|
خريستو المرّ، الثلاثاء ١٩ آب / أغسطس ٢٠٢٥
تشكّل ظاهرة التطبيل للسلطة التي يبديها السوريون واللبنانيّون تجاه الطغاة السابقين والحاليّين في البلدين، وتطبيلهم لحكّام الخليج، حالة جديرة بالتحليل. ينسى المطبّلون أنّ أيدي معظم حكّامهم وحكّام الخليج ملوّثة بدمائهم تلك المسفوكة بالحروب الأهليّة، أو تلك المسفوكة بالتفقير الذي يُمارس بحقّهم. يعكس التطبيل، في عمقه، أزمة وعي، أزمة انفصال حاد بين الذات وهويتها الأصيلة. فالإنسان الذي يعايش علاقات البطش-الخضوع (ولبنان بلد يربّي على الخضوع الفعليّ للسلطات الدينيّة والسياسيّة رغم هامش الحرّية النسبيّ) لفترات طويلة قد يستبطن علاقات البطش حتى لتصبح جزءاً من بنيته النفسيّة، فيعيد في أيّ لحظة ومجتمع إنتاج ثقافة الخضوع عبر مدح «الزعيم» الدينيّ أو السياسيّ، بوصفها خياراً وحيداً للنجاة والاستمرار في الحياة. يصبح الفرد في هذه الحالة كائناً مستلباً، يرى ذاته فقط عبر عيون السلطة، ويتماهى مع القوة التي يمارسها عليه الآخر، فاقداً قدرته على تعريف ذاته خارج دائرة الخضوع. هنا تظهر معضلة «العبودية الطوعية» كما وصفها الكاتب الفرنسي إيتيان دو لا بويسيه، حيث يصبح الفرد مستكيناً للسلطة، رغم أنه يمتلك الحرّية التي تمكّنه من أن تقاوم أي شكل من أشكال الاستعباد. وتكشف هذه الحالة أيضاً عن أزمة معنى، حيث يفقد الإنسان قدرته على إعطاء حياته معنى مستقلاً عن إملاءات السلطات المتعاقبة، ويتحوّل الوجود إلى مجرد تكيّف وانصياع للواقع المفروض، كما يبدو جليّاً في لبنان الذي يمشي فيه الناس إلى حتفهم دون أن ينتظموا في مشروع ليواجهوا به قوى الاستعمار وقوى الحكم المستقيل من الفعل، التي تذهب بهم إلى الجحيم. من الناحية اللاهوتية، إنّ جوهر الأديان السماوية جميعها يقوم على كرامة الإنسان وحريته. وفي هذا السياق، يظهر الانبطاح للسلطة كحالة من حالات عبادة الأصنام الجديدة، حيث تُستبدل عبادة الله (والركوع علامة الخضوع للمشيئة الإلهيّة) بعبوديةٍ وركوع عمليّ لمن يملك السلطة. هنا يبدو لنا بعد دينيّ للخضوع يتجاوز البعد السياسي أو الاجتماعي، فالخضوع لسلطة جائرة وقاتلة في نوع من الاستمرار في العيش، وإن كان مفهوماً فهو في النهاية إقرار بأنّ مصدر الحياة الإنسانيّة هو صاحب السلطة وليس الله، وإلّا لثار الإنسان على السلطة البشريّة الظالمة وتصرّف بحسب إرادة الله، فسار في خطّ تحقيق العدالة والحرّية والكرامة الإنسانيّة للجميع، فتلك هي إرادة الله بحسب التفسيرات البهيّة لمعنى الإيمان، وليس تلك الفاسدة التي تُخضع التفسير لحاجات السلطة الجائرة. إنّ التعاليم الإيمانيّة تدعو الإنسان إلى التحرّر من أي سلطة دنيوية تتعارض مع المبادئ الأخلاقية والإيمانية، وتشير إلى أنّ مقاومة الظلم والاستبداد هي جزء من واجب الإنسان الديني والأخلاقي. هكذا مقاومة ليست مجرّد فعل سياسيّ، بل هي أيضاً تعبير عن الإيمان الحقيقي والتزام بمبدأ العدالة الإلهية التي ترفض الذل والهوان، وتدعو إلى تحرير الإنسان من قيود الظلم والطغيان. من وجهة النظر الاجتماعيّة، يكشف المشهد المنبطح أمام السلطة عن تفكّك الروابط الاجتماعية الناجم عن الأنظمة القمعية التي تستند في استمراريتها إلى تفتيت المجتمع وتدمير نسيجه الداخلي؛ وهذا هو الحاصل في سوريا وفي لبنان، من سلطتين تعملان بالطريقة نفسها: تفتيت الشعب لفرض السلطة. إنّ الاستبداد لا يُخضع الفرد فقط، بل يعمل على تحويل المجتمع إلى أفراد متفرقين ومعزولين عن بعضهم البعض، حتّى لا يجدوا سوى في التبعيّة طريقاً لتحقيق مصالحهم الشخصية أو تفادي الخطر. وهنا يتحوّل المجتمع إلى فضاء من العلاقات العمودية، قائمة على الخضوع والانتهازية، بدلاً من العلاقات الأفقية التي تعزز التضامن والوعي الجمعي. أمّا من وجهة النظر النفسيّة، فإنّ الاستبطان المتكرّر لذهنية الانبطاح يشير إلى حالة «العجز المتعلَّم» (learned helplessness)، حيث يفقد الفرد القدرة على المقاومة أو إحداث التغيير، ويصبح معتاداً على وضعية الضحية التي تتماهى مع جلادها. وعندما تتغيّر السلطة أو الجهة التي يُوجّه إليها الانبطاح، يبقى السلوك نفسه مستمراً، لأنه قد تم تثبيته في البنية النفسيّة للفرد والمجتمع. إنّ الإخلاص الحقيقي للذات، ولله، والخلاص الحقيقي من هذا الواقع المخجل، يكون ببناء وتنظيم العمل الجماعيّ الذي يحرّر الذات والجماعة من ثقافة الخضوع، ويسمح بإعادة بناء الإنسان من الداخل، بوصفه كائناً حراً وواعياً، متمسكاً بكرامته الإنسانية، قادراً على مقاومة أشكال الظلم والاستبداد، ومستعيداً بذلك علاقته الأصيلة بالله وبالآخرين، وفقاً لمبادئ الحرية والعدالة والتضامن. اليوم، ونحن نواجه أشرس هجمة استعماريّة على شعوب دولنا منذ القرن التاسع عشر نحتاج إلى التمسّك بفكرة رفض الخضوع الكامنة في التربية الروحيّة لكلّ دين، ونحتاج إلى بناء وسائل التحرّر. Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
March 2026
Categories |
RSS Feed