|
خريستو المر، الأحد 17 تشرين الثاني 2024
[هذا النص من الكلمة الافتتاحيّة لـ«المجلس التنسيقي من أجل فسطين» في كندا] إنّ معاناة الشعب الفلسطيني هائلة منذ أكثر من سبعين عاماً؛ وعلى مدى أكثر من عام، دُمّرت منازلهم، وسُوّيت مدارسهم ومستشفياتهم بالأرض، وأُزهقت أرواح لا تُحصى. هذه الإبادة الجماعية من قبل الدولة الصهيونيّة الاستعمارية تحصل مع الدعم الثابت للإمبريالية الأميركية وتواطؤ الحكومات في كندا والعديد من الدول الأوروبية. تلك الحكومات، كما معظم الحكومات العربيّة، وقفت متفرّجة مكتوفة الأيدي، لتقوم بتصريحات جوفاء حول حماية المدنيين الفلسطينيين. لكن كيف نفسّر هذا التصرّف؟ في حالة الدول العربيّة، معظمها لا يزال تحت الاحتلال الاستعماريّ السافر منه والمبطّن، وعدد القواعد العسكريّة الأميركيّة فيها خير دليل. أمّا بالنسبة إلى الدول الأوروبيّة والشمال أميركيّة، فلا يمكن فهم موقف حكوماتها دون إدراك أنّ الاحتلال الإسرائيلي يخدم مشروعاً استعمارياً إمبريالياً يهدف إلى تراكم الثروة من خلال الإرهاب والدمار. إنّ عنف الدولة الإسرائيلية، وخاصة مصادرة الأراضي، بمثابة آلية وأساس لتراكم رأس المال لإسرائيل وحلفائها الاستعماريّين، ولا سيما الولايات المتحدة. من هذه الزاوية، يمكننا أن نفهم أنّ الإبادة الجماعية في غزة هي جزء من بنيةِ إبادةٍ جماعيةٍ للفلسطينيّين أشمل بدأت في أواخر القرن التاسع عشر مع الطموحات الاستعمارية الصهيونيّة التي نمت في البداية تحت حماية الإمبراطورية البريطانية، ومن ثم الولايات المتحدة. وفي التحليل الأخير هي جزء من البنية الرأسماليّة الأوروبيّة والشمال أميركيّة التي أبادت ملايين من السكّان الأصليّين في القارة الأميركيّة واستعبدت جلّ القارة الأفريقيّة. لهذا كلّه، وعلى الرغم من الإدانة اللفظيّة الدوليّة، تظلّ العواقب الملموسة للوحشيّة الإسرائيليّة محدودة للغاية، إذ تُقابل الإبادة الجماعية المستمرّة بتجاهل تام من أولئك الذين يدّعون دعم حقوق الإنسان والعدالة. لكن كلّ ذي ضمير إنسانيّ لا يصمت أو يتواطأ. ملايين من الناس حول العالم لم يقفوا مكتوفي الأيدي، بينما يُحرم الشعب الفلسطيني من حقّه في الحياة وحقوقه الإنسانيّة الأساسية. هؤلاء فهموا أنّه لن يكون أحدٌ حرّاً بالفعل حتّى يتحرر الجميع. الأعمال الوحشية التي تقوم بها الدولة الصهيونيّة ومؤسّساتها (ومن ضمنها تلك الجامعيّة) ليست جديدة. لقد بدأت عام ١٩٤٨. لأكثر من سبعة عقود، عانى الفلسطينيون من الواقع الوحشي للاحتلال الإسرائيلي: المذابح، التطهير العرقي، الطرد، مصادرة الأراضي، هدم المنازل، القيود الصارمة على الحركة، إرهاب الدولة، الإذلال اليومي، وترسيخ الفصل العنصري. حُرموا من حقوقهم الأساسية بشكل منهجي، وكُبحت أصواتهم، وهُمّش وجودهم. ورغم كل ذلك، صمد الفلسطينيون، مُجسّدين مقاومة وأملاً لا يتزعزعان. إنّ المقاومة هي أمل. ولكن أيضاً الأمل هو مقاومة. نحن، في هذه المنطقة وحول العالم، نحن الذين ينتابنا شعور عميق بوحدة إنسانيّة تجمعنا، بأنّ كلّ عيون الأطفال هي عيون أطفالنا، بأنّ كلّ جسد ممزّق أو مصلوب هو جسدنا أو يسوعُنا، نحن شعب المقاومة والأمل. لن يتمّ إسكاتنا. نرفض أن نكون سلبيّين أو حياديّين بينما يتمّ محو شعب بأكمله بشكل منهجي. نحن هنا وهناك وفي كلّ مكان لأنّنا ندرك أن التحرير ليس حلماً بعيد المنال، وإنّما ضرورة مُطلقة الآن. إنّ النضال الفلسطيني ليس معركة معزولة. إنه القلب النابض لحركة عالمية ضد الاستعمار والعنصرية والعنف الذي ترعاه الدولة. لكنّ الفلسطينيين يواجهون بشكل فريد مشهداً إعلامياً يشوّه رواياتهم، وترسانة قانونيّة داخل كلّ بلد استعماريّ تتّهمهم بخبث بالإرهاب ومعاداة الساميّة، وأنظمة حكومية تحاول إسكات نداءاتهم التي تدعو إلى العدالة. كلّ هذه الأساليب الحكوميّة والإعلاميّة إنّما تهدف إلى غرس الخوف ومنع العمل. وحين نجتمع معاً في كلّ بلد، نكون نتحدّى بالضبط هذا التخويف ونرفض الصمت. إنّ كلّ تجمع من أجل فلسطين، أينما كان هو اليوم بمثابة إعلان بأنّنا نحن الذين ينتابنا شعور عميق بوحدة إنسانيّة سنُضخّم الأصوات التي تدعو إلى الحرّية، ونشهد للحقيقة، وندافع عن الحقّ بالمطالبة بالعدالة. مَن يحبّ الإنسان يصغي إلى الأصوات الفلسطينية التي تشاركنا كلّ يوم بأجسادها الممزّقة ومقاومتها الأسطوريّة تجاربها المعيشة عن القمع والمقاومة. مَن يحبّ الحياة يتعلّم من أشخاص كرّسوا حياتهم للقضية الفلسطينية. من يهمّه السلام يساهم في وضع استراتيجيات حول كيفية تعزيز تضامن المستضعفين وتضخيم تأثيرهم. مساهمات كهذه ليست مجرد تمارين فكريّة، وإنّما تعبير عن اتّجاه حياة متجذّر بأجساد وأرواح وأحلام بشر حقيقيّين، بنضالات حقيقية، بأشخاصٍ حقيقيين يناضلون من أجل حياتهم وحريّتهم. مبادئنا، نحن الذين ينتابنا شعور عميق بوحدتنا الإنسانيّة، هي العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية للجميع. ولذلك نرفض الصهيونية وكل شكل آخر من أشكال العنصرية، نرفض الفصل العنصريّ وكل أشكال أخرى من عنف الدولة التي تدعم هيكليّات القمع في كلّ مكان. نحن نعلم أنّ جرائم النظام الصهيوني - الإبادة الجماعية، التطهير العرقي، الفصل العنصري - ليست مجرد فظائع ضد الفلسطينيين، إنّها اعتداء على إنسانية الجميع. لذلك لن نستريح حتى تكون هناك مساءلة كاملة عن كل جريمة وحتى يعيش كل فلسطينيّ - من البحر إلى النهر - في حرية وعدالة وسلام. نحن ندرك أن تحقيق هذه الرؤية يتطلّب أكثر من مجرد أمل - إنه يتطلب عملاً. نحن، بلا شكّ، على مفترق طرق. لقد أظهر لنا العام الماضي عمق وحشيّة حالة الإفلات من العقاب الإسرائيلي، وأظهر تواطؤ القوى الدولية، بما في ذلك الموقف السياسي المتواطئ في البلاد العربيّة. لكنّه أظهر لنا أيضاً روح المقاومة الفلسطينيّة التي لا تلين، فضلاً عن المقاومة الشعبيّة في لبنان والمنطقة. من واجبنا بناء العالم الذي نعرف أنه ممكن - عالم خالٍ من قيود العنصريّة والاستعمار الاستيطانيّ وجميع أشكال القمع. الشعب الفلسطيني ليس وحده. نحن الذين ينتابنا شعور عميق بوحدتنا الإنسانيّة نقف معهم. نحن كثيرون، ونحن متّحدون في تضامن وازن. الاستعمار وقوى الرأسمال المتوحّش يحاولون إقناعنا بأن لا قوّة لنا، وهنا تكمن كلّ الخدعة: ألّا نرى قوّتنا. المثل القديم «في الاتّحاد قوّة» لا يزال يحمل كلّ وزن الحقيقة والواقع. الطريق أمامنا سيكون مليئاً بالتحدّيات، لكنه سيكون أيضاً تغييريّاً. قد تكون الرحلة طويلة، ولكن بشجاعة وأمل في قلوبنا، وبالعدالة والمساواة كدليل لنا، اليوم وغداً، نحن نجعل أصوات الفلسطينيين مسموعة، ونترك بصمتنا على هذا العالم. نحن الذين ينتابنا شعور عميق بوحدتنا الإنسانيّة، مصيرنا أن نرتقي إلى مستوى التحدّي بتضامن، ونبني إرثاً يُلهم الأجيال القادمة، إرثاً يمكننا أن نفخر به. فاليوم، كما كلّ يوم، هو اليوم المناسب لتشكيل المستقبل الذي نرغب فيه! وفي ذاك المستقبل فلسطين ستكون حرّة، حرّة من البحر إلى النهر! Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
November 2025
Categories |
RSS Feed