|
خريستو المر -الثلاثاء 23 كانون الأول 2025
لا يمكن للمسيحيّة أن تكون مخلصة لنفسها ولا أمينة لإيمانها إلّا إذا جعلت الاهتمام بالحياة الأرضيّة والمعاناة الإنسانيّة اهتماماً مركزيّاً. فالحياة الروحيّة ليست حياة أخرى موازية، أو «طُهريّة» منفصلة تنظر إلى «الأرض» من فوق، ولا هي «ترفّع» عن العالم لأسباب تتعلّق بالسماء، بل هي الحياة الأرضيّة نفسها حين تُعاش بروح الإيمان، أي في كنف الروح القدس. فالروحانيّة المسيحيّة لا تُلغِي الجسد، ولا التاريخ، ولا العلاقات الاجتماعيّة، بل تمنحها معناها الأعمق، وتجعلها مكاناً لحضور الله وعمله، أي مكاناً يتجلّى فيه الحبّ وتتجلّى فيه المشاركة كتعبير عن الحبّ. من هنا، يصبح الاهتمام بالحياة الأرضيّة وبمعاناة البشر قضيّةً روحيّة في صميمها، لا إضافة خارجيّة على الإيمان. فالديانة المسيحيّة تقوم على عقيدة التجسّد، أي على الإيمان بأنّ الله نفسه دخل بشكل متميّز إلى قلب الحياة البشريّة مذ صار كلمة الله إنساناً يعيش في الجسد والزمن والتاريخ. بالتجسّد، لم يعد في الإمكان مقاربة الحياة الأرضيّة وكأنّها أمر هامشي أو تافه يمكن تجاهله باسم «الروح». على العكس، بالتجسّد أصبحت الحياة الأرضيّة أكثر مركزيّة، كونها مقدّسة ومحبوبة من الله بعدما اختبرها الكلمة. الواقع أنّه إن لم يأخذ المسيحيّون البُعد الأرضيّ بجدّيّة، تفقد روحانيّتهم معناها، وتتحوّل إلى هروبٍ خائف من الواقع. لكنّ الاهتمام بالحياة الأرضيّة والمعاناة الإنسانيّة لا يمكن أن يكتفي بمجرد السعي إلى تخفيف الألم. صحيح أنّ تخفيف المعاناة هو أمر أساسي وضروري، لأنّه الدليل الأقرب والأوضح على كون الإنسان إنساناً مُحبّاً، أي مسيحيّاً. غير أنّ هذا وحده لا يكفي، لأنّه يشبه إعطاء مسكّنٍ لمريض مع الإبقاء على أسباب مرضه. المحبّة الحقيقيّة لا يمكنها أن تكتفي بالتخفيف من العوارض، بل تجرؤ على النظر في الأسباب ومواجهتها. في واقعنا المعاصر، نعلم أنّ المعاناة الإنسانيّة ليست قدراً محتوماً، بل هي في كثير من الأحيان نتيجة سياسات موضوعة وبُنى تؤدّي إلى الظلم، والإفقار، والتدمير؛ ومثالنا على ذلك الآثار المدمّرة للبنى الطائفيّة، والقمعيّة، والاستعماريّة، على حياة الناس. لهذا، إنّ ما نسمّيه «لاهوت التحرّر» ليس أمراً ثانوياً هامشيّاً يُضاف إلى الإيمان عند الحاجة، بل هو تعبير أساسي عن كون المسيحيّة حقيقيّة وأمينة للتجسّد. إنّه الوجه الذي يقول إنّ الروحانيّة لا تنفصل عن الجسد، ولا عن التاريخ، ولا عن معاناة البشر، وإنّ الإيمان الذي لا يجرؤ على الاهتمام الجذري بالحياة الأرضيّة يخون الحياة الروحيّة نفسها. فأن نكون روحيّين حقّاً، في المسيحيّة، يعني أن نعيش هذه الأرض بروح الله، وأن ندافع عن كرامة الإنسان فيها، وأن نرفض السياسات التي تُنتج موته باسم أيّ نظام، أو مصلحة، أو دين، أو طائفة، أو إله. الوسائل قد تتنوّع وقد يختلف فيها الناس، ولكن أن يكون اللاهوت تحريريّاً من البُنى القاتلة هو أبسط البديهيّات المسيحيّة التي غدت غريبة عن الواقع! إنّ التحرّر هنا لا يقتصر على تغيير نظام سياسيّ وبُنى موجودة فحسب، فهو يبدأ بتحرّر من الخوف والإذلال، وينتقل إلى التحرّر من الإحساس بأنّ المعاناة بلا معنى أو تبرير، وينتهي بالنضال المستمرّ لكي لا يخضع الإنسان لأيّ بنية جديدة بعد التحرير، بنية تتحوّل إلى تنّين جديد على ركام التنّين القديم، وتحاول ابتلاع الإنسان وتحويله إلى شيء. لكي يبقى هذا التحرّر من «التنين»، ينبغي أن يكون مرتبطاً بمسعى القداسة، باستلال «سيف» القداسة أمام التنّين. والقداسة ليست هروباً من العالم، بل قدرة على الوقوف فيه بمحبّة، أي بكرامة وثبات في الحقّ، الحقّ الذي يحرّر الإنسان من عبادة الأشخاص، والتيّارات، والأحزاب، والجماعات، دينيّة كانت أم قوميّة أم ثقافيّة أم مهنيّة أم غيرها. القداسة شهادة، رفضٌ للاستسلام للظلم، وفعل بقاء، وحفظ للإنسانيّة وسط الخراب، وتأكيد أنّ الروحانيّة الحقيقيّة تتجسّد في السعي الدائم إلى تحرير الإنسان وكرامته من الظلم الخارجيّ والداخليّ معاً. الواقع أنّه لا يمكن للإنسان خلال حياته على الأرض أن يبلغ الحالة «السماوية» (حالة محبّة الله والناس) إلّا انطلاقاً من الحياة الأرضيّة، ومن قلبها حكماً. لكنّ هذا صراعٌ يدوم ما دامت الحياة. ففي هذا العالم الذي لم يبلغ المرتجى، ستبقى قوى الظلمة تحاول ابتلاع النور، إلى أن يأتي الله في اليوم الأخير، فيكون كلّ شيء في كلّ شيء، ونَتلألأ بالحياة. إن كانت عبارة «الروح يرفّ على وجه المياه» في أسطورة الخلق، لمحة شعرية تعبّر عن خلق الله للأرض-التراب والعالم من الفوضى، فإنّ المسيحيّة تهدف إلى إكمال عمليّة الخلق بالعمل مع الله لإعداد هذا التراب كي يتجلّى العالم عالم حبّ وحياة، يبدأ اليوم ويكتمل لاحقاً. لذلك، وعلى عكس الفكرة الشائعة عن ضرورة «الترفّع» عن الحياة الأرضيّة لأسباب تتعلّق بالسماء، فإنّ الاهتمام بالحياة الأرضيّة كتعبير عن مسؤوليّة المُحبّ عن المحبوب، هو واجب إيمانيّ لأسباب تتعلّق بالسماء والأرض، هو الحياة الروحيّة نفسها متجسّدة في اللحم الحيّ وفي بُنى هذا العالم الجميل والمأساوي في آن. Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
December 2025
Categories |
RSS Feed