|
خريستو المرّ – الثلاثاء ١٨ حزيران / يونيو ٢٠٢٤
لا شكّ أنّ الحياة كلّها مغامرة، الصداقة مغامرة، والحبّ مغامرة، الدراسة العمل وكلّ أمر آخر ومنها قرار الإنجاب ومن ثمّ تربية الأولاد. خلال عملي كأستاذ في بلادنا هالَني عدد الطلّاب الذين يأتون إلى الجامعة تنفيذا لمشيئة الأبوين، وفي الغالب مشيئة الوالد الذي يريد أن يرث ابنه أعماله. وفي بلاد الاغتراب يمارس الأهل من بلادنا (وبلاد أخرى كالهند والصين) ضغطًا على أولادهم كي يتخصّصوا في مجال يراه الأهل مناسبًا، نتبادل مع ابننا نكتة رائجة تقول أنّ أبًا قال لابنه: لديك ملء الحرّية في اختيار اختصاصك، ماذا تحبّ أن تكون طبيبًا أو مهندسًا؟ ويمارس الأهل في بلاد الاغتراب الضغط على أولادهم أيضا في علاقات الحبّ، ليس من زاوية الاهتمام بالشابات والشبّان وفرحهم وحزنهم وإنّما من زاوية التمسّك بفكرة الامتناع عن الجنس قبل الزواج (عند من يعتقد بذلك)، وكذلك رغبتهم بأن يكون لأولادهم علاقة مع آخر من بلد المنشأ نفسه. والضغط الذي يمارسه الأهل من هذه الزاوية كبير، وأحيانا مدمّر نفسيّا. الرؤية الفصل في التعامل مع الأولاد هي أن يراهم الإنسان بشرا متساوون له في الكرامة. الطفل يحتاج لإرشاد وتدريب، ولكنّ الإرشاد يتراجع مع تقدّم العمر لأنّ هدف التربية هي أن يكون الأولاد ذواتهم لا أن يتحوّلوا إلى أدوات لدى الأهل. نبع كلّ أذى يرتكبه الأهل هو رؤية الأطفال كامتداد لهم، كتعويض لأحلامهم التي لم يحقّقوها، وتحقيق وهميّ لذواتهم من خلال مرآة أولادهم. ربّما الأهل يكرّرون ما حدث معهم مع أهلهم، ولكن لبّ الموضوع هو هذا: هل الأولاد وسيلة لدى الأهل، مرآة يتمرّون بها ليروا أنفسهم وأحلامهم الذاتية تحقّقت (وهميّا) بأولادهم، أم أنّ الأولاد بشر حقيقيّين لهم أرادتهم وأحلامهم الخاصّة، ويحقّ لهم، كما حقّ لأهلهم، أن يرتكبوا الأخطاء ويتألّموا؟ الأهل الذين يحبّون أولادهم محبّة حقيقيّة، يريدون لهم أن يكونوا أنفسهم. ولكن حتّى هؤلاء يودون لو يتجنّب أولادهم الألم في هذه الحياة، يودّون أن يدلّوهم إلى مواطن يرون -صوابا أو خطأ - أنّها مؤلمة، ولهذا يحاولوا أن يتدخّلوا ليجنّبوا أولادهم الألم لشعورهم بالمسؤوليّة عنهم. هذا الشعور بالمسؤوليّة ناتج بلا شكّ عن المحبّة، ولكن ينبغي ضبطه كي لا تتدهور المسؤوليّة لتصبح تسلّطا واستغلالًا ينقلب على هدف كل محبّة ألا وهو أن يكون المحبوب ذاته، أي هدفا لا وسيلة، وأن ينمو إلى ملء إمكاناته تبعا لتكوينه الشخصيّ. لضبط الشعور بالمسؤوليّة ينبغي أن نعي أنّه لا يمكن للأهل، ولا لأيّ مُحِبّ، أن يجنّب محبوبه الألم. الألم جزء من الحياة، وانعدام الألم موت. هدف محبّة الأهل (أو أيّ مُحِبّ) ليس أن يكبر الآخر وينمو، ولكن أن يكبر وينمو ليصبح نفسه. كلّ محبّة حقّة تولّد شعورا بالمسؤوليّة تجاه حاجات الآخر، شعورا يرى الآخر هدفًا بحدّ ذاته. إلّا أنّ الشعور بالمسؤوليّة يحتاج لاحترام شخص الآخر لكي لا يتحوّل إلى تسلّطٍ أو استغلالٍ للآخر يريان بالآخر وسيلة. المسؤوليّة بلا ضوابط تسعى لتحويل الآخر وسيلة ليكبر وينمو ليصبح ما نحن نريده أن يكون. أمّا احترام ذات الآخر الذي يضبط الشعور بالمسؤوليّة فيخلق تلقائيّا جوًّا من الحرّية، وينبع عنه تلقائيّا رغبة بمعرفة الآخر كما هو، وهذه الرغبة تفتح لنا أبواب رحلة حوار لا تنتهي لأنّ الآخر سرّ لا ينتهي. هكذا تكون المحبّة، ومنها محبّة الأهل لأولادهم، رحلة حياة تمرّ من بداية إلى بداية، كما كان يشتهي النيصصيّ عندما وصف الحياة الأبديّة. Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
November 2025
Categories |
RSS Feed