|
خريستو المرّ، الثلاثاء ١٧ أذار / مارس ٢٠٢٦
-------------------------------- الإنسان والجماعات الذين يتعرّضون لهجوم استعماريّ مخيَّرون بين أمرين: إمّا ألّا يفعلوا شيئاً ويقبلوا أن يُستعبدوا أو يموتوا، وإمّا أن يناضلوا في سبيل التحرّر. لكنّ التحرّر ليس كلمات في كتاب تاريخ، أو نزهة جميلة لا تعفّرها دماء أو أخطاء أو خطايا. فما من حركة تحرّر في التاريخ لم ترتكب أخطاءً، وأحيانا جرائم، خلال الصراع. النضال في سبيل التحرّر يمكنه أن يتمّ عن طريقين: نضال لاعنفي، أو نضال عنفي. وقد جُرِّب النضال اللاعنفي ونجح في بعض الحالات، كما فعل غاندي في الهند. لكنّه جُرِّب أيضاً دون نجاح في حالات أخرى؛ فقد جرّبه الفلسطينيّون في غزّة خلال أشهر من «مسيرة العودة الكبرى» حين كانوا يسيرون عُزّلاً نحو حدود غزّة، فيقابلهم جيش الاحتلال بالقنص قتلًا وإعاقة. أمّا الجبن وما يستتبعه من امتناع عن النضال فأمر قبيح، لا كرامة فيه ويرفضه كلّ شعور إنسانيّ، وهو عديم المسؤوليّة. لذلك فإنّ مخترع النضال اللاعنفي، غاندي، لم يتردّد أن يقول «إنني أؤمن حقًّا بأنّه إذا لم يكن هناك خيار سوى بين الجبن والعنف، فإنني أنصح بالعنف. ولأُفَضِّل أن تلجأ الهند إلى السلاح دفاعًا عن شرفها على أن تقف جبانةً شاهدًا عاجزًا على إهانة نفسها». وفي بلادنا، دافع اللاهوتي كوستي بندلي، وكاتب هذه السطور، عن الموقف التالي: حينما تنتفي إمكانيّة الفعاليّة في النضال اللاعنفيّ (أو لا تكون وحدها كافية) فلا بدّ من اختيار النضال العنفيّ وسيلة للتحرّر. والسبب، بالنسبة لي، بديهيّ: المسؤوليّة عن الحياة: حياة الآخرين وحريّتهم. إذ يمكن للإنسان أن يختار أن يموت دون أن يحاول قتل أحد، لكنّه لا يستطيع أن يتنصّل من مسؤوليّته عن حياة غيره: عائلته، ومواطنيه، وكلّ إنسان مظلوم واقع تحت اعتداء قد يُبيده أو يستعبده. لكن عندما يقوم الناس بعمل عنفي، فلا بدّ أن يخطئوا: إمّا بسبب سوء تقدير، أو بسبب انفلات العنف من الضوابط خلال المعركة، أو بسبب انحراف قيادي هنا أو هناك. لكن هذا لا يعني أن يرمي الإنسان كلّ محاولة للنضال العنفي، أو أن يتوقّف عن النضال لأنّ جماعة من المناضلين ارتكبوا جرائم. بل يعني أنّه يجب نقد الأخطاء، وإدانة أيّ تجاوز، من أجل ضبط العنف المنحرف. والنقد ضروريّ أيضا، للإعداد للنضال إعداداً أفضل، وسدّ نواقص النضال أكانت ظرفيّة (نقص في الاستعداد) أم بنيويّة (فئويّة طائفيّة وهي ضعف بنيويّ للمقاومة في لبنان). ولهذا فإنّ نقد القائمين على عمليّة التحرّر جزء من مسار التحرّر. غير أنّ النضال لدى الكثيرين يتّسم بالرومنسيّة. فهناك رومنسيّة العنف المعروفة، التي تقوم على اعتبار كلّ حمل للسلاح شجاعة و«رجولة»، وكلّ قتل مشروع لأنّه في سبيل قضيّة كبرى. وهذه الرومنسيّة قصيرة النظر، كما أنّها قد تنحرف لتصبح وحشيّة، وتنقلب في النهاية ضدّ التحرّر نفسه. لكنّ هناك رومنسيّة أخرى لم تُحلَّل كثيراً، هي رومنسيّة الليبراليّين المحبّين للديموقراطيّة بعد أن تكون هذه بُنيَت فوق ملايين الجثث التي لم يروها، وقامت على استعباد عشرات الملايين الذين لم يعرفونهم، وتستمرّ اليوم فوق جبال من الضحايا التي لا يشعرون بموتها لأنّها خفيّة عن وعيهم. هؤلاء يريدون الحرّيّة دون أن يدفعوا هم، أو يدفع غيرهم، ثمنها؛ أو يريدون ثورة عنفيّة بلا أخطاء ولا خطايا. طبعا هناك الذين يتوهّمون أنّ الحرّية تأتي على أجنحة الاستعمار. وما يجمع هؤلاء الرومنسيّين أنّهم لا يقيمون وزنا لفداحة النتائج في غياب النضال العنفيّ على أخطائه. فما إن تُرتكب الأخطاء حتى يحجموا عن تأييد المقاومة من أجل التحرّر، ويرتدّوا عليها بحجّة «سقوطها» الأخلاقي. وهذا، فضلاً عن كونه موقف لا مسؤول لأنه لا يفكّر في مصير الناس إن لم يقاوموا، فهو أيضاً موقف خارج التاريخ. لو أنّ هؤلاء يشاركون أو يدعمون حركة نضال لاعنفي تسعى فعلاً إلى التحرّر، فلا بأس؛ إذ يمكن للإنسان أن يمتنع الإنسان عن المشاركة في عمل عنفيّ، لكنّه من ناحية أخرى يشارك في النضال اللاعنفي من موقعه، ولا يحارب النضال العنفي بل يكتفي بنتقد تجاوزاته، كما ينتقد قصور النضال اللاعنفيّ وأخطائه وخطاياه (الموجودة حتما). أمّا أن يحارب الإنسان النضال العنفي دون أن يكون هناك للناس بديل، أو يتمسّك بالنضال اللاعنفي حلاً وحيداً بعد أن ثبت عدم فعاليّته في تحقيق التحرّر أو الدفاع، فذلك عدا عن كونه موقف لا مسؤول، فهو موقف لا تاريخيّ. إذ تكشف الدراسات التاريخيّة أنّ حركات التحرّر، رغم دورها في مقاومة الاحتلال والاستعمار والهيمنة، ترتكب أيضًا انتهاكات ضد المدنيين. ونحن إذ نشرح هذه الأمور للتفكير، فهذا لا يعني أنّنا نوافق على ارتكابها. في فرنسا خلال التحرير عام 1944، شاركت بعض عناصر المقاومة الفرنسيّة في إعدامات ميدانية لأسرى ألمان ولمدنيين فرنسيّين متّهمين بالتعاون مع النازيّة، ضمن موجة معروفة بـ«التطهير الوحشي» التي أودت بحياة آلاف الأشخاص خارج أي مسار قضائيّ. كما استهدُفت النساء المتّهمات بـ«التعاون» من خلال مئات حالات الاغتصاب، وطقوس علنيّة لحلق الشعر والإهانة، وبينما تعرّضت آلاف النساء لعقوبات علنية قاسية عاد كثير من الرجال الذين تعاونوا فعلياً مع الاحتلال الألماني سياسياً أو اقتصادياً إلى مواقعهم بعد الحرب (إقرأوا فابريس فيرجِلي). وفي حرب فيتنام، قادت القوات الشيوعيّة نضالًا تحرّريًا ضد الولايات المتحدة وحلفائها، لكنّها نفّذت أيضًا عمليات قتل وتطهير سياسيّ ضد مدنيّين اعتُبروا أعداء الثورة، كما في أحداث هوي عام 1968. ويجب وضع هذه الانتهاكات ضمن سياق حرب أوسع شنّتها الولايات المتّحدة واتسمت بعنف أميركيّ واسع النطاق ضد المدنيّين، حيث ارتكبت القوات الأميركيّة فظائع كبيرة، مثل مجزرة «ماي لاي»، والقصف الواسع للقرى، والقتل خارج نطاق القضاء، والتعذيب، والاحتجاز التعسّفي. أما في حرب الجزائر، فقد مارست جبهة التحرير الوطنيّ هجمات وتفجيرات ضد مستوطنين أوروبيّين وضد جزائريّين اعتُبروا خونة (مجزرة ملوزة). هنا أيضا، مارس المناضلون العنف بحقّ حتّى مدنيّين جزائريّين، في سياق عنف الدولة الفرنسيّة الاستعماريّة الأوسع، حيث مارست القوات الفرنسية حملة قمع واسعة شملت التعذيب المنهجي والاختفاء القسريّ، والتدمير الجماعي للقرى، ذلك بعد أن قتلت حوالي ثلث السكّان خلال السنوات الأولى من احتلالها للجزائر. يذكّرنا تاريخ حركات التحرّر بأنّ الطريق إلى الحرّيّة ليس بسيطا وسهلا، وليس خاليًا من الأخطاء والجرائم أحيانًا. لتجنّب انحرافات العنف (أو لأسباب إيمانيّة) يمكن للإنسان أن يفضّل النضال اللاعنفيّ، المهمّ أن يمارسه بالفعل لا أن يختار الانكفاء عن المواجهة والجبن، أو ممارسة العنف على المستضعف! كما أنّه من الضروريّ نقد النضال اللاعنفيّ حين يكون غير فعّال وعقيمًا، أو ينجرف إلى الجبن والتطبيع مع العدوان. لكنّ النضال العنفيّ طريق ضروريّ، ووحيدٌ أحيانا، لأجل التحرّر، يختاره البشر رفضًا للعبوديّة والاستغلال والإذلال. التحدّي لا يمكن في رفض النضال العنفيّ لمجرّد حدوث الأخطاء والخطايا، أو في إنكار تلك، بل في نقدها وضبطها حتى يبقى النضال في خدمة التحرّر، مع توسيع حركة التحرّر بهويّة جامعة ورفدها بنضال لاعنفيّ، مثل المقاطعة التي يستطيع كلّ إنسان المشاركة فيها. هناك عبارة قيلت يوما بشأن المسيحيّين الذين يتجنّبون الالتزام في قضايا التحرّر خوفا من الأخطاء، يجب أن يتأمّلها طويلا المؤمنون صدقا بضرورة التحرّر: إنّهم من كثرة ما خشوا أن يوسّخوا أيديهم صاروا بلا أيدي! ننحني أمام مقاومينا الذين يضحّون لكي نتحرّر جميعا يومًا، ونرفدهم بما استطعنا من قوّة، ومنها المقاطعة، وربّما، هذه المقالة البسيطة. Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
March 2026
Categories |
RSS Feed