|
خريستو المر، الثلاثاء 23 تموز 2024
لا سلطة مطلقة للعقل، فالعقل لا يختزل الخبرة البشريّة التي يتّحد فيها الوجدان والتعاطف بالعقل. لكن وردني من زميل يعمل في لبنان أنّ بعض الزميلات والزملاء، كما والطالبات والطلّاب، يرفضون نظريّات في العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّات لأنّها «تُعارض الدين» كما يرون، شأنهم في ذلك شأن القرّاء الحرفيّين للدين في أوروبا وشمال أميركا. هذا الموقف شبيه بمواقف للحزب الشيوعيّ السوفياتي الذي كان أحياناً يرفض نظريّة علميّة لأنّها تُخالف الماركسيّة بحسب تفسير الحزب لها. هذا الشبه بين هذا الموقف الدينيّ وذاك الموقف العلمانيّ يفسّره التمسّك المتزمّت بالعقيدة والذي يعتقل العقل في الحالتين. فالتزمّت يجعل من التمسّك الجامد بالعقيدة، أكانت دينيّة أم فلسفيّة، هويّة ذاتيّة يخشى المتزمّت أن تتغيّر، كما يجعل التزمّت من العقيدة المفسّر الأوحد للوجود. لكنّ تعرّجات الحياة الإنسانيّة وتشعّباتها معقّدة لدرجة أنّها تحتاج إلى عقول وجهود تقارِبُها من زوايا مختلفة وبأدوات مختلفة لعلوم مختلفة لا يمكن لأيّ منها أن يفسّر وحده جميع ظواهر الوجود البشري. لذلك، يدلّنا العقل المتواضع على أنّه لا يمكن للعقل سوى مقاربة حقيقة وجودنا بشكل جزئيّ، وتفسير ظواهره وطيّاته من خلال أدوات عقليّة محدودة تتكامل وتتصاعد دقّتها مع الوقت. لكن التزمّت لا يهمّه الحقيقة، بل يهمّه التكتّل والتوافق (conformism)، ويكره الانفراد والاختلاف. البحث عن الحقيقة يترافق بالضرورة مع قلق مغبوط، قلق الخروج من السؤال نحو مغامرة البحث عن جواب غير معروف مسبقاً، وهو جواب مرحليّ، ولكنّه ضروريّ لكي يُبنى عليه أو يُخالف من أجل الوصول إلى تفسير أفضل للظواهر الإنسانيّة. وأحياناً، قد تدفع الحقيقة العقليّة العلميّة -مهما كانت محدودة- المؤمنين إلى إعادة النظر بمسلّمات تفسيراتهم للكتب المقدّسة، لكن القبول بضرورة إعادة النظر هذه والقيام بها يحتاج إلى ثقة إيمانيّة كبيرة، ثقة بأنّ حقائق الإيمان أوسع من أن يحدّها عقل محدود وبالتالي فهي تحتاج دائماً إلى إعادة تفسير وتأوين، وأنّ هذه الحقيقة يعبّر عنها بشر وبالتالي هي مقيّدة بظروف تاريخيّة وعلميّة ومعرفيّة وبمحدوديّات المفسّرين، ولذلك أيضاً تحتاج إلى إعادة نظر. التزمّت لا يمتلك تلك الثقة، لهذا هو يريد ويرغب بمنع العقل وتجميده من أجل الوصول إلى هذا التوافق الجمعيّ الذي يشعره بأنّ الهويّة الجمعيّة-الذاتيّة في أمان. والمشكلة الأخرى للتزمّت الدينيّ أنّه يظنّ خطأ بأنّ مهمّة الكتب المقدّسة تتجاوز مهمّة إعطاء المعنى والأفق للوجود الإنسانيّ، فيسبغ عليها مهمّة إعطاء تفسيرٍ للوجود يُغني عن العلوم! لذلك، مثلاً، ترى في الجماعات المسيحيّة في بلادنا كتابات حمقاء مثل الجملة التالية المنسوبة (عن خطأ أو عن صحّة لا أعلم) إلى أحد القدّيسين والتي تقول: «لا يوجد مرض نفسيّ إلّا عند غير التائب لأنّ النفس تمرض من الخطايا المُرتكبة دون توبة»، وهو قول أدّى سابقاً، ولا شكّ أنّه يؤدّي اليوم، إلى انجراف العديدين للاعتقاد بأنّ الإيمان والتوبة يكفيان لحلّ المشاكل النفسيّة، وهو كلام خَطِر ومؤذٍ وعبارة عن هراء كامل مثله مثل هراء وخطر القول بأنّ التوبة تشفي من مرض السكّري مثلاً. الزملاء والطلاب الذين أُخبرت عنهم لا يختلفون بشيء عن هؤلاء الخالطين بين علم النفس والتوبة، فهم يرفضون معطيات العلوم المعاصرة (التطوّر مثلاً) ما إن يشعروا بأنّها تتعارض مع ما يعتقدونه «مُسَلَّمات» إيمانيّة، فإذا بهم يمنعون أنفسهم ويريدون منع غيرهم عن التفكير برفض الحقيقة العلميّة جملةً وتفصيلاً واعتبارها مخالفة للحقيقة الإيمانيّة، عوض أن يدفعوا بتفكيرهم قُدُماً لمحاولة استجلاء لبّ الحقيقة الإيمانيّة في الآيات الكتابيّة، والوصول إلى وئام بين ضرورة إعمال العقل لاستجلاء حقيقة الظواهر الإنسانيّة، وضرورة الالتزام بالرؤى والأهداف الإيمانيّة حول معنى العالم والوجود (وليس تفسيره). الضرورتان لا تتعارضان، وإن تعارضتا عند استتباب حقيقة علميّة وَجَب إعادة النظر بالتفسير الدينيّ وتشذيب التفسير ممّا قد يكون علق به من غبار التاريخ وظروف المفسّرين. وعند محاولة نقض تفسير علميّ في أيّ مجال لا يمكن العودة للنصّ المقدّس (وهو أمر مثير للشفقة فعلاً) وإنّما للعقل لنقد منهجيّة التفسير أو إعطاء تفسير مختلف للمعطيات أو للبيانات الموجودة (داتا). الواقع عند المؤمن أنّ استجلاء أيّ حقيقة في هذا الكون يقرّب الإنسان من الله مصدر هذا الكون والخالق حقيقته، الحقيقة هنا على الأرض هي كلمات إلهيّة، آثار عمل الله، يقرأها الفكر المؤمن كمن يقرأ أثر حبيب، معشوق، أو معبود (فليصفه القارئ كما يشاء). الجمود في التفسير الإيمانيّ كارثيّ، إذ يعكف رجال دين أدمنوا الكسل والتسلّط على العقول، على تحويل العقائد إلى نوع من السحر الذي يفسّر ظواهر الوجود ومعطياته بأدوات لا تمتّ إلى تفسير الظواهر بصلة. فإذا بهم يحوّلون الإيمان إلى وسيلة تعفي من التفكير والبحث، وإلى مجال لتسلّط «الكهنة» كونهم ينصّبون أنفسهم حرّاس الباب إلى طاعة الله؛ هذا، بينما الأصل في الإيمان أن يكون رؤية تدفع بالإنسان إلى مشاركة الله عمليّة الخلق المستمرّة كلّ يوم، في هذا الوجود الذي يدعونا نُقصانه إلى البحث والعمل من أجل تأسيس بُنى استتباب المودّة والتراحم والمحبّة فيه، لكي يصبح بالفعل بيتاً لعيال إلهٍ واحد، لا فضل فيه لأحد على أحد إلّا بالخدمة والمحبّة. تحرير العقل من التزمّت هو تحرير للإيمان. Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
November 2025
Categories |
RSS Feed