|
خريستو المرّ، الثلاثاء ١٧ شباط / فبراير ٢٠٢٦
ينبع من المحبة شعور بالاهتمام بالمحبوب، اهتمام فاعل بأن ينمو المحبوب إلى ملء طاقاته وأن تنتعش فيه الحياة. والاهتمام نفسه ينعكس إحساسا بالمسؤوليّة كردّ فعل على حاجات المحبوب، تلك التي يعلنها أو تلك التي نستشفّها منه في أوضاعه. لكنّ الشعور بالمسؤوليّة ذو حدّين، فهو إن طغا يأسر المحبوب ويرتدّ بالتالي على نموّه إلى ملء طاقاته وفرحه وانتعاش حياته، لذلك ينبغي للمحبّ -كي يبقى على طريق المحبّة أو الحبّ- أن يحرص على احترام المحبوب، والاحترام يعني أن نرى الآخر كما هو، في فرادته الخاصّة، فنرجو أن ينمو في تلك الفرادة من أجل ذاته (لا من أجلنا)، وهذا ما يفرض احتراما لحرّية الآخر، تلك الحرّية التي تحفظ اهتمام المحبّ من الطغيان والتحوّل إلى أسر. إلّا أنّ الاحترام يعني ضمنا، أن نعرف المحبوب، وبالأحرى أن نسير مسار حياة كاملة نحاول فيها معرفة المحبوب في ظروف الحياة المتغيّرة، فالمعرفة هي التي تجعلنا نفهم الآخر كما هو ونفهم حاجاته المتغيّرة، نفهمه من الداخل، في معرفة تتجاوز معرفة أشياء عنه، إلى معرفته هو في خبرته الخاصّة. إن فهمنا الحبّ والمحبّة على هذا الشكل، نفهم أنّها مجبولة بالعاطفة والتعاطف، ولكنّها ليست مجرّد شعور قد يتبدّل لأبسط الأسباب (الطقس مثلا) أو سرعة في خفقة القلب لا يمكن أن تستمرّ فيزيولوجيّا دون أن تكون مرضًا؛ ونفهم أنّها مسار يحتاج حياة بأكملها، يبدأها الإنسان ولا يمكن له أن ينتهي لأنّ الآخر (والذات) سرّ دائم لا يمكن أن يحيط به فكر؛ ولذا كان الحبّ مسعى دون وصول، أو هو رحلة وليس إقامة، أو إقامة مسافرة، وهنا كلمة الشاعر «عيناك هما سكني» تلامس معنى مختلفا. هذه المحبّة التي تحظى فطريا بالتقدير حول العالم، والتي جلتها المسيحيّة تعريفا لله أي وصفت بها طريقة الحياة الإلهيّة (الله محبّة) لها ترجمة أساس في الشأن العام. فكما أنّ المحبّة لا تكتفي بشعور داخلي تجاه فرد معيّن، بل تتجسّد اهتماما ومسؤوليّة واحتراما ومعرفة، كذلك تمتدّ بطبيعتها إلى حياة الجماعة كلّها. فالمحبّة، إن كانت صادقة، لا تنحصر في نطاق العلاقات الشخصيّة الضيّقة، بل تنفتح على المجتمع بكلّ أبعاده، السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة، لأنّ حياة الإنسان لا تُختزل في ذاته المنفردة، بل تتحقّق في شبكة العلاقات التي ينتمي إليها، وما من دين حول العالم إلّا ويولي اهتماما لحياة الجماعة، جماعة الذين يتشاركون الإيمان نفسه، وجماعة الخلق كلّهم، الموصوفون بـ«عيال الله» و«أولاده» و«على صورته» في الإسلام والمسيحيّة واليهوديّة. ومن هنا، فإنّ الالتزام بالشأن العام ليس خيارا ثانويا أو ترفا فكريّا، بل هو ثمرة طبيعيّة للمحبّة. فالذي يحبّ لا يستطيع أن يكون غير مبالٍ بالظلم أو الفقر أو الفساد أو التهميش، لأنّ كلّ ذلك يمسّ حياة المحبوبين، أي الناس الذين يشكّلون الجماعة. وإذا كانت المحبّة تسعى إلى إنعاش حياة الفرد المحبوب ونموّه إلى ملء طاقاته، فإنّها تسعى أيضا إلى خلق شروط عامّة تتيح لكلّ إنسان أن ينمو ويزدهر. وهكذا يصبح العمل من أجل العدالة، ومن أجل انتظام جماعي يهدف إلى تغيير البنى التي تعيق الحياة، تعبيرا عمليّا عن المحبّة، بل وبرهانا على أخذ البعد الجماعيّ للإيمان على محمل الجدّ بحيث لا يبقى مجرّد فكرة جميلة في الدماغ. إنّ الإنسان المؤمن والمحبّ يهتمّ بحياة الجماعة، لا بمعنى أن يذيب الفرد فيها، بل بمعنى أن يدرك أنّ المحبّة تنضمّن حكما فيها محبّة الجماعة وتقتضي اهتماما ومسؤوليّة تجاه حياة أفرادها ومعرفة وحرّية كي لا يطغى إنسان شرِه إلى السلطة تحت غطاء المسؤوليّة والاهتمام. لذلك من أبعاد المحبّة (والإيمان بإله هو محبّة) أن ينخرط الإنسان في الشأن العام، بحسب طاقاته. والشأن العام يقتضي عملا جماعيّا، ليس بالضرورة أن يكون حزبيّا، يتعاون فيه الإنسان مع غيره ليعملوا معا في مبادرات تسعى إلى ترسيخ قيم العدالة والمساواة، أي لتغيير البُنى الاستغلاليّة والمتسلّطة المناهضة للمحبّة كونها تسبّب تراجع انتعاش الحياة في المحبوب-الإنسان، أكان بالفقر أو بالقمع. وفي هذا الصراع يحبّ الإنسان الجميع، يحبّ المظلومون وهذا بديهيّ، ويحبّ الظالمون بدحرهم وإفشال خططهم وتفكيك البُنى التي أسّسوها، يحدّ من أسر طغيان رغباتهم، من توحّشهم، وذلك فرصة لهم إن أرادوا ليعودوا إلى إنسانيّتهم. روحيّا، إن صحّ التعبير، النضال الجماعيّ من أجل العدالة تعبير محبّة للجميع، فيعمل تحريرا للمقهورين من بُنى القهر والاستغلال، وحدًّا لشرّ الظالمين. من جعل للمحبّة وزنا في حياته، يلتزم في الشأن العام، لا بدافع السيطرة، بل بدافع الاهتمام والمسؤوليّة والاحترام والمعرفة التي تميّز المحبّة. لهذا فإنّ السعي المُحِبّ للخير المشترك، بالنضال المشترك، يحفظ الوحدة في التنوّع، ويسعى إلى قهر البُنى لا الإنسان. المحبّة، إن فُهمت في عمقها، هي طاقة تحرّك التاريخ، لأنّها لا ترضى بأن تبقى الحياة حولها على حالها إن كانت تلك الحال تُنقص من كرامة الإنسان أو تعيق انتعاش حياته. إنّها دعوة دائمة إلى الخروج من اللامبالاة، إلى الاهتمام، والتعبير عن الاهتمام بتحمّل المسؤوليّة الجماعيّة؛ إنّها دعوة إلى الفعل، والفعل إلى مسار طويل من التزام مسؤول يحترم الآخر، ويحشد من أجله كلّ معرفة ممكنة، وهذا غير ممكن إلّا جماعيّا. في الشأن العام كما في العلاقة الشخصيّة، تبقى المحبّة رحلة لا تنتهي، ومسعى دائم إلى أن تغدو الحياة أكثر إنسانيّة، وأكثر عدلا، وأكثر امتلاء بالحياة. المهمّ ألّا يتهيّبها الإنسان ويمشي فيها بوصفها مسارًا للحرّية والكرامة البشريّة والحفاظ على الحياة. Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
March 2026
Categories |
RSS Feed