|
خريستو المرّ، الثلاثاء ٢٠ شباط / مارس ٢٠٢٤
أريد للقيامة أن تكون الخبز النازل من السماء، أريد أن نقتات النورَ في هذا المساء العميم. لهذا قلبي ما يزال الولد الراكض خلف أقدام السيّد مذ رآه ماشيا في دروب الفقراء يعلّم ويعمل ويضع قلب الله أمام جوع القلوب إلى الضوء. وحين أضيّع الأفق لا يضيّعني فقد رأيته يوم قال لي «هناك»، ودلّني إلى النجم الذي في القلب. والنجم موعدٌ يلد الفرح وحنانٌ يشتعل إذا انحدرت فراشات العيون فوق الخد. غزّة! وأتذكّر يوم مدّ السيّد كلماته سُلّمًا لبولس -الصغير، كما يعني اسمه- ليصعد من موتِ الحِقد: "لماذا تضطهدني؟". غزّة! وإذا الأساسات خُلِعَت، وإذا القلوب نُشِرت، وإذا السماء فُتِحَت، وإذا الجحيم عُرِفَت في القلب، وإذا الجنة كُشِفَت في الوجه الآخَر، فعَلِمَت نفسُ القساة ما فعلت. ودار الصغير وضاع. ضاع عن الرؤية، تخلّعت أساسات عالم القساوة. القاسي يضطهد البشر ويسوع يسأل «لماذا تضطهدني». ربّما قضى بولس أيّامه الثلاث بعدها في دوار، إذ لا بدّ للرؤية أن تُتعب. قيل أنّه أُصيب بالعمى حين أُصيب بالرؤية، وأقول أنّه احتاج ثلاثة أيّام كي يخرج من عتمة الحقد التي كُوِّرَت، ويفتح عينيه على الشمس التي أشرقت. قيل أنّه رأى حين سكب «حنانيا» حنان كلماتٍ فوق ماءٍ فوق رأسه. كُتِبَ باختصار أنّ بولس عندها أبصر، وأمّا حكايا الذين يلامس حنانُ الأخوّة قلوبهم فتُسكب عليهم الرؤية فلا تعرف ثناياها إلّا السماءُ التي منذ البدء. لا محبّ بلا حبيب. وحبيبنا باب أو ضوء يشرق من وحل الوجوه. غزّة! والحبيب وجهٌ دام. والحبيب مشرّد. والحبيب جائع. وعَطِشٌ يشرب ملوّثَ الماء. مع حبيبنا، على أنهار غزّة الحمراء هناك جلسنا. هناك صرخنا. هناك بكينا حين تذكّرنا أنفسنا. على الصفصاف وسط المدن العتيقة هناك علّقنا أعوادنا. لشهور طويلة علّقنا أعوادنا، وهتفنا للحياة وسط الموت هتافا جريحًا. هناك سألَنا الذين يقتلونا والذين ينسوننا أغنيةَ سلامٍ وحبٍّ، وسألَنا معذّبونا ترنيمة جميلة للإنسان المسالم. «لا نرنّم لسلام فوق جبال ضحايا» قالت أعوادنا المعلّقة على الصفصاف. أرضنا لنا، وأرض الموت غريبة. فلتنسنا السماء إن نسينا الحبَّ والإخوةَ الذين اضطهدهم الطغاةُ. كيف ننسى وهم وجه الحبيب السائل «لماذا تضطهدني؟». فليلتصق عظمي بلحمي إن لم أفضّل المضطَهَدين على أعظم فرحي. هم فرحي إن فرِحوا، وحزني إن حزنوا، وهم الحبيب الذي به رضيت، ذاك الذي يجذب القلبَ من الرضى وراءه كما يجذب الأيائلَ الماءُ الحيّ. طوبى لمن يرفع العدلَ في وجه القائلين «اهدموا، اهدموا، سوّوا بالأرض» فهو يهزمهم هزيمة نهائيّة، عندها ينتصر الجسد الضعيف والروح القويّة، وربّما يضيع الطغاة لأيّام ثلاث وإلى أنفسهم يعودون. في يوم العدل ستنزل أعوادنا عن الصفصاف لترقص في أيدينا، وسنحتفل مع ربّ الحياة بالحياة، ويحتفل كلّ محبّ بحبيبه، ويعود قلبي الولدُ إلى شاعر الكون. كلّ وجه باب، وعلى الباب، أو بعده بقليل، القيامة. ولا يشغل المحبُّ سوى أن يولد الضوءُ في هذا العالم لتتلألأ الأبواب بقناديل الحبّ، ولهذا يمّحي الفرق بين الربح والخسارة أمام عينيّ المحبّ. لقد غدا «جُنونُ» بولس «الصغير» الذي صار رسالةً للّذين في «الخارج» جنوني، مذ رأيت أنّ الوجوه الإنسانيّة هي الهويّة الأصل خلف الهويّات المبتكرة، الجميلة منها والقبيحة. إنّي رأيتُ، وبعد الرؤية لا يصحّ داخل وخارج بعدما محى وجه القائم من الموت حاجز الغربة والخوف والموت. لا أريد سوى أن تكون القيامةُ الخبزَ النازل من السماء، وأن نتقاسم النورَ في هذا الجوع العميم. فهل يجتاز الجسد جسر النهار؟ لا نعرف، ولكنّا نعرف أنّ النهار يتسلّل على جسر الجسد كلّما فاح الحبّ من ياسمين الأقدار. غزّة! يا نائمة على كتف الله لا تيأس، والجحيم حولك. Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
November 2025
Categories |
RSS Feed