|
خريستو المرّ ، الأربعاء ١٤ آب / أغسطس ٢٠٢٤
كاتي، إمّ إسكندر كما كنّا نناديها جميعا. صاحبة الضحكة الصادقة الجميلة. كاتي المُحِبَّة حقّا. الوحيدة التي قالت لي بوضوح، والعين في العين، أنّها فرِحَت لي. تلاقينا على طريق الكنيسة يوم الأحد التالي لدعوتنا هي وزوجها كوستي البديع، أنا وفالنتينا للغذاء كزوجين. كنّا ننزل الدرج نحو الكنيسة، التفتت ونظرت إليّ وقالت بضع كلمات بسيطة وواضحة، وأنا فهمت أنّها فرِحَةٌ لإنسان وجد قلبه، هي التي نزِلَت إلى بيروت للمشاركة في حفل زواجنا، رغم أوجاع الظهر التي كانت تعاني منها. ولكن كاتي أيضا بكت. جلستُ للمرّة الأخيرة قبل السفر، يوم غدا السفر ضروريّا طلبا للعلم. كنت في منتصف العشرينات من عمري، وأمّ إسكندر تعرفني شابًا يزور زوجها منذ ما يقارب العشر سنوات يسأل، ثمّ يسأل، ثمّ يناقش، ثمّ يسأل، ولم يزل يسأل. وكنت شابًا يزور زوجها منذ بدا لي أنّ بدء الحياة سؤال، وأنّ زوجها حمل قنديلا ليرى كلّ إنسان طريقه الخاص ويجد اجوبته. جلستُ للمرّة الأخيرة قبل سفري الأوّل، كان أبو إسكندر متعبا من أزمة صحّية ألمّت به، وكانت كاتي تطعمه بيدها، الجوّ كان موجعًا وكان أيضًا خفيفا كروح. تبادلنا الحديث، سألت كوستي كيف حاله، لم يكن قد تعافى بعد فكان متعثّر النطق. تكلّمنا عن الصحّة، عن الدراسة، عن الأولاد المسافرين. تكلّمنا وتكلّمنا والوقت يحاصرنا كلّ ثانية، الثواني تمرّ وفسحة التنفّس تضيق. إنّه الوقت الذي حان. الوقوف. تبادل القُبل. السلام الأخير. أبو إسكندر لا يقوى على النهوض. الباب. وحدها هناك. الخطوات الأولى نزولًا على الدرج. أمّ إسكندر بكت. لأوّل مرّة أرى نجمة تبكي. ربّما رأت فيّ أولادها الذين سافروا، ربّما رأت أنّ الأصدقاء تساقطوا واحدا عن الرؤية، ربّما رأت أنّها تخسر أمام الجغرافيا من جديد، ربّما لم أنتبه أنّي صرتُ ابنها أنا أيضا بالصداقة. الصداقة تلك العائلة التي نختارها وتختارنا. دمعتها كانت تقول أنت ابني وأنا اليوم أفتقدك. والسفر اللعين كان يطلب من قدميّ متابعة نزول الدرج. عدت كثيرا وسافرت كثيرا. رحل كوستي. زرتها مرارا بعدها. أنا الذي لا أشرب القهوة التركية كنت أجدها طيّبة في منزلهما. نتبادل الحديث عن الأحوال، عن الأولاد الذين كانوا بدورهم يسافرون ويعودون. أنا لا أعرف كاتي، بالطبع، لا أعرف أيّ ألوان تحبّ، أيّ طعام تفضّل، أو تفاصيل أخرى، ولكنّي أعرف أنّها كان تحبّ. وفي الجماعة الصغيرة التي ننتمي إليها المحبّة هي كلّ شيء. لم تكن تتكلّم بألسنة الناس والملائكة، ولكنّها كانت تحبّ. لم تكن لها النبوءة ولا المعرفة الكبرى. ولكنّها كانت تحبّ. لم تنقل الجبال يوما بإيمانها، ولكنّها كانت تحبّ. لم تسلّم جسدها ليُحرَق في اضطهاد، ولكنّها كانت تحبّ. كانت تتأنّى، وترفق. وتَفرُد بحر هدوئها فيهدأ الاحتداد نفسه، وتفرح بالحقّ. تحتمل ما يأتي لأنّه يأتي. ترجو كلّ ما يُحيي. وتصبر لأنّ السماء جميلة والأولاد جميلون وأولادهم أجمل. وإن بَطُلَت النبؤات، وانتهت الألسنة، وانتفى العلم، ثمّ رأى أحدكم كاتي، يعرف أنّها أحبّت وأنّ هذا هو الكمال الذي ينمو من طفولة النقصان، والذي يبقى أبعد من كلّ ما يَبطُلُ. وإن كنّا جميعا ننظر اليوم كمن ينظر في غموض مرآة لنفهم لغز هذه الحياة، ولغز الإنسان، ولغز الله، فإنّ مَن اختبر المحبّة في كلمةٍ، أو ضحكةٍ، أو دمعةٍ، يكاد يرى الحقيقة وجها لوجه، وأنا اختبرها في كاتي. رحلتِ كاتي، أم إسكندر. ها الآن أنتِ وأبو اسكندر معًا «وجها لوجه». إلى اللقاء. Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
November 2025
Categories |
RSS Feed