خريستو المرّ - الأربعاء ١٠ نيسان ٢٠٢٤ كانت الكلمات تلك تغمر الطفل بالجمال عندما كان طفلاً صغيراً. كلمات غريبة، كلمات جميلة في لحن جميل. لا تستطيع الكلمات أن تنقل لا الموسيقى ولا موج الجمال الذي كان ينبع من الصوت ليتأرجح فوقه قارب الكلمات. كان الموج يغمر الطفل النائم على كتف البحر في المدينة الصغيرة النائمة بدورها شرق المتوسط. والكلمات، الكلمات الغريبة تلك، لم تكن مهمّة في أذن الطفل الذي لم يكن يفقه شيئا من العالم حوله سوى رفاق المدرسة واللعب والجمال والألم؛ فالمهم بالنسبة إليه كان جمال تلك الموجة التي كانت تنقله في تلك اللحظات إلى مساحة يلاحظها في هدوء الصباح والمساء، وهو نائم أو صاحٍ، 5 مرّات في اليوم. من المؤكد أنّه لم يلاحظ الجمال خمس مرّات، على الأقل كان يلاحظه مرّتين أو ثلاث، ونادرا ما لاحظه عند الفجر مع أنّ أحلامه – كما يقول مسحورًا - كانت تشرب من دفق الجمال ذاك وهو نائم. في الفجر، عندما كَبُر، كان يخرج أمام عينيه معنى يقول: «الصلاة خير من النوم». لسبب ما كان يشعر بتلك الكلمات تقول "الصلاة أحلى من النوم". لكنّ الحلاوة، كلّ الحلاوة، كانت أكثف في العيد. كان ينتظر عيد الفطر بشغف عاشق ليرى فراشات تهاليل العيد حوله حين يستيقظ على الفرح. الولد يصحو. الأناشيد تتراكض من المسجد الوحيد الذي كان يعرفه، والذي كان مثله نائماً على كتف البحر. لم يعرف اسم المسجد، لم يكن يهمّه أنّه كان اسم أبي بكر الصدّيق، الذي عرف الولد فيما بعد أنه من الذين ساروا مع «النبي»، مع ذاك الوحيد الذي ينادونه الناس في حيّه وفي كلّ حيّ بـ«النبيّ». والأحياء كانت ملوّنة بالأديان في ذهن الكبار، لكن الولد لم يرَ تلك الألوان، فالحي لا يغيّر شكله ولا الجدران لونها، وهو لم يلاحظ سوى ألوان الفقر التي كانت قد لاحظته أولًا والتي تأكل الجدران في أحياء المدينة الصغيرة. والولد رأى الوجوه، والناس لا يغيرون وجوههم، لا تنهّداتهم، ولا فرحهم، ولا آمالهم، إذا انتموا إلى دين أو آخر، بالصدفة. ولذلك رأى الوجوه وجوهًا، ثمّ لاحقا رأى وجها واحدا خلف الوجوه. لم تكن تهاليل العيد الجمال الوحيد الذي كان يتدفّق من مئذنة أبي بكر ليسيل في مجاري الأحياء القديمة. فقد كان هناك أيضًا الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، صوت عملاق صافٍ، قارئ للقرآن كان يشعر الولد الذي صار شابًا في ولد أو ولدًا في شاب، بأنه من سكّان مدينة طرابلس، المدينة الكبيرة المجاورة لمدينة الميناء، مركز العالم بالنسبة للطفل الذي سكنه. اكتشف لاحقًا عندما كان طفلاً يكتب كتابًا بأنّ عبد الباسط من مصر. أمّا صوت عبد الباسط فبقي فوق المدن والأزمنة. الزمن الذي اكتشف فيه عبد الباسط عبد الصمد كان زمن سيارات الأجرة. كان وقتها طالبًا جامعيّا يافعًا يستكشف الحياة بعيني طفلٍ، أو بقلب طفل يتقفّى آثار صوت داخليّ يتردّد داخل كلّ جمال. خلال الرحلة في «السرفيس» إلى الجامعة، أعتاد وأصدقائه أن يستمعوا إلى ذلك الصوت الهائل الذي يتقاسمه الناس في السيّارة كما يتقاسمون الكعكة بالسمّاق، ويتشاركونه مثلما يتشاركون كلّ شيء آخر في حيّه، من البصل إلى القهوة إلى السّكر إلى الملح والخبز. عندما كانت أمينَة تكتشف أنّه كان ينقصها إحدى المواد لإكمال طبختها، كانت تخرج من الباب المفتوح لمنزله الوالديّ لتدلف إلى الباب المفتوح لمنزل الجيران المواجه لتنادي «زينة» جارتها فتطلب بصلة أو ملح أو أي شيء آخر، وأحيانا تمشي إلى «لويزا» في المنزل اللطيف المجاور. كان صوت «زينة» يسبق خروجها من الداخل مرحّبا، قبل أن تخرج هي وبيدها ما نقص عند أمينة. «زينة»، «لويزا»، و«ماري»، وأيّة جارة أخرى كانت تفعل الشيء نفسه في وقت آخر عندما تنسى بدورها أحد مكوّنات طبختها، وقد ينساها هو أيضًا لأنّ أحياء المدينة لم ترَ يومًا ذَهَبَ ذاك العصر الذي تلهج به الطبقة الوسطى إلى اليوم. لست متأكدًا ممّا إذا كانت الجارات تشكرن بعضهنّ البعض، ولا يذكر الولد أنّه سمعهنّ يشكرن بعضهنّ على الإطلاق، وبالتأكيد لم يكنّ يُعِدنَ ما استعرنه للطبخ، الفكرة لم تكن واردة. لقد استعرن فقط، وانتهى. في الواقع، لم يشعرن أبدًا بوجود «مِنَّة» بينهنّ، أو «معروف» كما يقولون في تلك الأحياء الغامضة. عاش أهالي تلك الأحياء، وتبادلوا، وساعدوا بعضهم البعض، كما يفعل أي شخص آخر في منطقة شرق المتوسّط. وانتهى. بالعودة إلى عبد الباسط عبد الصمد، كان يسمع الشاب وأصدقاءه في سيّارة الأجرة عبد الباسط يفتح جناحي صوته ويطير، يطير عالياً إلى جبال لم يرها الشاب من قبل سوى مع ديمتري كوتيا في كنيسة حيّه، كما قال لي مرّة. أثناء التلاوة، عندما يصل النسر في صوت عبد الصمد إلى ارتفاع شاهق، كان يرتاح عند صخرة الصمت لبضع ثوان، ليبدأ مرة أخرى صعودا جديدا إلى أعالٍ جديدة، قبل أن ينزل فجأة إلى واد لا قعر له. حلّقْنا مع عبد الصمد، وما زلنا نحلّق. أعطانا أجنحة لا تذبل، تفتح باب الجمال على أفق النشوة. كان المستمع يكاد يدمع أمام الأمواج المضيئة المتسلّلة من خلف صوت إنساني، من الشغف الإنسانيّ إلى لانهاية كامنةٍ خلف صوتِ عبد الباسط، إلى جمال يتسرّب من الوجه البشريّ، من الصوت، من الصمت، من الكلام، من الأحياء، من الجدّة والعتاقة، من كلّ شيء توقّد فيه الحبّ فعرف العطش إلى الأعمق والأعلى. كلّ فطر وأنتم بخير. Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
December 2025
Categories |

RSS Feed