موقع خريستو المرّ
  • كتب
  • محاضرات
  • مقالات في «الأخبار»
  • المقالة الأسبوعيّة
  • الإيمان والحياة اليوميّة
  • فلسطين
  • التزام شؤون الإنسان
  • الإيمان والثقافة
  • كلمات
  • خريستو المرّ
  • مواقع صديقة

الموت والحياة والمعنى إن أضاء

6/25/2024

 
خريستو المرّ، الثلاثاء ٢٥ حزيران / يونيو ٢٠٢٤ 
​
ما من إنسان لا يخشى الموت، على الأقلّ لأنّه رحيل إلى مجهول، وكلّ مجهول يحتفّ بالقلق. وحين يبكي الأحياء أمواتهم، يبكون الفقد وتمزّق العلاقة بغياب أحبّائهم، وهناك دموع خلف تلك الدموع تبكي ذواتهم التي ستتذوّق الموت يوماً. ليس في ذلك انتقاص للإيمان. فحتّى الذين يؤمنون يخشون الموت، وقد كُتِبَ في الأناجيل أنّ يسوع نفسه خشي الموت. من منظار إيمانيّ، يمكن رؤية الخشية هذه علامةً على أنّ الله خلق الكون من العدم، فيقرأ المؤمن الخشية على أنّها انشدادُ الخليقة إلى الحياة، ورغبة المخلوقات الواعية بألّا تعود إلى العدم. قراءة كهذه ترى في الخشية الطبيعية من الموت حضورَ الله خالقِ الكون من العدم وجاذبِ المخلوقات إليه. بالطبع نحن في التأمّل وليس في البرهان، إذ لا برهان.إلّا أنّ الخشية من الموت تصبح ملحاحيّة وتتضخّم إن كانت الحياة تُعاش بلا معنى يشدّها، إذ بدون المعنى يصبح العيش مجرّد تراكم أيّام، والوقت امتداد ضجر يحتاج إلى بريق كي يتنكّر بالبهجة، أي يحتاج إلى الخديعة. بلا معنى، تظلّل خشية الموت حياة الإنسان حتّى إنّه قد يهجس بالموت؛ وأعرف مَن كان الموت هاجسه حتّى إنّه كان ينام يوميّاً والغرفة مضاءة حتّى لا يكون في العتمة ويأتيه الموت، وكان بذلك يعبّر دون أن يدري عن شعورنا الفطريّ بأنّ الموت شبيه العتمة، ولكنّه كان يُضيف إلى ذلك الشعور الفطريّ اعتقاده السحريّ بإمكانيّة الهروب من الموت بالضوء!
لكن من أين يأتي المعنى؟ لا يأتي المعنى من الأشياء، بل من العلاقات، وليس من الآخر في العلاقة، بل من الذات في توجّهها إلى الآخر. المعنى العميق هو في أن يكون الإنسان مع آخرين في وحدة حال تحفظ الفرادات وأن يعملوا معاً لكي يحقق الجميع أقصى طاقاتهم الفريدة. دون هذا التوجّه، هناك فقط الذات التي تدور في فلك العزلة والتأرجح بين التسلّط والخضوع، أي هناك اللامعنى. مَن كانت حياته مُضاءَة بالمحبّة كان مشدوداً إلى المعنى، وإن قيل إنّ المحبّة تطرد الخوف من الموت خارجاً، فذاك أنّ المحبّة تقود القلب إلى الينابيع حيث تنسى الأسماء أسماءها ولا يبقى سوى هدوء القلب أمام سرّ العالم. مَن يحبّ يجتمع في قلبه الحنان والعمل، ويُفسح في قلبه زاوية يعود إليها ليتأمّل شذرات الجمال حتّى لا يضيع قلبه من أوجاع عالم الضرورة.
لكن ماذا تقول لمن كان قاتله خلف الباب أو يطير في السماء؟ في قلب الظلم العميم لربّما تكمن الحكمة بأن يحبّ الإنسان أكثر، أن يصمت وأن يعمل وأن يعطي وأن يتألّم، وأن يبكي إن أمكنه ذلك. يتضوّر الفلسطينيّون في غزّة ونحن نأكل، لا ذنب علينا إلّا إذا نسينا وتجاهلنا ولم نعمل وقلنا قولة قايين «ألعلّي حارس لأخي؟».
حول العالم هناك مَن لا ينسون، وقوى الحياة والحبّ تجتمع وتعلن عن نفسها في الشوارع. لم أرَ يوما هذا التوق الجماعيّ للحقّ والعمل من أجله والاحتجاج على الكذب مثلما رأيته بعدما فجّرت البراءة الذبيحة في غزّة والضفّة زيف كلمات المجرمين التي تُقال بكلّ كياسة أمام المرتزقة العاملين في السياسة والإعلام والجامعات والأعمال. في كلّ بلد، يتلاقى اليوم الذين أحبّوا أن تكون الحياة للجميع، منذ مدّة هم يتلاقون لينتجوا ما يمكّنهم من التعاون على حماية الحياة ومحاصرة الجريمة في كلّ ميدان. أهم ما قد يُنتجه هؤلاء هو شبكات محبّة عاملة حيّة لا يأس فيها، محبّة للحياة والعدل تعلم أنّ براعم الحرّية تتصاعد على أرض فلسطين، وأنّ الغلبة ستكون للحياة. ومن هؤلاء مَن يعتقد أنّ الحياة غلبت الموت مرّة في فلسطين، وأنّ الفلسطينيّين مع حلفائهم، سكّان أصليّين ومقهورين ومظلومين ومهمّشين من كلّ جنس، سيحرّرون هذا العالمَ من التفاهة، وأرواحَنا من البلادة، ليصبح العالم أجمل.
سنقف يوماً ما على أنقاض الاستعمار الأوروبي والشمال أميركي، وأنقاض إيديولوجيّات عبادة المال وتراكمه التي نكبت عالمنا وسحقت نساء ورجال وأطفال هذه الأرض. هذا أقلّ الأهداف عند مَن آمن بإلهٍ حليف للضعفاء والمهمّشين، إلهٍ أولاده كلّ الناس لا بعضهم. بإيمان كهذا ينضمّ الإنسان إلى قافلة عشّاق الوجه الإنسانيّ والإلهيّ عبر التاريخ، فيزيد القلب شباباً، ويُطرد الخوف خارجاً، ويضيء المعنى.

Comments are closed.

    الكاتب

    خريستو المر
    المقالات المنشورة في «الأخبار»

    الأرشيف

    November 2025
    October 2025
    September 2025
    August 2025
    July 2025
    June 2025
    May 2025
    April 2025
    March 2025
    February 2025
    January 2025
    December 2024
    November 2024
    October 2024
    September 2024
    August 2024
    July 2024
    June 2024
    May 2024
    April 2024
    March 2024
    February 2024
    January 2024
    December 2023
    November 2023
    October 2023
    September 2023
    August 2023
    July 2023
    June 2023
    May 2023
    April 2023
    March 2023
    February 2023
    January 2023
    December 2022
    November 2022
    October 2022
    September 2022
    August 2022
    July 2022
    June 2022
    May 2022
    April 2022
    March 2022
    February 2022
    January 2022
    December 2021
    November 2021
    October 2021
    September 2021
    August 2021
    July 2021
    June 2021
    May 2021
    April 2021
    March 2021
    February 2021
    January 2021
    December 2020
    November 2020
    October 2020
    September 2020
    August 2020
    July 2020
    June 2020
    May 2020
    April 2020
    March 2020
    February 2020
    January 2020
    December 2019
    November 2019
    October 2019
    September 2019
    August 2019
    July 2019
    June 2019

    Categories

    All

    RSS Feed

 ليس من حبّ أعظم من هذا : أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبّائه: يسوع المسيح
  • كتب
  • محاضرات
  • مقالات في «الأخبار»
  • المقالة الأسبوعيّة
  • الإيمان والحياة اليوميّة
  • فلسطين
  • التزام شؤون الإنسان
  • الإيمان والثقافة
  • كلمات
  • خريستو المرّ
  • مواقع صديقة