|
خريستو المر، الثلاثاء 24 آذار 2026 (الأخبار)
------------------------- في بلدٍ يهاجمه عدّوه كلّ يوم، ليس هناك أخطر من تعريفٍ مشوّهٍ للعقلانيّة يجعل من الصمت حكمة، ومن التراجع واقعيّة، ومن التفاوض بأي ثمن فضيلة سياسيّة. في لبنان اليوم، لا نواجه فقط عدواناً خارجيّاً، بل نواجه خللاً داخليّاً في معنى السياسة نفسها. هناك من يصرّ على أن «العقلانية» تعني ضبط الخطاب، تجنّب الإدانة، وفتح قنوات التفاوض، فيما يتعرّض البلد إلى انتهاك يوميّ وتنكفئ الدولة عن واجب حماية مواطنيها (وهي تنكفئ قصداً عندما لا تخصّص للجيش موازنة تسمح له بالدفاع الفعليّ عن البلاد). وفي المقابل، تُقدَّم المقاومة، أو حتى الغضب الشعبيّ، كحالات محرِجة للحكومة مع الخارج، حالات غير منضبطة، أو «غير عقلانية». وصلت الأمور بالحكومة إلى محاولة تشريع أمر غير مشروع ألا وهو وضع مقاومة أبناء الأرض موضع الخروج عن القانون، بل ووصلت التفاهة إلى منع الإعلاميّين من ذكر كلمة «مقاومة». إنّ وجود قانون، مطلق أيّ قانون، لا يعني أنّه أخلاقيّ؛ فكم من قانون في أكثر من بلد (فلسطين المحتلّة مثلاً) هو عنصريّ وتمييزيّ. القانون هو شرعيّ كونه وُضع وفقاً للأصول، لكنّ ذلك لا يجعله مشروعاً، أي لا تجعله مرتبطاً بالضرورة بالعدالة، والحقّ. من حقّ الإنسان الدفاع عن نفسه وأرضه بأقلّ تقدير، شاء مَن شاء، وأبى مَن أبى، حتّى ولو خالف ذلك كلّ قوانين الدنيا. أمام عدوّ يقتل ويهدّد بالاحتلال، لا يحتاج إنسان أو جماعة إذناً من أحد ليدافعوا عن أنفسهم. لحسن الحظّ طبعاً، أنّ الدول والحكومات ليست جميعها مثل هذه الحكومة، وأقرّت في شرعة حقوق الإنسان وشرعة الأمم المتّحدة (التي مزّقها ممثّل العدوّ في الأمم المتّحدة أمام الملأ) حقّ الإنسان «في الحياة والحرية وسلامة شخصه» و«الحقّ الطبيعي بالدفاع عن النفس». العديد يتّهمون الناس الذين تدعم مقاومة الاحتلال باللاعقلانيّة، ومنهاج الحكومة يصبّ في نفس الاتّجاه. لكنّ السؤال الذي نودّ أن نطرحه هنا بوضوح: مَن يملك حق تعريف العقلانية؟ وبأيّ معيار؟ لن نحلّ موقف الحاقدين وقصيري النظر ونكتفي بالحكومة. حين تسعى السلطة إلى تعريف «العقلانيّ»، وشرح الحلول «العقلانيّة»، فهي لا تصف الواقع، بل تعيد تشكيله على أساس مصالحها. إذ تصبح العقلانيّة مرادفة لما تريد الحكومة فعله، لا لما يمكنها فعله؛ وفي لبنان تريد الحكومة إرضاء الخارج بأيّ ثمن، دون اكتراث بحماية الداخل. هكذا «عقلانيّة» لا تسعى أن تكون الدولة حاملة لآلام شعبها وطموحاته ومعبّرة عنها، بل تسعى إلى تسويق نفسها إلى الخارج؛ لذلك عوض أن تسعى لردّ العدوان بالوسائل المتاحة داخل البلاد، تسعى كي «تُوازن» بين إدانة الاعتداء وتجنّب المواجهة؛ وعوض أن تتكلّم عن حماية البلاد، تتكلّم عن تجنّب «التصعيد». هذه «العقلانيّة» تنسف أسس شرعيّة وجود الدولة، إذ إنّ سياساتها تعني واقعيّاً التنصّل من واجبها حماية الشعب. الدولة، في أبسط تعريفاتها، تحتكر العنف الشرعيّ لتؤمّن الحماية. لكن حين تنسحب من هذه الوظيفة، ويُترك الناس لمصيرهم، يصبح السؤال عن الشرعيّة سؤالاً وجودياًّ، لا تأمّلاً نظريّاً. الحكومة اليوم في لبنان، ليست الجهة التي تحمي، وإنّما الجهة التي تبرّر عدم الحماية. هذا يتجاوز كونه فشلاً سياسيّاً، هذا فراغ سياديّ، فراغ تملؤه قوى أخرى، ولحسن الحظّ تملؤه بفاعليّة ميدانيّة نتمنّى لها أن تستمرّ، لأنها ببساطة تقوم بما عجزت عنه الدولة: الدفاع. غير أن هذا الفراغ للدولة ليس حادثاً عرضيّاً، هو نتيجة بُنية سياسيّة قائمة على الطائفيّة، نتيجة بنية لا تُنتج دولة وإنّما توازن قوى داخل الدولة، وهي بُنية تحظى بحماية جميع القوى السياسيّة (حتّى تلك الغاضبة من غياب الدولة اليوم). في النظام الطائفي، لا يوجد وحدة في القرار السياديّ فالقرار موزّع على مجموعة زعماء متنافسين على السلطة لا يثقون ببعضهم البعض، وثقة الناس أيضاً موزّعة على زعماء لا موضوعة في الدولة، والجيش ليس أداة حسم وإنّما مؤسّسة تُعامل على أنّه يجب تحييدها كيلا تختلّ التوازنات. هكذا يصبح من المستحيل تقريباً الجمع بين قدرة دفاع فاعلة، وقرار سياديّ موحّد، وثقة شعبيّة حقيقيّة. ليس لأن هذه الثلاثية غير ممكنة، بل لأن النظام نفسه يمنع تحققها. مشكلة هذه الحكومة بالذات لا تكمن في كون فعل المقاومة «غير عقلانيّ»، بل في كونه اليوم خارج التوازنات، أي خارج سيطرة الدولة الطائفيّة. المقاومة مقبولة حين يتّفق عليها نظام الزعماء الهشّ والمرتبط بالخارج. لكنّها اليوم ليس من تراضٍ على وجودها، والحكومة تسعى إلى التطبيع بشكل فاقع، والمقاومة تذكّر الحكومة بأن هناك إمكانيّة لفعل سياسيّ لا يمرّ عبر قنوات التوازنات الهشّة لذلك توصف باللاعقلانيّة: مرّة كخطر، مرة كإحراج، ومرة كعبء يجب احتواؤه. في المقابل، يُرفع التفاوض إلى مرتبة العقلانيّة المطلقة، حتى حين يكون بلا شروط واضحة، وبلا قدرة تفاوضية حقيقيّة (ما قدرة الحكومة في مفاوضة العدوّ دون قوّة دفاعيّة، قوّة الحجّة مثلاً، العدوّ لا يعرف القوانين الدوليّة والحكومة تريد أن توضح له ذلك على طاولة مفاوضات؟). لا يمكن إقناع شعبٍ بأن الصمت حكمة وهو يرى أرضه تُنتهك وأولاده يُقتلون، ولا يمكن بناء شرعيّة على خطاب يتجاهل ما يعيشه الناس يوميّاً. ما تقوم به الحكومة غير عقلانيّ، إنّه من غير العقلانيّ أن تسعى حكومة أيّ بلد إلى التفاوض مع أعداء بلادها، وهي تعمل جاهدة لتحييد كلّ مواطن قوّة في البلاد. لكنّ المشكلة الأساس ليست في الزعيم الفلاني، أو الرئيس الفلاني، المشكلة الأساس تبقى الدولة الطائفيّة. فالمشكلة لا تكمن في اختيار الإنسان بين «مقاومة» أو «تفاوض» بل في جمع القدرتين، من الضروري أن تمتلك الأوطان وسائل الدفاع، ويمكنها أن تستخدم وسائل التفاوض غير المباشر، وهي وسيلة رضي بها الجميع في لبنان من قبل، والتفاوض وسيلة حتّى المنتصر لتحديد شروط هزيمة الآخر أقلّه. المسألة الأساس هي أن نبني دولة قادرة على أن تفاوض من موقع قوّة، لا من موقع إنكار للواقع، وهذا لا يمكن أن يتحقق دون تغيير للمعادلة القائمة في لبنان من جذورها: (1) دولة غير طائفية تنظر إلى مواطنيها كمواطنين ومواطنات لا كمكوّنات وطوائف وبذلك يمكنها أن تمثّلهم وتوحّد القرار، (2) وعقيدة دفاعيّة تؤمّن الشروط الضروريّة ليكون الجيش الوطنيّ قادراً على الحماية، (3) وثقة شعبيّة نابعة من تمثيل حقيقيّ للمواطنين والمواطنات. بغير ذلك، سنبقى ندور في حلقة مفرغة: دولة تضعف باسم «العقلانيّة»، وشعب مقسّم يبحث عمّن يحميه خارجها. Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
March 2026
Categories |
RSS Feed