|
خريستو المرّ، الثلاثاء ١ شباط / فبراير ٢٠٢٦
إن كان الإيمان المسيحي الأصيل يقتضي أن يترافق مع تجسيده في الالتزام بالعمل في العالم ومن أجل العالم، فإنّه يفرض أيضاً لفظ أشكال مختلفة من هذا الالتزام وتبنّي أشكال أخرى. لا تستوي كلّ أشكال الالتزام، كلّ الناس تعمل وبعضها يلتزم، ولكن قيمة العمل يحدّده مدى ارتباط العمل بالهدف، والهدف في المسيحيّة هي العيش في شركة وأخوّة إنسانيّة في عائلة الله. كلّ شيء معرقل لتجسيد هذه القاعدة الإيمانيّة في المجتمع، ينبغي نقده والعمل لأجل تهميشه، بل ومنعه، مثل منع الجريمة مثلا؛ لكن، في هذا السياق، من المخالف للإيمان ألّا يغضب الإنسان ويحاول منع الاستغلال، ويكتفي بالغضب من السرقة والجريمة، مع انّه من المعروف أنّ الاستغلال جريمة تؤدّي إلى إفقار، فموت مبكّر. لكنّ الناس تخدع نفسها وترى الاستغلال مجرّد غنى، وتعبيرًا عن رضى إلهيّ، أي تعكس الحقيقة ليتابع المستفيدون من الأنظمة القائمة استغلالهم. السياسة تشير إلى تفاصيل مشاريع، وهي تتغيّر بكون معرفتنا تتغيّر والثقافات تتنوّع، والظروف تتغيّر، بينما الإيمان يشير إلى أهداف وتوجّهات ملموسة تشير إلى مسيرة الإنسان نحو تلك الأهداف. هذا يجعل ميداني السياسة والإيمان مختلفين دون أن يتغرّبا عن بعضهما البعض، ولذلك ينبغي حفظ توازن دقيق في هذا الشأن. فمن جهة أخرى، الانفصال الاصطناعي بين الإيمان والشأن العام، من سياسة واقتصاد واجتماع، هو غير واقعي وخيانة لفحوى الإيمان نفسه. ومن جهة أخرى، لا يحقّ لأيّ مشروع سياسيّ، مهما علا شأنه ومهما كانت ممارساته منسجمة مع أهدافه المعلنة، أن يعتبر نفسه ممثّلا لإرادة الله، ذلك أنّ لدينا تاريخ بشريّ طويل من استغلال الدين للمنفعة الخاصة، لشخص أو لجماعة دون غيرهم، أيّ لأهداف لا تتعلّق من قريب أو بعيد بكون الخلق كلّهم -قطعا ودون أيّ تمييز في أيّ ناحية - هم عيال الله. من نافل القول بأنّ ما من شخص يمكنه ادّعاء تمثيل إرادة الله، ولكن عندما تدّعي مجموعة من مطلق أيّ دين أنّ إرادة الله تتطابق مع مشروعها السياسيّ أو أيّ مشروع إنسانيّ آخر، فإنّ ذلك ينبغي أن يجعلنا نشكّ بأنّ الحقيقة هي عكس ذلك، بأنّ الحقيقة هي أنّ هذا المشروع بالذات هو مشروع مجموعة من الناس للاستئثار بالسلطة (والسلطة أهمّ من المال، فما المال إلّا وسيلة سلطة). هذا لا يعني أنّه لا ينبغي للمؤمنين بإله بأن يقرأوا الشأن العام من زاوية إيمانهم ويمارسوه بناء على ذاك الإيمان، بالعكس الواقع أنّ كلّ إنسان يعمل بناء على إيمانه مهما كان ذاك الإيمان، إذ لا ينطلق الإنسان من لا شيء، بل من جملة مبادئ يؤمن بها. الفرق الوحيد في هذا المجال هو أنّ قليلنا يعمل في خطّ إيمانه، وأكثرنا يجاهر بإيمان ويعمل عكسه، هؤلاء هم المزوّرون في كلّ فلسفة ودين. إن انطلقنا من المبادئ الإيمانيّة كون كلّ الناس دون أيّ تمييز بأيّ ناحية هم أولاد الله، نستطيع أن نقول بثقة أنّه في الشأن العام، يفرض الإيمان المسيحيّ على المؤمن الامتناع عن العمل بشكل فئويّ منفصل عن مواطنيهم في كلّ بلد، أيّ لا يمكنهم أن يُنشِئوا أحزابا خاصّة بالمسيحيّين ويسمّونها عنوة «مسيحيّة». أوّلا لأنّ المسيح أوصى أن يكون المسيحيّون كالملح في الطعام، أي أن يضيفوا نكهة إيمانهم إلى مجموع المجتمع البشريّ بالانغماس فيه دون انفصال (والانفصال فئويّ بالضرورة). ومن البديهي أنّ ينغمسوا فيه دون تحوّل، أي دون أن يتنازلوا عن مبادئ إيمانهم. لذلك فإنّ ما ينسجم مع الإيمان المسيحيّ ليس فقط أن يلتزم المسيحّيون أحزابا غير طائفيّة مع مواطنيهم، ولكن أيضا أن تحمل تلك الأحزاب مشاريع منسجمة مع إيمانهم، أي مشارع من اجل تمتين المشاركة البشريّة على أساس الأخوةّ في عائلة الله الواحد، وهو ما يعني العدالة الاجتماعيّة، والمساواة بين الناس في بلادهم، دون أن ينسوا الاهتمام بالمساواة والعدالة عبر كوكبنا (فالحدود في النهاية كلّها مصطنعة). هذا يعني مباشرة رفض الانتماء لأحزاب غير طائفيّة إن كانت تحمل مشاريعها تسعى عمليّا لاستحواذ قلّة من الناس على ثروات البلاد ناشرة الفقر والقتل بالاستغلال، وهو ما تفعله القلّة بالتحالف مع خارجٍ تنظّم من أجله الاقتصاد أو تشرّع له الاحتلال والاستعمار. طبعا ما من حزب يقول ذلك صراحة ولذا ينبغي إعمال العقل في جوّ من يسمح بالنقاش الحرّ، المنضبط بالقانون. واختصارا، نحن نرى أنّ في لبنان، ومن منطلق مسيحيّ، لا ينبغي لأحزاب مسيحيّة أن تكون، وامتدادا لا نعتقد بأنّ وجود أحزاب طائفيّة ينسجم مع المبادئ الإيمانيّة ودليلنا ما أدّى إليه وجود الأحزاب الطائفيّة في لبنان. صحيح أنّ الطائفيّة تزول بالفعل حين يرجع القلب إلى أيمان صاف. لكنّ الأنظمة تشكّل القلب: طائفيّةٌ تمشي في الشارع وتجلس المدرسة والجامعة، وتتمظهر على التلفاز، تُربّي النفس على الانقسام وتفسخ المجتمع، ثم تُسمّي الانقسام «انتماءً»، فيذبل الوعي الإيمانيّ الأصيل الذي يجمع بين انتماء متمايز في الإيمان، وانتماء مماثل للوحدة البشريّة الجامعة. لكن لا نقل «نُصلح القلوب ثم نُصلح النُظُم»، أو نصلح النفوس قبل النصوص، ولكأنّ القلب يعيش في فراغ. النفس والنظامُ يتبادلان الأثر مثل مرآتين: النفس تُجسِّد ذاتها في القوانين والعادات، والقوانين والعادات تُعيد صوغ النفس، تُعلّمها الرحمة أو تُدرّبها على القسوة. لن تزول الطائفيّة بالوعظ، تتغيّر بتغيير الأنظمة لتكون أنظمة يضعها المواطنون والمواطنات لتخدمهم وتعاملهم سواسية كأسنان المشط، لأنّهم عيال الله جميعا ولو تمايزوا في طرقاتهم إلى الله. إن أردنا أن نعرّف الناس في الشأن العام، فهم قسمين: المؤمنون الذين يُسلّمون قلوبهم لله وهذا شأنهم هم والله، والطائفيّون الذين يريدون الله سلّماً إلى السلطة لجماعتهم (الصغيرة أو الكبيرة)، وخاتماً في إصبع الجماعة، ورايةً أمامها. هذا ما نراه بالأحزاب التي تدّعي المسيحيّة. إنّ تاريخ لبنان الحديث يقول إنّ التربية المسيحيّة فشلت فشلاً ذريعا ودليلنا ما أنتجته من ممارسات، لكنّ إعادة النظر بتلك التربية هو أبعد ما يكون، وغير المسيحيّين في هذا المجال ليسوا بأفضل حالا. الإيمان ليس امتيازاً يُمنح لمن أحسَنَ اتّباع الطقوس الجماعيّة واطاع رجل دين، وإنّما طريق إلى مسؤوليّة أخلاقيّة عن هذا العالم الواحد في عائلة الله الواحدة، هي نداءٌ متواصل إلى إسلام القلب لله، وفي الآن نفسه دعوة مفتوحة للعمل الجماعيّ المتواصل في الأرض لاستباق الخيرات الآتية، وهو ثورةُ مساءَلةٍ للنُظُم لا تهدأ حتّى يضمحلّ الاستغلال وتسقط أوهام الهويّات المغلقة، ويحتفل البشر بالحياة معا أخوات وإخوة، وتكون الحياة طيّبة بوحدتها في التنوّع، كالملح في الطعام. Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
March 2026
Categories |
RSS Feed