|
خريستو المرّ، الثلاثاء ٢٠ كانون ثاني / يناير ٢٠٢٦
يمكن أن يُضيء دونالد وينيكوت جانباً عميقاً من سلوك المزيّفين في الأديان، عبر مفهومه عن «الذات المُزوّرة». فحين لا يجد الإنسان بيئة تحضنه وتسمح له بأن يكون على سجيّته، وحين لا تُستقبل عفويّة الذات الحيّة وتُحترم، يضطرّ إلى بناء واجهةٍ متكيّفة تُرضي توقّعات الخارج. الذات المُزوّرة عند وينيكوت ليست كذباً واعياً بقدر ما هي تنظيمٌ دفاعيّ يقوم على الامتثال: صورةٌ تُتقِن أداء «ما يجب أن يُعمل»، وتعرف كيف تُرضي وتنجو وتُحافظ على مكانها، لكنّها تدفع الثمن من الداخل: فراغ، برودة، شعور بعدم الحقيقة، واغتراب عن الذات الحقيقيّة التي تعيش الصدق والحرّية والإبداع. ومَن يعشْ طويلاً داخل الامتثال فإنه قد يبدو ناجحاً ومتماسكاً، لكنه يفتقد الحياة التي تنبع من الداخل، لأنّ الداخل تمّت مصادرته لصالح الخارج. وحين نُسقط هذا على الدين كما يُعاش اجتماعياً، نفهم كيف يمكن لجماعةٍ أو فردٍ أن يرفع اسم المسيح بينما يُمارس الاستعلاء أو الانبطاح أو يبرّر الاستغلال الاقتصادي. فالأرجح أنّ المسيحيّة عنده جزء من «الذات المُزوّرة»: أداء هويّاتي يضمن القبول، ويمنح الإحساس بالانتماء، ويؤمّن القرب من مراكز النفوذ، ويُخفي الهشاشة والخوف. عند هكذا إنسان، الإيمان هو مجرّد واجهة امتثال: امتثال للقوّة القاهرة، لمراكز القهر من زعامة دينيّة أو سياسيّة، امتثال لصورة الجماعة-الطائفة المتفوّقة، امتثال لمنطق السوق بالتماثل مع المرغوب اجتماعيّاً. ولكنّ إيماناً مثل هذا هو إيمان مُزوّر، فعوض أن يكون انعتاقاً من الامتثال واتّجاهاً ذاتيّاً حرّاً وصادقاً نحو الحقيقة، يصبح ميدان امتثال لخارج قهريّ. بهذا المعنى، الاستعلاء على الآخرين ليس مجرّد انحدار أخلاقيّ، بل تعبير عن ذاتٍ ينقصها الأمان بسبب خيانتها لذاتها (أو اضطرارها إلى ذلك)، وتبحث عن أمانها في تفوّقٍ مُتخيّل؛ والانبطاح للمستعمِر الذي طالما نلاحظه في كلّ مكان، فليس مجرّد خيار سياسيّ، بل حركةُ ذاتٍ مُزوّرة تظنّ أنها تصبح «حقيقية» حين تقترب من القوّة. وأمّا الدفاع عن الرأسمالية الاستغلالية، فليس مجرّد موقف اقتصاديّ، بل محاولة لتعويض فراغٍ داخليّ بوهج الربح ومجد «النجاح». لكنّ الإنجيل، إذا أُخذ بجدّيته، هو دعوة للخروج من الذات المُزوّرة إلى الذات الحيّة. الذات الحيّة في منطق المسيح لا تقوم على الامتثال للقاهر، بل على الحرّية الداخلية التي تجعل الإنسان قادراً على قول «لا» حيث يجب، وعلى الخدمة حيث يجب، وعلى المشاركة حيث يجب. وهي تحتاج إلى «حضانة» روحيّة واجتماعيّة تسمح بالصدق: كنيسة ومجتمع يفسحان مكاناً للاعتراف بالخوف وبالطمع وبالحسد وغير ذلك، ليس لتبريرها بل لتفكيكها؛ تربية تُعلّم المؤمن أن قيمته ليست في قربه من السلطة ولا في حجم حسابه المصرفيّ ولا في استعلائه على غيره، بل كونه حقيقيّاً، في إنسانيّته التي تتجلّى في الصدق والشجاعة والعدالة والرحمة. ليس الإيمان هروباً إلى السماء ولا تجميلاً للواقع، بل مشاركةٌ في ورشة الأرض لتصير أكثر إنسانيّة. لذلك لا يمكن للمؤمن أن يحبس الروح القدس في المذبح ويترك «الخارج» فريسة للقهر: أرض الناس، عملهم، خبزهم، حقوقهم، وخيراتهم العامة. ولا يمكنه أن يرفع الصليب رمزاً ثم يرفض أن يحمل مع الآخرين أثقالهم اليومية من خلال تأسيس مشترك لنظامٍ عادل. من هنا يكون معيار الصدق الإيمانيّ بسيطاً ودينونة في آن: هل يقود الإيمانُ صاحبه إلى خدمة الآخر فعلاً؟ هل يحرّره من الاستعلاء؟ هل يحرّره من فتنة القهر وفتنة المال؟ هل يدفعه إلى الدفاع عن توزيعٍ عادل للخيرات، وعن سياساتٍ تحمي الضعيف وتحدّ من الاحتكار وتمنع تحويل البشر إلى أدوات ربح؟ أم أنّه يظلّ مجرّد واجهة تُحسِن الكلام وتُتقِن الطقوس بينما الواقع يزداد ظلماً؟ هل هو في جماعة المؤمنين أم المزيّفين. على حسب ما نشاهد في وسائل الإعلام وأدوات التواصل الاجتماعيّ حول الشأن العام، لا شكّ أنّ الكثير من «المسيحيّين» مزيّفون، ليس لأنّهم يخطئون (فالخطأ جزء من خبرتنا كبشر)، بل لأنّهم يجعلون المسيحيّة قناعاً لتثبيت الامتياز وتبرير الغلبة وتزكية الاستغلال، يجعلونها تأكيداً مرضيّاً لذات تغرّبت عن نفسها. هؤلاء هم مسيحيّو الكلام، يغتربون عن المسيح بمواقفهم وأفعالهم وإن بقيت شفاههم تهتف له، فالمسيح لا يُعرف بالهتاف، بل بالاتّباع والفعل (ليس كلّ مَن يقول لي يا ربّ يا ربّ يدخل ملكوت السماوات، بل مَن يفعل إرادة أبي الذي في السماوات...)، أي بالوقوف مع الإنسان لا مع آلة سحقه، وبالمحبّة التي تتحوّل إلى عدل لا تلك التي تكتفي بزينة الأناشيد الدينيّة. وإذا كان من توبةٍ مطلوبة اليوم (والتوبة تعني حرفيّاً تغيير الذهن)، فهي توبة من عبادة القوّة ومراكز البطش، وتوبة من الذات المُزوّرة إلى الذات الحيّة، ذاتٍ لا تبحث عن مكانها فوق الناس، بل تبحث عن وجه الله في الناس، وتعرف أنّ مجد الله لا يسطع في مواكب المتفوّقين، بل في الإنسان الحيّ، وأنّه حاضر في الناس الذين يعملون ليقهروا معه قوى الظلام والموت المعشّشة في بُنى التسلّط والاستغلال، وفي صدارتها الاستعمار، من المحيط إلى الخليج، وفي أنحاء الأرض. Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
March 2026
Categories |
RSS Feed