداه الممدودتان جسر يوحّد المظلومين. منذ ذلك المساء العظيم، خارج أسوار المدينة، بات مكان الكنيسة واضحاً: خارج أسوار السلطة والبهرجة، وتحت أقدام المصلوبين. قداسة البابا، أنت تعلم أنّ الوجهة الحقيقيّة نحو المسيح ليست حيث يُفرش السجاد الأحمر، بل حيثُ يُسفك الدم الأحمر. في فلسطين، شعب صغير مسحوق فكنْ معهم لتكون مع المسيح. دِن الإمبراطورية ودولة البطش بوضوح، وقِفْ مع الجرحى والأسرى. حينها فقط، تخرج الكلمة من فم الكنيسة لا لترضى عنها الدول، بل لتشفي جراح المسيح المفتوحة في جسد هذه البلاد. قداسة البابا، وأنت تطأ أرضاً يمشي أولادها فوق الجمر والبارود، نسألك باسم جرح السؤال الأبديّ المفتوح: لا تكتفِ بالطقوس والمراسم والشعارات، بل كنْ شاهداً للمسيح. قداسة البابا، حين يصير «السلام» مفردةً غامضةً في البيانات، وحين تُسمّى الإبادة «نزاعاً» أو «حرباً»، فإننا نصلب الحقيقة مرة أخرى، ونسهم في جلد الأبرياء الذين صاروا جسد المسيح بجراحاتهم. إنّ مسيحيّة خائفة، تدين العنف بقفّازات حريريّة، وتهمس خجلاً حين يتكلّم الحقد حديداً وناراً ليكسر الأجساد ويجرّح النفوس ويُرعب العائلات ويفجّر العمران، هي مسيحية لم تعرف يسوع. قداسة البابا الزائر لبنان، سمِّ الخطيئة باسمها. الاحتلال ليس وجهة نظر، والإبادة ليست قدراً، والصليب لا يُهادن قيصر. وأنت في لبنان، تتّجه الأنظار إليك، والبوصلة تشير إلى فلسطين، والذاكرة تعود بنا إلى قانا. في قانا الجليل، حين شحّ الفرح، حوّل المسيح الماءَ إلى خمر، لئلّا ينكسر قلب العرس. وفي قانا لبنان، شحّت الإنسانية، حين سكب القاتلُ أجساد الأبرياء تحت الردم، فأفرغ الحياة وصار العرس مأتماً. يا سيّد الفاتيكان، لا تحتاج جرار الحياة في المشرق اليوم وعظاً وكلمات بهيّة، إنّها تحتاج إلى مَن يرسم طريق الأعجوبة، ومنك تحتاج كلمةً نبويّةً تشقّ عتمة الموت، تقول لمرتكب الإبادة مرتكباً، للمحتلّ محتلّاً، وللحياة المسفوكة: لن تكوني ماءً هُدِرَ، ستصيرين خمر حريةٍ ويكون بك فرح للناس. إذا لم يقف خليفة بطرس، هنا في قلب المأساة، ليصرخ في وجه طغاة هذا العصر، فماذا نصنع بالمعنى الساكن في أعجوبة قانا والمنتظر مَن يوقظه؟ Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
December 2025
Categories |
RSS Feed